الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

بعيون مغتربة..هكذا تعيش جزائرية فرحة العيد من إسبانيا

Author
بثينة صايفي 20 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجدد في قلوب المسلمين مشاعر الفرح والحنين بتجدد الأعياد الدينية، خاصة لدى أولئك الذين اختاروا العيش بعيدًا عن أوطانهم. وفي إسبانيا، حيث تتقاطع الثقافات وتتنوع الخلفيات، تبرز حكايات إنسانية تعكس تمسك الجاليات بهويتها الأصلية رغم تحديات الغربة من بين هذه الحكايات، قصة سيدة جزائرية جعلت من بيتها فضاءً نابضًا بذكريات الجزائر، تحرص فيه على إحياء مشاعر العيد كما اعتادت عليها منذ طفولتها.

سارة مغتربة في إسبانيا

بالنسبة لسارة، وهي سيدة جزائرية مقيمة في إسبانيا، لا يقتصر العيد على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل يتعداه ليصبح مناسبة لإعادة إحياء الروابط العائلية وترسيخ القيم الثقافية في نفوس أبنائها من تحضير الحلويات التقليدية، إلى ارتداء اللباس الجزائري، وصولًا إلى تبادل التهاني واستحضار أجواء العائلة الكبيرة، تسعى بكل جهدها إلى نقل صورة حية عن العيد في الوطن وفي ظل بيئة مختلفة، تتحول هذه الطقوس إلى وسيلة مقاومة للنسيان، وإلى جسر يربط أبنائها بجذورهم، حتى وهم يكبرون في مجتمع أوروبي متعدد الثقافات.

الاحتفال بالعيد في الغربة تعظيم لشعائر الله وترسيخ لقيم المجتمع الإسلامي

وفي هذا السياق، تؤكد سارة، أن أولى لحظات عيد الفطر تحمل بالنسبة لها معنى خاصًا لا يمكن التفريط فيه، إذ تحرص على أن يبدأ يوم العيد بأداء صلاة العيد باعتبارها من أعظم شعائر الإسلام وأسمى مظاهر الفرح الجماعي. وتوضح أنها، منذ الصباح الباكر، توقظ أبناءها الثلاثة محمد وسراج الدين ويوسف، وتجهّزهم بعناية ليرافقوا والدهم إلى المسجد، في مشهد تحرص على تكراره كل عام رغم تحديات الغربة، إيمانًا منها بأهمية الحفاظ على هذا الطقس في نفوس أطفالها.
ولا تكتفي سارة باعتبار هذه الخطوة التزامًا دينيًا فحسب، بل تراها ركيزة أساسية في بناء شخصية أبنائها، حيث تسعى من خلالها إلى غرس معاني الانتماء والارتباط بالدين الإسلامي، وتعليمهم منذ الصغر قيمة تعظيم شعائر الله واحترامها كما تشير إلى أن اصطحاب الأطفال إلى صلاة العيد، ومشاركتهم أجواء التكبير والتجمعات العائلية، يخلق لديهم إحساسًا بالانتماء إلى مجتمع أوسع، حتى وهم يعيشون خارج بلدهم.
وتضيف أن الاحتفال بالعيد في الغربة يتحول إلى مسؤولية مضاعفة، لأنه لا يقتصر على الفرح بالمناسبة، بل يشمل أيضًا نقل العادات والتقاليد وترسيخها في وجدان الأبناء، حتى لا تذوب هويتهم في محيط مختلف فبالنسبة لها، كل تفصيلة في يوم العيد، بدءً من الصلاة وصولًا إلى باقي الطقوس، هي لبنة في بناء ذاكرة جماعية تربط أبناءها بجذورهم في الجزائر، وتمنحهم توازنًا بين الاندماج في المجتمع الجديد والحفاظ على خصوصيتهم الثقافية والدينية.
نجتمع في منزل واحد نتبادل التهاني والثقافات
وتروي السيدة سارة، أن عيد الفطر في الغربة لا يُقاس فقط بطقوسه، بل بما يخلقه من لحظات إنسانية تعوّض دفء العائلة البعيدة لذلك تحرص، رفقة صديقاتها المسلمات، على صنع أجواء خاصة تجمعهن في منزل واحد، حيث تختلط الضحكات بعبارات التهاني، وتعود بينهن روح العيد كما عشنها في بلدانهن.
وتضيف أن هذه اللقاءات تأخذ طابعًا مميزًا، إذ تحمل كل واحدة معها جزءً من ثقافة بلدها، خاصة من خلال الحلويات التقليدية التي تُحضّرها بعناية فتتحول المائدة إلى مساحة حقيقية لتلاقي الثقافات، حيث تمتزج نكهات الجزائر مع غيرها من البلدان، وتُروى الحكايات خلف كل طبق، في جو من الحنين والاعتزاز بالهوية وبين تبادل الأطباق والكلمات، تنشأ حالة من الألفة العفوية، تجعل الغربة أقل وطأة.
ولا تغفل سارة عن أثر هذه التجمعات على الأطفال، الذين يجدون في هذا اللقاء فسحة للفرح والتعارف، فيكبرون وهم يدركون أن الاختلاف الثقافي ليس حاجزًا، بل مصدر غنى وتؤكد أن هذه اللحظات، رغم بساطتها، تنسج خيوط مجتمع صغير متماسك، تُبنى فيه علاقات أشبه بروابط العائلة، ليغدو العيد في نظرها مناسبة لاجتماع القلوب قبل كل شيء، حتى في أرض بعيدة.

أحرص على تربية أبنائي وسط أجواء روحانية، ليكبروا مدركين لقيم دينهم وجذورهم الثقافية

وتؤكد المتحدثة أنها حريصة جدًا على تنشئة أبنائها في أجواء روحانية مليئة بالمعاني الدينية، بحيث يشعر كل واحد منهم بأهمية عيد الفطر وغيرها من المناسبات الإسلامية منذ صغره. وتقول إن تعليمهم معنى تعظيم شعائر الله ليس مجرد واجب ديني، بل أسلوب حياة يضمن أن يكبروا وهم على دراية بالمناسبات الدينية وكيفية الاحتفال بها بطريقة صحيحة، مع فهم روح العيد والفرحة التي تصاحبه.
وتضيف سارة أنها تعمل على ترسيخ هذه القيم جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على هويتهم الثقافية، من خلال إحياء عادات وتقاليد الجزائر داخل البيت، بدءًا من التحضيرات قبل العيد، مرورًا بالمظاهر الاحتفالية، وانتهاءً بالمشاركة في إعداد الحلويات وارتداء الكسوة الجديدة. وترى أن هذه الطريقة تساعد أبنائها على الارتباط بجذورهم، وفهم هويتهم، والاعتزاز بها، حتى وهم يعيشون بعيدًا عن وطنهم الأصلي، ليكبروا متوازنين بين قيم الدين وهويتهم الجزائرية الأصيلة.
كما تضيف أنها لا تكتفي بالاحتفال بعيد الفطر في شكله العام، بل ترى أن سرّ جماله يكمن في تفاصيله الصغيرة التي صنعت ذاكرتها في الجزائر، لذلك تحرص على نقلها كما هي إلى بيتها في إسبانيا وتقول إن الاستعداد للعيد يبدأ قبل أيام، حين يتحول المنزل إلى ورشة نشاط، حيث تشرك أبناءها في تنظيف البيت وترتيبه، وسط أجواء من الحماس والمرح، وهم يستمعون لحكاياتها عن كيف كانت هذه الطقوس تُمارس في بيت العائلة
وتحرص على مرافقة أبنائها لاختيار ملابس العيد، معتبرة أن لحظة اقتناء الكسوة الجديدة تحمل فرحة خاصة لا تقل أهمية عن يوم العيد نفسه، حيث يعيش الأطفال إحساس الترقب والانتظار كما تولي أهمية كبيرة لتحضير الحلويات التقليدية، فيتحول المطبخ إلى مساحة مليئة بالروائح الزكية والضحكات، وتُروى فيه قصص مرتبطة بكل تفصيل وعادة
وتشير سارة إلى أنها تحرص حتى على أدق التفاصيل، كترتيب مائدة العيد، وتحضير القهوة وتزيين الأطباق، واستقبال الضيوف أو التواصل مع الأهل عبر الهاتف، حتى يشعر أبناؤها أن العيد ليس مجرد يوم عابر، بل تجربة متكاملة وتؤمن أن هذه اللحظات، بكل ما تحمله من بساطة ودفء، تترسخ في ذاكرة الأطفال، لتصبح جزءً من هويتهم، وترافقهم مستقبلاً أينما كانوا، كما رافقتها هي منذ طفولتها في الجزائر.
يزداد حنيني إلى الجزائر خاصة في الأعياد والمناسبات
وفي حديثها عن العيد بين الوطن والغربة تقول سارة إن قلبها دائمًا معلق بالجزائر، وأن الحنين يزداد شدة خاصة مع حلول المناسبات الدينية مثل عيد الفطر، حين تعود الذكريات لتعيش معها بكل تفاصيلها كما لو كانت بالأمس وتشتاق لريحة البلاد -حسب قولها- وإلى الأسواق المزدحمة، ولأصوات المكالمات والضحكات التي تعج بالمنازل الجزائرية في مثل هذه الأيام، وللطقوس التقليدية التي تصنع أجواء العيد كما اعتادت منذ طفوليتها في العائلة الكبيرة.
وتوضح أن أكثر ما يفتقده قلبها هو «اللمة» العائلية، تجمع الأحباب والأقارب، تبادل التهاني، مشاركة الأطباق التقليدية، واحتضان الأحباء في لحظات الفرح حتى وإن حاولت خلق أجواء مشابهة في إسبانيا مع الأصدقاء والجيران المسلمين، يظل شوقها للعائلة الكبيرة في الجزائر حاضرًا بقوة، وكأن كل ركن من طقوس العيد وكل رائحة مأكولات أو زهرة أو نسيم يحملها إلى وطنها.
وتضيف سارة أن هذا الحنين يجعلها أكثر حرصًا على نقل هذا الإرث إلى أبنائها، لتظل صور الجزائر حية في وجدانهم، من خلال القصص، والأطعمة التقليدية، والاحتفال بكل طقوس العيد كما في الأصل، حتى يشعروا بجمال وروح بلادها، ويكبروا وهم يعرفون وطن أمهم حتى وإن كانوا بعيدين عنه جسديًا.

الاندماج مع الحفاظ على الهوية… درس في التوازن
وتخلص سارة إلى أن العيش في إسبانيا يتطلب قدرة على التكيف والاندماج، وأنها حريصة في الوقت نفسه على ألا يفقد أبناؤها هويتهم الجزائرية والإسلامية فهي تعلمهم احترام قوانين وعادات البلد المضيف، والتعامل بأدب مع الجيران والزملاء، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والمدرسية، لتصبح لديهم مهارات الاندماج والتعايش في مجتمع متعدد الثقافات.
وفي الوقت نفسه، تظل الطقوس والعادات الجزائرية حاضرة في حياتهم اليومية، من الاحتفال بالأعياد الدينية، إلى تحضير الحلويات التقليدية، وارتداء الكسوة الخاصة بالعيد، وتبادل القصص عن الوطن وترى سارة أن هذا التوازن يمنح أبنائها شعورًا بالأمان والهوية المزدوجة: القدرة على التفاعل مع المجتمع الجديد بثقة، مع الحفاظ على ارتباطهم العاطفي والثقافي بجذورهم في الجزائر وتختم بأن هذه الطريقة تجعلهم يكبرون متوازنين، مدركين لمن هم ومن أين جاءوا، ويمنحهم قدرة على العيش في الغربة دون شعور بالاغتراب التام عن ثقافتهم الأصلية.

 

رابط دائم
https://elayem.news/269kx