الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

بين بودابست ومدريد.. القطيع الأوروبي يبحث عن طريقه

Author
الأيام نيوز 24 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الساحة الأوروبية تصاعدا ملحوظا في مستويات التوتّر وتراجعا في منسوب الثقة، بين الدول الأعضاء داخل الاتحاد، وهو ما يتجلّى بوضوح في الأزمة المرتبطة بالمجر، التي تواجه اتهامات بتسريب معلومات إلى روسيا، خلال الاجتماعات الداخلية للتكتّل، المتعلّقة الحرب في أوكرانيا. وقد دفع هذا المناخ المشحون مؤسسات الاتحاد، في بروكسل، إلى اعتماد مقاربة بديلة تقوم على إشراك مجموعات أصغر، من الدول التي تُوصف بالأكثر ولاء، من أجل إدارة النقاشات والملفات الحساسة، في خطوة تعكس تحوّلا تدريجيا في آليات صنع القرار، من منطق الشمولية إلى نهج انتقائي يحدّ من تأثير الأصوات المخالفة داخل العملية السياسية. وفي موازاة ذلك، برزت إسبانيا كفاعل يسعى إلى ترسيخ قدر من الاستقلالية داخل الاتحاد، من خلال تبنيها موقفا مبدئيا، يرفض تحويل قواعدها العسكرية إلى منصات للعمليات الإقليمية، وهو ما منحها توصيف “اللاعب المتمرّد”، داخل التكتل. ولم يقتصر هذا الموقف على كونه تعبيرا عن تباين ظرفي، بل أعاد طرح إشكالية أعمق تتعلّق بمفهوم السيادة الاستراتيجية الأوروبية، وحدود القدرة على صياغة قرارات مستقلّة، بعيدا عن الضغوط الأمريكية.

 وتتقاطع الظاهرتان لتعكسا تحديات أعمق وأكثر تعقيدا تواجه الاتحاد الأوروبي، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على تباين عابر في المواقف، بل أصبح يعكس اختلالا بنيويا في طبيعة التوازن بين الدول الأعضاء. فبين ولاء بعض الدول للخيارات الجماعية للتكتل، وسعي دول أخرى إلى الحفاظ على استقلالية سياساتها الوطنية، تتشكل حالة من الشدّ والجذب تعقّد عملية اتخاذ القرار.

ويزداد هذا التعقيد مع استمرار اعتماد عدد من الدول الأوروبية على مصادر الطاقة الروسية، في مقابل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية الناتجة عن الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا وارتداداتها العالمية. في ظل هذا المشهد، يجد الاتحاد نفسه أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على التماسك وإدارة الخلافات دون المساس بالاستقرار، خاصة في سياق دولي يشهد إعادة رسم موازين القوى وصعود فاعلين جدد ينافسون النفوذ التقليدي للقوى الغربية.

هذه الصورة المركبة توضح بجلاء كيف تتقاطع السياسة الداخلية للدول الأعضاء مع رهانات الاستراتيجية الأوروبية، لتنتج معادلة دقيقة تتطلب تحقيق توازن بين حماية المصالح المشتركة للتكتل، ومنح الدول هامشا كافيا للحفاظ على استقلالية قراراتها السيادية. غير أن هذا التوازن يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، في ظل تصاعد التوترات وتآكل الثقة المتبادلة بين العواصم الأوروبية.

وبالفعل، بات الاتحاد الأوروبي يشهد مؤشرات متزايدة على توتر العلاقات بين أعضائه، ويتجلى ذلك بشكل واضح في الأزمة المرتبطة بالمجر، التي تواجه اتهامات بتسريب معلومات إلى روسيا خلال الاجتماعات الداخلية للتكتل بشأن النزاع في أوكرانيا. هذه الاتهامات، التي لم تُحسم بشكل قاطع في المجال العلني، خلقت مناخا من الشك دفع بروكسل إلى اتخاذ إجراءات احترازية، تمثلت في تقليص مشاركة بودابست في الاجتماعات الحساسة، والحد من تدفق المعلومات السرية إليها. ووفق ما نقلته تقارير إعلامية غربية، فإن هذا التوجّه لم يكن معزولا، بل جاء ضمن سياق أوسع من إعادة ترتيب آليات العمل داخل الاتحاد، في ظل تراجع الثقة ببعض أعضائه.

ردا على ذلك، لجأت بروكسل إلى تكوين مجموعات أصغر من الدول الأكثر ولاء، مثل مجموعة الدول الثلاث ومثلث فايمار، لتولي إدارة النقاشات والقرارات الحساسة، في تحوّل يعكس الانتقال من أسلوب صنع القرار الشمولي إلى نهج أكثر انتقائية. وقد توسّع هذا التوجه ليشمل أيضا تشكيلات غير رسمية أخرى، مثل مجموعة الدول الأربع ومجموعة دول الشمال والبلطيق، والتي أصبحت تضطلع بدور متزايد في تنسيق المواقف الأوروبية. ويعكس هذا المسار، بحسب دبلوماسيين أوروبيين، قناعة متنامية بأن الدول الأقل التزاما بالرؤية الجماعية باتت تعرقل فعالية العمل المشترك، ما دفع إلى تهميشها تدريجيا في الملفات الحساسة.

إيليا مغانير

في هذا السياق، أشار إيليا مغانير، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الاتحاد الأوروبي “لم يكن يوما متحدا رغم العنوان”، موضحا أن التكتل ظل يعاني من تباينات عميقة، خاصة في علاقته بروسيا. وأضاف أن هذه التباينات تعمّقت أكثر مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك تداعيات التوتر في مضيق هرمز، الذي أثّر بشكل غير مباشر على قدرة الاتحاد في التأثير على مجريات الأحداث الدولية. كما لفت إلى أن بروكسل تحاول في المقابل تعزيز تماسكها الداخلي من خلال إصلاح قواعد الاندماج، بما يحدّ من قدرة الدول الأعضاء على تعطيل صفقات استراتيجية، ويسمح بخلق كيانات اقتصادية أوروبية أكثر قدرة على المنافسة عالميا.

الموقف المجري بين ولاء موسكو والاتحاد الأوروبي

يبقى الموقف المجري محورا مركزيا في هذه الأزمة، حيث تسعى بودابست، بحسب مغانير، إلى إبقاء قنوات التواصل مع روسيا مفتوحة، بل وحتى الدفع نحو إدماجها ضمن النظام الأمني الأوروبي، في تناقض واضح مع التوجه العام للتكتل. ويظهر هذا التباين بشكل جلي في موقف المجر من العقوبات المفروضة على موسكو، وكذلك في تحفظها على بعض أشكال الدعم العسكري والمالي الموجه لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب في 2022.

وتعتمد المجر بشكل كبير على روسيا لتلبية احتياجاتها من الطاقة، إذ تستورد ما بين 80 و85 بالمائة من الغاز، إضافة إلى الجزء الأكبر من النفط الخام، وهو ما يجعل من الصعب عليها تبني مواقف تصادمية مع موسكو. هذه التبعية الطاقوية لم تخلق فقط خلافا في السياسات، بل جعلت من بودابست موضع شك دائم داخل الاتحاد، خاصة في ظل اتهامات إعلامية تحدثت عن وجود اتصالات غير رسمية بين مسؤولين مجريين ونظرائهم الروس. وقد ذهبت بعض التقارير إلى حد الادعاء بأن مسؤولين مجريين كانوا ينقلون معلومات من داخل الاجتماعات الأوروبية، وهو ما نفته الحكومة المجرية بشدة، واعتبرته جزءا من حملة سياسية تستهدفها.

تشير التطورات أيضا إلى تحديات جدية تمسّ الثقة المؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، أوضح السنوسي إسماعيل، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه الأزمة تعكس تصاعدا مقلقا في منسوب انعدام الثقة، خاصة تجاه المجر، بالنظر إلى ارتباط مصالحها الحيوية بمصادر الطاقة الروسية. وأضاف أن الاتحاد، الذي تأسس على مبادئ التعددية والتوافق، قد يجد نفسه تدريجيا أمام انزلاق نحو نموذج انتقائي، تُهمّش فيه الأصوات المخالفة بدل احتوائها ضمن آليات الحوار المؤسسي.

اعتماد الاتحاد على مجموعات صغيرة من الدول، مثل مجموعة الدول الثلاث ومثلث فايمار ومجموعة الدول الأربع ومجموعة دول الشمال والبلطيق الثماني، يعكس تحولا واضحا في ديناميكية صنع القرار من الشمولية إلى الانتقائية. هذا الأسلوب يضمن تحكم الدول الأكثر ولاء في النقاشات الحساسة، ويمنح الاتحاد قدرة أكبر على التحرك السريع في الملفات العاجلة، لكنه في المقابل يقلل من شمولية القرارات ويضعف الإحساس الجماعي بالملكية داخل التكتل، ما قد ينعكس سلبا على تماسكه في المدى البعيد، خاصة في ظل أزمات كبرى مثل الحرب الروسية على أوكرانيا.

وتتضح التعقيدات أكثر عند النظر إلى التداخل بين الاعتبارات الأمنية والسياسية، حيث لا تنفصل الاتهامات المتبادلة عن سياق أوسع من الصراع على النفوذ داخل أوروبا وخارجها. وفي هذا الإطار، أشار مغانير إلى أن خصوم روسيا يسعون “لكسب الدعاية الإعلامية لصالحهم، من خلال تشويه كل من يتقاطع معها في المواقف”، وهو ما يضع دولا مثل المجر في موقع حساس، بين ضغوط الحفاظ على مصالحها الوطنية ومتطلبات الانضباط داخل التكتل الأوروبي.

السنوسي إسماعيل

من ناحية أخرى، يؤكد إسماعيل أن استمرار هذا النهج الانتقائي قد “يخلق سابقة خطيرة تُضعف الثقة المتبادلة وتغذي الانقسامات الداخلية”. فالاتحاد الأوروبي يواجه اختبارا حقيقيا لقدرة مؤسساته على إدارة الخلافات بين الدول الأعضاء دون المساس بالتماسك. الاتهامات الموجهة إلى بودابست توضح هشاشة الثقة بين الأعضاء، وتبرز الحاجة إلى آليات صنع قرار أكثر شمولية وشفافية، تقلل من إمكانية استغلال الاختلافات الداخلية كأدوات ضغط سياسي.

اقتصاد أوروبي منهك ومواقف سياسية متصدعة

في الوقت نفسه، تتعالى التحذيرات من انزلاق العالم نحو تصدّع جيوسياسي يعيد رسم موازين القوى الدولية، حيث برزت إسبانيا كلاعب “متمرد” كسر حالة الإجماع داخل الاتحاد الأوروبي وأعادت إحياء عقيدة “لا للحرب”. تحوّل صمود رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في وجه الضغوط الأمريكية ورفضه القاطع لتحويل القواعد العسكرية الإسبانية إلى منصات انطلاق لهجمات إقليمية، من مجرد “تغريد خارج السرب” إلى حجر زاوية في بناء جدار صد أوروبي جديد. هذا الحراك بدأ يخلخل المواقف في برلين ولندن وباريس، دافعا هذه العواصم نحو مراجعة سياساتها الخارجية.

وحول هذا الموضوع، أكد الدكتور عبد الرحمن طالب، أستاذ بجامعة “نافارا” الإسبانية، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الموقف الذي تتبناه مدريد اليوم يمثل حالة تقدمية بدأت تؤتي ثمارها في إعادة تشكيل موازين القوى داخل القارة. وأوضح أن هذا الموقف، الذي واجه في البداية صعوبات كبيرة لإقناع صانعي السياسة الأوروبية، بدأ يكتسب زخما مع مرور الوقت وتزايد ضغط الرأي العام.

وأشار إلى أن دولا وازنة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا بدأت بالفعل مراجعة مواقفها تحت تأثير الحراك الإسباني، وهو ما ظهر جليا في الضغط الذي مارسته إسبانيا على رئيسة المفوضية الأوروبية حتى اضطرت لتغيير نبرة خطابها بشأن الحرب على إيران. وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن إسبانيا باتت اليوم تمثل خطا سياسيا مستقلا يحتذى به، يرفض الانجرار خلف السياسات الحربية الأمريكية التي تستنزف موارد المواطن الأوروبي وتهدد استقرار الاقتصاد.

هدى الحزامي

على الجانب الآخر، قدمت الدكتورة هدى الحزامي، الباحثة في التعاون الدولي الاقتصادي بجامعة تونس، قراءة معمقة للأسباب الهيكلية التي أدت إلى تراجع الدور الأوروبي وبروز الموقف الإسباني كحالة منفردة قبل أن يتحول إلى تيار مؤثر. وأوضحت أن أوروبا تعاني من ضعف اقتصادي حاد بدأ منذ جائحة كوفيد-19 وتعمق بفعل الحرب الروسية – الأوكرانية، التي استنزفت مكونات الاتحاد المادية. وقالت الحزامي إن الركود الاقتصادي أثر مباشرة على قدرة أوروبا على تبني موقف موحد في القضايا الدولية، وبرز ذلك جليا في التعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وأضافت – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن العالم يشهد اليوم “إعادة تشكيل للنظام العالمي” الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث برز تكتل “البريكس” كقوة اقتصادية منافسة لمجموعة الثماني، بالتزامن مع صعود قوى جنوبية مثل الصين وروسيا والهند، التي أصبحت ملاذا للدول الساعية للتحرر من “الظلم والاستغلال” الذي عانت منه لعقود دول الشمال.

تصدع الاتحاد الأوروبي تجاه أزمات الشرق الأوسط

وفيما يخص التصدع الداخلي للاتحاد، أوضحت الحزامي أن الخلافات بين أعضاء الاتحاد بلغت ذروتها في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط. بينما تبنت ألمانيا مواقف داعمة بقوة لأوكرانيا و”إسرائيل” في بدايات الأزمة، نجد أن إسبانيا تعلن مواقفها الداعمة للشعب الفلسطيني، مستذكرة “قافلة الصمود” التي كانت أكبر داعم لها ماديا ولوجستيا وإعلاميا.

واعتبرت أن الموقف المشرف لرئيس الوزراء الإسباني، بإدانة العدوان على إيران وطرد سفيرة الكيان الصهيوني، بدأ يجذب العواصم الأوروبية الكبرى مثل برلين وباريس، خوفا من التبعات الاقتصادية والسياسية، ما عمّق الشرخ في جسد الاتحاد الأوروبي تجاه السياسات الأمريكية وحدّ من قدرة واشنطن على اتخاذ مواقف موحدة باسم الناتو. وخلصت المتحدثة إلى أن النتيجة الحتمية لهذه التحولات هي غياب أوروبا عن المشهد كقطب فاعل، تاركة المجال لتحالفات جديدة تعيد رسم خارطة القوة العالمية.

تجاوزت المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط حدود الاستهداف الجوي المباشر لتصل إلى قلب الشرايين الطاقوية، حيث فرضت عسكرة الملاحة في مضيق هرمز واقعا أمنيا جديدا أعاد صياغة موازين القوى. وفي هذا السياق، أكد قادة الحرس الثوري الإيراني أن “أمن مضيق هرمز خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وإذا مُنعت إيران من تصدير نفطها، فلن يُسمح بمرور قطرة نفط واحدة”. ولم تقتصر هذه التصريحات على الجانب اللفظي، بل ترجمت ميدانيا عبر تعطيل الملاحة التجارية، ما أدى إلى شلل حركة التوريد العالمي ورفع تكلفة التأمين البحري بنسب قياسية.

وعلى الجانب الآخر، زعم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الإدارة الأمريكية لن تتوقف عن العدوان، حتى تضمن أن إيران لن تشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها. ووسط هذا التصعيد، تبنت مدريد مقاربة ترتكز على الواقعية السياسية وحماية الاستقرار الداخلي كأولوية، وقد جسد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز هذا التوجه أمام البرلمان الإسباني، مشددا على أن “أمن أوروبا لا يمكن أن يظل رهينة لقرارات تُتخذ خارج حدودها، وإسبانيا لن تضحي باستقرارها الاجتماعي من أجل مغامرات عسكرية بلا أفق سياسي واضح”.

وتُرجمت هذه الرؤية إلى إجراءات مالية ملموسة، شملت خفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة إلى 10%، وتقديم دعم مباشر للوقود بواقع 20 سنتا للتر، ضمن خطة استجابة وطنية بقيمة 5 مليارات يورو. وقد عكست هذه الإجراءات قناعة مدريد بأن مواجهة الركود التضخمي وتفادي موجات الهجرة غير الشرعية تمثل خط الدفاع الأول عن الدولة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

كما ارتبطت هذه المقاربة بالمبادرة التشريعية لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، التي يستفيد منها ما بين مليون و1,35 مليون شخص، ما يضع النموذج الإنساني الإسباني في قلب جدل أوروبي واسع، ويعكس توازنا بين السلم الداخلي والسيادة الاستراتيجية.

العصيان الدبلوماسي الإسباني

وفي ضوء هذه التحولات، يظهر أن ما يحدث في أوروبا ليس مجرد تباين ظرفي في المواقف، بل مخاض أعمق يعيد طرح سؤال السيادة الاستراتيجية للقارة في عالم متعدد الأقطاب. فبين الاصطفاف خلف التحالفات التقليدية ومحاولات رسم هامش استقلالي يحمي المصالح الداخلية، تتشكل معادلة جديدة لم تتضح حدودها بعد.

قد لا تكون مدريد قد حسمت معركة “العصيان الدبلوماسي”، لكنها بالتأكيد كسرت منطق الإجماع الصلب وفتحت الباب أمام إعادة تعريف دور أوروبا بين شريك تابع وقوة فاعلة مستقلة. وبين هذين الخيارين، سيُحسم مستقبل التماسك الأوروبي، ليس فقط في علاقته بواشنطن، بل أيضا في قدرته على التكيف مع نظام دولي يعاد تشكيله على وقع الأزمات الكبرى.

وفي هذا السياق، أوردت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن إيران بدأت بوضع ملصقين على صواريخها تحمل صورة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، مصحوبة بتصريح له ينتقد الحرب ضد إيران، وتظهر الصورة اقتباسا من تصريح سانشيز يقول: “بالطبع، هذه الحرب ليست غير شرعية فحسب، بل لا إنسانية أيضا”، إضافة إلى عبارة شكر لسانشيز، ما يعكس تفاعلا مباشرا مع المواقف الإسبانية على الساحة الدولية.

ومنذ بداية التصعيد، أدان سانشيز العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، واصفا إياها بأنها أحادية الجانب وتزيد من حالة عدم الاستقرار الدولي، مؤكدا أن موقف بلاده “واضح وثابت” ويختصر في شعار “لا للحرب”. كما شدد على أن أولوية حكومته هي حماية المواطنين من تبعات الأزمات، وليس الانخراط في نزاعات مكلفة اقتصاديا وأمنيا.

وفي كل الحالات، فإن الأزمة الأوروبية تجاوزت كونها مجرد خلافات ظرفية بين دول الأعضاء، وتحولت إلى مؤشر على اهتزازات بنيوية أعمق تطال طبيعة الاتحاد ذاته. فبين أزمة الثقة التي تجسدها الحالة المجرية، وصعود توجهات استقلالية تقودها إسبانيا، يتشكل مشهد أوروبي جديد تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية.

هذا المشهد يضع الاتحاد الأوروبي أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن يعيد بناء نموذج توافقي قادر على استيعاب التباينات الداخلية وتعزيز الثقة بين أعضائه، أو ينزلق نحو مزيد من الانتقائية التي قد تقوّض أسس المشروع الأوروبي على المدى البعيد. وفي عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية، لم يعد كافيا أن تظل أوروبا أسيرة تموضعها التقليدي ضمن تحالفات تقودها حسابات خارجية، بل بات لزاما عليها أن تعيد النظر في موقعها ودورها، وأن تتحرر تدريجيا من منطق الاصطفاف خلف السياسات التي تُرسم في البيت الأبيض، إذا ما أرادت الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.

فمستقبل أوروبا لن يكون رهينا فقط بعلاقتها بحلفائها التقليديين، بل بمدى قدرتها على صياغة رؤية مستقلة تنبع من أولوياتها الداخلية، وتستجيب لتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بما يضمن لها تماسكا داخليا ومكانة فاعلة في نظام دولي يعاد تشكيله. وبين خيار الاستمرار في السير ضمن “القطيع” الجيوسياسي، وخيار بناء استقلالية استراتيجية حقيقية، يتحدد المسار الذي ستسلكه أوروبا في السنوات القادمة.

رابط دائم
https://elayem.news/agrvb