الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

حلويات العيد في البيوت الجزائرية.. عادات متجذرة تصنع الفرحة وتجمع الأجيال

Author
إيمان عبروس 11 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتغير ملامح الحياة اليومية في البيوت الجزائرية استعدادا لاستقبال عيد الفطر، تلك المناسبة الدينية والاجتماعية التي تحمل الكثير من معاني الفرح والتقارب بين أفراد المجتمع. ومن بين أبرز مظاهر هذه التحضيرات انشغال العائلات بإعداد مختلف أنواع الحلويات التقليدية التي تزين موائد العيد وتستقبل بها الضيوف والأقارب. 

تتحول المطابخ قبيل عيد الفطر في كثير من البيوت إلى فضاءات نابضة بالحركة والنشاط، حيث تتعالى أصوات القوالب المعدنية وهي تشكل العجين، وتفوح روائح الزبدة والعسل وماء الزهر في أرجاء المنازل، وبين الانشغال بالتحضير واستحضار ذكريات الأعياد الماضية، تتجدد تقاليد عريقة توارثتها العائلات الجزائرية جيلا بعد جيل، لتظل حلويات العيد أكثر من مجرد أطباق تقليدية، بل رمزا للكرم والعادات الاجتماعية التي تعكس هوية المجتمع الجزائري.

تحضيرات تبدأ قبل أيام من العيد

تبدأ الكثير من العائلات الجزائرية التحضير لعيد الفطر قبل أيام من نهايه شهر رمضان، حيث تسارع ربات البيوت إلى اقتناء كل ما يلزم لصناعة الحلويات التقليدية التي تشتهر بها المائدة الجزائرية. وتشهد الأسواق الشعبية ومحلات بيع المواد الغذائية في هذه الفترة حركة كبيرة، حيث يقبل المواطنون على شراء الدقيق والسميد والزبدة والسكر واللوز وجوز الهند وماء الزهر والعسل.

وفي بعض الأسواق، يخصص التجار أجنحة كاملة لعرض مستلزمات الحلويات، بما في ذلك قوالب التشكيل وأدوات التزيين المختلفة التي تساعد النساء على إعداد أصناف متنوعة من الحلويات بطريقة جميلة وجذابة. كما تعرف أسعار بعض المكونات ارتفاعا طفيفا نتيجة زيادة الطلب، خاصة اللوز والعسل، وهما من المكونات الأساسية في كثير من الحلويات التقليدية.

المطبخ يتحوّل إلى ورشة عائلية

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، يصبح المطبخ في البيوت الجزائرية فضاء مليئا بالحيوية، حيث تجتمع الأمهات والجدات والبنات حول طاولة واحدة لتحضير الحلويات. وتتوزع الأدوار بين أفراد العائلة، فهناك من يتولى تحضير العجين، وآخرون يهتمون بالتشكيل أو التزيين، بينما تتكفل الجدات بالإشراف على الوصفات التقليدية التي تحتاج إلى خبرة طويلة.

وتعتبر هذه اللحظات فرصة لتعزيز الروابط العائلية، حيث تتحول عملية إعداد الحلويات إلى نشاط جماعي يشارك فيه الجميع. وبين العمل والحديث عن ذكريات الأعياد السابقة، تعيش العائلات أجواء خاصة تملؤها روح التعاون والفرح.

حلويات تقليدية تحافظ على حضورها

و تزخر موائد عيد الفطر في الجزائر بتشكيلة واسعة من الحلويات التقليدية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تشترك جميعها في كونها جزءا من التراث الثقافي الجزائري.

ومن أشهر هذه الحلويات المقروط الذي يصنع من السميد ويحشى بالتمر أو اللوز ويغطى بالعسل، إضافة إلى الغريبة التي تتميز بقوامها الهش وطعمها المميز. كما تحضر الكثير من العائلات كعب الغزال المصنوع من اللوز والمزين بالسكر الناعم، إلى جانب القريوش الذي يعد من الحلويات الشعبية الشهيرة ويقدم عادة مغموسا في العسل ومزينا بالسمسم.

كما تحظى البقلاوة بمكانة خاصة في موائد العيد، حيث تعد من أكثر الحلويات حضورا في المناسبات، نظرا لما تتميز به من طعم غني ومظهر جذاب.

وصفات تنتقل من جيل إلى آخر

كما تعد حلويات العيد جزءا من الذاكرة الجماعية للعائلات الجزائرية، حيث تنتقل وصفاتها من الجدات إلى الأمهات ثم إلى البنات. وتحرص الكثير من النساء على الحفاظ على هذه الوصفات التقليدية وتعليمها لبناتهن حتى لا تندثر مع مرور الزمن.

وفي هذا السياق، تقول فاطمة، وهي ربة بيت من الجزائر العاصمة، أنها تعلمت إعداد حلويات العيد من والدتي منذ صغرها، وكانت تحرص على أن نشاركها في التحضير حتى نتقن الوصفات. واليوم تحاول أن تنقل هذا الفن إلى بناتها نفس الأشياء حتى تبقى هذه التقاليد حاضرة في عائلتنا.”

شهادات من قلب البيوت الجزائرية

أمينة، ربة بيت من البليدة فبالنسبة لها، تحضير حلويات العيد ليس مجرد عمل في المطبخ، بل هو طقس عائلي تنتظره كل سنة. حيث تجتمع هي وبناتها قبل العيد بأيام لتحضير المقروط والغريبة والبقلاوة،ما يجعلها تقضي وقتا جميلا وهي  تعمل وتتحدث.”

أما خديجة، موظفة وأم لثلاثة أطفال ،  كشفت أنه رغم انشغالها بالعمل، تحاول دائما أن تخصص وقتا لإعداد بعض الحلويات في المنزل، لأن طعمها يختلف عن تلك التي تباع في المحلات. كما أشارت  أن الأطفالها  يحبون المشاركة في التحضير وهذا يجعلهم يشعرون بفرحة العيد.

أما مريم، طالبة جامعية قالت أن أكثر ما تحبه في تحضيرات العيد هو الجو العائلي الذي يرافق إعداد الحلويات. فتساعد أمها في التزيين وترتيب القطع في الصواني، ما يجعلها تشعر أنها أتعلم شيئا من تراثنا.

محال الحلويات تشهد إقبالا متزايدا

و إلى جانب العائلات التي تفضل إعداد الحلويات في المنزل، هناك أيضا من يختار شراءها جاهزة من المحلات المتخصصة، خاصة في المدن الكبرى حيث يزداد إيقاع الحياة سرعة. وتشهد محلات الحلويات في هذه الفترة إقبالا كبيرا من المواطنين الذين يبحثون عن أصناف تقليدية أو عصرية لتقديمها للضيوف.

ويؤكد أحد أصحاب محلات الحلويات أن الطلب على الحلويات يرتفع بشكل كبير في الأيام الأخيرة من رمضان، حيث يقبل الزبائن على شراء تشكيلة متنوعة من الحلويات لتزيين موائد العيد.

تبادل الحلويات بين الجيران

و من العادات الجميلة التي ما تزال حاضرة في كثير من الأحياء الجزائرية تبادل أطباق الحلويات بين الجيران والأقارب خلال أيام العيد. فبعد الانتهاء من تحضير الحلويات، تحرص بعض العائلات على إرسال جزء منها إلى بيوت الجيران أو الأقارب في بادرة تعبر عن المحبة والتواصل الاجتماعي.

وتقول  زهراء، وهي ربة بيت من وهران: “من العادات التي تربينا عليها أن نتبادل الحلويات مع الجيران يوم العيد. هذه العادة تجعل العيد أكثر دفئا وتزيد من روح التضامن بين الناس.”

الأطفال.. أكثر من ينتظر الحلويات

كما يعد الأطفال من أكثر الفئات التي تنتظر عيد الفطر بفارغ الصبر، حيث يربطون هذه المناسبة بالملابس الجديدة والعيدية، إضافة إلى الحلويات التي تملأ موائد البيوت. وغالبا ما يحرص الأطفال على تذوق مختلف الأنواع التي تقدم خلال زيارات العيد.

كما يشارك بعضهم في إعداد الحلويات مع أمهاتهم، وهو ما يمنحهم فرصة لتعلم هذه التقاليد منذ الصغر.

الحفاظ على التراث رغم تغير نمط الحياة

و رغم التحولات الاجتماعية وتسارع وتيرة الحياة، ما تزال الكثير من العائلات الجزائرية متمسكة بعادة تحضير الحلويات في المنزل. ويرى البعض أن هذه العادة تمثل جزءا من الهوية الثقافية التي يجب الحفاظ عليها.

ويؤكد مختصون في التراث الشعبي أن الحلويات التقليدية تعد عنصرا مهما من عناصر الثقافة الغذائية في الجزائر، حيث تعكس تنوع الموروث الثقافي وتعدد التأثيرات التاريخية التي عرفها المطبخ الجزائري.

العيد.. فرحة تتجدد كل عام

و مع حلول صباح عيد الفطر، تتزين الموائد في البيوت الجزائرية بأطباق الحلويات المختلفة إلى جانب القهوة والشاي، في انتظار استقبال الضيوف وتبادل التهاني.

وفي تلك اللحظات، يشعر الجميع بأن الجهد الذي بذل خلال الأيام السابقة لم يكن مجرد تحضير للطعام، بل جزء من طقوس جميلة تعيد إحياء روح العيد في القلوب.

وهكذا تبقى حلويات العيد في الجزائر رمزا للفرح والتواصل الاجتماعي، ووسيلة للحفاظ على تقاليد عريقة توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، لتظل هذه العادة حاضرة في البيوت الجزائرية رغم تغير الأزمنة.

رابط دائم
https://elayem.news/8h186
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي