الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

حين تُجلَد فلسطين لأنها ابتسمت.. حكايات من الزنزانة إلى المقبرة

Author
خالد عز الدين 25 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

في الزنازين المغلقة على الضوء والأمل، تردّدت أصداء الصواريخ التي انطلقت من طهران نحو “تل أبيب”، لا كحدث جيوسياسي بعيد، بل كنبض في عروق من لا يزالون يقاومون خلف القضبان. ففرح الأسرى الفلسطينيين بالقصف الإيراني – ولو بصمتٍ أو ابتسامة عابرة – قوبل بعقاب جماعي من إدارة سجون الاحتلال: ضرب، قمع، مصادرة، وحرمان حتى من دقائق الهواء.

هكذا يتحوّل الأسرى إلى مرآة كاشفة للعالم المقلوب، حيث يُجرَّم الفرح، وتُقمع المشاعر، ويُحاصَر الحنين، ويُعاقَب القلب لأنه لا يزال ينبض. فحين يهتزّ ميزان القوة في المنطقة، تتسارع آلة القمع في الزنازين، وتشتدّ قبضة العتمة على أجساد أنهكها التعذيب، والإهمال، والموت البطيء.

هذا العدد من ملحق “صوت الأسير” لا يوثق فقط القسوة، بل يفتح نافذة على الوجوه التي تُنسى، والأسماء التي تُغيَّب خلف الأسلاك. من الطفلة هناء حمّاد إلى الأسيرة حنين جابر المريضة بالسرطان، من محمد قاعود الذي فقد ملامح وجهه في التحقيق، إلى المسن محمد أبو حبل الذي خرجت روحه ولم يُفرج عن جسده. ومن معتقل “سديه تيمان”، الذي تحوّل إلى مقبرة بلا شاهدة، إلى شهادات حيّة على جريمة مستمرة: تعذيب، إخفاء قسري، تجويع، واغتصاب، في معتقل لا يعترف حتى بوجود القانون.

نكتب اليوم، لا لنصف الألم فقط، بل لنمنحه صوتًا، واسمًا، وحقًا في أن يُسمع. ففي زمن يُستخدم فيه الأسرى كورقة في صراعات الإقليم، يظل إنسانهم هو الحقيقة الوحيدة التي لا يجوز أن تُقمع، ولا تُشطب من الذاكرة.

فرحة الأسرى بالقصف تُشعل بطش الاحتلال.. صواريخ إيران تصل الزنازين

أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي صعّدت خلال اليومين الماضيين من إجراءاتها القمعية بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون، بذريعة جديدة تمثلت في “إظهار الفرح” جراء القصف الإيراني الأخير الذي استهدف عمق الأراضي المحتلة.

وأوضح المركز أن وحدات القمع الخاصة التابعة لإدارة مصلحة السجون نفّذت اقتحامات واسعة لعدة سجون في ساعات متأخرة من الليل، مستخدمة أعدادًا كبيرة من الجنود المدججين بالسلاح. وقد شملت هذه الاقتحامات اعتداءات وحشية على الأسرى، تمثلت في الضرب المبرح، والتقييد لساعات في أوضاع مهينة (الشبح)، وحرمانهم من الخروج لساحات “الفورة”، بالإضافة إلى مصادرة مقتنياتهم الشخصية.

وأشار المركز إلى أن الاحتلال اتهم الأسرى بالتكبير وإبداء مشاعر الفرح فور سماعهم عن وصول الصواريخ الإيرانية إلى داخل “إسرائيل”، الأمر الذي اعتبرته مصلحة السجون تجاوزًا يستدعي العقاب الجماعي، رغم أن هذه المزاعم لم تستند إلى أي دليل ملموس.

وبيّن مركز فلسطين أن ما جرى يأتي في سياق التصعيد المتواصل بحق الأسرى منذ 7 أكتوبر 2023، حيث اتخذت سلطات الاحتلال من التطورات الميدانية والسياسية ذريعة لتبرير المزيد من الانتهاكات داخل السجون. وأضاف أن متابعة الأسرى للأحداث الخارجية، ومحاولاتهم تحليل المشهد السياسي ومآلات الصراع، لا تخرج عن كونها حقًا فكريًا وإنسانيًا مشروعًا، بل كانت دائمًا جزءًا من وعيهم الجمعي وثقافتهم النضالية.

وأكد المركز أن ما عبّر عنه بعض الأسرى من مشاعر هو تعبير عن دعم المقاومة الفلسطينية، واعتقادهم أن ما حدث يمثل تحولًا في موازين القوى، قد يُسهم في كسر الحصار المفروض على غزة ووقف المجازر الجارية بحق أهلها.

كما أشار إلى أن الاحتلال يتنصّت بشكل دائم على ما يدور في غرف وأقسام الأسرى، وأنه لا يتردد في استخدام أي حديث أو سلوك لتبرير اقتحامات جديدة وسياسات قمعية ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وإخضاعهم.

وختم مركز فلسطين تصريحه بالتأكيد على أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكًا صارخًا لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تكفل للأسرى حقوقهم الإنسانية، مشددًا على أن ما يجري هو امتداد لسياسة تعذيب وقمع ممنهج تمارسها سلطات الاحتلال منذ سنوات طويلة دون محاسبة أو رقابة دولية جادة.

إعلام الأسرى

في القبور لا تُروى الحكايات.. لكن معتقلي غزة يروونها

في الزنازين المعتمة، حيث لا طعم للنهار، ولا للّيل معنى، يُروى الجحيم لا بالكلمات، بل بأنين يتصاعد من صدور محطّمة، وبأجساد أنهكها النزيف حتى غابت الحدود بين الألم والصمت.

هناك، خلف القضبان، في سجن النقب، وفي “ركيفت” المدفون في باطن الأرض، وبين جدران “عوفر” و”سديه تيمان” و”البركسات”، يعيش معتقلو غزة حفلة تعذيب جماعية، مستمرة، لا تنتهي. لا صوت إلا صدى الآهات، ولا ظلّ إلا للموت وهو يتسلل إلى الأرواح خلسة، يفتك بها قبل أن تذبل أجسادها.

نجاة تتحول إلى بداية الجحيم

(ع.ي) لم يكن يعلم أن خروجه حيًا من تحت أنقاض مستشفى الشفاء سيكون أول فصول الانهيار. لم يمنحوه لحظة تنفس أو التئام، بل اقتادوه مباشرة إلى غرف التحقيق. وهناك، انهالوا عليه ضربًا بسيخ حديدي فوق رأسه، فسال الدم ولم يتوقف… بقي الجرح مفتوحًا، والعين مشوشة، والرأس يدوّي بدوار لا يفارقه حتى اللحظة.

في آب، عادوا إليه مجددًا، هذه المرة استخدموا “الديسكو” – نوع من التعذيب بالصوت الصاخب، حتى تنهار النفس وتتشقق الروح – ثم صبّوا الماء البارد فوق جرحه المتقيّح. تعفّن الجرح، وامتدت الالتهابات إلى أعماق جمجمته، فيما قضى هو 49 يومًا في زنزانة ضيقة، وحيدًا، مع جرحه، وصمته، ورائحة موته القادمة.

رجل بكى في زنزانة

(ى.أ) جلس مكبّل اليدين، تنهال عليه الضربات من كل الجهات، حتى تكسّرت أضلعه، واقتُلع شعر رأسه. في سجن الرملة، لم يكن النوم متاحًا، فالألم لا يهدأ، والضرب لا يتوقف… وعندما سأله المحامي عن حاله في “ركيفت”، بكى. نعم، بكى رجل في الزنزانة. كانت الدموع ممنوعة، لكنّ الخوف أعمق من كل محظور، وأقسى من كل صراخ.

عسقلان.. صلاة على كرسي الشبح

(أ.ي) جلس على ركبتيه في عسقلان، يضربونه على نفس الموضع مرارًا حتى تورّمت قدماه، ولم يعد يقوى على الوقوف، ثم يُجبر على الجلوس من جديد. استمر ذلك ساعات طويلة… وفي “عوفر”، وجد نفسه محاصرًا في زنزانة بلا نوافذ، بلا ضوء، بلا رحمة… صوت التحقيق صاخب، والألم مقيم، والموت حاضر، يحدّق فيه بعينين لا ترمش.

ضرير في عتمة مضاعفة

(ل.ع)، رجل ضرير، لا يرى شيئًا سوى العتمة التي فرضتها عليه الحياة… فقد زوجته وأولاده وحفيداته، دون أن يعلم إلا بعد شهور. في سجن النقب، أُخرج من قسمه، ضُرب مع رفاقه، ثم قُيّد في قفص حديدي لساعات طوال. أصيب بالجرب، دون علاج، ويعاني من أوجاع في الكلى والبطن، لكن من يسمع أنين ضرير فقد كل شيء ويُعذّب رغم عجزه الكامل؟

طبيب يُعاقب على مهنته

(د.ت)، طبيب معتقل، دفع ثمن إنسانيته. حين علم السجّانون بمهنته، طلبوا منه الركض والانحناء، وعندما خانته قواه، جرجروه على الأرض، وركلوه حتى أصيب بأزمة قلبية. تكررت الاعتداءات ذاتها لاحقًا، في “نفحة” و”النقب”، حيث تم عزله في زنزانة بلا سرير، بلا دورة مياه، بلا هواء… طبيب تحول إلى رقم في قوائم القهر.

الطعام شحيح، والموت وفير

(ب.ة)، مصاب في الظهر، خضع لعملية جراحية، ولم يُمنح حتى يومًا للتعافي… أُعيد إلى السجن فورًا، يتنقّل بلا دواء، ويجمع فتات الطعام ليأكله دفعة واحدة في آخر الليل، شأنه شأن كل المعتقلين الذين يتلقّون وجبات بالكاد تُبقيهم على قيد الحياة.

قبر اسمه “عوفر”

“كأننا في القبور”… هكذا وصف أحد المعتقلين معسكر “عوفر”. في النهار تُسحب البطانيات، في الشتاء تُمنع التدفئة، الرطوبة تنخر الجلود، والملابس تُبدّل كل أربعة أشهر بملابس مستعملة، بالية… لا يُسمح لهم بالكلام، من يتحدث يُعاقب، ومن يتنفس بصوت مرتفع يُضرب، ومن يتألم يُنسى.

ما ذُكر هنا ليس سردًا مبالغًا فيه، بل إفادات قانونية موثقة، وثّقتها هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني، بين أواخر أيار وبداية حزيران. روايات منزوعة من حناجر رجال يخشون الغد، لا يعلمون إن كانوا سيخرجون يومًا، أو إن مات أحباؤهم دون وداع.

72 شهيدًا… والعدد لا يتوقف

45 شهيدًا من معتقلي غزة تم التعرف على هوياتهم من أصل 72 شهيدًا منذ بدء الإبادة. لكن الأرقام لا تروي الحقيقة كاملة، فهناك من لا تزال جثامينهم مجهولة، أو مدفونة في أماكن لا يعلمها أحد، وهناك من لم تصل أخبارهم بعد. في كل هذا، يواصل الاحتلال فنون القمع، بينما العالم يراقب بصمت، وتواصل العدالة نزفها حتى الموت.

في “ركيفت”، يموت المعتقل خوفًا قبل أن يموت تعذيبًا.

في “عوفر”، الطفيليات تتكاثر في الجراح.

في “النقب”، الجرب صار رفيقًا دائمًا.

وفي “عسقلان”، الشبح على الكرسي صار طقسًا من طقوس الليل.

وهكذا تُكتب مأساة معتقلي غزة، لا بالحبر، بل بالدم… بالعظام المكسورة، بالعيون التي عميت من الظلمة، وبالقلوب التي اختنق نبضها من الصمت… حكايات لن تُنسى، حتى لو غابت عن شاشات الأخبار.

بقلم: عيسى قراقع

المناضل بشير خيري يستعيد بيته وكفّه المشوّهة في الرملة

وجهًا لوجه، المنكوبون والنازحون والمطرودون من حياتهم، يلتقون مع حياتهم مرة أُخرى، يتجاوزون حدود الهزيمة ويُواجهون الدخيل والناهب والسارق والأرض الجريحة، هنا صوت لا زال يتنفّس في المكان، فرح حزين يستقبل العائدين الذين جُرفوا من بيوتهم عام النكبة. بعد النكسة عام 1967 قرّر المناضل القائد بشير خيري أن يزور بيته في مسقط رأسه مدينة الرملة، بيت الطفولة والأجداد، ركب الباص من رام الله إلى الرملة، خرج من قاعة عرض مسرحية “حفلة سمر من أجل خمسة حزيران” للكاتب سعد الله ونوس، رفض أن يبقى متفرجًا على أرض المسرح المذبوح، أنا الحقيقة الواضحة، أنا اللاجئ والأسير والمقاتل والمنفي والعائد، قال بشير، لملمت كل هذه الفجائع وحملت ذكرياتي وشهادة ميلادي وكوشاني وعدت إلى مدينتي الرملة، أوجاعي دليلي، جسدي يرتعش، ولن يهدأ حتى أعثر على بيتي وكفّي التي مزّقتها قنابل العصابات الصهيونية منذ أن كنت طفلًا ألعب في شوارع الرملة، سأجد كل شيء هناك، بيتي وظلالي ويدي وأصابعي فوق التراب.

وأنا أقرأ “مذكرات خفقات ذاكرة” للمناضل بشير خيري، رافقته خطوة خطوة، كلمة كلمة، كنا معًا في سجن رام الله في بداية الثمانينيات، وهناك ودّعنا الشهيد خليل أبو خديجة الذي طوى روحه بين النافذة والسماء المسيّجة، والتقينا مرة أُخرى في بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 في سجن عتليت الرهيب، وكانت ليلة باردة، نمنا على فرشة متعفّنة، كان بشير هادئًا مبتسمًا، يراقب بصبر عربدات السجّانين المسلّحين بالغاز والهراوات وهم يفتّشون بكل جسد عن الحجارة في قلب الانتفاضة، ورحلت معه إلى سجن جنيد في نابلس، وهناك قررت سلطات الاحتلال إبعاده إلى الخارج مع أربعة آخرين وهم: جبريل الرجوب، حسام خضر، بشير نافع، وجمال جبارة.

وكانت من أصعب لحظات الوداع، وقف الأسرى جميعهم على الأبواب، مرّ المُبعَدون من بيننا، وبدأنا نهتف: نعم لن نموت ولكننا سنقتلع الموت من أرضنا، وغادرنا بشير، ولما عاد من المنفى عثرت عليه في مدينة رام الله، كان يجلس في ساحة اعتصام أهالي الأسرى، صافحته بحرارة، قال لي: لقد استعدت بيتي وكفّي في الرملة.

رفض بشير خيري أن يبقى ضائعًا وتائهًا كسعيد أبي النحس المتشائل في رائعة إميل حبيبي، ورفض أن يبقى صامتًا ولا يقرع جدران الخزان في رائعة غسان كنفاني، كان يُدرك أن الحروب لها اتجاهات متعاكسة، وأن الذي يحسب أن النكبة طمست المكان والهوية، فهو المهزوم الذي تخلّى طوعًا عن البطل الكامن في عيون الضحية.

لن أَعبر شرقيّ النهر مرة ثانية، سأذهب إلى الرملة، وأركب في الباص من القدس، لا زالت ذاكرتي تتدفّق حيّة، أتبع أحلامي فأراها، وتتبعنا حتى يصحو التاريخ في عظامي، وقد وصلت الرملة، قطعت هذا الطريق الطويل الذي لم تقطعه الجيوش العربية، انفجرت روحي من حطامي، هنا المدرسة الثانوية، الدير، الجامع، سوق الخضار، دار البلدية، ديوان العائلة، النبي صالح، هنا كنت ألعب الكرة، وهناك زيتونة أصاغت كلامي.

دقّ بشير خيري على باب بيته، وقال لدالية اليهودية التي فتحت الباب: “أنا صاحب هذا البيت، جئتُ كي أستعيده وأراه”، وكانت الصدمة والدهشة، دالية استقبلته بحيرةٍ وإرباك، من هذا القادم الذي يقتحم عالمها؟ لا يحمل سلاحًا وإنما ذاكرة، سقطت هشاشة الصورة، وتناثرت على عتبات البيت كل الأسئلة.

المناضل بشير خيري

المناضل بشير خيري

قال بشير: لو كل فلسطيني دقّ باب بيته لاستعاد ذاته المكسورة، البيت هو الوطن، والبيوت تموت إذا غاب سكانها كما قال محمود درويش، اذهبوا إلى بيوتكم، واكشطوا الأسماء على الخرائط “الإسرائيلية” لتظهر فلسطين الممحوة، أزيلوا أشجار الصنوبر لتظهر تحتها القرى المدمّرة، اقتحموا الكولونيالية من الداخل، أزيلوا الوهم من رؤوس “الإسرائيليين” وأيديولوجيتهم الاستعمارية، الفلسطيني ليس بغائب، إنه موجود وحاضر وحيّ.

دالية اليهودية شعرت أنها غريبة، البيت ليس لها، بشير يعرفه أكثر منها، الشبابيك وشجرة الليمون، حنفية الماء، المكان يتكلّم معه بحميمية، البيت يراه ولا يراني، الماضي يعود مرة واحدة، التاريخ الفلسطيني دخل مع بشير منذ أن فتحت له الباب، أصوات إخوته وجيرانه وألعابه تتكلم معه، مشاعر وحنين وعناق وحبّ لم أتعلمها في المعسكر أو الجامعة، القادم إلى بيته ليس ضيفًا، إنه صاحب ملكية، وذو حق غير قابل للتصرّف.

بشير في بيته، يتفقد وسائده وملابسه وحجارته وأشيائه الصغيرة، يبكي ويعتذر عن تأخره، يسمع قلبه وينادي: هنا انفجرت العبوة التي زرعتها العصابات الصهيونية في يدي، هنا دمي يسيل على العشب والحصى، هنا ثوب أمي، رائحة القهوة، خبز الطابون، الشاي بالنعناع، وظلّ بشير ينادي: كيف يطردونني ويذبحونني وينامون مطمئنين في قبري؟

أدرك بشير أن هذا البيت، هذا الوطن، لن يُستعاد بدون صراخ ومقاومة، المفاتيح العتيقة، والكوفية والقمباز والدبكة الشعبية ليست بديلاً عن حق العودة، العودة ليست خيالات فولكلورية. فمن يستولي على البيت يستولي على الثقافة والوعي، ويرتكب أبشع أشكال التطهير والإبادة، فانضمّ بشير إلى العمل الفدائي، وقضى أكثر من 16 عامًا في سجون الاحتلال، ولما خرج من السجن، تحسّس ندوبه على جسده، الجرح في يده، ووخزات الأسلاك الشائكة، ولما زارته دالية قالت: الآن أدركت أنكم أحقّ شعب بالسيادة أخلاقيًّا وإنسانيًّا على أرضكم، التي ما زالت شظاياها في أرواحكم متناثرة.

كانت شجاعة أخلاقية من دالية بالانحياز إلى الضحية، وكانت شجاعة أن تطلب من بشير ضرورة اقتحام المجتمع “الإسرائيلي” لتحرير وعيه من الخرافات والأساطير والفاشية، كي يقف أمام المرآة ليرى تاريخه الاستعماري العنيف، وكانت شجاعة أن يتبلور تيار فكري وسياسي “إسرائيلي” يدعو إلى الاعتراف بالنكبة، رغم أن هذا التيار بدأ يتلاشى أمام هول الإبادة الدموية في غزة، حيث تتجدّد النكبة، ويختفي صوت دالية في دويّ القنابل والصواريخ وأكوام الجثث.

تكتب دالية: بشير خيري علّمني أن هناك ارتباطًا عميقًا بين الفلسطيني والأرض، وهذا ما نفقده نحن “الإسرائيليين”، إنه مخالف لكل ما تربّيت عليه، لم أدرك أن في بيت بشير كل هذا الجمال إلا من خلاله، فقد شعرت أن بشير حرّر البيت وحرّر ضميري، وعلى “الإسرائيليين” أن يصبحوا أكثر إدراكًا لنكبته ويتمردوا على المستوى الرسمي الذي يُنكرها، ولو فتحنا أبوابنا للاجئين واعترفنا أنهم من هذه الأرض، سنشهد تغيرًا عميقًا في طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض، قادرون على العيش سويّة جنبًا إلى جنب، وأن نكفّ عن القتال.

أنا دالية اليهودية، منذ أن دخل بشير بيته في الرملة شعرت أنني لست مالكة هذا البيت، وأننا لم نأتِ لنسكن بيوت الفلسطينيين صدفة، وإنما لمنع عودة اللاجئين إلى بيوتهم التي طُردوا منها، لهذا قررت أن أُعيد البيت إلى بشير، وإن لم أستطع بسبب قانون النكبة وقانون أملاك الغائبين، سأعقد شراكة مع بشير، واتفاقًا بأن يتحوّل هذا البيت إلى روضة للأطفال الفلسطينيين في مدينة الرملة.

من المدرسة إلى السجن.. هناء حمّاد ليست مجرمة!

في مشهدٍ يعكس تجرد الاحتلال الإسرائيلي من أبسط معايير العدالة والإنسانية، أقدمت سلطات الاحتلال على تحويل الطفلة هناء هيثم إسماعيل حمّاد (17 عامًا) من مخيم العروب شمال الخليل، إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة شهور، دون توجيه أي تهمة رسمية لها. وجاء ذلك عقب أسبوع من اقتحام منزل عائلتها واحتجاز والدتها والتحقيق الميداني معهما، في انتهاك صارخ لحقوق الطفل والأسرة.

بهذا القرار، ترتفع حصيلة الأسيرات الفلسطينيات اللواتي يقبعن في سجون الاحتلال تحت طائلة الاعتقال الإداري إلى 10 أسيرات، من أصل 41 أسيرة بشكل عام. وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسة مستمرة تستهدف النساء والأطفال دون وجه حق، في ظل تزايد مقلق لعدد المعتقلين الإداريين الذين بلغوا حتى مطلع حزيران الجاري نحو 3562 معتقلًا، من بينهم 95 طفلًا وطفلة دون سن الثامنة عشرة.

الطفلة هناء حمّاد.. نموذج لجريمة مستمرة

تحوّل الطفلة هناء حمّاد إلى الاعتقال الإداري يمثّل وصمة عار على جبين المنظومة القانونية الدولية، إذ يُحتجز أطفال دون تهمة أو محاكمة عادلة، في خرق صارخ للمواثيق الدولية التي تجرّم اعتقال القُصّر دون مسوغ قانوني. وتطالب مؤسسات حقوق الإنسان بتحرّك دولي فوري للضغط على الاحتلال لوقف هذه السياسات، وضمان الحماية القانونية للأطفال الفلسطينيين، ومساءلة الاحتلال عن ممارساته القمعية.

الاعتقالات في الضفة.. حملة ترهيب جماعي

في سياق متصل، أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن سلطات الاحتلال ضاعفت من حملات الاعتقال في الضفة الغربية المحتلة منذ العدوان الأخير على إيران، حيث تجاوز عدد المعتقلين منذ يوم الجمعة الماضي 200 مواطن فلسطيني، بينهم نساء وأطفال ومرضى وأسرى محررون. وبيّن المركز أن الاحتلال ينفذ حملة اعتقالات منظمة تشمل اقتحامات واسعة للمنازل وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ومصادرة أموال وممتلكات، وحتى اعتقال مواطنين لمجرد إبداء الفرح بالقصف الإيراني أو توثيق مرور الصواريخ.

ويعكس هذا السلوك انتهاج سياسة العقاب الجماعي، عبر اعتقال ذوي “المطلوبين” للضغط عليهم، وهو ما يتنافى مع كل القواعد الأخلاقية والقانونية. وقد ارتفع عدد حالات الاعتقال في الضفة وحدها منذ السابع من أكتوبر إلى نحو 18,000 حالة، من بينها 550 حالة استهدفت النساء و1440 استهدفت الأطفال، دون احتساب المعتقلين من قطاع غزة الذين بلغ عددهم نحو 12,000 معتقل.

ما تتعرض له الطفلة هناء حمّاد اليوم هو جزء من مسلسل طويل من الممارسات الإسرائيلية القمعية التي تستهدف تدمير بنية المجتمع الفلسطيني. ويبقى المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى جديته في حماية حقوق الإنسان، خاصة حقوق الأطفال، ووضع حدّ لسياسات الاحتلال التي تضرب بعرض الحائط كل القوانين والمعاهدات. فهل يبقى العالم صامتًا؟ أم أن الطفولة ستجد يومًا من ينقذها من بين أنياب السجان؟

تصعيد جديد ضد الأسرى.. الاحتلال يقطع آخر خيط قانوني

أعلنت إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي عن تعليق زيارات المحامين للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين حتى إشعار آخر، في خطوة وُصفت بأنها تصعيد خطير ضمن سياسة العزل الشامل التي تنتهجها سلطات الاحتلال منذ بدء العدوان على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023. وأكدت مؤسسات معنية بشؤون الأسرى أن هذا القرار يضع الأسرى في حالة عزلة تامة عن العالم الخارجي، ويحرمهم من آخر وسيلة اتصال قانوني تتيح متابعة أوضاعهم الصحية والحقوقية والقانونية.

ويفتح وقف زيارات المحامين الباب أمام انتهاكات جسيمة قد تُمارَس بعيدًا عن الرقابة والمساءلة، لا سيما في ظل تصاعد ممارسات التعذيب، والعزل الانفرادي، وسوء المعاملة داخل السجون، واستمرار سياسة التعتيم الإعلامي. ويحذّر حقوقيون من أن هذا القرار يمثل انتهاكًا صارخًا لأبسط مبادئ العدالة الدولية، ويضاعف من معاناة الأسرى، خصوصًا المرضى منهم، الذين يعتمدون على محاميهم لإيصال استغاثاتهم، والضغط من أجل تحسين ظروفهم أو توفير العلاج اللازم لهم.

العزل الشامل.. سياسة ممنهجة

ويأتي هذا القرار في سياق سياسة العزل الشامل التي فرضتها إدارة السجون منذ بداية الحرب، وتشمل منع الزيارات العائلية، تقليص “الفورة”، إغلاق الأقسام، منع الكانتينا، وحرمان الأسرى من الملابس والدواء، ما جعل أوضاعهم أكثر قسوة من أي وقت مضى. وتؤكد المؤسسات الحقوقية أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسات إلى كسر إرادة الأسرى، وعزلهم عن حاضنتهم الشعبية والسياسية، ضمن إطار أوسع من العقوبات الجماعية التي تستهدف الشعب الفلسطيني ككل.

وطالبت مؤسسات الأسرى الجهات الدولية والحقوقية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، بالتحرك العاجل للضغط على سلطات الاحتلال من أجل إعادة فتح قنوات التواصل القانونية مع الأسرى، والسماح بزيارة المحامين دون قيود. وأكد مكتب إعلام الأسرى أن استمرار هذا القرار يُعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، ولا سيما المادة (76) من الاتفاقية الرابعة، التي تكفل للمعتقلين الحق في الاتصال بمحامٍ ومقابلة ذويهم.

حين تُجرّم منابر الحقوق.. “الضمير” على لائحة الإرهاب!

أدانت مؤسسات الأسرى الفلسطينية، ممثلة بـهيئة شؤون الأسرى والمحررين، نادي الأسير الفلسطيني، الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، ومركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، إدراج وزارة الخزانة الأمريكية لمؤسسة “الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان” ضمن قائمة “الإرهاب”، إلى جانب عدد من المؤسسات الفلسطينية الحقوقية والمدنية.

وأكدت المؤسسات أن هذا القرار يمثل انحيازًا سياسيًا فاضحًا، ويستند إلى ادعاءات باطلة حول ارتباط “الضمير” بتنظيم “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، في محاولة مكشوفة لتجريم عملها الحقوقي الممتد منذ عقود في الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين.

واعتبرت المؤسسات أن هذه الخطوة تأتي في إطار مسار طويل من التحريض الإسرائيلي الرسمي ضد المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، بدأ بتصنيفها “غير قانونية”، وإصدار أوامر عسكرية بإغلاق مقارها، وصولًا إلى هذا القرار الأمريكي، الذي يخدم استراتيجية الاحتلال في إسكات صوت الحقوق والدفاع عن الإنسان الفلسطيني.

وشددت المؤسسات على أن مؤسسة “الضمير”، بوصفها إحدى أعرق المؤسسات الحقوقية في فلسطين، لعبت دورًا محوريًا في فضح سياسات الاحتلال داخل السجون، وتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون، مشيرة إلى أن استهداف “الضمير” هو استهداف لكل المؤسسات الحقوقية والمدنية الفلسطينية، ولقضية الأسرى التي تمثل إحدى أبرز ملامح معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.

كما ربطت المؤسسات بين القرار الأمريكي وتصاعد القمع الإسرائيلي منذ اندلاع حرب الإبادة ضد قطاع غزة، مؤكدة أن سجون الاحتلال تحوّلت إلى مسالخ للتعذيب، وأن “الضمير” إلى جانب مؤسسات أخرى، كان له دور ريادي في توثيق هذه الجرائم أمام المجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، دعت مؤسسات الأسرى الأمم المتحدة والمنظومة الحقوقية الدولية إلى إدانة هذا القرار، الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية العمل الحقوقي والإنساني في فلسطين، ويمنح الاحتلال غطاءً إضافيًا للاستمرار في ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني دون مساءلة.

وطالبت المؤسسات المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، والعمل على وقف القرار الأمريكي، ومضاعفة دعم المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، باعتبارها جزءًا من معركة الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية، وتقرير المصير، ورفض محاولات طمس الحقيقة.

بقلم: سري القدوة

من “سجن عكا” إلى سجن “سديه تيمان”

كانوا ثلاثة رجال يتسابقون على الموت، أقدامهم علت فوق رقبة الجلاد، وصاروا مثل يا خال، طولًا وعرضًا البلاد. كلنا نعرف ونسمع الأغنية الوطنية لفرقة العاشقين الفلسطينية، والتي كتبها الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان في قصيدته (الثلاثاء الحمراء)، تخليدًا لشهداء فلسطين الثلاثة الذين تم إعدامهم. وتحلّ علينا الذكرى الـ 95 على إعدام سلطات الانتداب البريطاني للمناضلين الثلاثة: محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير، بتاريخ 17 من حزيران عام 1930، حيث تم إعدام الشهداء في سجن القلعة بمدينة عكا رغم الاستنكارات والاحتجاجات العربية.

وكانت في حينه قد اعتقلت الشرطة البريطانية مجموعة من الشبان الفلسطينيين بعد اندلاع ثورة البراق، التي بدأت عندما نظّم اليهود مظاهرة ضخمة في 14 آب/أغسطس من عام 1929 بمناسبة ما أسموه “ذكرى تدمير هيكل سليمان”، أتبعوها في اليوم التالي بمظاهرة ضخمة في شوارع القدس، حتى وصلوا إلى حائط البراق، وهناك راحوا يرددون “النشيد القومي الصهيوني”، بالتزامن مع شتم المسلمين.

وفي اليوم التالي، الجمعة 16/آب، الذي صادف ذكرى المولد النبوي الشريف، توافد المسلمون، ومن ضمنهم الشهداء الثلاثة، للدفاع عن حائط البراق، حيث بيّت اليهود نيتهم للاستيلاء عليه، فوقعت صدامات عمّت معظم فلسطين. واعتقلت شرطة الانتداب في حينه 26 فلسطينيًا ممن شاركوا في الدفاع عن حائط البراق، وحكمت عليهم جميعًا بالإعدام في البداية، لينتهي الأمر بتخفيف هذه العقوبة عن 23 منهم إلى السجن المؤبد، مع الحفاظ على عقوبة الإعدام بحق الشهداء الثلاثة: محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير. وحددت سلطات الانتداب يوم 17 حزيران من عام 1930، موعدًا لتنفيذ حكم الإعدام بحق هؤلاء الأبطال، في وقتٍ تحدّى فيه هؤلاء الشهداء الخوف من الموت.

وبينما حفرت أحداث سجن عكا في الذاكرة الفلسطينية، تتكشف تلك الوقائع وما يحدث من ممارسات انتقامية ضد المعتقلين الأبطال في سجون الموت، وخاصة سجن “سديه تيمان”، حيث فاقت ممارسات حكومة الاحتلال بحق المعتقلين الفلسطينيين كل التوقعات والتقديرات. وحان الوقت لتدخل المجتمع الدولي، وأهمية تشكيل لجنة تحقيق دولية للاطلاع على الظروف اللاإنسانية التي تفرضها إدارة سجون الاحتلال على المعتقلين الفلسطينيين، بما فيها عمليات القتل، وحالات الإخفاء القسري، والاغتصاب التي يتعرض لها المعتقلون، وخاصة معتقلي قطاع غزة.

حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو تتحمّل المسؤولية الكاملة عن عشرات حالات الإعدام بين صفوف المعتقلين، والتعذيب، والتشويه الجسدي. وإن هذه الانتهاكات تعبّر عن مدى وحشية هذه الحكومة المتطرفة، وطوّرتها بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الأسرى الفلسطينيين.

وما من شكّ بأن سياسة المتطرف بن غفير أدت إلى استغلال حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تُشن على الشعب الفلسطيني لارتكاب أكبر عدد من جرائم القتل والتعذيب الجسدي، وإعطاء أوامر للجنود بممارسة جميع أشكال القتل والانتهاكات بحق أسرى الحرية وقمعهم، دون الالتفات إلى القوانين والمواثيق الإنسانية والدولية، والمعاهدات التي تحمي المعتقلين.

سلطات الاحتلال تستغل انشغال العالم بما يجري في قطاع غزة لقضم ما تبقى من أراضٍ في الضفة الغربية وسرقتها، وإعلان الحرب في سجون الاحتلال على المعتقلين الفلسطينيين، بالتنسيق الكامل مع ميليشيات المستعمرين التي تمارس جرائمها بحماية ودعم كامل من جيش الاحتلال، غير آبهة بأحكام القانون الدولي الذي يعتبر الاستعمار جريمة حرب لا تسقط بالتقادم.

وتستمر مسيرة النضال الوطني برغم الصعاب وإجراءات الاحتلال القمعية، وإن شعب فلسطين حتمًا لقادر على تغيير الواقع، والتقدّم نحو المستقبل الذي يليق بالتضحيات، والشرفاء، والقدس، وفلسطين. فلا يمكن استمرار الصمت أمام ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جرائم وتطاول من قبل الاحتلال، مستهدفًا الشباب الفلسطيني والنيل من إرادتهم الصلبة، وعزيمتهم القوية، ومستقبلهم الواعد.

شعب فلسطين سيبقى على عهد الشهداء، حافظًا للوصايا، ماضيًا في طريق الانتصار، ومتمسكًا بالمبادئ، والإرث الكفاحي، والوطني، والهوية، والعنوان النضالي، حتى قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

بقلم: أمجد النجار – مدير عام نادي الأسير الفلسطيني

تحت النار.. نحو قاعات الامتحان

·  67 طالبًا من طلبة الثانوية العامة حُرموا جرّاء الاعتقال في سجون الاحتلال

في فلسطين، لا يدخل الطالب قاعة الامتحان كأي طالب في العالم. فهو لا يحمل فقط قلمه ودفتره، بل يحمل على كتفيه تاريخًا مثقلًا بالدم، ووصايا الشهداء، وآهات الأسرى، وحلم وطن ما زال يواجه حرب الإبادة بلا توقّف.

تقدّم طلابنا لامتحان الثانوية العامة تحت الرماد والدخان، في ظلّ حرب دمّرت كلّ شيء، ولم تترك حتى التعليم بمنأى عن الاستهداف. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استُشهد 16,607 طالبًا من غزة والضفة، وسُجّل دمار واسع في القطاع التعليمي، وارتقى 914 معلمًا وإداريًا، وأُصيب 4,363، فيما اعتُقل أكثر من 196 موظفًا تعليميًا في الضفة الغربية. هؤلاء لم يكونوا سوى أبناء الحلم الفلسطيني، الذي قرّر الاحتلال أن يغتاله مع كل فجر.

وحُرَم 67 طالبًا من تقديم امتحان الثانوية العامة، لأنهم قيد الاعتقال في سجون الاحتلال، دون تهمة إلّا حبّهم للحياة والحرّية. لكننا في فلسطين تعوّدنا أن نُعيد تعريف الحياة. هنا، لا يكون التعليم مجرد حق، بل معركة. والنجاح لا يعني عبور مرحلة دراسية فقط، بل انتصار على القيد، والجدار، والموت المتربّص في كل زاوية.

إلى طلابنا الأعزاء الذين يتقدّمون اليوم للامتحان، نقول: أنتم لا تمتحنون وحدكم، فهناك من سبقكم إلى الشهادة وكان حلمه أن يكون في مكانكم، وهناك من يقبع خلف القضبان يحمل كتبَه في الزنازين، ويتمنّى أن يكتب اسمه يومًا على ورقة الامتحان. أنتم اليوم تُمثّلون هذا الشعب الذي أبقاه التعليم حيًّا رغم القتل، حيًّا بلغته العربيّة، وبتراثه الوطني، وبصموده العابر للأجيال. أنتم أحفاد الذين استُشهدوا من أجل أن تبقى الكلمة حرّة، ومن أجل أن تبقى فلسطين منارة للعزّة لا تنطفئ.

كل سؤال تجيبون عليه هو ردٌّ على صاروخ، وكل علامة تنالونها هي طلقة في وجه الجهل والاحتلال. تقدّموا إلى امتحانكم وكأنّكم تدخلون ساحة معركة، فأنتم تقاتلون من أجل المستقبل، وتكتبون اليوم بدم القلب لا بالحبر فقط. أنتم الذين كُتب لهم القدر أن يُكملوا الطريق، فاحملوا وصايا الشهداء، وآلام الأسرى، وأحلام الأطفال الذين نُسفوا قبل أن يفتحوا كتبهم الأولى.

أنتم الأمل. أنتم الجواب على سؤال: كيف يبقى شعب حيًّا رغم أنه محاصر من كل الجهات؟

نحن اليوم، برغم القتل والاعتقال والدمار، نقول: سنُكمل المشوار… فالتعليم هو سلاحنا، وصمودنا، وانتصارنا.

بقلم: د. رمزي عودة

مثلث الأبارتهايد “الإسرائيلي” يتوسّع!

هنالك ثلاثة أعمدة يقوم عليها مثلث الأبارتهايد (الفصل العنصري) “الإسرائيلي”، بحيث تتداخل هذه الأعمدة من أجل تحقيق هدف واحد، وهو تقويض حل الدولتين وإقامة نظام فصل عنصري في الضفة الفلسطينية المحتلّة. وهذه الأعمدة الثلاثة هي: المستوطنون الذين يسعون لابتلاع مزيد من أراضي الضفة الفلسطينية، وثانيها رجال الجيش الذين يهدفون إلى إنشاء مناطق استراتيجية عازلة بين الضفة الغربية والشرقية، تكون هذه المناطق تحت سيطرة الجيش وخالية من التجمّعات العربية. أمّا العمود الثالث فيتمثّل برجال السياسة الذين يهدفون إلى القضاء على حل الدولتين وإقامة دولة يهودية خالصة!

وفي الواقع، إنّ هذه الأعمدة الثلاثة متشابكة مع بعضها بعضًا، فالمستوطنون لديهم أحزاب دينية متطرّفة هي التي تعطي شرعية البقاء في الحكم للساسة من الليكود، وعلى رأسهم نتنياهو، رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، كما أنّ نتنياهو يجد نفسه مضطرًّا، في إطار هذه المعادلة، لأن يخدم جماعات المستوطنين ويعمل على تحقيق أهدافهم في التوسّع وضمّ الأراضي ومنع قيام دولة فلسطينية. بالمقابل، فإنّ الجيش، الذي أصبح يترأسه اليمينيّون مثل زامير، يعمد بشكل منهجي إلى حماية جماعات المستوطنين وقمع الفلسطينيين المناهضين للمشروع الاستعماري الصهيوني.

في الإطار السابق، نجد أنّ هذا المثلّث الاستعماري العنصري يسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:

1.    توسيع عملية الاستيطان في الضفة الفلسطينية المحتلّة.

2.    تهجير جماعات متعددة من الشعب الفلسطيني.

3.    منع قيام دولة فلسطينية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، فإنّ مكوّنات الأبارتهايد “الإسرائيلي” الثلاثة تتشابك مصالحها وعلاقاتها على الوجه التالي:

تبادل مواقعهم ومناصبهم الوظيفية، بحيث يشغل مسؤولو الأحزاب وقادة المستوطنين مناصب وزارية وحكومية، وينتقل قادة الجيش إلى مناصب سياسية، أمّا المستوطنون فيقومون برفد الجيش بالقادة والجنود. بالمقابل، الساسة “الإسرائيليون” يوزّعون القيم السياسية على قادة الجيش والمستوطنين.

تبادل القيم الاقتصادية والثروات، بحيث يتمّ توزيع هذه القيم على الأعمدة الثلاثة: المستوطنين الذين يستولون على الأرض، والجيش الذي يسيطر عليها، والساسة الذين يشرعنون توزيع هذه الأرض ومصادرتها.

وفي الحالات الثلاث، فإنّ المنافع القيمية والرمزية يتمّ جمعها وتوزيعها بين الأقطاب الثلاثة للأبارتهايد “الإسرائيلي”. وفي إطار التوسّع والتغوّل “الإسرائيلي”، فإنّ “إسرائيل” العنصرية تقوم بافتعال الحروب والتصميم على عدم وقفها، تمامًا كما حدث بالنسبة لغزّة، وما يحدث الآن في الحرب “الإسرائيلية”–الإيرانية، وذلك بهدف توحيد هذه الأعمدة والأقطاب الثلاثة وخلق مخاوف مشتركة وحاجات مشتركة تجمعهم في إطار جبهة واحدة مشتركة تمنحهم فرصًا أكبر للنجاح وتقلّص إمكانات الانشقاق.

من جانبٍ ثانٍ، إنّ جماعات المستوطنين تستغلّ فترة الحروب وحالة الانشغال الدولي بها من أجل مزيد من التوسّع والاستيلاء على الأراضي، وبنفس السياق، فإنّ الساسة “الإسرائيليين” يستغلّون الحروب من أجل تمجيد الذات والاستمرار في الحكم كحكّام تاريخيّين يُمجّدهم التاريخ اليهودي، وهكذا نفس الأمر بالنسبة لجيش الاحتلال، الذي يسعى للحصول على مزيد من الخبرات والأسلحة التي تمكّنه من فرض الهيمنة والسيطرة والنفوذ الإقليمي.

في التحليل السابق، فإنّ عملية فهم وتحليل مثلث الأبارتهايد “الإسرائيلي” تتطلّب فهم حالة الحرب المستمرّة التي تُعتبر بمثابة وقود يشعل نظام الفصل العنصري ويجعله مستمرًّا وفاعلاً.

144 معتقلًا خارج قوائم الاحتلال.. أين اختفى أسرى غزة؟

أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير عن أسماء 203 معتقلين من غزة، تم التحقق من أماكن احتجازهم داخل سجون ومعسكرات الاحتلال، فيما لا يزال مصير مئات آخرين مجهولًا. وأوضح البيان المشترك أن العديد من معتقلي غزة لا يزالون ضحايا للإخفاء القسري، وأن العدد الإجمالي الذي أعلنته إدارة سجون الاحتلال لمن يُصنّفون كمقاتلين “غير شرعيين” بلغ 2214.

وعلى مدار الأشهر الماضية، وثقت عشرات الشهادات الصادمة عن تعذيب المعتقلين من غزة، خاصة في معسكر “سديه تيمان”، الذي تحوّل إلى رمز لجرائم التعذيب، إضافة إلى استمرار الممارسات اللاإنسانية بحقهم في مواقع احتجاز أخرى.

اختفاء 144 معتقلًا غزيًا دون تفسير

ذكرت اللجنة لمناهضة التعذيب أن السلطات الإسرائيلية أفادت باحتجاز 2790 معتقلًا من غزة، لكن لا يظهر 144 معتقلًا في السجلات الرسمية، ما يثير المخاوف بشأن مصيرهم. وأشارت السلطات إلى إغلاق معتقلي “عناتوت” و”عاميعاد” بسبب ظروف الاحتجاز القاسية. ورغم الإفراج عن 1244 معتقلًا، أعيد اعتقال 455 آخرين، وسط استمرار العمل بقانون “المقاتلين غير القانونيين” الذي يتيح احتجازًا مفتوحًا دون محاكمة.

وقالت المحامية طال شتاينر، مديرة اللجنة، إن القانون يشكّل انتهاكًا خطيرًا للحقوق ويجب تعديله فورًا. ودعت إلى توضيحات بشأن مصير المعتقلين المفقودين وتحقيق عاجل في حالات التعذيب وسوء المعاملة التي قد تكون أدت لوفاة معتقلين.

12 ألف معتقل منذ بدء الحرب على غزة

من جانبه، أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن الاحتلال اعتقل أكثر من 12 ألف فلسطيني من غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم كوادر طبية وصحفيون، ولا يزال نحو 3500 منهم رهن الاعتقال. وشملت الاعتقالات اقتحام مراكز إيواء ومدارس ومنازل، ورافقها تعذيب مهين ومخالف للقانون الدولي.

ولمواجهة الأعداد الكبيرة، أنشأ الاحتلال معسكرات اعتقال جديدة، مارست فيها القوات الإسرائيلية أبشع أنواع التعذيب، كالضرب، والصعق الكهربائي، والتجويع، والاحتجاز العاري، بل وصل الأمر إلى الاغتصاب والتهديد به.

وأشار المركز إلى أن كثيرًا من المفرج عنهم نُقلوا مباشرة إلى المستشفيات، بسبب تدهور أوضاعهم الصحية، وبعضهم خرج مصابًا بإعاقات أو فقدان للذاكرة. ولا يزال 1846 معتقلًا غزيًا محتجزين بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”، رغم عدم ثبوت صلتهم بالمقاومة.

وطالب المركز والمؤسسات الحقوقية الدولية بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات، التي أسفرت عن استشهاد 70 أسيرًا منذ بدء الحرب، بينهم 44 من غزة.

تقرير – إعلام الأسرى

السرطان لا يشفع للأسيرة حنين جابر.. الاحتلال يعاقب الألم

أفادت مصادر عائلية بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أصدرت حكمًا بالسجن الفعلي لمدة ثمانية أشهر وغرامة مالية بحق الأسيرة حنين محمد جابر (50 عامًا)، من مخيم نور شمس في طولكرم، رغم إصابتها بمرض السرطان وتدهور حالتها الصحية داخل السجن.

وذكرت العائلة أن جابر، والدة الشهيدين محمد (أبوشجاع) ومحمود جابر، اعتُقلت بتاريخ 3 ديسمبر 2024 أثناء نزهة مع أولادها، بتهمة إيواء نجلها الذي تزعم سلطات الاحتلال أنه “مطلوب”. وخضعت لتحقيق قاسٍ، تم خلاله انتزاع معلومات منها بالقوة، قبل أن يتم نقلها إلى سجن الدامون.

ووفقًا للمصادر، فإن الأسيرة جابر تعرّضت لظروف اعتقال بالغة الصعوبة. وقد أبلغت إدارة السجون عائلتها في أبريل الماضي بإصابتها بمرض السرطان، وهو مرض لم تكن تعاني منه قبل الاعتقال. ورغم المناشدات المتكررة من العائلة، رفض الاحتلال الإفراج عنها لتلقي العلاج المناسب، في ظل عدم توفر الرعاية الصحية داخل السجون نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

وقد فقدت جابر أكثر من 8 كيلوغرامات من وزنها نتيجة سوء التغذية وسياسة التجويع، التي تمارس بحق الأسيرات. وتؤكد العائلة استمرار الاحتلال في سياسة التنكيل بحق الأسيرات في سجن الدامون، حيث تتفاقم الانتهاكات يوماً بعد آخر.

وبحسب تقرير مكتب إعلام الأسرى، فإن عدد الأسيرات في سجن “الدامون” ارتفع إلى 47 أسيرة، من بينهن أسيرتان حاملتان وثماني أسيرات معتقلات إداريًا دون توجيه أي تهم. وتُحتجز الأسيرات في ظروف غير إنسانية، تشمل تردي أوضاع الطعام كماً ونوعًا، مما تسبب في مشاكل صحية لعدد كبير منهن، خاصة مع تقليص “الفورة” إلى ساعة واحدة يوميًا تُضطر الأسيرات لاستغلالها في الاستحمام، مع العلم أن الحمامات تقع في ساحة خارجية.

ولا تُعتبر حالة حنين جابر الوحيدة، إذ يحتجز الاحتلال أيضًا الأسيرة فداء سهيل عساف (49 عامًا) من بلدة كفر لاقف في قلقيلية، والتي تعاني من سرطان الدم منذ ما قبل اعتقالها في فبراير 2025، بتهمة “التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي”. وتعاني عساف، شأنها شأن غيرها من الأسيرات، من سوء في التغذية، ونقص حاد في الرعاية الصحية.

وتعيش الأسيرات ظروفًا معيشية متدهورة على كافة الصعد، حيث تُقدَّم لثماني أسيرات صَحن واحد من البقوليات يوميًا، ما أدى إلى مشاكل في الجهاز الهضمي وفقدان الوزن بشكل ملحوظ لدى العديد منهن.

الصحفي محمد قاعود: وجهي الذي لم أعد أتذكره

لم أعد أذكر وجهي، كل ما أذكره هو حائط الزنزانة، والبرودة التي تسكن العظم، والظلام الذي يبتلع الصوت والنفس والتفاصيل. كنت صحفيًّا، أكتب عن الحرية، عن الحقيقة، عن الإنسان. لكن الحقيقة وحدها لم تكن كافية لتحميني من فم الظلم حين ابتلعني.

في صباح باهت داهموني، لم أكن خائفًا، كنت أظن أن الكلمة لا تُكسر، لكنني كنت واهمًا بذلك الظن. كانت التهمة هي الحروف، كانوا يريدونني أن أتراجع عن اسمي، عن قلمي، عن ضميري، فلم أفعل.

مرت الأيام في غرف التحقيق كأنها قرون. مئة يوم وأنا بين الجدار والعتمة. لم يتركوني أنام، لم يتركوني أفكر. كانوا يصيحون، يجلدون، يربطونني، يضربونني على رأسي حتى نسيت أمي، ونسيت المدينة التي وُلدت فيها.

كان الطعام؟ لا، لا تسأل عن الطعام.

لكل أسير 100 غرام من خبز العفن، نصفه مبلل، مُرّ، تعلوه خيوط خضراء. قطعة خضار واحدة، عفنة، لا تصلح لطعام حيوان. قليل من اللبن، وربما لا. كأننا نأكل كي لا نموت فقط، لا كي نعيش.

والجسد؟

ثلاث دقائق للاستحمام بالماء البارد كل أسبوع. تخيّل أن عليك خلع ملابسك والركض نحو صنبور بارد كالسكاكين، وتغتسل وأعينهم تراقبك، وهم يضحكون. كانوا يسحقون آدمية أجسادنا.

أما العذاب؟

فلا حدود له. الضرب حتى الإغماء. الوقوف حتى تتورم القدمان. الشتم، الإذلال، التخويف، التنكيل. كانوا يحاولون سلخي عن نفسي، انتزاع اسمي، محو شكلي. حتى نسيت ملامحي.

لكن، رغم كل ما مررتُ به، لم تنكسر روحي. جسدي تهالك، وملامحي بهتت، لكن في داخلي بقي بصيص لا يُطفأ: الإيمان بأن الكلمة الحرة لا تُسجن، وأن الحقيقة، وإن حاصرها الجدار، فإنها تشق طريقها في العتمة.

خرجتُ من ظلام السجن لا كما دخلته، محمّلًا بوجع لا يوصف، لكنه وجع يُولد الوعي. أنا الصحفي المُحرر محمد قاعود، لم أنسَ وجهي، بل صنعتُه من جديد، من شظايا الألم، ومن ضوء الحقيقة الذي لا يغيب.

بقلم: سامي إبراهيم فودة

استشهاد المعتقل الأسير المسن: محمد إبراهيم أبو حبل في سجن سديه تيمان (1948م – 2025م)

قال تعالى:

“مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”

صدق الله العظيم.

إخوتي الأماجد، أخواتي الماجدات، أعزائي القرّاء، أحبّتي الأفاضل،

فما أنا بصدده اليوم هو تسليط الضوء على جريمة نكراء جديدة تُضاف إلى سجل جرائم الاحتلال الصهيوني الدموي بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

هذا هو حال الأسرى الفلسطينيين المعتقلين، القابعين في غياهب سجون الاحتلال، والذين يعانون ويلات الألم والمعاناة، وينتظرون موت الزؤام نتيجة سياسة الإهمال الطبي الممنهج والتجويع من قبل إدارة سجون الاحتلال.

وهذه الجرائم ليست إلا وجهًا آخر من أوجه الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المستمرة في غزة، وامتدادًا لها في معتقلات وسجون الاحتلال الصهيوني.

لقد اُغتيل الشهيد المعتقل المسن محمد إبراهيم حسين أبو حبل، البالغ من العمر 77 عامًا، من سكان قطاع غزة، في معسكر سديه تيمان التابع لجيش الاحتلال الصهيوني، نتيجة التعذيب والتجويع والإهمال الطبي المتعمد في سجون الاحتلال، حسب ما أفاد به جيش الاحتلال بتاريخ 10 يناير 2025،

رغم مرور قرابة خمسة شهور على استشهاده، ظلّ مصيره مجهولًا طيلة الشهور المنصرمة، ولم يُفصح الاحتلال عن ملابسات اغتياله، وما زال يحتجز جثمانه حتى هذه اللحظة.

يأتي إعلان استشهاد أبو حبل في محاولة للتضليل والتغطية على جرائم القتل المتعمد خلف قضبان السجون، ما يرفع عدد الأسرى الشهداء إلى 70 شهيدًا منذ بدء حرب الإبادة قبل عشرين شهرًا، منهم 54 من غزة، وهم فقط من تم التعرف على هوياتهم من قبل الجهات المختصة في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني.

أما منذ عام 1967، فقد ارتفع عدد شهداء الحركة الوطنية الأسيرة إلى 308 شهداء موثقة أسماؤهم وهوياتهم. وتُعد هذه المرحلة الفاصلة من عمر القضية الفلسطينية الأكثر دموية وقسوة في تاريخ الحركة الأسيرة، من حيث ظروف الاعتقال وأساليبه الوحشية.

الشهيد المعتقل المسن أبو حبل متزوج وأب لـ 11 ابنًا، وقد اعتُقل بتاريخ 12 نوفمبر 2024 من أمام ما يُعرف بـ «حاجز الإدارة المدنية”، ومنذ لحظة اعتقاله تعرض للتنكيل والتعذيب النفسي والجسدي.

وقد وثّقت المؤسسات الدولية والمحلية إفادات وشهادات الأسرى الفلسطينيين المُفرَج عنهم من سجون الاحتلال، وخاصة معسكر سديه تيمان، بأن غالبية الأسرى الذين ارتقوا شهداء من أبناء الحركة الوطنية الأسيرة، قضوا نتيجة جرائم:

التعذيب، أو الإهمال الطبي، أو التجويع، أو الاعتداءات الجنسية،

وتُعتبر حالات القتل البطيء والتعذيب القاسي أكثر ما تعرّض له معتقلو غزة.

طوبى لكم أبناء شعبنا الأبي في غزة، القابضين على الجمر.

المجد كل المجد لشهدائنا الأبطال.

الرحمة لشهيدنا البطل “أبو حبل”.

والخزي والعار لأعداء شعبنا، ومن لفّ لفيفهم من العملاء المأجورين.

والشفاء العاجل لجرحانا الأوفياء.

والحرية كل الحرية لأسرانا البواسل وأسيراتنا الماجدات في سجون الاحتلال

بقلم: حسن عبادي

فنٌّ لا يُجيده المتهوّرون ولا الجبناء طبعًا.. الشجاعة

“الغرفة الزهراء” هي زنزانة مميّزة في سجن نفحة الصحراوي/ أحد باستيلات الاحتلال، أزهرت رجالًا وأفكارًا وتحدّيًا وصمودًا، تولّدت من رحم العذاب والألم والمعاناة، ومن وحيها جاء عنوان رواية الأديب وليد الهودلي (رواية، 280 صفحة، تدقيق لغوي : د. عبد المجيد حامد، الصادرة عن دار يافا للنشر والتوزيع، رام الله، ومن مؤلفاته “مدفن الأحياء”، و”فرحة”، و”ليل غزة الفسفوري”، و”الشعاع القادم من الجنوب”، “ستائر العتمة”، “وهكذا أصبح جاسوسًا” وغيرها).

جاء الإهداء: “لأهل غزّة الكرام وأسرانا العظام”.

تتناول الرواية في 15 فصلًا؛ توحّش القمع في السجون، رومنسيات رغم أنف السجّان، العزل: موت داخل الموت، الزنزانة الزهراء تشارك في المعركة، البوسطة: رحلة على حافّة الموت، وكالة صقر الإعلامية، الإسراء والمعراج في السجن، مطاردة ساخنة للترانزستور، أشمّ رائحة السنوار، حبّ وعشق في الزنزانة الزهراء، نحو نهضة فكريّة، القائد الفذّ إسماعيل هنيّة، أحفاد أويس القَرَني، اغتيال سماحة السيّد، استشهاد فارس الطوفان.

تصوّر الرواية بكاميرا خفيّة صبيحة السابع من أكتوبر في زنزانة نفحاويّة تجمع نائل النوراني (نائل البرغوثي ابن الأربعة والأربعين عامًا في سجون الاحتلال)، وعلاء الصقر (علاء البازيان ابن الأربعين عامًا في السجون)، وعبد الناصر الطيراوي (عبد الناصر عيسى ابن الثلاثة والثلاثين عامًا في الأسر)، ونضال زلوم (ابن الثلاثة والثلاثين عامًا في غياهب السجون)، تمّ الإفراج عنهم في صفقة تبادل الطوفان، ورائد (ابن العشرين عامًا فقط خلف القضبان)، والسارد، حين تلقّوا خبر الطوفان؛ نعقت مكبّرات الصوت بطريقة استعراضيّة مستفزّة مُعلنة حالة استنفار وطوارئ… رافقها اقتحام أعداد هائلة من قوّة “نحشون” مزوّدة بكلّ أدوات القمع: جرّار الغاز، العِصيّ الحديديّة والكهربائيّة، والقيود الحديديّة والبلاستيكيّة، والبنادق التي ترمي بالرصاص المطّاطيّ، ومجموعة كلاب ضخمة ألبسوا وجوهها قوالب من شَبَك الحديد، وقلوب مليئة بالحقد والكراهية والعنصريّة السوداء.

تسير الرواية في خطّين، يبدوان متوازيَين: الأوّل مجزرة الإبادة الوحشيّة على غزّة، والآخر مجزرة العذاب الوحشيّ غير المسبوق في السجون، ويلتقي الخطّان بتحرّر أبطال الرواية في صفقة الطوفان.

عايش الهودلي أبطال روايته في تلك الزنزانة، وها هو يستحضرهم عن بُعد، يتقمّص شخصيّاتهم وينطق بلسانهم، يستنطقهم ويتخيّل تفكيرهم وشعورهم وما يمرّون به في تلك الساعات العصيبة، ويُضيف عليها قصصًا وحكايات واقعيّة، يرويها لهم على لسان نضال/ السارد، بلغة بليغة وأسلوب مشوّق؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر: “مذكّرات حارس أسيرة يهوديّة” (ص. 69)، “بطولات الجرّافة D9” (ص. 93)، “الفدائي المشتعل” (ص. 104)، “القصّة بعنوان الكرامة لا تنكسر أبدًا” (ص. 130)، “لم يعد الصمت محتمَلًا” (ص. 140)، “غزوة الطحين” (ص. 152)، “جنديّ يروي قصّة إعدامهم لطفل غزّة متلازمة داون (محمد بهار)” (ص. 168)، “ابن رجيم” (ص. 180)، “الأقصى في عين فتى الأردن الحرّ” (ص. 199)، وقصّة إبراهيم منصور والانتقام اللذيذ “راسك لتحت” (ص. 247).

تناول الكاتب وسائل التنكيل القمعيّة والوحشيّة تجاه الأسرى بعد السابع من أكتوبر؛ منها “الناعمة” ومنها “الخشنة”، وبات التهديد والوعيد سيّد الموقف؛

“قطع النقاش مكبّرات القسم تنعق بأقذع الشتائم والمسبّات : يا أخوات الـ… جعانين يا أولاد القـ… كيف صار السجن؟ خمس نجوم؟ ولله لتشوفوا نجوم الظهر، السجن من اليوم وطالع هو مكان للموت البطيء، هو الجحيم، جهنّم الحمرا، لازم تنسوا إنكم بشر، أنتم دون الحيوانات كثير كثير، الحيوانات أحسن منكم. اليوم بدّي أحضّركم فيلم من الآخر، إنه الآن يدخل الفورة بإمكانكم مشاهدته…” (ص. 43).

ومنها طقوس تقبيل العلم: “على كلّ أسير أن يحبو اتجاه علم “إسرائيل” العظيم، فيؤدّي له التحيّة، ويقبّله ثم يعود إلى غرفته” (ص. 10)، وكذلك الأمر: “حفلة اليوم اسمها حفلة بوس العلم، بدّنا كلنا نحيّي العلم “الإسرائيلي” الشامخ، الخروج من الغرف عُراة، نُقبّله من أعماق قلوبنا ثم نعود، ويا دار ما دخلك شرّ” (ص. 85).

كما تناول قائمة الممنوعات في السجون بعد السابع من أكتوبر؛ تمّت مصادرة كلّ ما في الغرفة: التلفاز، والراديوهات الصغيرة، والأجهزة الكهربائيّة، والملابس، والأغطية، وبعض ما يُؤكل من مشتريات “الكنتين”، والمصاحف، والكتب، وكراسات الذكريات، ومؤلّفات من يكتب منهم، وألبوم الصور التي جمعها كلّ منهم على مدار حبسته؛ صور أطفالهم على امتداد فترات عمرهم، منهم من كان طفلًا حتى صار عريسًا، مرورًا بالمدرسة والجامعة، كلّها قُذفت في الحاوية أمام أعينهم (ص. 56).

ممنوع الاحتجاج، ممنوع رفع الصوت، ممنوع الصلاة جماعة، ممنوع الخروج للفورة، الكهرباء حسب مزاج السجّان، الماء ساعة في اليوم، الزيارات ممنوعة، والعدد “وأنت على ركبك ورأسك للأرض”، ممنوع تمثيل اعتقالي وغيرها، والإهمال الطبيّ والقتل المتعمّد؛ استشهاد الأسير ثائر أبو عصب، على سبيل المثال (ص. 33).

تناول بحُرقةٍ التنكيل برموز الحركة الأسيرة: “جاؤوا برجل من قادة الحركة الأسيرة وهو عارٍ تمامًا، يداه مكبّلتان للخلف ومكبّل من قدميه، يجرّونه بسلسلة تُطبِق على رقبته، فقط مجرّد رؤية هذا الرجل، صاحب المقام العالي من حيث تاريخه الجهادي، وما قدّم من تضحيات وأعمال فدائيّة نوعيّة، وتاريخه الحافل في السجون… صاحب الشخصيّة الكاريزميّة المميّزة، يسوقونه هكذا عاريًا كما تُساق الدابّة… سحبوه إلى وسط الساحة بين الأسرى المُعذّبين، ثم أحضروا كلبًا وأفلتوه عليه، فانقضّ عليه الكلب لينشب مخالبه بوجهه وكلّ أنحاء جسده” (ص. 63). تمامًا كما سمعتُ من أسرى التقيتُهم ولم أنشره في حينه.

وكذلك الأمر: تهديد الأسرى بالاغتصاب، واستعمال اسم “الكابتن جورج” لم يكن محض صدفة، بل أخذني مجدّدًا إلى الكابتن “جورج” الذي عذّب واغتصب الشيخ مصطفى الديراني في حينه. ما أشبه اليوم بالأمس!

ومسرحيّة الضرب؛ إجبار الأسرى على ضرب زملائهم (ص. 138)، الانتهاكات الجنسيّة، والتهديد بالاغتصاب، والاغتصاب، والتصوير العاري (ص. 141)، وحفلة هجوم الكلب على الأسير (ص. 211)، وجحيم “سدي تيمان” (ص. 207 وص. 219).

صوّر طقوس التعارف بين المعتقلين الجدد والأسرى القدامى:

“لمّا جاء الدور للسكان القدامى في الغرفة، عرّف علاء باسمه، وقال عن فترة سجنه: أربع وأربعون –كعادته– على أن تُفهَم وكأنها شهور!” ((ص. 57).

وأخذتني إلى البدايات؛ فكلّ أسيرٍ التقيتُه عرّفني بسنوات الأسر التي لازمت اسمه، وكذلك الأهل؛ يقدّمون أنفسهم بالاسم وسنوات أسر قريبهم! ماركة فلسطينيّة مسجّلة للتعارف.

أشار الكاتب إلى أثر الرسالة ودورها بالنسبة للأسير (ص. 178)، وممّا لمستُه من تجربتي التواصليّة مع مئات الأسرى، وجدتها نَفَسًا للأسير. وحين قرأتها، أخذتني مجدّدًا للقائي بالأسيرة إخلاص صوالحة في سجن الدامون، حين وصلتْها رسائل العائلة ترقرقت الدمعة في عينيها، وقالت بعفويّة:

“الرسائل بتحييني وبتعطيني أمان، أصعب شي ع الأسير ينتسى، وهو زيّ العطشان لمّا يشوف الميّة”. وتلقّي الأسير خبر وفاة عزيز دون وداع (ص. 225–226)، وكم عايشتُ هذا المشهد وصعوبته، وخصّ بالذكر خبر وفاة المرحومة وفاء جرار (أم حذيفة) (ص. 235).

تناول الكاتب مجدّدًا ظاهرة “العصافير” المقيتة والحس الأمني (ص. 186)، تجنيد العملاء داخل السجن واكتشافهم (ص. 264)، وطقوس الأسر ومصطلحاته؛ قوى القمع: لِماز، متسادا، نحشون، كيتر، كولِس، الطنجير وغيرها.

ومن جهة أخرى، تناول الكاتب دور السنوار في ميدان المعركة، والعاروري في ميدان السياسة (ص. 149)، وكلاهما من خرّيجي تلك الغرفة الزهراء، وصورته من ذكريات عبد الناصر:

“من أكثر الناس الذين عرفتهم فهماً للعقل اليهودي… أتقن اللغة العبريّة، لم يدع شاردةً ولا واردةً كانت تصل إليها يداه إلّا وقرأها بنهم، يقرأ ويحلّل ويناقش، ثم فيما بعد صار يدرّس المشهد الصهيوني السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ والأمنيّ والاجتماعيّ والتاريخيّ والدينيّ بكلّ تفاصيل اختلافاته وتناقضاته وأبعاده العميقة مع تطبيقاته في واقع اليوم” (ص. 69). كما وتناول السابع من أكتوبر، هل هو غلطة أم ضربة معلّم؟ (ص. 83).

وكذلك العلاقة الجدليّة بين الداخل والخارج، بين قادة الحركة الأسيرة داخل السجون والقيادة خارجها (ص. 125)، تلخيص معركة الطوفان: الربح والخسارة (ص. 143–144)، وموبقات أوسلو في الخلفية (ص. 156).

تناول الكاتب ظاهرة سلاح “السيلفي” وتباهي الجنود بساديّتهم عبر الكاميرا: “لدى محبوبته الآن ألبوم من صور السيلفي التي قام حبيبها بتصويرها، وكان ختام كلّ عملية تدميريّة يتفنّن فيها في الخراب وسحق المنازل الجميلة والأحياء البديعة، فيُرسل صورتين؛ صورة قبل ما تفعل جرّافته فعلها، وصورة بعد أن تظهر تجلّياتها الفظيعة” (ص. 94).

وكذلك الأمر: “كان هناك بيت جميل مبنيّ بطريقة مميّزة، توقّعنا أن هذا الجمال سيثير شهيّتهم لتدميره، وسوف يتصوّرون معه قبل وأثناء وبعد تدميره، كي يتسنّى لهم إرسال صورهم معه لأحبابهم” (ص. 174).

جاء استعمال الأمثال الشعبيّة في الرواية موفّقًا، حيث أضفى على النصّ بعدًا شعبيًّا نابضًا بالحياة، وأكسب السرد طابعًا أصيلًا يجسّد الوجدان الجمعي الفلسطيني. فالرواية زخرت بأمثال متداولة في الحياة اليوميّة، عكست بسخرية مرة وعمق تلقائيّ دلالات الواقع السياسي والاجتماعي، منها: “ما بردّ على الرطل إلّا رطلين”، “يم مثل غراب البين”، “دخول الحمّام مش مثل الخروج منه”، “ما بظلّ في الوادي إلّا حجارته”، “ضرب الحبيب زبيب”، “لمّا بيجي الصبي بنصلّي على النبي”، “بسيح الثلج وببان المرج”، “الريحة ولا العدم”، “ويا عينك ما تشوف إلّا النور”، و”مثل شاهد الزور، مكرّم في الروحة ومبهدل في الرجعة”. كما استُخدمت تعابير رمزيّة معبّرة مثل “القصّة ليست طبخة مقلوبة رأسمالها تلزق في قاع الطنجرة”، و”ويا دار ما دخلك شرّ”، “اربط الحجش محلّ ما بدّو صاحبه”، و”الساكت عن الحق شيطان أخرس”. كذلك وظّف الكاتب أمثالًا دارجة تعكس التمرّد والتحدّي مثل: “عنزة ولو طارت”، و”اللي على راسه بطحة بحسّس عليها”، و”صبّ الزيت على النار”، و”عمره ذنب الكلب ما بصحّ”، وكلّها شكّلت أدوات بلاغيّة زادت النصّ حيويّة وارتباطًا بالبيئة الثقافيّة التي يتناولها.

ملاحظات لا بدّ منها

غاب التحرير عن الرواية، فوقعت أخطاء مطبعيّة جسيمة؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر:

“جيتر” بدل كيتر (ص. 15)، عدد القرى المهجّرة حوالي 530 وليس 360 (ص. 80)، الياسين 501 بدل 105 (ص. 88)، قُتلت راشيل كوري عام 3002 بدل 2003 (ص. 105)، إف 53 بدل 35 (ص. 107)، إف 61 بدل 16 (ص. 107)، “هجرونا سنة 84” بدل 48 (ص. 113)، وحدة المخابرات “الإسرائيليّة” 8200 وليس 2008 (ص. 253)، حزب “عظمة يهودية – عوتسما يهوديت” وليس “عظمة (إسرائيل) “. وأخيرًا؛ راقت لي العَصفرة (ص. 265)، وكذلك أمر نهاية الرواية: “طوفان الوعي الذي أنتجته غزّة لن يتوقّف. تحرير الأمّة يحرّر فلسطين، وتحرير فلسطين يحرّر الأمّة”.

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

“سدي تيمان”.. حين يُجلد الجسد الفلسطيني في معتقل الصمت الدولي

في أقصى صحراء النقب، حيث لا ظلّ إلا للحديد ولا رائحة سوى العفن الممزوج بالدم، يقع معتقل مجهول، لا تُلتقط له صور، ويُفترض أنه “معسكر احتجاز مؤقت”. هناك، حيث تشتعل الأرض حتى تحرق الأخمص، ينزف جرحٌ فلسطيني اسمه “سدي تيمان” — معتقل إسرائيلي تحوّل إلى نسخة أشد توحّشًا من غوانتانامو، وربما فصلًا جديدًا من كتاب الجحيم، لا يكتبه الشيطان بل الدولة التي ترفع شعار “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. هذا المعتقل، الذي بدأت معالمه تتكشّف بعد 7 أكتوبر 2023، صار اليوم تحت مجهر العالم بفضل الكتاب الصادم للمحامي والباحث الحقوقي علي أبو هلال، المعنون: “معتقل سدي تيمان: سجان بلا قضبان” — وثيقة دامغة عن جريمة جماعية تُرتكب في الظل، وتُحفظ في ذاكرة شعبٍ لا يزال يتعلم كيف ينجو وهو يُباد.

الكتاب ليس سردًا صحفيًا تقليديًا، ولا دراسة قانونية جافة، بل مزيج نادر من التحقيق الحقوقي والسرد التوثيقي والنداء الإنساني. يستند إلى عشرات الشهادات لناجين لم يكن يُتوقع خروجهم أحياء، بل كأشلاء تنطق بقصص يصعب تصديقها، لولا أن الكاميرا — في لحظة نادرة — التقطت بعض مشاهدها. يقول أبو هلال: “سدي تيمان ليس سجنًا… هو ماكينة تدمير نفسي وجسدي هدفها كسر الكرامة الفلسطينية وتحويل الإنسان إلى كائن ممحو”.

الرعب يبدأ منذ لحظة الاعتقال: لا تهم، لا لوائح اتهام، لا محاماة، ولا أوامر قضائية. يكفي أن تكون فلسطينيًا أو موجودًا في منطقة يُراد تطهيرها عرقيًا، لتُحتجز كمقاتل “غير شرعي” — توصيف سنّه الكنيست الإسرائيلي بعد أكتوبر، لفتح باب الاحتجاز بلا حماية قانونية. في “سدي تيمان”، يُعامل المعتقل ككائن أدنى، بلا اسم أو رقم. يبدأ التعذيب من الأرض: الركل، الشتم، التجريد من الملابس، الضرب العشوائي، وربط اليدين خلف الظهر لساعات. ثم تأتي “المرحلة التنظيمية” من التعذيب: أساليب ترويض ممنهجة لا تخطر على بال.

من أبشع الشهادات التي يوردها أبو هلال، شهادة وديع عبد البادي، لاعب كرة القدم الغزّي، الذي بُترت ساقه بعد أن قُيّد بالأرض لثلاثة أيام دون تدخل طبي رغم الصراخ والغرغرينا. قال: “صرخت، توسّلت، بكيت… ثم توقفت. صار الألم جزءًا منّي. تمنّيت فقط أن يقتلوني”. ويضيف: “كانوا يضحكون قائلين: انتهت مسيرتك الكروية يا إرهابي!”. أما سفيان أبو صلاح، فدخل المعتقل سليمًا وخرج بساق واحدة بعد أن تعفّنت جروحه أمام أطباء عسكريين رفضوا علاجه بقولهم: “جراحكم جزء من عقوبتكم، وليس لكم حقّ في العلاج”.

أما “غرفة الديسكو”، فلا تشبه أي شكل معروف من التعذيب. مجهزة بمكبّرات صوت ضخمة، تبث موسيقى صاخبة، بينما يُجبر المعتقلون على الوقوف لساعات تحت الضرب بالعصي الكهربائية، متناغمًا مع إيقاع الموسيقى. الكلاب البوليسية تُطلق عليهم، والأضواء القوية تُستخدم لعزلهم عن الإحساس بالزمن والمكان. أحدهم قال: “سمعت صراخ من سبقني، ثم دخلت. لم أعد أعرف إن كان ليلًا أم نهارًا. خرجت فاقد الشعور، وفقدت القدرة على التبول الطبيعي لشهرين”.

أما التعذيب الجنسي، فحدّث ولا حرج: اغتصاب جماعي بأدوات حديدية، إجبار المعتقلين على التعرّي أمام بعضهم، تصويرهم عراة أمام العلم الإسرائيلي، تهديدهم بنشر الصور لعائلاتهم، الصعق بالأعضاء التناسلية، وتقديم الطعام في أوعية ملوثة بالبول أو البراز. كاميرا داخلية وثّقت واقعة اغتصاب جماعي في أغسطس 2024، تسرّبت لاحقًا، لكن القضاء الإسرائيلي رفض التحقيق بحجّة أن الفيديو “مجتزأ من سياقه”!

يكشف أبو هلال عن منظومة متكاملة من الانتهاك: تبدأ بالاعتقال وتنتهي بالتشريع. الكنيست لعب دورًا حاسمًا في تقنين الجريمة عبر قوانين استثنائية تتجاوز القانون الدولي. المحكمة العليا، رغم اعترافها بوجود تجاوزات، رفضت إغلاق المعتقل أو فرض الرقابة عليه بذريعة “ضرورات الأمن القومي”. وزراء وأعضاء كنيست زاروا المعتقل وهتفوا من داخله: “لا رحمة للإرهابيين!”. الجلّاد لم يكن فردًا… بل مؤسسة.

أما دوليًا، فالصمت فاضح حدّ التواطؤ. الأمم المتحدة اكتفت ببيان إدانة باهت. الإعلام الغربي تعامل مع الكتاب كـ “رواية أحادية”، رغم وجود فيديوهات، تقارير طبية، وشهادات موثقة. الأخطر: وجود ممثلين عن USAID في اجتماعات مغلقة بسدي تيمان، دون تعليق رسمي أمريكي حتى اللحظة — ما يثير الشبهات حول دعم دولي غير معلن لهذا الجحيم.

في ختام الكتاب، يتحول أبو هلال من راوي إلى مدّعٍ عام، ويقدّم لائحة اتهام مفتوحة للعالم كله، مطالبًا بـ:

1.    محاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الأوروبية.

2.    تشكيل لجنة تقصّي حقائق محايدة تضم خبراء حقوقيين وأطباء نفسيين شرعيين لمقابلة الناجين.

3.    إنشاء أرشيف مفتوح لشهادات المعتقلين، ليكون وثيقة حيّة ضد النسيان.

4.    الضغط على الحكومات الغربية لوقف تمويل الجيش الإسرائيلي ومحاسبة التناقض بين خطابها الحقوقي ودعمها للانتهاكات.

ويختم بجملة تلخّص كل شيء:

“هذا الكتاب ليس وثيقة عن الموت… بل شهادة على حياة ترفض أن تنكسر. سدي تيمان محاولة لدفن الصوت الفلسطيني، لكنها، ككل ما يفعلونه… لا تنجح. نحن لا نُكسر، بل نُروى.”

في النهاية، لا يبدو أن سدي تيمان سيُغلق قريبًا، لكن ما تغيّر أن الحقيقة خرجت. صار للضحايا أسماء، وللندوب رواة، وللجريمة لسان. السؤال لم يعد: “هل ما يحدث هناك حقيقة؟” بل:

“كم من الوقت يمكن للعالم أن يصمت، دون أن يسقط من ضمير الإنسانية؟”

أجرى اللقاء: بن معمر الحاج عيسى

المحامي علي أبو هلال لـ “الأيام نيوز”: كتاب “معتقل سدي تيمان” توثيق إنساني لجحيم الأسر الفلسطيني

“سدي تيمان : صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية” كتاب جديد وهام يوثّق جانبًا مظلمًا من معاناة الشعب الفلسطيني، بقلم الكاتب والمحامي والمحاضر الجامعي في القانون الدولي، الأستاذ علي عبد الله أبو هلال، ابن القدس، الذي يواصل مسيرته الفكرية والحقوقية الغنية بالعطاء. ويُعد أول وثيقة شاملة تُسلّط الضوء على واقع الأسرى الفلسطينيين في هذا المعتقل الإسرائيلي سيّئ الصيت، الذي يشهد – بحسب وصف وزير الأسرى الفلسطيني السابق عيسى قراقع – على “مكان للموت البطيء واستهداف حياة المعتقلين من خلال أصناف مروعة من التعذيب والإهانات والممارسات اللاإنسانية.”

ويأتي هذا الإصدار ليضيف بعدًا توثيقيًا وإنسانيًا لملف الأسرى، مُظهِرًا الجوانب القانونية والسياسية والاجتماعية لما يتعرض له المعتقلون في “سدي تيمان”، مستندًا إلى شهادات حية ووقائع دامغة توثق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وكان الأستاذ أبو هلال قد أصدر في وقت سابق كتابه القيّم “المرأة الفلسطينية: واقع وتحديات”، الذي لاقى صدى واسعًا في الأوساط الأكاديمية والحقوقية، ويواصل اليوم أداء رسالته في الدفاع عن قضايا شعبه من خلال الكلمة والوثيقة والموقف.

وفي هذا السياق، كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ علي أبو هلال، للحديث عن أبرز ما ورد في كتابه، وأبعاده القانونية والسياسية والإنسانية.

المحور الأول: الخلفية والدوافع

سؤال: ما الدافع الذي جعلك تكتب هذا الكتاب عن معتقل “سدي تيمان” تحديدًا؟

جواب: قبل أن أكتب هذا الكتاب، كنت أكتب مقالًا أسبوعيًا منذ عدة سنوات في جريدة القدس الفلسطينية التي تصدر في القدس المحتلة، وأنشر هذا المقال في العديد من الصحف العربية والمواقع الإلكترونية، ومن ضمنها صحف في دولة الجزائر الشقيقة.

وكانت هذه المقالات تركز على أهم حدث فلسطيني خلال الأسبوع، وكنت أعطي الأولوية للحدث الأسبوعي المتعلق بأوضاع الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال والانتهاكات التي يتعرضون لها من قبل سلطات الاحتلال.

ولما بدأت تتسرب المعلومات عن معتقل “سدي تيمان”، أوقفت المقال الأسبوعي وبدأت أرصد هذه المعلومات عن هذا المعتقل السري، الذي تُرتكب فيه انتهاكات جسيمة وجرائم خطيرة غير مسبوقة ضد المعتقلين والأسرى المحتجزين فيه.

وعندها خطرت ببالي فكرة كتابة كتاب يكشف هذا المعتقل، الذي وصفه أحد جنود الاحتلال بأنه “مقبرة للأحياء”، وليس سجنًا عاديًا، لتوثيق الجرائم التي تُمارس ضد المعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث جرى خلاله اعتقال الآلاف من أبناء غزة في ظروف غير إنسانية لم تشهدها الإنسانية من قبل.

ومن هنا نشأت لدي الرغبة بكتابة هذا الكتاب، الذي استغرق وقتًا يزيد على سنة كاملة.

لم تتوفر للكاتب مراجع أو مصادر كافية لهذه الدراسة الحديثة، ما جعله يعتمد على ما كُتب من مقالات وأخبار وتقارير ومعلومات منشورة في وسائل الإعلام المختلفة، وعلى مواقع المؤسسات والمنظمات المختصة، إضافة إلى ما تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي حرص الكاتب على توثيقها.

وتكمن أهمية الدراسة في أنها محاولة جريئة لكشف الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى والمعتقلين في معتقل سري داخل معسكر “سدي تيمان”، لا تتوفر فيه الشروط والمعايير القانونية والإنسانية لأماكن الاحتجاز والاعتقال والسجون الدولية، حيث مورست فيه أقسى وأبشع أشكال التعذيب المُشرعن والمُمنهج والمميت، بما يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويرتقي إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

وأبرزت الدراسة مسؤولية “إسرائيل”، القوة القائمة بالاحتلال، عن هذه الجرائم، كما سلطت الضوء على مسؤولية المجتمع الدولي والقضاء الدولي في ملاحقة مسؤولي الاحتلال ومحاكمتهم أمام القضاء الدولي حتى لا تفلت هذه الجرائم من العقاب.

كما كشفت الدراسة عن تقصير المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة في وقف هذه الجرائم، وعجز القضاء الدولي عن تحمّل مسؤولياته القانونية والإنسانية تجاهها.

سؤال: كيف جمعت هذا الكم الكبير من الشهادات والتقارير في ظل التعتيم الإعلامي الإسرائيلي؟

جواب: نعم، مرت عدة شهور قبل أن يتم الكشف عن هذا المعتقل السري، وعن الجرائم التي تُرتكب بحق المعتقلين المحتجزين فيه.

بدأت الصحف الإسرائيلية والأمريكية والأجنبية، ثم الفلسطينية والعربية، والقنوات التلفزيونية، بنشر ما يتسرب من معلومات من داخل المعتقل.

وكانت هذه المعلومات والتقارير شحيحة، في ظل منع سلطات الاحتلال منظمة الصليب الأحمر، والمحامين، والصحفيين من زيارة المعتقل والكشف عما يجري فيه من جرائم.

لاحقًا، نشرت بعض الصحف الإسرائيلية والأمريكية تقارير عن هذا المعتقل، وشهادات لمعتقلين مدنيين تم الإفراج عنهم، من بينهم عاملون في خدمات الإغاثة الطبية والهلال الأحمر الفلسطيني من قطاع غزة، وكانت هذه الشهادات مروعة، كما وصفتها وسائل الإعلام.

وقد شكلت هذه الوسائل الإعلامية المصدر الوحيد للمعلومات عن المعتقل. قمت برصد وتوثيق هذه المعلومات والشهادات، والاستناد إليها في كتابة الكتاب، بالإضافة إلى أحد التقارير الذي نشره أحد المحامين الفلسطينيين بعد أن سُمح له بزيارة المعتقل عقب الكشف الإعلامي عن وجوده.

سؤال: هل واجهت صعوبات أو تهديدات أثناء إعداد هذا العمل التوثيقي؟

جواب: خلال كتابة هذا الكتاب، الذي استغرق ما يزيد على سنة ونصف، بقي عملي محصورًا في توثيق المعلومات المسربة من وسائل الإعلام التي ذكرتها، والتي كانت المصدر الوحيد المتاح.

لم يكن هذا الجهد مكشوفًا لأحد حتى لحظة إصدار الكتاب، ولم أتعرض حتى الآن لأي تهديد.

المحور الثاني: مضمون الكتاب

سؤال: كيف تصف معتقل “سدي تيمان” من حيث طبيعته ووظيفته العسكرية والأمنية؟

جواب: تضمَّن الكتاب وصفًا دقيقًا للمعتقل وطبيعته، باعتباره معسكرًا تابعًا لجيش الاحتلال، وقد تم تحويل جزء منه إلى معتقل سرّي للأسرى. خُصّص الفصل الأول من الكتاب لهذا المعتقل، وجاء فيه:

“سدي تيمان” (بالعبرية: מחנה שדה תימן) هو قاعدة عسكرية إسرائيلية متعددة الوحدات، تتبع للقيادة الجنوبية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتقع بالقرب من مطار سدي تيمان (مطار بئر السبع)، على بُعد 5 كم شمال غرب بئر السبع، و5 كم شمال قاعدة حتسريم الجوية.

تضم القاعدة مقر لواء جفعاتي، وقاعدة الشرطة 392، ووحدة قيادة “هاشيل” التابعة للشرطة العسكرية، والمجمّع الميداني اليمني (665) التابع للقيادة الجنوبية، ووحدة قيادة سلاح الهندسة، ومركز الإمداد العسكري، والفرقة 16، ومقر اللواء، ومقرًا بديلًا لمديرية التنسيق والارتباط (غزة)، إضافة إلى وحدات أخرى.

أنشأ الانتداب البريطاني المعسكر سنة 1942، كجزء من حملة الشرق الأوسط في الحرب العالمية الثانية، وذلك في منطقة صحراوية تضم حظائر كبيرة. وفي خمسينيات القرن الماضي، أُنشئت القاعدة الإسرائيلية، وأُطلق عليها اسم “حقل اليمن”، بعد عملية “بساط الريح”.

في ديسمبر 2023، تم تحويل القاعدة جزئيًا إلى معتقل، بعد تمرير بعض القوانين في الكنيست الإسرائيلي، في أعقاب العدوان على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. وقد أُقيمت في المعتقل أربعة أقسام، خُصصت لاعتقال مئات الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال الاجتياح البري لقطاع غزة.

سؤال: ما أبرز الأساليب الوحشية التي رصدتها في تعذيب الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقل؟

جواب: مارست سلطات الاحتلال وجنود المعسكر وسائل متعددة لتعذيب المعتقلين الفلسطينيين داخل هذا المعتقل، بحسب التقارير الحقوقية والشهادات الحية والمباشرة، ومن أبرزها:

استخدام المعتقلين كدروع بشرية.

إبقاء المعتقلين مقيّدين بشكل دائم، وبعضهم تعرّض لبتر أطراف بسبب القيود والأصفاد.

انتهاكات وامتهان للكرامة، واستخدام التعذيب الجنسي.

إجبار المعتقلين على الوقوف لساعات طويلة، وضربهم بالهراوات، وترك الجرحى دون علاج.

إحاطتهم بالجنود المسلحين، ومهاجمتهم بالكلاب البوليسية، والصعق بالكهرباء.

السماح باستخدام دورة المياه لمدة دقيقة واحدة فقط، ومن يتجاوز الوقت يتعرض للعقوبات، بما في ذلك الضرب والتنكيل والاعتداء الجنسي.

منعهم من الاستحمام، إذ يُسمح لكل معتقل بالاستحمام دقيقة واحدة فقط أسبوعيًا.

التجويع، وعدم تقديم الطعام الكافي، وغياب الفرشات والأغطية.

أدّت هذه الأساليب إلى وفاة العشرات من المعتقلين.

سؤال: ما الفرق – من حيث العنف والانتهاكات – بين “سدي تيمان” وغيره من سجون الاحتلال؟

جواب: تم استخدام العنف في معتقل “سدي تيمان” بشكل مفرط من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، دون أي رقابة، ما أدّى إلى مقتل العشرات من المعتقلين، رغم تشابه بعض أساليب العنف مع تلك المستخدمة في سجون الاحتلال الأخرى.

المحور الثالث: الشهادات الحيّة

سؤال: أيّ شهادة من الشهادات التي وثقتها في الكتاب أثّرت بك شخصيًا ولماذا؟

جواب: جميع الشهادات التي وردت في الكتاب تضمّنت وسائل تعذيب وحشية وغير إنسانية، وكانت مؤثرة للغاية. ومن أبرزها شهادة المعتقل محمد الكردي (38 عامًا)، وهو سائق سيارة إسعاف، احتُجز في ذلك المعسكر أواخر عام 2023، حيث قضى 32 يومًا، لكنه شعر أنها كانت 32 سنة، على حدّ تعبيره.

كما أثّرت بي شهادة الأسير المُحرَّر سفيان أبو صلاح، الذي قال:

“اعتقلوني وأنا بكامل صحتي، لا أشكو من شيء، وخرجت من السجن بساق واحدة، وسأكمل حياتي معاقًا.”

وأخرى مروّعة للأسير المُحرَّر إبراهيم عاطف سالم، الذي قال:

“خلال فترة الاعتقال تعرّضتُ لصعق كهربائي في أماكن مختلفة.”

وقد عانى تحت وطأة التعذيب والانتهاكات، من الضرب المبرح إلى الصعق بالكهرباء، والبصق المتعمّد، وتركه عاريًا في غرف يغمرها الصقيع.

وفي شهادة الأسير المُحرَّر وليد أنور الخليلي، وردت تفاصيل التعذيب الذي تعرّض له منذ لحظة اعتقاله أثناء محاولته إسعاف مواطنين فلسطينيين في منطقة تل الهوا غرب مدينة غزة، وحتى وصوله إلى معتقل “سدي تيمان” ثم إلى سجن النقب.

أفاد بأن جيش الاحتلال قتل مصابين فلسطينيين كانوا برفقته، رغم ارتدائه زي الطواقم الطبية، وتعرّض للضرب المبرح على يد أكثر من 20 جنديًا إسرائيليًا، قبل نقله عبر دبابة “ميركافا” إلى “سدي تيمان”. أخبره الجنود حينها أن “مصيره الموت”، هو وباقي الأسرى.

أكّد الخليلي أن المعتقلين الفلسطينيين هناك يتعرّضون لتعذيب شديد، وينزفون بعد جولات التعذيب دون أن يُقدّم لهم أيّ علاج. كما كشف عن حالات اغتصاب وانتهاكات خطيرة بحق الأسرى داخل المعتقل.

وتؤكد شهادته أن معتقل “سدي تيمان” مخصّص للقتل، لا للاعتقال، كما هو الحال في السجون الأخرى.

سؤال: كيف تعاملتَ مع الضحايا الذين مرّوا بتجارب صادمة؟ وهل شعروا أن روايتهم ستُحدث فرقًا؟

جواب: جميع ضحايا التعذيب صُدموا من حجم الوحشية التي مورست بحقهم. أحدهم، الذي قضى 32 يومًا في معتقل “سدي تيمان”، وصفها بأنها كانت كأنها 32 سنة، في تعبير عن عمق المعاناة.

هذه الروايات تُحدث فرقًا بلا شك، وتصدم كل من يقرأها. ويكفي أن نذكر صورة الأسير إبراهيم سالم، التي انتشرت عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو واقف، مغمض العينين، مكبّل اليدين، خلف قفص مليء بالأسلاك الشائكة – مشهد يُجسّد حجم القسوة التي تعرّض لها، والتي كانت، بحسب قوله، “عقابًا له من السجّان”.

المحور الرابع: الموقف الحقوقي والقانوني

سؤال: كيف تقيّم استجابة المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية لهذه الجرائم؟

جواب: أدانت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية المعنية بشؤون الأسرى جرائم التعذيب التي مارستها قوات الاحتلال بحق المعتقلين في معسكر “سدي تيمان”، وطالبت بفتح تحقيق دولي مستقل ونزيه، ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم، والعمل الفوري على إغلاق المعتقل.

لكن تأثير هذه المؤسسات ما يزال محدودًا على سلطات الاحتلال، وإمكاناتها لا ترقى للتأثير الدولي المطلوب. وهي بحاجة لتفعيل علاقاتها مع المؤسسات الحقوقية الدولية، والتوجه الجاد إلى المحكمة الجنائية الدولية، من خلال تقديم التقارير التي توثق جرائم الاحتلال بحق الأسرى، والمطالبة بفتح تحقيق رسمي، ومحاكمة المسؤولين عنها. كما ينبغي تعزيز التنسيق مع المؤسسات الحقوقية العربية، لدعم طرح ملف الأسرى على المستوى الدولي، عبر المنظمات التابعة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية.

أما المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية، فقد أدّت دورًا مهمًا في البداية، بكشف وجود المعتقل وما يُرتكب فيه من جرائم تعذيب. ففي مايو/أيار 2024، قدّمت خمس منظمات إسرائيلية (جمعية حقوق المواطن، أطباء لحقوق الإنسان، مركز حماية الأفراد، اللجنة لمناهضة التعذيب، و”مسلك-جيشا”) التماسًا إلى المحكمة العليا، طالبت فيه بوقف التعذيب في معتقل “سدي تيمان” وإغلاقه، بعد مناشدات متكررة للحكومة والجيش لم تلقَ أي استجابة.

غير أن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت في 18 سبتمبر/أيلول 2024 هذا الالتماس، وأكّدت فقط أن الحكومة “ملزَمة باحترام القانون” داخل المعتقل. ومنذ ذلك الوقت، لم تُسجَّل أي جهود إضافية فعّالة من هذه المنظمات لوقف الجرائم أو لإغلاق المعتقل، ما يجعل دورها محدودًا وغير مؤثر على قرارات سلطات الاحتلال.

سؤال: ما ردّ الفعل الدولي تجاه ما يجري في “سدي تيمان”؟ وهل ترى أنه كافٍ؟

جواب: أدانت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية جرائم التعذيب التي يرتكبها الاحتلال بحق الأسرى في معتقل “سدي تيمان”. وأصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بتاريخ 31 تموز/يوليو 2024، تقريرًا حول الاحتجاز التعسفي والمطوَّل ومنع الاتصال لآلاف الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023. وتناول التقرير ادعاءات خطيرة بممارسة التعذيب، وسوء المعاملة، والاعتداءات الجنسية بحق رجال ونساء فلسطينيين.

كما أدان خبراء أمميون مستقلون ما يجري في “سدي تيمان”، ووصفوا تقارير التعذيب والعنف الجنسي بأنها “غير قانونية تمامًا ومثيرة للاشمئزاز”، مؤكدين أنها لا تمثل سوى “غيض من فيض” من الانتهاكات التي يغذّيها الإفلات الكامل من العقاب.

ورغم هذه الإدانات، إلا أن المواقف الدولية بقيت ضعيفة، ولم ترقَ إلى مستوى المسؤولية القانونية والإنسانية المطلوبة لوقف الجرائم بحق الأسرى، ومحاسبة مرتكبيها من جنود وقادة الاحتلال. فلا تزال هذه الجرائم مستمرة، في ظل غياب أي إجراءات دولية حقيقية وفاعلة.

سؤال: ما الانتهاكات القانونية الدولية التي ارتكبتها “إسرائيل” بحسب تحليلك في الكتاب؟

جواب: إنّ الجرائم التي ترتكبها “إسرائيل”، القوة القائمة بالاحتلال، في معتقل “سدي تيمان”، تُشكّل انتهاكًا خطيرًا وجسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، وكافّة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وخاصة:

• انتهاك اتّفاقيّة جنيف الرّابعة لعام 1949

تؤكّد اتّفاقيّة جنيف الرابعة أنّ التعذيب الذي تمارسه “إسرائيل” بحقّ الأسرى والمعتقلين في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، يُشكّل انتهاكًا صارخًا وجسيمًا لنصوص وروح الاتفاقية، ويُرتّب عليها المسؤولية الدَّولية أمام المجتمع الدَّولي. كما تحظر الاتفاقية الرابعة التعذيب والمعاملة القاسية والمُهينة للأسرى، وفقًا للمادّة (76)، التي تُشدّد على أنّ الأسرى يجب أن يُحفَظوا في ظروف صحيّة، وأن يتلقّوا غذاءً كافيًا لضمان بقائهم بصحة جيدة.

• انتهاك اتفاقيّة جنيف الثّالثة لعام 1949

يُعتبر تعذيب الأسرى والمعتقلين انتهاكًا جسيمًا لاتفاقيّة جنيف الثالثة بشأن الأسرى لعام 1949، وذلك في موادّ واضحة ومحددة نصّت عليها الاتفاقية. ويتّضح من نصوص موادّ هذه الاتفاقية، أنّ “إسرائيل”، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، قامت بتعذيب الأسرى والمعتقلين في معسكر “سدي تيمان”، وفي المعتقلات والسجون الإسرائيلية الأخرى، بما يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للاتفاقية، ويرتقي إلى ارتكاب جرائم حرب بحقّ الأسرى والمعتقلين. وهي بذلك تتحمّل المسؤولية الجنائية الدَّولية أمام المجتمع الدَّولي، ولدى القضاء الجنائي الدَّولي، وخصوصًا لدى المحكمة الجنائية الدَّولية.

• انتهاك صارخ للشّرعة الدَّولية لحقوق الإنسان

إنّ التعذيب الذي مارسته قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقّ الأسرى والمعتقلين في معسكر “سدي تيمان” وغيره من السجون والمعتقلات الإسرائيلية، يُشكّل انتهاكًا خطيرًا للشرعة الدَّولية لحقوق الإنسان، وخاصة:

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

العهد الدَّولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

العهد الدَّولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وسوف نعرض نصوص الموادّ الواردة فيها والتي تحظر وتُجرّم التعذيب.

• انتهاك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948

أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على حظر التعذيب وغيره من المعاملات أو العقوبات القاسية، اللاإنسانية أو المُهينة. كما يكفل الإعلان الحقّ في الكرامة الإنسانية، التي تمتدّ لتشمل الحقّ في دفن كريم، وأنّ احتجاز الجثامين يُعتبر انتهاكًا لهذه الكرامة. وتنص المادة (26) من الإعلان على أنّ لكلّ شخص الحقّ في التعليم، وينبغي أن يكون التعليم متاحًا ومتساويًا للجميع، وبالتالي، يجب أن يشمل هذا الحقّ الأفراد المحتجزين.

• انتهاك العهد الدَّولي للحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) لسنة 1966

يحظر العهد الدَّولي للحقوق المدنية والسياسية استخدام التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية أو المُهينة. وتؤكّد المادة (7) من العهد أنّه “لا يجوز إخضاع أيّ شخص للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة”.

وتنص المادة (9) من العهد نفسه على أنه لا يجوز احتجاز أحد بشكل تعسّفي، وأنّ لكلّ شخص محتجز الحقّ في أن يعرف سبب احتجازه، وأن يُحاكَم بشكل عادل. ويُعدّ الإخفاء القسري انتهاكًا مباشرًا لهذا الحق.

• انتهاك اتّفاقيّة مناهضة التّعذيب لعام 1984

إنّ قيام “إسرائيل”، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحقّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، وممارسة أبشع وأقسى أنواع التعذيب بحقّ الأسرى والمعتقلين في معسكر “سدي تيمان”، وغيرها من المعتقلات والسجون الإسرائيلية، وخاصة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، يثير الشكّ في رغبة “إسرائيل” في الالتزام باتّفاقيّة مناهضة التعذيب، رغم توقيعها عليها، وحتى لو صادقت على البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية. وهذا يُرتّب عليها المسؤولية الجنائية الدَّولية أمام المجتمع الدَّولي، ولدى القضاء الجنائي الدَّولي، وخاصة المحكمة الجنائية الدَّولية، ويُؤكّد مدى الانتهاك الصارخ من قبل “إسرائيل” لنصوص وروح اتّفاقيّة مناهضة التعذيب.

• انتهاك اتفاقيّة حقوق الطّفل لسنة 1989

رغم أنّ هذه الاتفاقية كفلت حمايةً خاصّةً للأطفال، ووفّرت لهم معاملة إنسانية وحقوقية متميّزة، نظرًا لكونهم من الفئات الضعيفة، إلا أنّ الاحتلال لم يأخذ بعين الاعتبار هذه الحماية. بل أمعن في انتهاكها الخطير، من خلال ممارساته العنيفة بحقّ الأطفال.

وقد انتهكت “إسرائيل” اتفاقية حقوق الطفل (CRC) لسنة 1989، التي تؤكّد على أنّ اعتقال الطفل يجب أن يكون الخيار الأخير، ولأقصر مدّة ممكنة. وتُعطى الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى، وتُضمن حقوقه في التعليم، والحماية من العنف، والوصول إلى محاكمة عادلة.

وتنص المادة (37) من الاتفاقية على أنّه “لا يجوز تعريض أيّ طفل للتعذيب أو غيره من المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة، ولا يجوز حرمان الأطفال من حريتهم بصورة غير قانونية أو تعسفية”.

المحور الخامس: الجانب السياسي والإعلامي

سؤال: كيف ترى دور الإعلام الإسرائيلي في كشف – أو التستّر على – جرائم “سدي تيمان”؟

جواب: كانت وسائل الإعلام والصحافة “الإسرائيلية”، هي الجهات “الإسرائيلية” الأولى التي كشفت عن وجود السجن في معتقل معسكر “سدي تيمان”، ونشرت أعمال التعذيب القاسية والمميتة، التي تُرتكب بحقّ الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجن.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “هآرتس” “الإسرائيلية” أنّ 48 أسيرًا فلسطينيًّا قُتلوا داخل السجون “الإسرائيلية” منذ بداية الحرب على غزّة، منهم 36 أسيرًا من قطاع غزّة قُتلوا في سجن “سدي تيمان”.

وفي تحقيقٍ نشرته الصحيفة، كشف فيه طبيب “إسرائيلي” يعمل في “سجن سري” أنشأه جيش الاحتلال “الإسرائيلي” في النقب، عن بتر أقدام معتقلين من غزّة بسبب آثار الأصفاد، مُشدِّدًا على أنّ المؤسّسات العسكرية والطبية “الإسرائيلية” تخرق القانون.

ونشرت القناة الـ12 التلفزيونية “الإسرائيلية”، مقطع فيديو لمشهد يوثّق اعتداء جنود “إسرائيليين” على أسير فلسطيني في معسكر “سدي تيمان”، حسب ما نشرته قناة الجزيرة نت بتاريخ 7/8/2024. وقالت القناة “الإسرائيلية”: إنّ الأسير تعرّض للتعذيب والاعتداء الجنسي من قبل الجنود، الذين حاولوا إخفاء وجوههم لعلمهم بوجود كاميرات مراقبة.

وقال جندي احتياط “إسرائيلي” في تقرير نشرته صحيفة هآرتس في أوائل شهر حزيران 2025، وبثّته قناة الجزيرة الفضائية:

“إنّ أيّ شخص زار مركز احتجاز سدي تيمان يعلم أنه معسكر تعذيب سادي، وأنّ العشرات من المعتقلين دخلوه أحياء وغادروه في أكياس الجثث، منذ أواخر عام 2023.”

وقال الجندي المجهول في تقريره لصحيفة هآرتس:

“إنه كان متوترًا وهو ينتظر بثّ تقرير هيئة الإذاعة والتلفزيون “الإسرائيلية” الاستقصائي الذي شارك فيه، حول أحداث مركز احتجاز سدي تيمان، ولكن مقابلته لم تُدرج في النسخة النهائية من التقرير، ولم يُدرج فيه أي شيء يتعلّق بالإساءة الممنهجة للمعتقلين وموتهم، رغم أنّ الكثير من كبار المسؤولين يعلمون ذلك.”

وقال إنّ كل من خدم في “سدي تيمان”، كما يروي الجندي، يعلم عن التعذيب والعمليات الجراحية التي تُجرى من دون تخدير، والظروف الصحية المُزرية، لكن أيّ شيء من ذلك لم يُنشر، وخلص الجندي إلى أنّ ما يحدث في “سدي تيمان” لم يكن سرًّا، ومع ذلك لا يعرف معظم “الإسرائيليين” شيئًا عنه حتى الآن، لأنّ وسائل الإعلام “الإسرائيلية” تجاهلته تمامًا تقريبًا، والصحفيون “الإسرائيليون” المُدركون للحقائق يختارون إخفاءها.

إنّ شهادة جندي الاحتياط تُؤكّد أنّ الإعلام “الإسرائيلي” لا ينشر كلّ المعلومات عن التعذيب الذي يُمارَس بحقّ المعتقلين في معتقل “سدي تيمان”، ويتجاهلها ويتعمّد إخفاءها. وهذه هي الحقيقة، على الرغم من أنّ الإعلام “الإسرائيلي” كان أوّل من كشف عن معتقل “سدي تيمان”، وكشف عن الجرائم التي ارتُكبت بحقّ الأسرى والمعتقلين المحتجزين فيه.

سؤال: لماذا لم يُغلق المعتقل رغم المطالبات القضائية “الإسرائيلية” والدولية؟

جواب: لأنّ “إسرائيل” دولة مارقة لا تلتزم بالقانون الدولي، ولا تكترث بالمطالبات القضائية الدولية، كما أنّ القضاء “الإسرائيلي” متواطئ معها، ولم يستجِب لطلبات إغلاق المعتقل.

المحور السادس: التوصيات والمستقبل

سؤال: ما أبرز التوصيات التي خرجت بها في نهاية الكتاب لوقف جرائم “سدي تيمان” ومحاسبة الجناة؟

جواب: خرج الكتاب بمجموعة من التوصيات لوقف جرائم “سدي تيمان” ومحاسبة مرتكبيها، من أبرزها:

1.    التدخّل فورًا وتفعيل أدوات الضغط والتأثير الحقيقية لإجبار “إسرائيل” على إغلاق معتقل “سدي تيمان”، والتوقّف عن ارتكاب الجرائم ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، والضغط عليها للامتثال لقواعد القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية.

2.    الامتناع عن التواطؤ أو الاشتراك مع “إسرائيل” في ارتكاب الجرائم ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، والامتناع عن تقديم أيّ شكل من أشكال الدعم أو المساعدة لـ “إسرائيل” فيما يتعلّق بارتكاب هذه الجرائم.

3.    الضغط على “إسرائيل” للتوقّف فورًا عن ارتكاب جريمة الاختفاء القسري ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة، والكشف الفوري عن جميع معسكرات الاعتقال السرّية، والإفصاح عن أسماء جميع الفلسطينيين الذين تحتجزهم من القطاع، وعن مصيرهم وأماكن احتجازهم، وتحمل مسؤولياتها كاملةً تجاه حياتهم وسلامتهم.

4.    الضغط على سلطات الاحتلال “الإسرائيلية” للإفراج عن جميع المحتجزين الفلسطينيين الذين تمّ اعتقالهم تعسفًا، وفي حال تمّ تقديم المتّهمين منهم إلى المحاكمة، أن يتمّ ضمان جميع إجراءات المحاكمة العادلة.

5.    التدخّل الجاد من أجل ضمان إعادة رُفات الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين قضوا في سجون ومراكز الاحتجاز “الإسرائيلية”.

6.    الضغط على “إسرائيل” لعدم إنفاذ أيّ من التشريعات “الإسرائيلية” التي تنتهك حقوق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك التعديلات الأخيرة التي أُجريت على هذه التشريعات.

7.    دعوة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تحمّل مسؤولياتها والتحقّق من أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في جميع مراكز الاحتجاز والسجون “الإسرائيلية”، والتأكّد من ظروف احتجازهم، والبحث عن المفقودين والمخفيين قسرًا، والمساهمة في الكشف عن مصيرهم، وتبنّيها للمواقف العلنية، بما في ذلك إصدار البيانات، في كلّ مرّة ترفض فيها “إسرائيل” السماح لها بالقيام بمهامها المنوطة بها، وعلى رأسها زيارة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

8.    إجراء تحقيق دولي فوري ومستقلّ ونزيه في ظروف مقتل جميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين قضوا في السجون “الإسرائيلية”، وجرائم التعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي المرتكبة بحقّهم، وبخاصة منذ بدء “إسرائيل” هجومها العسكري الواسع غير المسبوق على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، واتّخاذ الخطوات المناسبة لمحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا.

9.    العمل المشترك والجاد من قبل جميع المستويات على تقديم بلاغات متخصّصة إلى المحكمة الجنائية الدولية حول الجرائم التي يتعرض لها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون في السجون ومراكز الاحتجاز “الإسرائيلية”، وبخاصة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

10. دعم عمل المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات التي تُجريها في ملف الحالة في فلسطين، وعدم عرقلة قيامها بإصدار أوامر إلقاء قبض على جميع المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم، وتقديمهم إلى العدالة ومحاسبتهم، والامتثال لطلبات إلقاء القبض والتسليم في حال صدورها، والتعاون لغايات القبض على المتهمين “الإسرائيليين” الذين تُصدر بحقهم هذه الأوامر، والحيلولة دون فرارهم، والعمل على تسليمهم دون تأخير إلى المحكمة الجنائية الدولية وفقًا للإجراءات والقواعد الدولية ذات الصلة.

11. تنفيذ الدول لالتزاماتها الدولية بملاحقة الجناة ومقاضاتهم أمام محاكمها الوطنية، من خلال ممارسة الدول للاختصاص القضائي العالمي بخصوص الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك أعمال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة التي ترتكبها “إسرائيل” ضد الفلسطينيين، ويُفعّل هذا الاختصاص بغضّ النظر عن مكان وقوع الجريمة، وجنسية الجاني و/أو الضحية، وذلك وفقًا للقوانين المعمول بها في تلك الدول.

12. حثّ ودعوة المقرّرين الخاصّين المعنيين بمسألة التعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء، والاحتجاز التعسّفي، والاختفاء القسري، لمباشرة تحقيقات فورية وشاملة في الجرائم التي يرتكبها الجيش “الإسرائيلي” وقوات الأمن “الإسرائيلية” ضد الفلسطينيين في قطاع غزة كافة، كلٌّ وفق ولايته، والتواصل مع ضحايا هذه الجرائم وذويهم، ورفع التقارير بشأنها للجهات المعنية، تمهيدًا لعمل لجان التحقيق وتقصّي الحقائق والمحاكم الدولية في النظر والتحقيق وإجراء المحاكمات بشأن الجرائم “الإسرائيلية” وإنصاف الضحايا.

13. ضمان تعويض الضحايا من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وعائلاتهم وإنصافهم، وجبر الضرر الناجم عن الجرائم الخطيرة والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها “إسرائيل” ضدهم، وذلك وفقًا لقواعد القانون الدولي.

سؤال: كيف يمكن استثمار هذا الكتاب قانونيًا وسياسيًا في المحافل الدولية؟

جواب: نشر الكتاب على أوسع نطاق ممكن إعلاميًا للتأثير على الرأي العام العالمي، وطرحه في كافة المحافل والمنظّمات الحقوقية الإقليمية والدولية، والضغط الإعلامي والسياسي والقانوني من خلال المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية والقضائية، للاستجابة إلى التوصيات والمطالب التي خرج بها الكتاب، لحماية الأسرى والاستجابة لحقوقهم ومناشداتهم، وذلك وفاءً لمعاناتهم وتضحياتهم الجسيمة.

وفي هذا الصدد، أشكر الإعلام الجزائري الذي بادر وأتاح لي الفرصة في هذه المقابلة للحديث عن الكتاب وكشف الجرائم التي ارتُكبت بحق الأسرى الفلسطينيين في معتقل “سدي تيمان”، الذي يُشكّل صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية.

سؤال: هل هناك جزء ثانٍ أو مشروع مشابه لتوثيق الانتهاكات في سجون ومعتقلات “إسرائيلية” أخرى؟

جواب: بالتأكيد، لن أتوقّف عن الكتابة لتوثيق الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها الاحتلال “الإسرائيلي” بحقّ الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، في مشاريع أخرى قادمة.

رابط دائم
https://elayem.news/xvafu