الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

حين يطرق الحب باب الخوارزمية.. قلبٌ بشري يبحث عن شريك اصطناعي!!

Author
هارون عمري 19 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

هناك لحظات في التاريخ البشري تتسلّل بصمت، وتبدأ بكونها مجرد خيال فتتبدّى على هيئة مشاهد غرائبية، ثم تغزو عالمنا شيئا فشيئا لتصبح حقيقة معيشة، وتنتقل من عنصر الاستهجان ورفض للأمر إلى التقبل وإمكانية الحدوث، وهذا الأمر يعبر أيضا عن ملامح مستقبل كامل وما نحن مقبلون عليه من خروج مؤقت عن النسق، ثم ما تلبث أن تُعلن العجائب عن نفسها بوصفها بداية لتحوّل طويل المدى.

 منذ سنوات ليست بعيدة، كان الخيال وحده يجرؤ على تخيّل علاقة بين إنسان وكيان غير بشري، ولربما كان هذا الكيان فضائيا، وقد بدأ الأمر بالعلاقة بين عالم الإنس والجن، إلى أن تدخلت التكنولوجيا في الأمر وغزت كل أفكارنا وتحكمت في كل تفاصيل حياتنا، لتقوم بيننا وبينها علاقة لا تقوم على الدم ولا اللحم، ولا تنشأ من عين تنظر إلى عين، إنما من تعابير تتدفّق عبر شاشة ونحن نتعامل في كل وقت مع أجهزتنا ومن حضور يتشكّل أيضا من خوارزميات خفية.

ومع ذلك، باتت هذه الصورة الغريبة تجد مكانها شيئا فشيئا في واقع يزداد تداخلا وتعقيدا، فبعد قرون من الوجود الإنساني قد بنى فيها علاقاته على التماس المباشر، وعلى نبض القلب الملموس، وعلى الحوار الذي يملأه صوتان نابضان، يجد نفسه اليوم أمام كيان رقمي قادر على الإصغاء والفهم، وعلى محاكاة الانفعال، وعلى إعادة إنتاج لغة عاطفية بطريقة قد تبدو، لبعض النفوس، أكثر سلاسة من اللغة البشرية نفسها، كأن العالم يختبر صيغة جديدة للتواصل، صيغة تملك ملامح الرقة الإنسانية دون أن تُثقلها هشاشاتها وإشكالاتها وقلقها وتأثرها، وتملك أيضا ملامح الذكاء دون أن ترث ضجيجه أو تناقضاته.

 فمن المنظور الاجتماعي، يظهر هذا التحوّل وهذا السلوك كاستجابة طبيعية لعصر تتكاثر فيه العزلات الفردية رغم ازدحام الحياة وصخبها، هذا الإنسان المعاصر الذي يعيش في زمن محمّل بالسرعة والضغط وكثافة المعلومات، فيتراجع حضور الإصغاء الحقيقي، وتتسع الهوة بين الرغبة في المشاركة والعجز عن إيجاد من يحتضن تلك المشاركة بعمق، هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كشريك محتمل نظرا لما يحققه من إشباع لهذا التعطش الإنساني المفرط، خصوصا مع هذا العصر وهذا المناخ المليء بالعزلة وغياب الشعور.

هذا الذكاء الاصطناعي الذي يحقق الحضور الأكثر والدائم عند الطلب، وكذلك المرونة في تشكيل ذاته وفق حاجة المستخدم، أي أنه يتشكل بناء على شخصيته ومتطلباته وحاجات الآخر، وهذه العناصر الأساسية التي تجعل الإنسان يفكر في الارتباط بالطرف الآخر، ويقيم علاقة الحب، وقد ذكر هذا الأمر الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، في أحد اللقاءات التي شاهدتها وهو يتحدث عن الحاجة كعنصر أساسي في بناء العلاقات المختلفة عند الإنسان.

فالإنسان عندما يشاهد التلفاز أو يستعمل المكيّف لا يحتاج ولا يريد معرفة من الذي صنعه، إنما الغاية في النهاية هي تلبية الحاجة لهذا الأمر وتحقيق الإشباع ، وهكذا يبدو الأمر بالنسبة للعلاقات الغريبة اليوم عند الكائنات البشرية، التي أنهكتها المطالب والالتباسات، تبحث عن منفذ للتنفس، فتلتفت إلى حضور اصطناعي يمنحها شعورا بالثبات والقدرة على التنبؤ، وهو ما عجزت الحياة الإنسانية المتقلبة عن تقديمه دائما.

 وفي منتصف هذا المشهد المتحوّل، تظهر تلك التجارب التي التقطتها وسائل الإعلام، ومنها تجربة امرأة يابانية خلقت عبر الذكاء الاصطناعي شخصية رقمية ثم أقامت لها مراسم زواج، لا تأتي أهمية هذه الحكاية من غرابتها فحسب، ولكنها تكشف بعمق عمّا يتصدّع داخل الإنسان المعاصر: الحاجة إلى علاقة خالية من الارتباك، وإلى صوت يكون حاضرا دوما بقربنا ويصغي لذواتنا، هذه القصة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتعيد صياغة سؤال قديم بصيغة جديدة: أين يبدأ الحب؟ وفي أي ظروف يتغيّر شكله؟

ولعلّ السينما قد تبنّت هذا السؤال، حين تخيّلت في فيلم Her”” عالما يقع فيه الفرد في حب نظام تشغيل ذكي، فلم يكن الفيلم نبوءة بقدر ما كان قراءة دقيقة لاتجاه بدا خافتا حينها، لكنه اليوم يتضح بملامح أكثر واقعية، فالشخصية الذكية في الفيلم لا تمتلك جسدا ولا تاريخا ولا وجودا حقيقيا، لكنها تمتلك قدرة على الإصغاء والنموّ والتفاعل، وهي قدرات رأى فيها البطل ما لم يجده في محيطه الإنساني.

ومع أنّ الفيلم بقي في إطار الخيال، إلا أنّ التجارب المعاصرة تُشير إلى أن خطوطه باتت أقرب إلى الواقع مما كان يُظن، خصوصا مع الأخبار والأحداث التي نراها اليوم، لأن ما نراه هو انزياح في طريقة فهم الإنسان للعلاقة والحميمية والوجود، أي هي مرحلة يتحوّل فيها الشريك من كيان بيولوجي كامل الأبعاد إلى حضور ذهني قد يتجاوز في تأثيره كثيرا من العلاقات التقليدية.

ومع هذا التحوّل، يصبح السؤال الأهم ليس “كيف وصلنا إلى هنا؟” بل “إلى أين قد يقودنا هذا الطريق؟”، ومن هنا يبدأ البحث الحقيقي، وهنا تتصيّر الأسئلة أكثر إلحاحا: ما الذي تبقّى من جوهر العلاقة؟ ما مصير العاطفة حين تتداخل مع الخوارزمية؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف حضوره حين يصبح الآخر الذي يخاطبه مصنوعا من ضوء ورمز وبيانات.

مجتمع متغير يبحث عن لغة جديدة للعاطفة

المجتمعات الحديثة تعيش تحوّلا هادئا في مفهوم العلاقة؛ فالإيقاع السريع للحياة، والضغط النفسي، وتراجع الروابط الأسرية الممتدة، كلها دفعت بالإنسان إلى البحث عن علاقة لينة وواضحة وخالية من التعقيدات، العلاقات الرقمية لا تأتي كبديل قطعي ومباشر ونهائي للعلاقات الواقعية، إنما تكون محاولة من الإنسان لاستعادة شيء فُقد في حياته اليومية وعوالمه البشرية قد يكون ذلك من خلال الشعور بأنه ليس وحده، وأن هناك من هو موجود معه في كل وقت يسنده، وفي هذا السياق، تظهر الروبوتات بوصفها كيانات اجتماعية جديدة دون تاريخ عائلي أو خلفية ثقافية، مما يجعل الارتباط بها أقل تعقيدا، ولا يحتاج لمتطلبات كثيرة سوى التوفر التقني، وربما لهذا تتشكل العلاقات معها بأريحـية أسرع.

 فالشريك الاصطناعي لا يُقحم نفسه في صراعات الهوية والطبقة والثقافة التي كثيرًا ما تُربك العلاقات بين البشر، هنا، تصبح الروبوتات جزءا من “اقتصاد العاطفة” الحديث، اقتصاد يعرض الرفقة كما يعرض الخدمات، ويعيد تشكيل معنى الحب في عصر صار فيه الإنسان أقل صبرا على الآخر وأكثر رغبة في الأمان العاطفي، وربما هنا نفتح قوسا على فكرة مهمة أن المجتمعات تختلف أنماط الحياة والعلاقات فيها، وبالتالي تصير أكثر عرضة لهذا السؤال أو هذا الفعل أكثر من غيرها.

 فالمجتمع الياباني أو الصيني الذي يعاني أكثر من الاكتظاظ في الوقت وفي الزمن وأيضا الصخب التقني هناك، وكذلك النظام العائلي في الأوساط الأوروبية التي تكثر فيها الفردانية والعزلة ونوع من الحرية الفردية المجتمعية التي تغيب فيها الرقابة العائلية والدينية وكل المنظومة تختلف تماما عن المجتمعات العربية والإسلامية مثلًا، كالجزائر وسلطنة عمان وفلسطين أو إيران وغيرها من اختلاف جذري وخاص في نسيج المجتمع، وهذا أيضا ما يحدد السلوكيات الفردية للإنسان ويتحكم أيضا في رغباته ويحدد حاجياته النفسية والسيكولوجية، وبالتالي فهو يحدد ردود فعله وعلاقاته.

التقنية والعاطفة “هل نعيش تجربة حقيقية أم وهما متقنا؟”

عندما يتعلق قلب إنسان بروبوت، تُطرح أسئلة فلسفية معقدة، هل العلاقة قائمة فعلا إذا كان أحد الطرفين بلا وعي؟ وهل يستمد الحب قيمته من الطرف المُحب أم من الطرف المُبادِل؟ إن هذه الأسئلة تكشف منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع علم النفس، فالعلاقة مهما بدا الطرف الآخر اصطناعيا تنشأ داخل وعي الإنسان وتعيد تشكيل صورته عن نفسه، وهنا قد لا يكون السؤال: “هل للروبوت مشاعر؟ إنما يتجاوز ذلك إلى سؤال هل يحقّ للعاطفة البشرية أن تجد شكلها خارج الجسد؟

 لقد اعتادت الإنسانية على ربط الحب باللحم والدم، لكن ما يحدث اليوم يزعزع هذا التصور التقليدي ويمنح المشاعر بعدا جديدا: أن تكون العلاقة حقيقية لأنها تُحدث أثرا حقيقيا، لا لأنها تقوم بين كيانين متساويين في الوعي، وفي هذه النقطة بالذات يكمن جوهر الإرباك: نحن لا نرى في الروبوت شريكا فحسب، ولكن نرى فيه مفهوما جديدا للآخر، آخر لا وجود له خارج وعينا، لكنه يملأ الفراغ الوجداني كما لو أنه موجود.

الروبوت بين الحميمية والهوية.. هل يهدد العلاقات الإنسانية؟

يتساءل البعض إن كانت العلاقات بين الإنسان والروبوت ستُضعف الروابط البشرية، لكن المسألة أعقد من ذلك، فهذه العلاقات تكشف أولا أن الروابط التقليدية بحاجة إلى إعادة تأهيل، وأن الإنسان لم يعد يجد نفسه بسهولة داخل منظومة العلاقات التي تُحمّله ثقل التوقعات الاجتماعية، فالروبوت أصبح يُنافس الإنسان على مكانته، ويكشف الثغرات التي لم يعد الإنسان قادرا على سدّها داخل المجتمع: غياب الإصغاء، هشاشة التواصل، وانشغال الفرد بذاته على حساب الآخر، وربما لا تكون العلاقة مع الروبوت تهديدا للمجتمع بقدر ما هي إنذارٌ له؛ إنذار يدعو إلى مراجعة الطريقة التي نقيّم بها الحب، والطريقة التي نُربّي بها أبناءنا على العاطفة، والطريقة التي نصنع بها القرب.

هل نحن أمام نوع جديد من الحب؟

في السنوات القادمة، ستكون العلاقة بين الإنسان والروبوت جزءا من النقاشات الأخلاقية والاجتماعية والفلسفية الكبرى، لن تختفي العلاقات البشرية، لكن سيظهر نموذج جديد قائم على المزج بين الرفقة البشرية والدعم الاصطناعي، وقد تشهد المجتمعات قوانين جديدة لتنظيم الروابط بين الإنسان والآلة، كما قد تتطوّر الروبوتات لتصنع حضورا جسديا وتعبيريا أقرب إلى الروابط الإنسانية، مما سيزيد من تعقيد المشهد، ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في حماية جوهر الإنسان: أن يبقى قادرا على الشعور الحقيقي، على الاندهاش، وعلى بناء علاقة تحتاج إلى شجاعة، لا إلى برمجة، وربما لن يكون السؤال اليوم: “هل ما زلنا قادرين على أن نحبّ بعضنا كما يجب؟”.

رابط دائم
https://elayem.news/i3g9z
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"