الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

رقمنة القطاع الصحي بالجزائر.. رهان استراتيجي لضمان جودة التكفل بالمرضى


تحوّلت الرقمنة اليوم إلى ضرورة مُلّحة يفرضها واقع التحولات المتسارعة في مختلف القطاعات والمجالات، بالنظر إلى دورها المحوري والاستراتيجي في تقديم حلول فعّالة ومستدامة للعديد من الأزمات، من خلال ما تتيحه من آليات دقيقة للتشخيص وتحليل المعطيات، بما يُسهم بشكل كبير في تحسين الأداء وتسريع وتيرة المعالجة، وتقليص زمن الخروج من الأزمات مقارنة بالأساليب التقليدية.

وخلال السنوات القليلة الأخيرة، وتحديدا خلال جائحة كورونا، اتضح جليّا مدى الحاجة إلى وُجود نظام رقمي يسمحُ بإعطاء أرقام دقيقة ومُعطيات صحيحة عن تطور الوضع الوبائي، ومنه زاد اهتمام السلطات العليا في بلادنا برقمنة القطاع الصحي الذي يضمن بما لا يدع مجالاً للشك، تحسين أداء الأطقم الطبية، وتوفير ظروف الراحة والتكفل الجيّد بصحة المواطنين.

ولا تتحقق عصرنة القطاع الصحي في بلادنا ووصول المؤسسات الاستشفائية إلى مواكبة المعايير الدولية والتطورات العلمية الحاصلة في ميدان الطب والصحة العالمية، إلا من خلال الرقمنة، التي ترتبط ارتباطا مباشرا ووثيقا بتطوير وتحقيق الأمن الصحي، الذي يُعتبر مُهمةً مُشتركة بين مختلف الأطراف الفاعلين، وهذا ما يعكسُ الإرادة السياسية للسلطات وعملها الحثيث على تطوير وتحديث واقعِ الصحة في المستشفيات الجزائرية.

وفي هذا الصدد، يرى مختصون في المجال أن الارتكاز على الرقمنة في تسيير القطاع الصحي يبقى خيارا استراتيجيا بالغ الأهمية، حيث يلعب دورا محوريا في تسيير عملية المتابعة سواء بالنسبة إلى التسيير الإداري لمختلف المرافق الصحية في بلادنا أو بالنسبة إلى سيرورة الملف الطبي للمريض.

كما أن الاعتماد على الرقمنة يساهم وبشكل دقيق في إعطاء أرقام دقيقة عن عدد ونوع الأمراض المزمنة الموجودة، وكذا عدد المرضى وأنواع الأدوية المطلوبة في السوق الوطنية، وبالتالي القدرة على التحكم أكثر في الوضع الصحي، من خلال إعطاء نظرةٍ استشرافيةٍ واضحة بهذا الشأن، ومن ثم النجاح في اتخاذ قرارات صائبة وصحيحة.

الرقمنة تعزز كفاءة القطاع الصحي وترفع جودة التكفل بالمرضى

من جهته، يؤكد الطبيب المختص في الصحة العمومية، الدكتور أمحمد كواش، أن الرقمنة لم تعد خيارا ثانويا، بل أضحت اليوم ضرورة حتمية تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، خاصة في قطاع حيوي كالصحة، الذي يرتبط بشكل مباشر بحياة المواطن وسلامته.

وأوضح كواش في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن اعتماد الأنظمة الرقمية في تسيير المنظومة الصحية من شأنه أن يضمن حوكمة أكثر شفافية وفعالية، من خلال توفير قاعدة بيانات دقيقة ومحينة، تساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات واقعية، بعيدا عن الارتجال أو التقديرات غير الدقيقة التي قد تنعكس سلبًا على جودة الخدمات الصحية المقدمة.

وأشار الدكتور كواش إلى أن الرقمنة تمثل أداة استراتيجية لتشخيص الاختلالات التي يعاني منها القطاع الصحي، سواء تعلق الأمر بنقص الموارد البشرية أو سوء توزيعها، أو حتى محدودية الإمكانيات المادية في بعض الهياكل الصحية.

وأبرز أن الأنظمة الرقمية تتيح إمكانية إعداد خارطة صحية وطنية دقيقة، تسمح بتحديد الاحتياجات الفعلية لكل منطقة، بما يضمن توزيعا متوازنا للأطباء والمختصين عبر مختلف المؤسسات الاستشفائية، وفقا للكثافة السكانية وطبيعة الأمراض السائدة في كل منطقة.

وأضاف المتحدث أن من بين أهم مزايا الرقمنة، تسهيل وصول المرضى إلى الخدمات الصحية، من خلال تمكينهم من التعرف على أماكن تواجد الأطباء والتخصصات المتاحة، وكذا حجز المواعيد الطبية عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل أو الوقوف في طوابير طويلة، وهو ما من شأنه التخفيف من الضغط المسجل على المستشفيات، وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، كما تساهم هذه الآليات في تنظيم العمل داخل المؤسسات الصحية، وضمان انسيابية أكبر في تقديم الخدمات.

وفي السياق ذاته، شدد الدكتور كواش على الدور المحوري للرقمنة في تحسين تسيير الموارد البشرية داخل القطاع، حيث تتيح إمكانية متابعة حضور ومردودية الأطباء والممرضين وكافة المستخدمين بشكل دقيق ومنتظم، مما يعزز مبدأ المساءلة ويحد من مختلف أشكال التسيب أو التلاعب، كما تمكن من تقييم الأداء العام للمؤسسات الاستشفائية، وتحديد نقاط القوة والضعف، بما يسمح باتخاذ الإجراءات التصحيحية في الوقت المناسب.

ولم يغفل المتحدث أهمية الرقمنة في مجال التسيير المالي، إذ أكد أنها تساهم في ضمان شفافية أكبر في صرف الميزانيات المخصصة للقطاع الصحي، من خلال تتبع مختلف العمليات المالية ومراقبة أوجه الإنفاق، الأمر الذي يقلل من فرص الفساد أو سوء التسيير، ويعزز كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

وفي جانب آخر، أبرز الدكتور كواش أن الرقمنة تلعب دورا حاسما في تطوير منظومة الإحصاء الصحي، من خلال تمكين الجهات المختصة من جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالأمراض المنتشرة، سواء كانت مزمنة أو وبائية، وهو ما يسمح بوضع استراتيجيات صحية فعالة للوقاية والعلاج، وكذا الاستعداد المسبق لمواجهة الأزمات الصحية.

وأكد أن هذا الجانب برزت أهميته بشكل جلي خلال جائحة كورونا، حيث أظهرت الأنظمة الرقمية قدرتها على دعم جهود التتبع والرصد واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكّد الدكتور كواش على أن الرقمنة تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين مختلف الهياكل الصحية، سواء كانت مستشفيات عامة أو متخصصة، من خلال توجيه الموارد البشرية والطبية بشكل مدروس، يتماشى مع احتياجات كل منطقة، كما تضمن جاهزية أكبر للقطاع الصحي في مواجهة الحالات الاستعجالية والأزمات، مما يعزز مناعة المنظومة الصحية الوطنية ويرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

جديرٌ بالذكر، أن الدولة الجزائرية أولت مجال التحول الرقمي في القطاع الصحي اهتماما بالغا، إدراكا منها لأهميته في تحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز كفاءة التسيير داخل المؤسسات الاستشفائية.

وقد تجسّد ذلك من خلال إطلاق مشاريع رقمنة المستشفيات ومصالح الاستعجالات الطبية، عبر استحداث ملفات صحية رقمية للمرضى، تسمح بتجميع المعطيات الطبية بشكل دقيق ومُحيَّن، إلى جانب إنشاء قواعد بيانات صحية وطنية تُسهم في تسهيل متابعة الحالات المرضية وتحسين عملية التشخيص واتخاذ القرار الطبي.

كما يشمل هذا التوجه ربط مختلف الفاعلين في المنظومة الصحية، من أطباء وممرضين وإداريين، بالمرضى عبر أنظمة معلوماتية متكاملة، بما يُعزز التنسيق ويُقلّص من الأخطاء الطبية ويُسرع من وتيرة التكفل بالحالات، خاصة في أقسام الاستعجالات التي تتطلب سرعة ودقة في التدخل.

وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في أكثر من مناسبة، على ضرورة إرساء نظام إداري حديث وفعّال داخل المستشفيات الجزائرية، قائم على الرقمنة والحوكمة الرشيدة، بما يضمن تقديم خدمة عمومية ذات جودة، ترتقي إلى تطلعات المواطنين وتستجيب لانشغالاتهم.

كما دعا إلى تجاوز الأساليب التقليدية في التسيير، واعتماد آليات رقمية شفافة تُكرّس مبدأ المساواة في الولوج إلى العلاج، وتُعزّز ثقة المواطن في المرفق الصحي العمومي.

رابط دائم
https://elayem.news/355cp