الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

عبد الحليم بن سماية .. رائد الإصلاح ودرع الهوية الجزائرية

Author
هارون عمري 24 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يبرز اسم العالم الجزائري، عبد الحليم بن سماية، كواحد من أهم الشخصيات الفكرية، التي هندست مسار الإصلاح الديني والاجتماعي في فترة تاريخية بالغة الحساسية، حيث وقف سدا منيعا، أمام محاولات طمس الهوية الوطنية، وتشويه المعالم الثقافية للمجتمع، مقدما نموذجا فريدا للمثقف الملتزم بقضايا أمته، ومؤسسا لنهضة شاملة، تجاوزت أسوار المدارس، لتلامس عمق الوعي الشعبي في مواجهة التحديات المفروضة.

شكل هذا المصلح الرائد حلقة وصل متينة بين التراث الإسلامي الأصيل ومتطلبات العصر الحديث، جامعا بين التكوين الشرعي العميق والاطلاع الواسع على الفلسفة والمنطق والتاريخ، مما منحه رؤية استشرافية دقيقة مكنته من تشخيص أمراض المجتمع واقتراح حلول عملية قابلة للتطبيق، بعيدا عن الجمود الفكري الذي كان سائدا في بعض الأوساط العلمية، ومؤسسا لخطاب تنويري يرتكز على العقلانية والاعتدال.

الميلاد والنشأة والتكوين العلمي

وُلد عبد الحليم بن سماية في عام 1866 بمدينة الجزائر العاصمة، وسط عائلة عريقة عرفت بتمسكها الشديد بالعلم والدين، حيث كان والده الشيخ علي بن سماية من أبرز علماء المدينة ومدرسا مرموقا في جوامعها الكبرى، مما وفر له بيئة علمية خصبة ساهمت في صقل مواهبه وتوجيه اهتماماته نحو اكتساب المعارف الأساسية.

تلقى تعليمه الأساسي على يد والده في جامع سفير العتيق، حافظا للقرآن الكريم ومتمكنا من مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية، ليوسع بعدها دائرة معارفه بالدراسة على يد نخبة من كبار شيوخ العاصمة في تلك الحقبة، متلقيا علوم الفلك والتاريخ على يد الشيخ أبي القاسم الحفناوي، ودارسا لأصول الفقه واللغة على الشيخ السعيد بن زكري.

قرر السفر إلى تونس لمواصلة دراساته العليا في جامع الزيتونة المعمور، حيث تتلمذ على يد الشيخ محمد بن عيسى الجزائري وتخصص في دراسة الفلسفة والمنطق، ليعود بعدها إلى وطنه محملا برؤى جديدة وعزيمة صلبة لنشر الوعي، مستوعبا للتحديات الكبرى التي تفرضها الهيمنة الاستعمارية على مقدرات الأمة وثوابتها الروحية والثقافية.

مسار التدريس وبناء العقول

عُين عبد الحليم بن سماية في عام 1896 مدرسا بالمدرسة الثعالبية الرسمية، حيث وجد المنبر المناسب لتمرير أفكاره الإصلاحية وتنشئة الأجيال الصاعدة على قيم الأصالة والاعتزاز بالانتماء الحضاري، متخذا من مهنة التدريس رسالة تهدف إلى تحرير العقول من الجهل، وبناء شخصية جزائرية قادرة على الصمود في وجه محاولات الاستلاب الثقافي.

استخلف والده في عام 1900 للتدريس بالجامع الكبير في الجزائر العاصمة، متصدرا حلقات العلم المخصصة لتعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغوية، ومقدما دروسا متقدمة في أمهات الكتب التراثية، حيث تولى تدريس كتاب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة للجرجاني، وكتاب المفصل للزمخشري، بأسلوب بيداغوجي مبتكر يجمع بين صرامة المنهج ووضوح العرض المعرفي.

تميزت طريقته في التدريس بالاعتماد على الحوار والمناقشة البناءة، مشجعا طلابه على إعمال العقل والابتعاد عن التقليد، ليبرز من بين تلاميذه أسماء لامعة تركت بصمات واضحة في تاريخ الجزائر المعاصر، يأتي في مقدمتهم العالم المحقق الدكتور محمد بن أبي شنب الذي يعد أول جزائري يحصل على دكتوراه الدولة في الآداب.

مواجهة الاستعمار وحماية الهوية

أدرك عبد الحليم بن سماية مبكرا الخطورة البالغة للمشاريع الاستعمارية الرامية إلى طمس الهوية الجزائرية وسلخ المجتمع عن جذوره، فانبرى للدفاع عن ثوابت الأمة بشجاعة نادرة، متخذا من منابر المساجد وصفحات الجرائد ساحات للمقاومة الفكرية وفضح السياسات الرامية إلى تجهيل الشعب وإبعاده عن مصادر قوته المعرفية.

وقف موقفا حازما ضد قانون التجنيد الإجباري الذي فرضته السلطات الفرنسية على الشباب الجزائري، معتبرا إياه ظلما صارخا ومحاولة لاستنزاف الطاقات البشرية في حروب عبثية، كما واجه محاولات فرنسة التعليم وتهميش اللغة العربية بكل ما أوتي من قوة، مؤكدا في كل مناسبة على أن اللغة هي الوعاء الحافظ للهوية والذاكرة.

استثمر مشاركته في مؤتمر المستشرقين الرابع عشر الذي انعقد بالجزائر العاصمة في عام 1905 لتقديم صورة ناصعة عن الإسلام والحضارة العربية، ملقيا محاضرة قيمة دحض فيها الشبهات التي يثيرها بعض المستشرقين حول الدين الإسلامي، ومتحملا بسبب مواقفه الوطنية ضغوطات ومضايقات مستمرة من قبل الإدارة الاستعمارية التي سعت بكل الوسائل لإسكات صوته.

التواصل المعرفي مع رواد النهضة

حرص عبد الحليم بن سماية على مد جسور التواصل الفكري مع كبار المصلحين ورواد النهضة في العالم العربي والإسلامي، مؤمنا بضرورة تضافر الجهود لبلورة مشروع نهضوي شامل ينتشل الأمة من براثن التخلف والانحطاط، ومتابعا دقيقا للإصدارات الفكرية والصحفية التي كانت تصدر في المشرق العربي، وفي مقدمتها مجلة المنار التي كان يديرها الشيخ محمد رشيد رضا.

سجل التاريخ بمداد من فخر اللقاء التاريخي الذي جمعه بالشيخ محمد عبده خلال زيارة هذا الأخير للجزائر في عام 1903، حيث كان بن سماية من أبرز مستقبليه والمحاورين له، مستفيدا من هذه الزيارة لتبادل الآراء حول قضايا الإصلاح الديني والاجتماعي، ومستعرضا واقع المجتمع الجزائري والتحديات التي يواجهها في ظل الهيمنة الاستعمارية الشاملة.

تبنى مبكرا أفكار حركة الجامعة الإسلامية التي دعت إلى توحيد صفوف المسلمين وتضامنهم في مواجهة الأطماع الاستعمارية الغربية، معتبرا إياها الإطار الأنسب لحماية الكيان الإسلامي من التمزيق والتفتيت، ومدافعا عن مبادئها في كتاباته ودروسه، مما جعله في طليعة المفكرين الجزائريين الذين تفاعلوا بإيجابية مع القضايا القومية والإسلامية الكبرى.

تبادل الرسائل والمراسلات مع العديد من الشخصيات العلمية والأدبية في مختلف الأقطار العربية، متناقشا معهم في المسائل الفقهية واللغوية والفلسفية، ومطلعا إياهم على تطورات الأوضاع في الجزائر، مما ساهم في كسر العزلة المضروبة على بلاده ولفت انتباه النخب العربية إلى معاناة الشعب الجزائري وكفاحه المرير من أجل الحفاظ على هويته وثوابته.

عكست هذه الشبكة الواسعة من العلاقات الفكرية سعة أفقه وإدراكه العميق للترابط العضوي بين قضايا الأمة الإسلامية جمعاء، مؤسسا لوعي وحدوي يتجاوز الحدود الجغرافية المصطنعة، ومؤكدا على أهمية الحوار وتبادل الخبرات والتجارب بين حركات الإصلاح في مختلف البلدان لضمان فاعليتها وتأثيرها الإيجابي في مسار النهضة العربية والإسلامية المنشودة.

الإنتاج الفكري والمؤلفات المرجعية

ترك عبد الحليم بن سماية تراثا علميا زاخرا ومتنوعا يعكس موسوعيته وعمق تفكيره في مختلف التخصصات المعرفية، حيث صنف العديد من الكتب والرسائل التي عالجت قضايا فقهية وفلسفية ولغوية غاية في الدقة، مقدما إجابات رصينة للإشكالات التي كانت مطروحة في عصره، ومساهما في إثراء المكتبة الجزائرية والعربية بمؤلفات قيمة لا تزال تحتفظ بأهميتها العلمية إلى اليوم.

نشر في عام 1911 رسالة متخصصة في الفقه الاقتصادي تحت عنوان اهتزاز الأطواد والربى في مسألة تحريم الربا، وهي دراسة مستفيضة استوعب فيها أصول هذا الباب المعقد، داعيا علماء الإسلام إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية أمام هذه المسألة الحساسة التي تمس صميم الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين، ومقدما تحليلا دقيقا للمفاهيم الشرعية المرتبطة بالمعاملات المالية.

انتقد الشيخ بن سماية الطرقية المنحرفة في رسالته المسماة “الكنز المدفون والسرّ المكنون”، كما ألف رسالة جليلة في التوحيد والرد على شبه الملحدين، متصديا بقوة للموجات الإلحادية والأفكار الدخيلة التي بدأت تتسرب إلى الأوساط الشبابية، ومستخدما أدوات المنطق والفلسفة لتفنيد الحجج الواهية وإثبات صحة العقيدة الإسلامية بأسلوب علمي رصين ومقنع.

وضع لبنات كتاب ضخم في شرح الأحاديث القضائية، غير أن ظروفه الصحية وتكاثر الأعباء عليه حالت دون إتمام هذا المشروع العلمي الكبير، حيث كان يلقي هذه الشروح في مجالسه العلمية اعتمادا على ذاكرته القوية ومحفوظه الواسع، مما يؤكد سعة علمه وتمكنه المطلق من نواصي الفقه والحديث، وقدرته الفائقة على الاستنباط والتحليل المعمق.

أثرى الساحة الصحفية بمقالات رصينة نُشرت في العديد من الجرائد والمجلات، وفي مقدمتها جريدة كوكب إفريقيا، متناولا فيها قضايا الإصلاح الاجتماعي والتربوي، ومدافعا عن حقوق الجزائريين المهضومة، ومستخدما أحيانا أسماء مستعارة لتفادي الرقابة الاستعمارية الصارمة، مما يبرز حنكته السياسية ومرونته في التعامل مع المعوقات التي تضعها الإدارة الفرنسية لعرقلة مسار التنوير وتكبيل حرية التعبير.

الإرث الباقي وتأثيره الممتد

توفي عبد الحليم بن سماية في 4 جانفي من عام 1933، ودُفن بمقبرة سيدي عبد الرحمان الثعالبي بالجزائر العاصمة، تاركا وراءه إرثا فكريا ونضاليا يمثل علامة فارقة في تاريخ الجزائر الحديث، ومؤسسا لمدرسة إصلاحية أصيلة أخذت على عاتقها مواصلة الرسالة وحمل مشعل التنوير.

مهدت جهوده الإصلاحية الطريق لبروز حركة علمية نشطة تجسدت لاحقا في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث استلهم رواد هذه الجمعية الكثير من أفكاره ومواقفه الشجاعة، وبنوا على الأسس المتينة التي أرساها في مجال التعليم والدفاع عن الهوية الوطنية، مما يجعل منه رمزا للحركة الإصلاحية الجزائرية.

بقيت مؤلفاته ومقالاته مصدر إلهام للباحثين والمؤرخين الذين يجدون فيها مادة علمية غنية لفهم التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الجزائري في الثلث الأول من القرن العشرين، وتوثيقا دقيقا لمعارك فكرية حاسمة خاضتها النخبة الوطنية للحفاظ على الشخصية الجزائرية من التذويب والطمس الممنهج الذي مارسته الآلة الاستعمارية.

 

رابط دائم
https://elayem.news/8vn2i
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"