الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
من الداخل

مليانة القديمة.. تراث معترف به وجمال ينتظر التثمين

Author
هارون عمري 05 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

تدخل مدينة مليانة القديمة اليوم مرحلة جديدة في مسارها التاريخي، بعد تصنيفها مؤخرا كتراث معماري وعمراني عربي من طرف منظمة “الألكسو”، وهو اعتراف يتجاوز رمزيته ليضع المدينة أمام رهان حقيقي، يتمثل في تحويل جمالها العمراني وذاكرتها الثقافية إلى قيمة سياحية حيّة. فبين الأزقة العتيقة والأسوار الصامتة، ينتظر هذا التراث تثمينا ميدانيا يعيد للمدينة حضورها كوجهة ثقافية وجمالية بامتيَاز.

تنتصب مدينة مليانة شامخة على سفوح جبل “زكار”، حارسة للذاكرة وتاريخ المنطقة في ولاية عين الدفلى، وقد شكلت زيارة وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، إعلانا رسميا عن دخول المدينة مرحلة جديدة تتجاوز فيها حدود الحاضرة التاريخية لتتحول إلى قطب سياحي وثقافي معترف به عربيا، وذلك تتويجا لافتكاكها تصنيف “الألكسو” كتراث معماري وعمراني عربي، وهو الإنجاز الذي يضعها أمام استحقاقات تنموية كبرى.

​ويكتسي هذا الحدث أبعادا استراتيجية تعيد تموقع مليانة في الخارطة الثقافية الإقليمية، مانحا إياها “جواز سفر” دبلوماسي للتعريف بمخزون الجزائر الحضاري.

وتؤكد المقاربة الرسمية الحالية أن الأحجار الصامتة في “زوكابار” القديمة ومقر خلافة الأمير عبد القادر، تخفي وراءها فرصا اقتصادية وثقافية واعدة تستوجب الاستغلال وفق رؤية سياحية ذكية، تحول التراث إلى محرك فعلي للتنمية المحلية وخلق الثروة.

​إن الانتقال من “المدينة المتحف” إلى “المدينة المنتجة” هو الرهان الذي رفعته السلطات العمومية، عبر هندسة ثقافية جديدة تدمج التراث في الدورة الاقتصادية.

وقد تجسد هذا التوجه ميدانيا من خلال تدشين مرافق حيوية، أبرزها المتحف الوطني لمليانة بعد تهيئته، وقاعة العروض الكبرى ”محمد بوضياف”، فضلا عن تسمية قاعة السينما بخميس مليانة باسم أيقونة الفن الجزائري الراحلة ”بيونة”، في رسالة واضحة مفادها أن مليانة والمنطقة ككل تستعد لكتابة فصل جديد من تاريخها المشرق.

​درع “الألكسو” وتصنيف القطاع المحفوظ.. استراتيجية التسويق الترابي للعمق الحضاري

​يمثل تسليم درع منظمة “الألكسو” للسلطات المحلية في قلب مقر “خليفة الأمير عبد القادر” لحظة فارقة في تاريخ مليانة المعاصر، فهذا الدرع يتجاوز قيمته المعدنية أو الرمزية ليكون بمثابة اعتراف إقليمي عربي بأن النسيج العمراني لمليانة يمتلك خصائص فريدة تستوجب الحماية العالمية.

ويأتي اختيار مقر خليفة الأمير عبد القادر لاحتضان مراسم التسليم مشحونا بالدلالات التاريخية، فهذا المكان الذي كان شاهدا على عبقرية الأمير عبد القادر العسكرية والتنظيمية في تأسيس الدولة الجزائرية الحديثة، وصناعته لأولى البنادق والذخيرة، يصبح اليوم منصة لانطلاق المدينة نحو العالمية.

ويفرض هذا التصنيف العربي التزامات صارمة فيما يتعلق بالحفاظ على الطابع المعماري الأصيل، ويفتح في الوقت ذاته أبوابا واسعة للتمويلات والخبرات العربية والدولية في مجال الترميم وإدارة المدن التراثية.

​وتكمن الأهمية القصوى لهذا التصنيف في تحويله إلى أداة لـ”التسويق الترابي”، حيث يمكن لمدينة مليانة أن تستغل علامة “تراث عربي” لجذب السياح من مختلف الدول العربية والمهتمين بالعمارة الإسلامية والمغاربية.

وتعمل الوزارة الوصية بالتنسيق مع السلطات المحلية على وضع مخطط دقيق لتسيير القطاع المحفوظ، يضمن عدم المساس بالنسيج العمراني القديم، مع السماح بإعادة توظيف المباني التاريخية وتحويلها إلى دور ضيافة، ومطاعم تقليدية، ومراكز للحرف اليدوية، ما يضخ دماء جديدة في شرايين المدينة القديمة.

​ويستدعي هذا الاعتراف العربي تفعيل آليات الرقابة والمتابعة التقنية لمنع أي تشوهات عمرانية قد تطال المدينة، مع تكثيف عمليات الجرد والتوثيق لكل المعالم والزوايا والبيوت العتيقة.

​المتحف الوطني والذاكرة التشاركية.. عندما يحرس المواطن تاريخه

​شكّل تدشين المتحف الوطني لمدينة مليانة بعد عملية تهيئته الشاملة، نقطة مضيئة في زيارة الوزيرة، خاصة وأن هذا المرفق تحول إلى نموذج حي للمقاربة التشاركية في حفظ الذاكرة.

ويتميز هذا المتحف بخصوصية نادرة تتمثل في المساهمة الفعالة والمباشرة لسكان المدينة في إثراء رصيده، حيث إذ العديد من المواطنين والعائلات المليانية العريقة إلى تقديم مقتنياتهم الخاصة، من تحف أثرية، ومخطوطات نادرة، وأسلحة قديمة، وأدوات تعود لحقب زمنية مختلفة، لوضعها تحت تصرف المتحف.

ويعكس هذا السلوك الحضاري درجة عالية من الوعي لدى السكان المحليين بأن التراث ملكية جماعية، وأن المتاحف ليست مجرد مخازن للأشياء القديمة، وإنما هي مرايا تعكس هوية المجتمع وتاريخه للأجيال القادمة.

​وثمّنت الوزيرة هذا الحس المدني الراقي، معتبرة أن المتحف بصيغته الجديدة سيكون “فضاء لحفظ الذاكرة الوطنية وصون الموروث الثقافي” بامتياز.

ويحتوي المتحف في حلته الجديدة على أجنحة تسرد تاريخ المنطقة منذ العهد الروماني، مرورا بالفترة الإسلامية والعثمانية، وصولا إلى فترة المقاومة الشعبية والثورة التحريرية.

وقد تم تصميم العرض المتحفي وفق أساليب حديثة تراعي التسلسل الزمني وتوفر شروحات وافية للزوار، ما يجعله قبلة للباحثين والطلبة والسياح الراغبين في الغوص في أعماق تاريخ منطقة “الظهرة” و”الونشريس”.

​وتراهن الوزارة على أن يلعب هذا المتحف دورا بيداغوجيا وتربويا، من خلال تنظيم ورشات عمل للأطفال وزيارات مدرسية منتظمة، لربط الناشئة بماضيهم المجيد.

كما يمثل المتحف نقطة ارتكاز أساسية في المسار السياحي للمدينة، إذ لا تكتمل زيارة مليانة دون الوقوف على كنوز هذا الصرح الذي يقع في مبنى تاريخي بحد ذاته (مقر إقامة الأمير عبد القادر سابقا).

إن نجاح تجربة “تبرع المواطنين” بالتحف في مليانة يقدم درسا وطنيا في كيفية انخراط المجتمع في حماية تراثه، ويؤكد أن حراس الذاكرة الحقيقيين هم أبناء المدينة الذين ورثوا حبها كابرا عن كابر، وحافظوا على تفاصيلها في بيوتهم قبل أن ينقلوها إلى واجهات العرض العمومية.

​العمق الروحي والأثري.. من “سيدي أحمد بن يوسف” إلى الأسوار الرومانية

​تتجلى ثنائية الروح والمادة في أبهى صورها في مليانة، حيث يمتزج العبق الصوفي لضريح الولي الصالح “سيدي أحمد بن يوسف” مع صلابة الأسوار الرومانية التي تحيط بالمدينة.

وقد وقفت الوزيرة خلال زيارتها على هذين المعلمين البارزين اللذين يشكلان قطبي الجذب السياحي والروحي للمدينة، إذ يعتبر سيدي أحمد بن يوسف، الراشدي النسب، الملياني الدار، أحد أبرز أقطاب التصوف في الجزائر والمغرب العربي، ويشتهر بحكمه وأقواله المأثورة التي لا تزال ترددها الألسن إلى اليوم، ويمثل ضريحه مزارا يقصده الآلاف من المريدين والزوار سنويا، ما يخلق حركية ثقافية وسياحية دينية واجتماعية نشطة تساهم في إنعاش الاقتصاد المحلي.

​وبالموازاة مع هذا البعد الروحي، عاينت الوزيرة مشروع إعادة الاعتبار للسور الروماني العظيم، الذي يعد الشاهد الحي على عراقة مدينة “زوكابار”.

وتكتسي عملية ترميم هذا السور أهمية قصوى، كونه يمثل الحزام الذي يحدد معالم المدينة القديمة ويحمي نسيجها، وتتطلب عملية الترميم تقنيات دقيقة ومواد خاصة تحاكي الطبيعة الأصلية للبناء، لضمان عدم تشويه المعلم والحفاظ على أصالته التاريخية.

وقد شددت التعليمات الوزارية على ضرورة احترام المعايير الدولية في ترميم الآثار، والاستعانة بالخبرات المختصة لضمان ديمومة هذا الإرث الحضاري الذي صمد لقرون طويلة في وجه العوامل الطبيعية والبشرية.

​ويمثل الجمع بين ترميم المعالم الأثرية والعناية بالمزارات الدينية مقاربة شاملة للتنمية السياحية، تستهدف تنويع المنتج السياحي ليشمل السياحة الثقافية والسياحة الروحية في آن واحد.

 وتعمل السلطات على تهيئة المحيط العمراني المحاذي لهذه المعالم، من خلال تحسين الإنارة العمومية، وتعبيد المسالك، وتوفير الفضاءات الخدماتية الضرورية لراحة الزوار.

إن الربط بين “بركة” الولي الصالح و”عظمة” الهندسة الرومانية يمنح مليانة تفردا هوياتيا وثقافيا وسياحيا، إذ يمكن للزائر أن يسافر عبر الزمن من الحقبة الكلاسيكية إلى الفترة الإسلامية في جولة واحدة، مستمتعا بجمال العمارة وسحر الحكايات الشعبية التي تلف المكان.

​خميس مليانة وتكريم “بيونة”.. وفاء الذاكرة وتمكين الشباب

​تعزز المشهد الثقافي بمدينة خميس مليانة بمكاسب هامة، فقد أشرفت وزيرة الثقافة على تسمية قاعة السينما باسم الفنانة الراحلة “بيونة” (باية بوزار) في التفاتة وفاء لذكراها، وهو المرفق الذي يتميز بنمط تسيير شبابي مبتكر تحت إشراف المجتمع المدني ليكون حاضنة للمواهب السينمائية، إذ تندرج ضمن شبكة المركز الجزائري لتطوير السينما، وتُدار من قبل شباب من المجتمع المدني الناشط في المجال الثقافي.

وتعد هذه الخطوة تجسيدا عمليا لسياسة تمكين الشباب وإشراكهم في إدارة الشأن الثقافي، إذ تحولت القاعة إلى حاضنة لنوادي السينما وفضاء للتكوين والعرض واكتشاف المواهب.

ويسمح هذا النموذج التسييري بخلق ديناميكية حقيقية، حيث يصبح الشباب هم الفاعلون والمستفيدون في آن واحد، ما يضمن برامج ثقافية تلامس اهتماماتهم وتعبر عن طموحاتهم، بعيدا عن التسيير الإداري التقليدي الجامد.

​كما يشكل هذا المرفق السينمائي متنفسا حيويا لشباب مدينة خميس مليانة، التي تعرف كثافة سكانية عالية وتعطشا كبيرا للأنشطة الثقافية، ومن شأن هذه القاعة أن تساهم في إعادة بعث ثقافة السينما في المدن الداخلية، وتوفير منصة للمخرجين الشباب لعرض أعمالهم ومناقشتها مع الجمهور.

إن المراهنة على الجمعيات الشبانية لتسيير المرافق الثقافية هو رهان على المستقبل، يضمن استغلالا أمثل للهياكل، ويحولها من مجرد مبانٍ إسمنتية إلى خلايا حية تنبض بالإبداع والفن والحوار، وتساهم في تحصين الشباب وتنمية ذائقتهم الفنية.

​البنية التحتية الثقافية.. قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية

​تعززت الخارطة الثقافية لولاية عين الدفلى بتدشين قاعة العروض الكبرى “محمد بوضياف” وإلحاقها بدار الثقافة، إضافة إلى ترميم دار الثقافة “الأمير عبد القادر”.

وتأتي هذه المنشآت لترسخ القناعة بأن الفعل الثقافي يحتاج إلى بنية تحتية قوية وعصرية تحتضنه وتوفر له شروط النجاح، وتمثل قاعة “محمد بوضياف” تحفة معمارية وفنية ستسمح باستقبال العروض المسرحية والموسيقية الكبرى، وتوسيع فضاءات العرض أمام الجمهور والفنانين المحليين والوطنيين، ما يفك العزلة الثقافية عن المنطقة ويجعلها محطة هامة في جولات الفرق الفنية.

​ويندرج الاستثمار في هذه الهياكل ضمن رؤية تنموية شاملة، حيث تعتبر المرافق الثقافية محركا للعجلة الاقتصادية المحلية، فتنظيم المهرجانات والعروض الفنية والملتقيات في هذه القاعات يخلق حركة تجارية وخدماتية، تستفيد منها الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والحرفيون.

وتؤكد مدينة خميس مليانة من خلال هذه المرافق دورها كقطب ثقافي فاعل، يتكامل مع الدور التاريخي والسياحي لمدينة مليانة، ليشكلا معا ثنائية تنموية قوية في ولاية عين الدفلى.

 ومن الضروري أن ترافق هذه الهياكل برامج تنشيطية مدروسة ومستمرة، تضمن استغلالها طوال السنة، وتحولها إلى مراكز إشعاع حضاري، كما أن ترميم وتجهيز هذه القاعات وفق أحدث المعايير التقنية هو استثمار في الذوق العام، ومساهمة في بناء مجتمع متفتح ومثقف، قادر على استيعاب الفنون والمشاركة في إنتاجها.

​تحديات “مليانة الغد”.. نحو سياحة مستدامة وتثمين حقيقي

​تضع كل هذه المكاسب، من تصنيف “الألكسو” إلى تدشين الهياكل الجديدة، مدينة مليانة والولاية ككل أمام تحدي “التثمين الميداني”، وتقتضي المرحلة المقبلة الانتقال إلى السرعة القصوى في تحويل هذه المقومات إلى منتج سياحي اقتصادي متكامل.

 ويتطلب ذلك تشجيع الاستثمار الخاص في قطاع الفندقة والخدمات السياحية، لسد العجز في طاقة الاستيعاب، وتوفير ظروف إقامة مريحة للوافدين الذين سيجذبهم صيت المدينة المصنفة عربيا.

 كما ينبغي العمل على إحياء المهرجانات المحلية العريقة، مثل “عيد الكرز” (حب الملوك) ومهرجان موسيقى الأندلسي والزرنة، وتسويقها بلمسة عصرية تتوافق مع تطلعات السائح الحديث.

​إن مليانة اليوم بدرعها العربي ومتحفها الوطني ومرافقها الثقافية الجديدة، تمتلك كل الأوراق الرابحة لتكون نموذجا ناجحا للمدينة التي تستثمر في تاريخها لبناء مستقبلها.

رابط دائم
https://elayem.news/mrusq
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"