الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من تصدير الطاقة إلى تصدير الكفاءات.. الجزائر تعيد رسم شراكتها مع النيجر

Author
إيمان عبروس 25 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يعتبر الخبير الاقتصادي قاشي عبد النور في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية–النيجرية تمثل نقطة تحول في العلاقات الثنائية، مشيرًا إلى أن التركيز على التكوين والتعليم المهنيين يعكس رؤية متقدمة للتعامل مع التحديات التنموية في المنطقة، ويؤكد أهمية الاستثمار في القدرات البشرية كرافد أساسي للتنمية.

قاشي عبد النور

في لحظة إقليمية تتسم بتسارع التحولات الاقتصادية وإعادة تشكيل موازين التعاون داخل القارة الإفريقية، تبرز الشراكة الجزائرية–النيجرية كنموذج جديد في الدبلوماسية الاقتصادية، يتجاوز منطق العلاقات التقليدية نحو أفق أكثر عمقًا واستدامة.

لم يعد التعاون بين البلدين مقتصرًا على التنسيق السياسي أو تبادل المجاملات الدبلوماسية، بل دخل مرحلة مفصلية عنوانها التنفيذ الميداني، وبناء المصالح الاقتصادية المشتركة على أسس عملية. وفي قلب هذا التحول، يبرز التكوين والتعليم المهنيان كرافعة استراتيجية لإعادة صياغة طبيعة هذه العلاقة، وتحويلها إلى شراكة قائمة على إنتاج القيمة لا مجرد تبادلها.

تحول نوعي في مسار العلاقات الثنائية

وفي تصريح خصّ به “الأيام النيوز”، يؤكد الخبير الاقتصادي قاشي عبد النور أن أشغال الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة الجزائرية–النيجرية تمثل منعطفًا نوعيًا في مسار العلاقات بين البلدين. ويشير إلى أن هذه العلاقات لم تعد محصورة في إطارها التقليدي، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة قوامها الفعل الاقتصادي المباشر.

هذا التحول يعكس، بحسب الخبير، إرادة سياسية واضحة لدى الطرفين لإعادة تعريف مفهوم الشراكة الثنائية، من مجرد تعاون ظرفي إلى مشروع استراتيجي طويل المدى. فالمقاربة الجديدة تقوم على بناء مصالح متبادلة، تستند إلى مشاريع ملموسة، وتستهدف تحقيق أثر اقتصادي حقيقي على أرض الواقع.

التكوين المهني.. رافعة استراتيجية للتنمية المشتركة

يبرز ملف التكوين المهني كأحد أهم محاور هذا التحول، حيث لم يعد يُنظر إليه كقطاع اجتماعي ثانوي، بل كأداة استراتيجية لإعادة تشكيل التعاون الاقتصادي.

ويرى الخبير قاشي عبد النور أن إدراج التكوين والتعليم المهنيين ضمن أولويات التعاون يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة التحديات التنموية في المنطقة. فالإشكالية اليوم لم تعد مرتبطة فقط بتمويل المشاريع، بل بمدى توفر الكفاءات البشرية القادرة على ضمان استمراريتها ونجاعتها.

وفي هذا السياق، يندرج التكوين المهني ضمن ما يُعرف بـ اقتصاد رأس المال البشري، الذي يضع الاستثمار في المهارات والمعرفة في صلب معادلة النمو الاقتصادي. فالدول التي تنجح في بناء قاعدة بشرية مؤهلة، تكون أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التقلبات الاقتصادية.

من نقل الخبرة إلى بناء المنظومات

من أبرز مخرجات التعاون بين الجزائر والنيجر، الاتفاق على خارطة طريق تشمل مجالات متعددة، من بينها تكوين المكونين، وتبادل المحتوى البيداغوجي، ودعم البنية التحتية التكوينية، ونقل تجربة مراكز تطوير المقاولاتية.

ويؤكد الخبير أن هذه الخطوات تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة التعاون، حيث لم يعد الأمر يتعلق بنقل خبرات بشكل ظرفي، بل ببناء منظومات تكوينية متكاملة.

هذا الانتقال من “نقل المعرفة” إلى “توطين المعرفة” و يمثل نقلة نوعية، لأنه يسمح بإنتاج الكفاءات محليًا بشكل مستدام، بدل الاعتماد المستمر على الخبرات الأجنبية. كما أنه يساهم في خلق ديناميكية اقتصادية داخلية، قائمة على الابتكار والإنتاج.

التكوين المهني ودوره في دعم المشاريع الكبرى

يكتسي هذا التوجه أهمية مضاعفة بالنظر إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تجمع البلدين، خاصة في مجالات الطاقة والبنى التحتية والخدمات اللوجستية.

ويشير قاشي عبد النور إلى أن نجاح هذه المشاريع لا يمكن أن يتحقق دون توفر يد عاملة محلية مؤهلة، قادرة على الاندماج في مختلف مراحل الإنجاز والتسيير.

فغياب الكفاءات المحلية يؤدي غالبًا إلى الاعتماد على الخبرات الأجنبية، ما يرفع من تكاليف المشاريع ويحدّ من أثرها الاقتصادي المحلي. في المقابل، يساهم الاستثمار في التكوين المهني في، تقليص التكاليف التشغيلية، تعزيز القيمة المضافة المحلية، إلى جانب خلق فرص عمل مستدامة، و نقل التكنولوجيا والمعرفة

وبذلك، يتحول التكوين المهني إلى حلقة وصل بين التعليم والاقتصاد، وإلى أداة لدمج الموارد البشرية في سلاسل القيمة الإقليمية.

تصدير النموذج الجزائري… نفوذ اقتصادي ناعم

و من بين الأبعاد الاستراتيجية لهذا التعاون، يبرز نقل التجربة الجزائرية في مجال مراكز تطوير المقاولاتية، كآلية لتعزيز الحضور الاقتصادي للجزائر في منطقة الساحل.

ويؤكد الخبير أن هذا التوجه يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية “تصدير النموذج” كأداة من أدوات القوة الاقتصادية. فالدول لم تعد تتنافس فقط عبر السلع والخدمات، بل أيضًا من خلال تصدير تجاربها التنموية ونماذجها المؤسسية.

و في هذا الإطار، يمكن للجزائر أن تساهم في ، دعم إنشاء مؤسسات ناشئة في النيجر، نقل خبرات التسيير وريادة الأعمال، و تعزيز بيئة الابتكار، مع بناء نسيج اقتصادي محلي مرتبط بالخبرة الجزائرية

وهو ما يعزز ما يُعرف بـ“النفوذ الاقتصادي الناعم”، الذي يقوم على التأثير عبر المعرفة والخبرة بدل الأدوات التقليدية.

البعد الجيو-اقتصادي .. إعادة تموقع في إفريقيا

لا يمكن فصل هذا التعاون عن سياقه الجيو-اقتصادي الأوسع، حيث تسعى الجزائر إلى تعزيز حضورها في عمقها الإفريقي.

ويشير قاشي عبد النور إلى أن هذا التوجه يعكس تحولًا في المقاربة الجزائرية، من منظور أمني تقليدي إلى مقاربة تنموية شاملة، تجعل من الاستثمار في الإنسان مدخلًا لتحقيق الاستقرار.

فالنيجر، بحكم موقعها الاستراتيجي، تمثل بوابة نحو إفريقيا جنوب الصحراء، ما يجعلها شريكًا محوريًا في المشاريع الإقليمية الكبرى، خاصة تلك التي تربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي.

وبهذا المعنى، يمكن أن تتحول الشراكة الجزائرية–النيجرية إلى نموذج للتكامل الإقليمي، قائم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.

الرقمنة والتكوين عن بعد..رهان المستقبل

من بين المحاور الحديثة في هذا التعاون، يبرز التوجه نحو تعزيز التكوين عن بعد والتعليم الإلكتروني، كخيار استراتيجي لتجاوز التحديات الجغرافية وتقليص التكاليف.

ويؤكد الخبير أن الرقمنة أصبحت عنصرًا حاسمًا في تسريع العائد الاقتصادي للاستثمار في التكوين، حيث تتيح ، توسيع قاعدة المستفيدين، تحسين جودة التكوين، بالإضافة إلى ، تقليص التكاليف اللوجستية، و ضمان استمرارية التعلم

كما تساهم في إدماج فئات واسعة من الشباب في ديناميكية الإنتاج، خاصة في المناطق النائية التي تعاني من نقص في الهياكل التكوينية.

التكوين المهني كأداة سيادية

و في ختام تصريحه، يؤكد قاشي عبد النور أن التكوين المهني لم يعد قطاعًا هامشيًا، بل أصبح أداة سيادية لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الدول.

فالشراكات الناجحة في المرحلة القادمة، لن تقوم فقط على الموارد الطبيعية أو التمويل، بل على القدرة المشتركة على إنتاج المهارا، توطين المعرفة، مع خلق قيمة مضافة مستدامة

وهذه المعادلة، تضع الجزائر أمام فرصة تاريخية لتعزيز دورها كفاعل اقتصادي إقليمي، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كمنتج للخبرة وصانع للتنمية.

نحو شراكة قائمة على إنتاج القيمة

في ضوء هذه التحولات، تبدو الشراكة الجزائرية–النيجرية في طريقها إلى تجاوز النماذج التقليدية للتعاون، نحو نموذج أكثر نضجًا وفعالية، يقوم على الاستثمار في الإنسان قبل كل شيء.

فالتكوين المهني، بما يحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية واستراتيجية، أصبح حجر الزاوية في هذه العلاقة، ومحركًا أساسيًا لتحويلها إلى شراكة إنتاجية حقيقية.

وبينما تتسارع التغيرات في البيئة الإقليمية والدولية، يبقى الرهان الأكبر على قدرة البلدين على ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة، قادرة على خلق فرص جديدة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على شعبيهما.

رابط دائم
https://elayem.news/levho
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي