الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

موانئ النزهة في الجزائر.. استثمارات ترسم مسار التنمية السياحية

Author
هارون عمري 25 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه المقاربة الاقتصادية في الجزائر نحو إعادة هيكلة موانئ النزهة على طول الشريط الساحلي، ضمن مساعٍ تهدف إلى تعزيز البنية التحتية لقطاع السياحة البحرية ودمجها في الدورة الاقتصادية الوطنية، بما يمنح هذه المرافق أدوارا أوسع في دعم النشاط السياحي والاقتصادي.

ويعكس التوجه الميداني الحالي إقبالا متزايدا من قبل المتعاملين الاقتصاديين الخواص، بغية الاستثمار في الأنشطة المرتبطة بالترفيه البحري والخدمات المتعددة التي يتطلبها تسيير هذه الفضاءات، في سياق تنامي الاهتمام بالاقتصاد الأزرق كأحد البدائل التنموية.

ونتيجة لذلك، برز اهتمام واضح بتطوير نمط التسيير خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على تحسين ظروف الاستقبال، وتوفير إطار تنظيمي يسهل استقطاب رؤوس الأموال، ويساهم في تحديث الخدمات المينائية ورفع جودتها.

وتعكس هذه الديناميكية تحسنا ملموسا في مناخ الأعمال المرتبط بالاقتصاد الأزرق، تزامنا مع تطور نمط التسيير ليتوافق مع معايير الجودة والنجاعة، بما يتيح توفير بدائل ترفيهية متنوعة ويدعم مساعي تنويع مصادر الدخل الوطني بشكل تدريجي.

بيئة تنظيمية محفزة لاستقطاب الاستثمارات الخاصة

تستند الحركية الجديدة التي تعرفها المرافق الساحلية إلى جملة من التدابير العملية، الرامية إلى تحسين ظروف الاستقبال، وتوفير إطار تنظيمي مرن يشجع المبادرات الخاصة، ويسهل اندماجها السلس في النسيج الاقتصادي المحلي.

وقد أدى القضاء التدريجي على الاختلالات التنظيمية السابقة إلى خلق بيئة استثمارية ملائمة ومستقرة، تساهم في استقطاب مشاريع نوعية ترتبط بتأجير سفن النزهة، وتطوير قطاعات الإطعام، ومختلف الخدمات المرافقة.

وتعمل الجهات المشرفة على توفير التسهيلات الإدارية واللوجستية للمتعاملين في هذا القطاع، بما يضمن استمرارية المشاريع ونجاعتها، ويساهم في تحقيق تكامل اقتصادي يخدم مصلحة السائح والمستثمر، ويرفع من مستوى التنافسية.

السفن السياحية العملاقة تنعش الاقتصاد المحلي

تعد موانئ البلاد حاليا واجهة مفضلة ومؤهلة لاستقطاب كبرى الرحلات البحرية الدولية، ولعل خير مثال على ذلك وصول الباخرة السياحية الفاخرة “فايكينج فيستا” صبيحة يوم 22 مارس إلى ميناء الجزائر العاصمة.

حيث رست السفينة العملاقة بالرصيف رقم 9 وعلى متنها نحو 966 سائحا من جنسيات مختلفة، في مشهد يؤكد الجاهزية العالية للمنشآت المينائية لتوفير كافة التسهيلات اللوجستية والأمنية لضمان راحة الزوار وانسيابية حركتهم.

وقد حظيت هذه الوفود الأجنبية ببرنامج سياحي حافل شمل جولات ميدانية في المواقع المصنفة ضمن التراث العالمي، وعلى رأسها حي القصبة العتيق ومعالم بارزة ككنيسة السيدة الإفريقية ومقام الشهيد، لتكون هذه الزيارة حلقة ضمن سلسلة توقفات مبرمجة لسفن دولية كبرى، مما يعزز مكانة الوجهة الجزائرية في خارطة السياحة المتوسطية ويدعم الاقتصاد المحلي بشكل مباشر وفعال.

عصرنة الهياكل وتكريس آليات التسيير الاحترافي تتولى المؤسسة التابعة لمجمع الخدمات المينائية مسؤولية تسيير هذا المسار منذ إنشائها سنة 2019، من خلال تنفيذ برامج موجهة لتحديث مرافق الصيد والنزهة، وتطوير أدائها بما يتماشى مع متطلبات المرحلة.

وتشرف هذه الهيئة على تسيير 46 ميناء عبر مختلف الولايات الساحلية، بمقاسات وإمكانيات متفاوتة، باعتبارها فضاءات اقتصادية وسياحية تتطلب تسييرا عقلانيا يضمن الحفاظ على الممتلكات العامة وتثمينها.

وفي هذا الإطار، يتم اعتماد أساليب تسيير احترافية، ترتكز على أدوات حديثة للمتابعة والصيانة الدورية، وتنظيم الفضاءات المخصصة لرسو السفن، إلى جانب توفير خدمات التزويد بالوقود والثلج الصناعي، بما يعزز مردودية أنشطة الصيد وخدمات النزهة.

حرابي صاليح

حرابي صاليح: تهيئة الموانئ الترفيهية تخلق تجربة سياحية متكاملة وتفتح فرص الشغل

في هذا السياق، يقول حرابي صاليح، ناشط سياحي ومفتش في الفندقة، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، إنه يمكن هندسة فضاءات مشتركة تسمح بتعايش الصيادين والحرفيين المحليين مع أصحاب المشاريع الترفيهية الكبرى، لخلق تجربة سياحية متكاملة تعكس روح المدينة، من خلال تهيئة هذه الموانئ حسب طبيعة كل منطقة إلى فضاءات تسمح بمزاولة أنشطة الصناعات التقليدية المرتبطة بالموروث الثقافي المادي، إلى جانب الأنشطة البحرية المختلفة كالصيد والغطس، بالإضافة إلى مطاعم متخصصة في الطبخ البحري، وأنشطة ترفيهية وثقافية مثل قرى الألعاب والعروض الموسيقية المحلية.

وأضاف أنه ينبغي أن يكون المسار موحدًا بالنسبة للسياح الذين يزورون هذه المناطق، مع ضرورة إنشاء منصة حجز موحدة للمشاركين في هذه التظاهرات، والتعريف بالبعد السياحي لهؤلاء المشاركين، إلى جانب إنشاء هيئات تضم جميع الفاعلين من صيادين وحرفيين وأصحاب المشاريع، للوصول إلى النتائج المرجوة.

وأشار إلى أن هذه المنشآت الجديدة تساهم في تنشيط السياحة الداخلية وخلق فرص عمل حقيقية للشباب في المدن الساحلية، من خلال توفير وجهات سياحية متكاملة تضم مختلف المقومات من ترفيه وثقافة ومطاعم وصناعات تقليدية ورحلات بحرية وأنشطة غطس، بما يسمح للسياح الداخليين، خاصة العائلات، بقضاء عطلاتهم داخل الوطن.

كما أكد أن تنويع المنتوج السياحي عبر استحداث أنشطة جديدة يساهم في توسيع العرض السياحي واستقطاب فئات جديدة من السياح، وهو ما يندرج ضمن مفهوم التسويق السياحي، مشددًا في الوقت ذاته على أهمية ربط المدينة بالواجهة البحرية من خلال إنشاء مسارات مهيأة ومساحات خضراء تسهل التنقل.

وختم بالقول إن هذه الديناميكية تخلق العديد من مناصب الشغل المباشرة، مثل إدارة الميناء والأمن والصيانة والإرشاد السياحي، إضافة إلى مناصب غير مباشرة في مجالات المطاعم والتجارة والنقل، كما تتيح للشباب إمكانية إنشاء مشاريع ومؤسسات سياحية خاصة.

تجهيزات تقنية حديثة لفصل الأنشطة المينائية

يعتبر التنظيم المكاني والهندسي داخل الأحواض المائية عاملا أساسيا لضمان انسيابية الحركة البحرية والمرورية، وتوفير بيئة آمنة تقلل من الاحتكاك بين مختلف المتعاملين المهنيين والمرتادين، لاسيما في ظل تزايد وتيرة النشاط داخل موانئ الصيد والنزهة.

وفي هذا السياق، بادرت الجهات المعنية إلى تنصيب أكثر من 9 كيلومترات من الأرصفة العائمة، بهدف تنظيم عمليات الرسو وتوزيعها بشكل عقلاني، بما يسمح بالفصل الوظيفي الواضح بين مساحات الصيد المهني ومناطق النزهة والترفيه، ويحد من التداخل الذي كان يطرح إشكالات تنظيمية وأمنية في السابق.

ويُرتقب أن تساهم هذه البنية التقنية في تحسين إدارة تدفقات السفن، وتقليص فترات الانتظار، وتعزيز شروط السلامة داخل الأحواض، إلى جانب تمكين المتعاملين من استغلال الفضاءات بشكل أكثر كفاءة، وفق توزيع مدروس يراعي خصوصية كل نشاط.

كما مكنت هذه التجهيزات من رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ بشكل ملموس، بما يتماشى مع الطلب المتزايد على خدمات الرسو، خاصة خلال المواسم السياحية، وهو ما يدعم ديناميكية الاستثمار في قطاع النزهة البحرية ويعزز جاذبية هذه الفضاءات.

ويتكامل هذا المسار مع تنصيب 7 رافعات موجهة لدعم عمليات صيانة السفن، بما يساهم في تقليص آجال التدخل التقني وتحسين جودة الخدمات المقدمة، فضلا عن تعزيز جاهزية الأسطول البحري لمختلف الأنشطة، سواء المهنية أو الترفيهية.

إعادة تهيئة شاملة لضمان راحة المرتادين

تتطلب الصناعة السياحية المينائية الناجحة توفير شبكة متكاملة من الخدمات الأساسية والمرافق المرافقة، التي تلبي تطلعات الزوار وتضمن استدامة الأنشطة التجارية والترفيهية على مدار السنة دون انقطاع.

ولهذا الغرض تحديدا، يجري تنفيذ برامج مكثفة لإعادة تهيئة عدد كبير من الموانئ عبر الوطن، مع التركيز المكثف على تحسين شبكات التزويد بالمياه والكهرباء وتحديث أنظمة الإنارة لتوفير أجواء آمنة وعصرية تلائم العائلات.

كما تحظى الجوانب الأمنية وأنظمة النظافة المستدامة بأهمية قصوى ضمن خطط التسيير الحديثة، لتوفير بيئة صحية خالية من التلوث، تشجع الزوار على التوافد بكثافة وثقة تامة نحو هذه المرافق السياحية الواعدة.

توسيع شبكة الموانئ لدعم التنمية المحلية

تستمر الجهود المؤسساتية بخطى ثابتة ورؤية واضحة لتوسيع الشبكة الوطنية من خلال إدماج مرافق جديدة ومتطورة، تلبي الطلب المتنامي باستمرار على الخدمات المينائية بشقيها المهني الخاص بالصيد والسياحي الموجه للنزهة.

ويندرج إدماج موانئ صيد ونزهة جديدة ضمن أولويات خارطة الطريق الاستراتيجية للقطاع، لتعزيز دور هذه المنشآت الحيوية كرافعة صلبة للتنمية عبر كافة الولايات الساحلية وخلق أقطاب جاذبة تدمج الفضاء البحري في النسيج الحضري.

وفي هذا الإطار البناء، تم تسجيل مشروع ميناء صيد بمواصفات متقدمة في ولاية عنابة بطاقة استيعاب تفوق 360 سفينة، إلى جانب مشروع آخر واعد بالجهة الشرقية لولاية الجزائر يوجد قيد الدراسة المعمقة لمواصلة مسار العصرنة والتطوير الشامل.

رابط دائم
https://elayem.news/4fwil
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"