الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

أيّ وهمٍ هو هذا الذي نحياه وراء الكواليس؟

Author
وحيد حمود 27 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

كلّ الأيّام تمرّ ولا نشعر بمرورها أو مرارتها. الحياة بحدّ ذاتها مسرحيّة، هذا ما ظللت أردّده وأنا في الكواليس، ارتديت وجهًا غير وجهي، وسرت في وجهةٍ قرّرها النص المكتوب، كل ما كان عليّ فعله هو أن أؤدّي دوري جيّدًا، وقد نبّهني المخرج بنبرةٍ حادّة: إنّها تجربتك الأولى، تقمّص الدور جيّدًا كي تضع أولى خطواتك في العمل السينمائي.

عشت طفولتي ومراهقتي في مسرحيات مختلفة، بعضها ميلودراميّ وبعضها دراميّ ولكنّها جميعها كانت كوميديّة، لا أدري لما صنّفتها ضمن هذا الإطار، ولكنّها كذلك، فالمآسي على اجتماعها لا تعدو أن تصير مع مرور الوقت أكثر من نكاتٍ سخيفة نكرّرها في خلواتنا وفي المقاهي.

الآن أنا في عمل، الآن الأمر مختلف، ما كنت أقدّمه مجانًّا صار ولحسن الحظ عملًا له مردود ماديّ ليس بالقليل.

تجهّز جيّدًا، صاح المخرج. وُضعت المساحيق فوق وجهي، أُلبست ثيابًا رثّة، نظرت إلى وجهي في المرآة وضحكت ساخرًا، هذا هو الوجه الذي عشته فيما مضى، هو نفسه، لم يكن بحاجة لكلّ هذه التغييرات التي جعلته ما هو عليه الآن، لكنّه وجهٌ سأتقاضى من خلاله مبلغًا جيّدا.

كنت في الساعات الماضية أكرّر الكلمات التي فوق الورق أمام المرآة، أراقب ملامحي التي تتغيّر وفقًا للمكتوب، أتقمّص الدور كما أخبرني المخرج، وكان الآخرون يرتشفون القهوة، يضحكون ويتهامسون. وحدي كنت خائفًا، ربّما لأنّها تجربتي الأولى، تخيّلوا أن يحاول المرء تأدية دورٍ ظلّ يحياه لعمرٍ كامل، وهو الآن خائفٌ من تأديته، ما هذا الهراء؟

أنا الآن أمام الكاميرا، أقف وحيدًا، يداي ترتجفان، صوتي يرتجف، ثيابي رثّة، أشار إليّ المخرج بأصابعه: واحد اثنان ثلاثة، يطلب مني البدء.

“أنا آسف! سامحني يا رب، لقد سرقت من عمري سنواتٍ من أجل أن أعيش، أن أعيش فقط، ما من أحد سمع صراخي، ما من أحدٍ سمع بكائي، لقد قتلت الشخص البسيط الذي كنته، من سيحاسبني؟ أنا مجرم، أنا أُدين نفسي، اجلدوني، اعدموني، افعلوا ما تريدون، افعلوا ما تريدون”

وانهرت متباكيًا أمام الكاميرا.

– أحسنت، (CUT).  أحسنت. هذا هو ما نريده، أنت بطل! بطل!.

ردّد الصدى هتاف المصفّقين، لم أدرك في حقيقة الأمر ما الشيء الذي صنعته، لقد كرّرت الكلمات التي حفظتها وتدرّبت عليها، لكنّني قلت الحقيقة، ربّما لو منحت دورًا آخر لما نجحت في تقمّصه، أيّ وهمٍ هو هذا الذي نحياه وراء الكواليس؟

أنا ثائر، هذا الاسم الذي منحوني إيّاه من خلال النص، نجوت من عمليّة اغتيال سياسيّة عن طريق الصدفة، لم أكن المقصود، لم أكن هدفًا في يوم لأحد أصلًا، لكنّ النص يقول هكذا، وإنّني سأحاول أن أتقمّص دور الثائر الحقيقيّ الذي قُتل، والسبب هو أنّ الذين اغتالوا ذلك الشخص يريدون أن يقتلوا معه أحلام مدينةٍ بحالها، وأنا، الآن عليّ أن أؤدّي ذلك الدور، ههههه، من أجل ماذا؟ من أجل أن أنقذ المدينة وأحلامها من الاندثار، ألم أقل لكم أنّها كوميديا كبرى؟ يحاولون أن يعلّموني كلّ ما كان يفعله ذلك الثائر، الآن بتّ أمتلك وجهه نفسه، حديثه نفسه، لباسه نفسه، وربّما لو لم تكن امرأته إحدى ضحايا الاغتيال، لصرت زوجها، من يدري؟ كتّاب النصوص لصوص، يسرقون الوجوه والأجساد والأرواح والأزواج حتى، المهم أن تؤدّي دورك جيّدًا، وأنا سأفعل، لا حلّ لديّ، أريد أن أعيش.

أنهيت مشاهدي في الحلقات، نقلوا كلّ شيء كما حدث، كما أدّيته، وأخبروني أنّه سيكون أفضل عملٍ دراميّ، لكنّ شيئًا وحيدًا لم ينقلوه، إذ أخبروني بأنّهم لا يستطيعون نقل الحقيقة كما هي، لقد سمّوا المدينة باسمٍ آخر لا يشبهها في شيء، ونسيوا أنّها بيروت.

رابط دائم
https://elayem.news/ze21m