الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

أُمُّ البِدَايَاتِ.. أُمّ النِّهايات.. فلسطين أكبر من المتسوّلين في متاهات التاريخ

Author
خالد عز الدين 16 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

بعد أكثر من سبعة عقود منذ احتلال فلسطين، وما تخلّلها من حروب ضد الأرض والإنسان والذاكرة، ومن جرائم إبادة وتهجير.. لم يستطع الصهيوني أن يجعل من حلمه حلمًا “حقيقيًّا”، ففي كل مرّة كان الحلم يرتدّ إلى كابوس يؤكّد بأن فلسطين هي جنّة لأبنائها الفلسطينيين رغم كل النار والدمار، وفي الوقت نفسه هي جهنّم على الاحتلال الصهيوني رغم ما يمتلكه من تكنولوجيات “صناعة الحياة”!

في كل مرّة يتأكدّ بأن الأساطير الصهيونية هي مجرّد أعشابٍ مهما أينعت لبعض الوقت فإنها سرعان ما تيبس وتحترق أمام أشجار الحقيقة الفلسطينية الراسخة في أعماق الأرض. وفي كل مرّة يؤكّد الفلسطيني بأنه “الجبل الذي لا يهزّه الريح”، بينما الصهيوني هو ذلك المُتسوِّل في متاهات التاريخ.. قد يطغى ويتغوّل عندما يجد الدعم والمُساندة من طرف قوى الشرّ العالمية ولكنه سرعان ما يرتدّ إلى حقيقته بأنه مُجرّد متسوّلٍ بائس يقتات من الشفقة “العالمية” التي يستدرّها بأكاذيبه وسرديّاته الزائفة.

كلّما توغّل الصهيوني في الزمن، فيما يُسمّيه “مستقبلا”، يجد بأن ماضيه أمامه، بكل ملامحه القبيحة وروائحه النّتنة، وعبثًا يحاول محو الغد الفلسطيني أو – على الأقل – جعله بعيدًا إلى حدّ تيئيس الشعب الفلسطيني من المستقبل، غير أن الغد الفلسطيني يتجلّى في كل يدٍ فلسطينية قابضة على تراب وطنها بإصرار وعزيمة، وفي كل قطرة دمٍ طاهرة تسقي أرض فلسطين كل يوم بكل محبّة ووفاء وإيمان بأن التضحية هي طريق الحرية.

في هذا الملف، تُبحر الأقلام الفلسطينية في سماوات الأعماق للإنسان الفلسطيني، تكتب شعرًا وقصّة ورؤى بأن الغد الفلسطيني قريب، ومهما بلغت حرب الإبادة المُعلنة على فلسطين، فإنها لن توقف الحياة والأحلام والموسيقى والروح التي تُجدّد عودتها كلما حُرّقت.. للتأكيد بأنّ الحياة – في غزّة مثلا – لن تكون محاولات للنجاة من الموت، بل هي محاولات لإنقاذ الإنسانية من الانتحار على أيدي الصهيونية وقوى الشّر العالمية التي تدعمها.

بقلم: فهيمة غنايم

يا نساء العالم.. من أيّ صمت جئتن.. أين غضبنا المؤنث!؟

هل بلغكن أن نساء غزّة لا يُصبن بالقذائف فقط، بل بالخذلان أيضًا؟ ويُقتلن بلا زغاريد؟ هل بلغكن أن رحمًا واحدًا قد يحمل طفلًا ووصية، ويموت وهو يقاوم بالصبر؟ في غزّة، المرأة ذاكرة صلبة تمشي على قدمين، لا تلبس السواد، بل ترفعه كراية، وتكنس الرماد عن ضوء النجاة.

يا نساء العالم، أين نحن من “سميّة” غزة؟ المرأة التي لا تملك إلا دموعها، لكنها تمسح بها وجه الحقيقة، وتكمل الطريق، أين نحن من “الخنساء” التي تشيّع أبناءها وتمشي منتصبة القامة، وتربّتُ على أكتاف الأرامل فتمنحهن قوّة للبقاء والثبات والصمود؟ أين أصواتنا حين يُسحب جسد طفلة من تحت الأنقاض؟ أين رفضنا الأنثوي على اغتصاب الأرض والحياة والحق؟ في غزة، المرأة هي الشاهد والشهيدة، هي من تُطعم الطفل بالوطن، هي من تكتب على الجدران “سنعود”، وتخيط على الأكفان تطريزات العودة، وتكنس الحطام عن عتبات البيوت المهدّمة لتقول هنا كنت وهنا سأبقى. آن الأوان لنعيد تعريف “الأنوثة” لا كضعف، بل كقوة مدهشة على منح الحياة في قلب الموت، على أن نكون ملاذًا في زمن الخيانة، وصوتًا في زمن الصمت، وجبهةً في زمن الانهيار. في غزة، كل أمٍّ هي وطن. وكل امرأة… بحجم أمّة…

بقلم: تالا جودة – غزة

نصٌّ مكرَّر لأنه تكرر

“لكن ابني لم يمت”

قالها وهو لا يصدق ما يقول.

ها هو يراه أمامه جثة هامدة،

لكنه يقول إنه لم يمت.

كيف لم يمت، وها هو الدم قد اعتبر وجهه لوحة،

لوحة رسمها مصيره ومباغتة الزمن.

لكنه لم يرَ أمامه ابنه الذي تفحمت أطرافه،

بل يراه ذلك المهووس بكرة القدم.

لم يرَ أمامه إلا طَلّته في آخر عيد،

لم يرَ أمامه إلا قصصه المليئة بالتهويل لكل شيء.

رآه وهو يسرد قصة آخر شجار في الحي،

وهو يطلب زيادة في مصروفه الذي ما عاد يكفيه،

يرى صورته وهو يشاجر أخته الصغيرة،

ثم يعود ويُراضيها.

يراه وهو يقيس زي كرة القدم الجديد،

وهو يشعل النار مع والده لإعداد الطعام،

ويخبره أثناءها عن طموحاته وأحلامه،

كيف ستكون حياته المستقبلية الجميلة،

عدد أطفاله، أسماؤهم…

تمرّ هذه اللقطات أمام عينيه سريعًا،

ثم يوقظه صوت أحد المواسين،

يعيده إلى الزمن،

تلطمه الحقائق تباعًا،

ثم لا يجد ردًّا عليها،

إلا أن يلعن كرة القدم.

يلعن كرة القدم،

الذنب الذي ارتكبه ابنه وأصدقاؤه،

ودفعوا الثمن غاليًا.

الكثير من الصمت…

وأجسام هامدة…

بقلم: فهد محمد شهاب

نجم السماء

وأنت تضيء لنا نجم السماء

لا تتسلل إلى أعناقنا خلسة

وقتما تزرنا تجدنا

مشرئبين بها

أوداجنا لا تختفي

لمجاعة او إبادة

هي زاخمة بموتها

كأنها تنبضه في أيّ لحظة

ترقب لذاتها طريق رحيلها

نحو السماء

نحو ما كانت تصبو إليه

تعانَق الأرواح

بمخلب صقر

بفاجعة البقاء والرحيل

وأنت تتخذ من ليلنا سؤالا

لا تفكر في أن تكون الإجابة

نحن

ففي القيامة

لا صباح

لا مساء

هنا في حضرة الغياب

للوقت

لا رفاهية للاختيار

ولا نقول إننا نموت

نهبّ، نشبّ على وجه الحصى

ندفن نضيع على الرمل

يلاطمنا بحرنا

كالحزن

كأنه لا يجدنا

إلا إذا كنا جوعى

يغبطنا على أننا

صرنا لا نخاف

أدركنا الرحيل ولم نرحل

نجونا من النسيان مرة

وتذكرنا إننا لا نحّنُ لشيء

سوى الوجع

وأنت تسمعنا

لا تنسى من أخرس عنوة

لا تذكر من شهد الفاجعة

ولم يحرك غير حاجبيه

ولا تقصدهم بالسؤال

حتى لو اشتهيت رغيف الخبز

انتظر

حتى لو بقيت خالي الوفاض

من قمح

من ملح

من دم

حل الغياب على أطفال حارتنا ورحل

ونصيبه منا

أننا ضعنا

فقدنا الطريق

ونحن نقف على باب البيت

وهبنا من الخوف حزن

طنا بعد طن

وقال لنا إننا شهدنا الفاجعة

وأكلنا لحم إخوتنا

كأننا نسينا من نكون

بقلم: سماء زعانين

غزّة.. الموسيقى تجمعنا!

كان لصباحات غزّة موسيقى لا يعرفها العالم، تلك التي كانت تبثها إذاعة القدس، قبل أن تُبتَر الأصوات ويُغتال الإيقاع. أغانٍ لا تُكتب في قوائم “الترند”، لكنها محفورة في ذاكرة من مشوا في الطرقات المتعبة، نحو جامعات لا تَعِد بشيء غير الأمل، أو أعمال تُمارَس بنصف حياة.

لم تكن الموسيقى مجرد خلفية عابرة. كانت رفيقة الطريق، مرآة الوقت، العزاء اليومي الذي لا يُشترى ولا يُشرح.

كأن غزة بكل هشاشتها، كانت تملك سرًّا: أن تُربّي أبناءها على لحنٍ يقيهم الانهيار. كم تغيّرت غزة!

لم يعد الصوت هو نفسه، ولا الراديو يصدح بأصوات خاصة بأهلها، ابتلع الزمن الموسيقى، وابتلعنا معها.

لكن الحنين، ذاك الذي لا يتغير.. الحنين إلى ما لا يراه أحد، إلى لحنٍ كان يدندن في أذنك وأنتِ تسرعين للحافلة، إلى لحظة صمت بين أغنيتين، إلى مدينة كانت رغم الجراح، تُربّي قلبك على البقاء.

في غياب الموسيقى والكلمة والصوت، ماذا يبقى؟ يبقى صوت الذاكرة، وهي تقول لك همسًا: “غزة القديمة لم تمت، إنها فيكِ، تنبض كلما سمعتِ نغمة شبيهة، أو رأيتِ ظلّك يسرع في طريقٍ يشبه طرقها حتى لو كان بلا رفيق.”

بقلم: علي أبو عجمية (كاتب وشاعر من الخليل)

العشاء الأخير

اشتغل “دافنشي” ثلاث سنوات فنية وروحية وذهنية وتقنية على لوحة “العشاء الأخير” ذائعة الصيت. ولم يكن يعرف أو ربما اهتزت ريشة في قبره عندما قرّر مصمّم شركة “القصراوي للبطاطا المُعالَجة” أن يشتغل على تشويهها في ثلاث دقائق على الأرجح. إساءة جمالية وسرقة جاهلة وسعيدة وتطاول رخيص على التاريخ قبل أي شيء.

وليس هذا إلا مسلك من مسالك العبث في كل ما هو كلاسيكي عظيم وابتذال هابط لكل إبداع مكرّس حيث تحكم الفوضى والاستسهال والرداءة منطق توظيف الفنون والآداب، وتسليع كل قيمة في خدمة رأس المال. أما الإساءة الدينية إلى المسيحية التي ينطوي عليها تصميم لوحة “القصراوي” حيث حلّت رؤوس الخراف مكان رؤوس المسيح والحواريين؛ فإنها تحمل إساءة دينية إلى الإسلام أيضًا.

فالعشاء الأخير كان تلك المائدة التي ألقى فيها “المسيح” تعاليمه على تلامذته. وقد مثل فيها “يهوذا الإسخريوطي” ذلك الخائن والمنشقّ عن يسوع وحوارييه. وبذلك هي مائدة دينية لها رمزية خاصّة. ولمّا كانت الأضحية في الإسلام شعيرة ترمز إلى الفداء صارت لدى المصمّم الخلّاق شعارًا لأكل “التسالي” المصنوعة من البطاطا المُعالَجة. بالتأكيد أن “شيبس أزكى” لا يحمل مذاقات النّعرات الدينية، وأن خطوط إنتاج الفستق المحمول على البهارات والتوابل لا تهدّد السلم الأهلي الفلسطيني.

لكن زمن الموت الجماعي والفقر المعرفي والضياع السياسي يحمل كل أنواع الأسى والأسف. فالمسيح الفلسطيني لا يزال يحاول بكلمته الدامية الانتصار على “سيف” الآلة الاستعمارية، والأضاحي كلّها لم تستطع افتداء طفل في غزّة ولا إطعام جائع نازح ومكلوم. الجميع يصعد إلى جبل لاهوته ولا يسقط مغشيًّا عليه من هول الإبادة.

بقلم: قمر عبد الرحمن

آلاء.. النعمة الباقية

وجدت ضالتها في الركض من وجــعٍ إلى وجــع

وأثناء رفة جناحها الملائكيّ

أخبروها أنّ الأرض استدعت أطفالها،

للاستقرار في السّماء!

ولم يتطلّب الأمر موافقتها حتّى!

فداءً للأرض.. للقضـية العادلة..

التي لن تشهد عدلًا أبدًا!

سقط حبل الغسيل الطّويل..

وكانت شهقتها كشهقة غابةٍ محـروقة،

شربت الخبر دفعةً واحدة..

خرجت من عباءتها، وصارت بياضًا

هاجرت مع سرب الطيور.. طيورها

كانوا تسعةً.. وصاروا واحدًا

هم أحياء السّماء.. وهي شهـيدة الأرض!

فقدت سندها في الفـقد أَيضا

فهل المسح من السّجل المدني أهون

من المــوت المُجزّأ؟

بقلم: يسرى الغول

فقدٌ موجع

كنا، أنا وكريم، نسير نحو تل الهوى، حين أطلّت علينا فجأة فتاة بعينين زائغتين، تتلفّت يُمنة ويُسرة كأنها تفتش في الفراغ عن ظلٍ مفقود. كانت الدموع تنساب من عينيها كأنها لا تملك خيارًا سوى البكاء. استوقفني صديقي كريم، الذي مازحًا أدعوه بـ “الداشر”، وقال بجدية غير معهودة: “استنا يا أبو اليسر… خلينا نعرف شو القصة”.

اقتربنا منها. كانت تسأل كل من يمرّ عن ابنها الصغير، الذي ضاع منها منذ الأمس. تصف شكله، لون قميصه، تفاصيل وجهه، ثم تعود للبكاء، وتهمس بمرارة تقطع القلب: “وين أسأل عنه يا رب؟ طفل صغير يا الله… وين راح؟”. كانت تلك المرأة، الهشّة كنسمة، تشبه مئات الأمّهات اللواتي خلّفت حرب الإبادة في غزّة جراحهن مفتوحة. هي ليست حالة نادرة، بل وجه آخر للاختفاء، ذاك الذي لا ينتهي إلا بخبرٍ يفطر القلب: مقتل الغائب باستهدافٍ لم يكن معنيًّا به، بل كان فقط قريبًا من هدفٍ آخر.

نظر إليّ كريم، وقد تهاوت من عينيه كل أركان الإيمان، ثم قال بصوت مبحوح: “طيب… لوين يا الله؟ متى؟ وين العرب؟ وين الملايين؟ وين المليارات؟ وين حتى الصرامي؟”. قبل لحظات فقط، كان يحدثني عن أحلامه التي تكبر مساحةَ غزّة المحاصرة، عن المسرحيات التي يكتبها، والأفلام التي يحاول إنتاجها لينقل من خلالها وجع الناس هنا، وكان آخرها فيلمه “جنة جهنم”، الذي بلغ العالمية ورُشّح – على ما أذكر – للأوسكار.

كريم، الشاب الذي يكبر ابني أنس بأربع سنوات فقط، يحمل في قلبه طموح العمالقة، حتى وإن خانته السّذاجة أحيانًا. لم نكمل مشوارنا يومها، لكنني كنت سعيدًا، فقد علّمني ذلك الشاب الصغير كيف نرى ما لا يُرى… كيف نصغي لصوت الألم حين ينطق من بين الأنقاض.

بقلم: حمزة البشتاوي

الأغاني الفلسطينية في المناسبات الاجتماعية والوطنية

صدر حديثًا، عن “دار أنانا” في بيروت و”دار الرعاة” في رام الله، كتابٌ للإعلامي الفلسطيني “حمزة البشتاوي” بعنوان “الأغاني الفلسطينية في المناسبات الاجتماعية والوطنية”، جاء في مقدمة الكتاب بأن الأغاني الفلسطينية تُعتبر مرآة جميلة بالغة الوضوح لإظهار ثقافة المجتمع، وتمثل عنصرًا رئيسًا مهمًّا في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وهي انعكاس للحالة النفسية والوجدانية. وحضورها وتفاعل الناس معها يؤسسان لبناء شبكة من التواصل والعلاقات الاجتماعية، حيث تساهم الأغاني في:

– ترسيخ البعد الثقافي والاجتماعي.

– الحفاظ على مفاهيم وقيم تربوية مرتبطة بالعادات والتقاليد.

– المساهمة في الوعي الجمعي لشخصية المجتمع العامة.

– المساعدة على تنمية المجال الفكري واللغوي والانفعالي والخيالي.

– تحقيق المتعة والتسلية.

وفي المجتمع الفلسطيني ترتبط الأغاني بأبعاد تثقيفية، تواجه زحف قيم مغايرة بعيدة عن طبيعة المجتمع الفلسطيني وثقافته وقيمه. كما أنها تحافظ على الأصالة والهوية والخصوصية ارتباطاً بالثقافة وبروحية التراث الوطني الفلسطيني.

مرّت الأغاني الفلسطينيّة بمراحل تاريخية متعددة كان لكل مرحلة منها أثر معين ومكانة مهمة في المناسبات كافة، لكونها تحكي مواجع الناس ومآسيهم وأيضًا أفراحهم ومشاعرهم الوطنية، لكون الشعب الفلسطيني شعبًا شفافًا يحب الموسيقى والأغاني بالفطرة وعند سماعها يتجاوب معها جسديًّا وعاطفيًّا، يتأثر بها حزنًا وفرحًا عبر العصور، بخاصة في العصر الحديث الذي ظهرت فيه أغانٍ فلسطينية ارتبطت بالمناسبات الوطنية والاجتماعية، حيث تتناولها هذه الدراسة في مرحلة زمنية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي مرورًا بمرحلة الستينيات منه، وهي مرحلة انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965 حيث راجت باقة واسعة من الأغاني الوطنية والاجتماعية الفلسطينية.

وتحدّث الكتاب عن أهمية توثيق وتدوين الأغاني الفلسطينية المتعلقة بالمناسبات الوطنية والاجتماعية، باعتبار هذه الأغاني مرتبطة بشكل مباشر بحياة الإنسان الفلسطيني وأفراحه وأحزانه في الماضي والحاضر والمستقبل. وهي تساهم في الإضاءة على كفاح الشعب الفلسطيني وتراثه الفني وعاداته وتقاليده المتوارثة عبر الأجيال داخل الوطن وفي الشتات. والأهمية تكمن أيضًا في تعريف الأجيال الجديدة بالأغاني الوطنية والاجتماعية، بصفتها من الفنون والآداب الحيّة والمستمرة، ولا يحدها مكان ولا زمان، وهي جزء أصيل من تراث الشعب الفلسطيني، يجب الحفاظ عليها وتدوينها وتوثيقها وتعزيز حضورها في ظل طغيان الأغاني الحديثة، بخاصة الغربية أو الغريبة، على حساب الأغاني الفلسطينية في المناسبات الوطنية والاجتماعية.

وتمّ التركيز في الكتاب على عدد من الأغاني بما توفر من مصادر ومراجع فلسطينية، للتأكيد على خصوصية المجتمع الفلسطيني وأغانيه، في مراحل مختلفة من حياته وما تحمله تلك الأغاني من مضامين، وما لها من دور وتأثير في التعبير عن العلاقات الاجتماعية بين كافة أبناء المجتمع الفلسطيني وارتباطهم بالأرض، مع التركيز على المرحلة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي مرورًا بالنكبة، وصولاً إلى عصرنا الحالي، باعتبار أن الأغاني الفلسطينية كانت وما زالت شاحذة للهمم وشادّة للأزر ومحرّضة ضد الاحتلال، وتعزز روح الانتماء الفلسطيني.

وتمّ التعريف في الكتاب بالأغنية الفلسطينية والتحوّلات التي طرأت عليها، وشكلها الفني إضافة لدورها وتأثيرها في النضال ضد المحتل، وفي تشكيل الوعي الفلسطيني، خصوصًا عند جيل الشباب الذي وعلى الرغم من كل ما نشهده من محاولات لإبعاده، في أماكن انتشاره كافة، عن الفنون والأغاني الفلسطينية، فإنه ما زال يستمع إليها بشغف وتحضر معه في كل المناسبات، وفي شتى الأحداث والميادين، لكونها تمثل جزءًا أصيلاً من الهُويّة والثقافة والتراث الغنائي الفلسطيني.

وللأهمية نفسها تم تدوين عدد من الأغاني وذكر عدد من الآلات والأدوات الموسيقية. بسبب حضورها في ذاكرة الشعب الفلسطيني وفي يومياته، حيث يستخدمها في كل الأوقات وفي المناسبات كافة كي تعينه على الصمود والمقاومة أمام كل التحديات. وقد كانت الأغاني الفلسطينية، وما زالت، شاحذة للهمم وشادة للأزر ومحفزة للنضال ضد الاحتلال، تعزز روح الانتماء الفلسطيني. وأصبحت جزءًا من الذاكرة التي تحمل الشجاعة والأمل والحب.

يمكن قراءة التحوّلات في مسار الأغاني الفلسطينية، قبل النكبة وما بعدها، من خلال مقطع من أغنية “كنا نغنّي”، والتي تقول:

“كنا نغني بالعراس جفرا وعتابا ودحيّة

صرنا نغني بالرصاص عالجهادية عالجهادية”.

من أكثر الأغاني انتشارًا في أيّامنا هذه أغنية (Leve Palestina)

 أو “تحيا فلسطين” من كلمات اللاجئ الناصري “جورج توتاري”، التي جالت العالم في تظاهرات ضد الحرب “الإسرائيلية” على غزّة، والتي تقول:

“تحيا فلسطين وتسقط الصهيونية…

نحن زرعنا الأرض ونحن حصدنا القمح

ونحن قطفنا الليمون وعصرنا الزيتون وكل العالم يعرف أرضنا..”

وقد عرض الكتاب الأغاني الفلسطينية في المناسبات الاجتماعية والوطنية في الشكل والمضمون وحللها، وركز على المرحلة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي مرورًا بالنكبة، وصولاً إلى عصرنا الحالي.

بقلم: وسام زغبر

القصيدة الفلسطينية في مواجهة التطبيع.. المقاطعة سلاح المقاومة الثقافية

“أنا لا أساومُ في دمي… أنا لا أبيعُ مواجعي ومواقفي للغاصبين” (سميح القاسم)، لم تقتصر المقاطعة، كأحد أشكال المقاومة، على الأبعاد الاقتصادية والسياسية فحسب، بل امتدت لتصبح ركيزة من ركائز الوجدان الثقافي الفلسطيني. وقد تجلّى هذا الرفض بشكل واضح في الشعر الفلسطيني، الذي شكّل منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم صوتًا ثوريًّا في مواجهة الاحتلال “الإسرائيلي”، ورافضًا لكل أشكال التطبيع والتعامل معه.

منذ بداياته، لم يكن الشعر الفلسطيني محايدًا أو وصفيًّا، بل اتخذ موقفًا هجوميًّا يحرّض على المقاومة ويرسّخ الوعي الجمعي الرافض للاحتلال. وتحوّلت المقاطعة في القصائد من مجرّد موقف إلى مظهر من مظاهر الكرامة الوطنية.

الشاعر الراحل “محمود درويش” عبّر عن موقفه الحاسم من التطبيع بقوله: “سجّل! أنا لا أشتري خبزي من المحتلّ، ولا أبيع اسمي للّصوص”، مشيرًا إلى رفضه التعامل مع ما ينتجه الاحتلال، من سلعٍ ولغةٍ وسرديةٍ، معتبرًا التبعية الاقتصادية شكلًا من أشكال التطبيع مع الجريمة.

بدوره، كان الشاعر “سميح القاسم” أكثر حدّة في تعبيره الشعري عن المقاطعة، حين كتب: “لن أزرع زهرة في بستان المغتصب، ولن أستظلّ بسقف مغتصب بيتي”، رافضًا الاستفادة من أيّ خدمة أو منتج يقدّمه الاحتلال، ومؤكدًا أن الكرامة الوطنية لا تُشترى ببضاعة مغتصب الأرض. أما “معين بسيسو”، فقد رأى في المقاطعة تعبيرًا صريحًا عن الانتماء إلى الأرض والشعب، فقال: “خذوا خبزهم… لكن لا تأخذوا ملحهم”، في إشارة إلى أن ما يُنتج فوق الأرض المسروقة لا يمكن قبوله أخلاقيًّا أو وطنيا.

حتى الشاعرة “فدوى طوقان”، التي تناولت في شعرها معاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال، اعتبرت المقاطعة فعلًا وجوديًّا يحمي الهوية. كتبت: “أطوي قلبي على صبر الخبز المُرّ، لكنه ليس من دقيقهم”، لتؤكد أن العيش على منتجات الاحتلال هو عيش منقوص الكرامة.

بهذا المعنى، لم تكن المقاطعة الثقافية في القصيدة الفلسطينية مجرد تعبير رمزي، بل فعل تحريضي وواعٍ سياسيًا، يدعو إلى مقاومة الاحتلال ليس بالسلاح فقط، بل أيضًا عبر الموقف الشخصي اليومي: ماذا نستهلك؟ ممّن نشتري؟ ولمن ندفع؟ ويُجمع شعراء فلسطين على أن القصيدة تشكّل جبهة مقاومة متقدمة في معركة المقاطعة الشاملة، مؤكدين أن الانتماء ليس شعارًا شعريًّا بل موقفًا سياسيًّا وأخلاقيا. فالكلمة، كما البندقية، يمكن أن تكون خندقًا دفاعيًا في وجه المحتل.

وفي ظل الهجمات المتواصلة على الرواية الفلسطينية، تبرز أهمية المقاطعة الثقافية بوصفها ردًّا مباشرًا على محاولات الاحتلال لاختراق السردية الوطنية عبر الفن والإعلام والفعاليات التطبيعية. فرفض استضافة مُمثّلين عن الاحتلال في الفضاءات الثقافية، أو المشاركة في أنشطة تطبيعيّة، هو شكل من أشكال الدفاع عن الحق الفلسطيني، وحماية للهوية الوطنية من التشويه.

إنّ الثقافة في زمن الاحتلال لا تقف على الحياد، بل تُعدّ ساحة اشتباك ورفض، وجبهة مقاومة موازية للميادين الأخرى.

بقلم: رانية مرجية

غزة… حين تُغني الجراح بصوت البحر

كلما ذُكرت غزّة، أشعر أن قلبي يغوص في موج متلاطم، لا ساحل له ولا شاطئ. مدينة تحفر في صدري أخاديد من الحنين والحزن والعجز، لكنها في كل مرة تنهض من الركام، كما في الأساطير، كطائر الفينيق، تزيل الرماد عن أجنحتها، وتعلو فوق الخراب.

غزّة، يا وجه الوطن المضمّد بشظايا الصواريخ، كم مرة متِّ وقُمتِ؟ كم مرة وُئدتِ في وضح الحصار، ثم تنفّستِ من شقّ نافذة في جدار؟ أكتبكِ اليوم يا غزّة لا لأنكِ قصة، بل لأنكِ الحقيقة التي نخجل من مواجهتها، أنتِ ضميرنا المصلوب، وجرحنا المفتوح، وصمتنا الفاضح، وذاكرتنا التي ترفسنا كل صباح.

غزّة لا تُكتب كما تُكتب المدن الأخرى. لا تصلح معها لغة التجميل ولا مفردات الغزل البارد. هي ليست قصيدة حب، بل عويل أمٍّ، وارتعاشات طفل يرتجف تحت بطانية مهترئة في ليلةٍ بلا كهرباء. غزّة لا تعرف النوم، وإن نامت، تنام على زئير الطائرات، وعلى أصوات انهيار البيوت. وإذا حلمت، فإنها تحلم بالنجاة، لا بالبحر ولا بالشِعر.

في غزّة، لا أحد يسأل: “ماذا ستفعل غداً؟”، لأن الغد، هناك، ترف لا يملكه أحد. الغد في غزة فكرة افتراضية، مؤجلة على الدوام، مرهونة بهدنة لا تدوم أكثر من نشرة أخبار.

في غزّة، لا تمشي الحياة على قدمين، بل على عكّاز من صبر، وعلى قلب مكسور يُعاد لَحمه كل فجر بصوت المؤذن، وركعة مقاومة.

في غزّة، تقف الفتاة الصغيرة أمام المرايا المكسورة، تسرّح شعرها المتشابك بأصابعها، وتعدّ الأيام حتى يعود والدها من السجن أو الحرب، أو من الغياب الذي لا عنوان له.

وفي غزّة، حين يولد طفل، لا يُسأل عن وزنه ولا عن ابتسامته الأولى، بل عن مكان ولادته: هل كانت في بيتٍ مُهدّم؟ في مدرسة؟ في خيمة؟ أم في حُلم؟ كل طفل في غزة شاعرٌ قسرًا، ومقاوم بالفطرة، ونازفٌ دون أن يعرف ما هي الطفولة.

زرتُ غزّة مرّة، أو هكذا خُيّل لي، عبر ذاكرة صديقتي التي كانت تسكن شارع الوحدة، ونجت بمعجزة من القصف. كانت تحكي لي عن علبة الحلوى التي لم تفتحها، لأن الطيران سبقها، وعن شجرة الليمون التي كانت تسقيها جدّتها كل صباح، ثم تسقيها الدموع كل مساء. قالت لي: “في غزّة، يا رانية، نمشي بين القبور كأنها أرصفة. نَعدّ أسماء شهدائنا كما تعدّون أنتم أسماء موائدكم في الأعياد”. فهمت عندها أن غزّة لا تتحدث بالعربية فقط، بل بلغة الدم والملح والصبر الأسود.

هل تعرفون ماذا يعني أن تكون غزِّيا؟

يعني أن تتقن فن العيش بلا ماء ولا كهرباء ولا ممرات آمنة، أن تُشعل الشمعة كي تدرس، وتُطفئ الحلم كي تعيش. أن تحب وأنت تعرف أن من تحب قد يختفي في لحظة. أن تمشي نحو البحر، لا لتستجم، بل لتصرخ…

غزّة ليست معزولة عن العالم، بل العالم هو من عزل نفسه عنها. غزّة ليست محاصَرة، نحن المحاصَرون في خذلاننا. غزّة لا تفتقر إلى الحياة، نحن الذين افتقرنا إلى ضمير يُنقذ الحياة فيها.

أكتبكِ يا غزّة، لأني أخجل من صمتي ومن عجزنا الجمعي. أكتبكِ لأنكِ لست مجرد جغرافيا من نار، بل كينونة كاملة من المعنى. أكتبكِ، لا لأرثيكِ، بل لأشهد أنكِ الحيّة في زمن الأموات. أكتبكِ لأقول إنكِ لست مأساة فقط، بل مقاومة. لست خرابًا فقط، بل عِمارة من الأمل. أكتبكِ لأني أحبكِ، ولأن حبكِ وجع، ووجعكِ كرامة، وكرامتكِ لا تُشترى.

في آخر الليل، حين يسكن الضجيج، أسمع همسكِ من بعيد، يا غزّة… صوتكِ يشبه صلاة، أو صراخًا، أو ربما وطنًا يناديني من وجعه. وكلّما حاولت أن أهرب منكِ، وجدتني أكتبكِ أكثر. لأنكِ الحقيقة التي لا يمكن نفيها، ولا يمكن إسكاتها، ولا يمكن إلا أن نحبها… حتى الرمق الأخير.

بقلم: أحمد علام ضاهر

غزة… الأرض التي لا تموت لكنها تنزف كل يوم

في غزة، لا يبدأ الصباح برائحة القهوة ولا يبدأ بصوت العصافير. الصباح هنا يبدأ إما بانفجار يهزّ الأرض، أو بصراخ أمٍّ اكتشفت أن أبناءها لم ينجوا من القصف ليلًا. الحياة في غزّة ليست حياة كما يعرفها الناس، بل هي محاولة شاقة للنجاة من الموت، كل يوم… كل لحظة. هنا، لا شيء يشبه الطبيعي. الماء أصبح أمنية. كوب ماء نظيف قد يحتاج إلى ساعات من الانتظار، أو رحلة محفوفة بالخطر في شوارع الموت. الطعام؟ لم يعد موجودًا كما نعرفه، الأم تطهو القليل ممّا تبقى من العدس على نار الحطب، وهي تحاول أن تقنع طفلها بأن هذا كل ما يحتاجه لينمو، لكنها تعلم في داخلها أنه يجوع، وأنها عاجزة. الناس لا يطلبون الكثير… فقط يومًا واحدًا دون قصف، دون موت، دون وداع. لكن حتى هذا الطلب البسيط يبدو كثيرًا على أهل غزّة.

لكل مفاوضاتٍ خيبة، ولكل هدنةٍ وهمٌ مؤقت

في كل مرة تُعلن هدنة، يعود الأمل الصغير ليطرق قلوب الناس المنهكة. لعلّها نهاية الحرب، لعلّهم يعودون إلى بيوتهم المدمّرة، لعلّ الطفل المريض يتمكن من السفر للعلاج، لعلّ الخبز يعود للمخابز. لكن الأمل هنا هشّ، يُكسر سريعًا، لأن الصواريخ لا تعرف لغة الهدنة، ولا تفرّق بين بيت ومدرسة ومستشفى. تعلّم أهل غزة ألّا يثقوا بالكلمات، لأن كل وعد للسلام كان مجرّد استراحة ليلتقط فيها العدو أنفاسه، ثم يعود ليقتل من جديد.

لماذا دائمًا الشعب يدفع الثمن؟

لماذا يُطلب من الأطفال أن يكبروا قبل أوانهم؟ لماذا يُطلب من الشبان أن يتعلموا كيف يدفنون أصدقاءهم؟ لماذا تتحمّل الأمهات مسؤولية الخبز والدموع والمقاومة في آنٍ واحد؟ لماذا لا يُسأل الجلاد عن جرائمه، بل يُطلب من الضحية أن تصمت وتتماسك وتقاوم… وتموت بصمت؟ أيّ عدالة في هذا العالم تسمح بأن يُعاقب شعب بأكمله فقط لأنه يريد أن يعيش؟ فقط لأنه لا يملك إلا كرامته، ويرفض أن يركع؟ نعم، غزة تتعب، لكنها لا تنهزم، غزة اليوم تعاني كما لم تعانِ من قبل. الناس يفترشون الركام، ينامون بلا أسقف، يأكلون ما لا يُؤكل، ويصبرون فوق ما يُطاق. ومع ذلك، حين تسألهم: كيف حالكم؟ يبتسمون بوجع ويقولون: “الحمد لله”. هذه ليست مجرد كلمات… هذه فلسفة حياة. هذه روح لا تُكسر. هذه غزّة التي لا تزال تقف، رغم كل شيء.

في الختام…

غزّة لا تحتاج الشفقة، بل تحتاج العدالة. لا تحتاج الكلمات، بل الأفعال. لا تحتاج التعاطف العابر، بل وقفة حق. في غزّة، هناك شعب حيّ، يتنفس رغم الدمار، يحب رغم الفقد، ويحلم رغم كل شيء. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجّه للعالم هو: “إلى متى؟”.

بقلم: قمر عبد الرحمن

المخدّة المُطرّزة

كأنّها قصّة عشق..

فالعشق الحقيقيّ هو ما ترتاح له، ويرتاح لك

لا أفهم حرصي على هذه المخدّة من خيــمةٍ لخيــمة!

وكأنّ فيها روحًا عندما أغفو عليها.. أعود لبيتي!

أخذتها ابنتي لتضعها على حبلٍ بين خيــمتين،

والتّمرجح عليها، لكنّها نسيتها بين الخـيام..

وبال كلبٌ عليها.. لقد انتُهكت حرمة المخدّة المطرّزة على مرأى ومسمع الجميع! ولم يعترض أحد!

الكلّ بقي صامتًا ومتواطئًا كرامةً للكلب!

ولم يسمع أحدٌ بكائي ونحيبي..

ضاعت كرامة المخدّة المطرّزة بين الرّمل،

كيف سأعود لبيتي الآن؟

الليلة فقط.. بدأ نزوحي!

وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)

شارك فيها 175 شاعرا عالميًّا انتصارًا لغزة.. “السوداني” يثمّن مبادرة حركة الشعر العالمية

ثمّن الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين الشاعر “مراد السوداني”، المبادرة العالمية التي تقدّم بها الشاعر الكبير “فيرناندو رندون”، رئيس حركة الشعر العالمية ومهرجان ميدين العالمي للشعر، لدعم غزّة وإسنادها، في ظل الاستباحة والحرب المفتوحة عليها. وقال “السوداني” إن هذه التظاهرة الشعرية العالمية من خلال منسقي الحركة الشعرية العالمية هي دلالة على صحوة الضمير الإبداعي في العالم. وأكد “السوداني” أن هذه المبادرة العالمية التي تضم 175 شاعرًا من العالم من 108 بلدا تشكل تظاهرة وازنة ضد الوحشية الاحتلالية التي تقترف المجازر اليومية في قطاع غزة، من خلال إبادة جماعية وثقافية استهدفت الكتاب والأدباء والمفكرين والأكاديميين، ودمّرت المؤسسات الثقافية والفكرية والتراثية، في محاولة لاغتيال الذاكرة والهوية الوطنية الفلسطينية وتزييف الوقائع.

وأضاف “السوداني”: لقد دمّروا فلسطين مكانيًّا وحاولوا وما زالوا إخراجنا من الجغرافيا بالقتل والحصار والدمار، ولكننا عبرنا التاريخ بقوة الثقافة الفلسطينية المقاومة، وما زلنا نكتب بدمنا تاريخ بلادنا ونسطّر بالعناد والإرادة الراسخة والمعاناة والآلام كل سطر من كتاب البطولة والتضحية، أمام فرجة العالم المريبة على دم فلسطين النازف في كل لحظة.

وتابع: إن وقوف أحرار وشعراء العالم في هذه اللحظة المرّة من تاريخ فلسطين يعني لنا الكثير، فقد استُشهد ما يزيد على 46 كاتبًا ومبدعًا وفنانًا مسرحيًّا تم اغتيالهم عن سبق إصرار وترصد، منهم 22 كاتبًا هم أعضاء في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وتم اغتيال ما يزيد على 100 مفكر وأكاديمي في قطاع غزّة. وأكد أن الاحتلال يريد إسكات الصوت الفلسطيني بإرهابه المنظم، ولكن كتّاب غزّة وأدباءها ما زالوا بإرادتهم الثابتة يسطرون إبداعًا استثنائيًّا دفاعًا عن الحياة والأحلام والأمل والخير العام، ضد التوحش الاحتلالي والموت والتدمير المبرمج.

وأضاف: إن كُتّابنا يكتبون تحت سماء الشطب والقتل والإبادة ويكتبون بحبرهم الساخن إبداعًا يصل إلى أقاصي الأرض عابراً للحدود والزمن. وهم بذلك يؤكدون أنهم يواصلون حمل راية الإبداع والثقافة الوطنية المقاومة التي غرسها كُتّابنا ومبدعونا منذ ما يزيد على قرن من الزمان، ولم تسقط راية الثقافة والإبداع، بل ظلّت خفّاقة على جبل المعنى وأعالي الشعر المقاوم.

ويرى الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في هذه المبادرة نقطة ضوء شاسعة وواسعة بحجم معاناة شعبنا في غزة والضفة، وما تتعرض له القدس من تهويد وتزوير وتغيير للمعالم، وما يعانيه شعبنا البطل في عموم فلسطين التي هي تحت سطر النار والاستهداف. وإن كل قصيدة لشاعر مشارك في هذه التظاهرة الشعرية الوازنة تشكل قنديلاً وهّاجًا يفضح عتمة الاحتلال واستطالات دماره، وإنّ هذه المبادرة تعني لفلسطين قضيةً وثقافةً الكثيرَ، وهي تؤكد أن فلسطين ليست وحدها، بل هي الاسم الحركي للكون وللحرية في العالم، مقدرين الجهود الكبيرة التي يبذلها الصديق الشاعر “فيرناندو رندون” ومنسقو الحركة الشعرية العالمية ليصل صوت فلسطين إلى العالم، وليُكشف القناع عن وجه الاحتلال الذي طالما ادّعى الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنها شعارات اقترف تحتها كل الأهوال والفظائع وهي حقيقة بشعة للاحتلال وجرائمه.

وختم “السوداني”: إن الجهود المثمرة والمقدرة للشاعر “ريندون” ومنسقي الحركة الشعرية العالمية تعلن انتصار الحق الفلسطيني أمام همجية الاحتلال، ويصوّب الشعر ومعانيه الشريفة ضد الاحتلال ووحشيته.

بقلم: شجاع الصفدي

هلاوس

أبخرة القنابل وطوابير التكيّات والجوع ونقص السكّر كلها عوامل تسبب الهلاوس. وتتباين الهلاوس من شخص إلى آخر، وتأثيرها على كلامه وسلوكياته أيضا. لكن يبدو أن البعض تؤثر عليه هذه العوامل تأثيرا أشد من المخدر، فبات يحلم بكيس طحين بات فارغا وأصبح ممتلئا، وكلما أخذ منه، عاد في الصباح ليجده كاملا!. وآخر يقسم أن خزنة بندقية ذات ثلاثين طلقة، ظلت تضرب خمسة أضعاف سعتها، وكان مستغربا، يبدو أن أفلام طجيسون ستاثام” قبل النوم ليست جيدة للصحة الذهنية!. وأخرى تحلم أحلاما هرقلية بعد عشاء من مرتديلا القطط دون خبز، وترسلها لينشرها الآخرون لتصبح رائجة!. وآخر يتحدث عن خزان مياه، كلما نقص زاد، يبدو أن أخاه كان يبول في الخزّان ليلا!.

هذه ليست فكاهة! صدقا، عقول الناس بدأت تصاب بلوثة من شدة المعاناة، باتوا يختلقون قصصا وهمية، تخزين المشاهد والظروف يشبه تخزين القات، يجعلك ترى وتسمع ما لا يراه غيرك، ثم تصدقه وتطرحه للناس حقيقة دامغة! غزة حال توقفت الحرب ستتحول إلى مصحة نفسية كبيرة، ربما نحتاج إلى عمل فورمات كامل لعقولنا لتفريغ الذاكرة كي نستطيع الحياة في وقت لاحق.

شعر: علي البتّيري

خبز ودم

يا ربُّ يا رحمانُ يا رحيم

يا ربَّنا العظيم

سيلُ المصابِ في القطاعِ فاضَ بالدم المُراق

والكلُّ غارقٌ في السيل يا إلهَنا

لم يبقَ من أجسادِنا سوى الرؤوسِ والأعناق

ومَن يجرُّهُ سيلُ الدمِ المهدورِ في القطاع..

مُهدَّدٌ بالاختناق..

والوضعُ يا رحمانُ يا رحيمُ لا يُطاق

ونحنُ رغمَ جوعِنا وموتِنا على يقين

بأنَّ حالَنا المنكوبَ لا يرضيك

مع أنَّنا ورغمَ ما ينتابُنا من البلاء

وما يسيلُ من أجسادِنا على الأنقاضِ

والركامِ من دماء..

بالابتهالِ والتسبيحِ من قلوبِنا

وبالقيامِ في ظلامِ ليلِنا نُرضيك

من شدَّةِ الآلامِ لم نَعدْ نحسُّ بالألم

وجودُنا معلّقٌ بينَ البقاءِ والعدم

والعالمُ المغيّبُ الإحساسِ والضميرِ

واقفٌ أمامَنا كما الصنَم

أيامُنا خبزٌ ودم..

نصحو على جدار حلمِنا الذي انهدم

من بعدِ أن نقشنا فيهِ صورةً لقدسنا

وفوقَ سورِها يرفرفُ العلم

نمسي على ركام مسجدٍ أو منزلٍ

على أصحابِهِ جَثم..

وفي مسائِنا الذي يبكي غروبُ شمسِهِ

 على أشلاءِ جثةٍ يدوسُها حذاءُ مَن طغى

وأهلَنا ظلم..

من خيبةِ الجهاتِ حولَنا

وهيَ التي تصنَّمت ما بينَ لا ولم

نحسُّ بانكسارِ صوتِنا وبالنَّدم

في عالمٍ أُصيبَ بالصَّمم

ونحنُ غارقونَ في دمائِنا

من رأسِنا لأخمصِ القدم

يا ربُّ يا جبّار..

من يحسَبونَ أنهم في الأرضِ

شعبُكَ المختار

قد أصبحوا هواةَ قتلِنا وسلبِنا

ونهبِ أرضنا وقهرِ شعبِنا

جاؤوا لنا بالقصفِ والقذائفِ السوداءِ

والدمار..

وفجّروا بالحقدِ كلَّ مستشفىً لنا ودار

وأمطروا الصغار َوالكبارَ في خيامِنا

بألفِ ألفِ مارجٍ من نار..

ولم يخافوا ربَّهم في ذبحِنا وحرقِتا

ويدَّعونَ أنَّهم باللهِ مؤمنون..

ويحسبونَ أنَّهم في قتلِنا وحرقِنا

أدوا طقوسَهم وأحسنوا العبادة

فيذكرونَ الربَّ كلَّما اشتهوا

لشعبِنا الإبادة

…..

بعونِكَ اللهمَّ لن يروا فينا

سوى صلابةِ الإرادة

وثائرٍ ولو على أنقاضِ بيتِهِ لهُ السيادة

وفارسٍ ملثَّمٍ يسعى لفرحةٍ بالنصرِ

أو شهادة..

سيشهدونَ بعدَ لعنة الخرابِ والعذاب..

جيشاً عرمرمًا من الأيتامِ مِمَّن

أعدموا آباءَهم والأمّهات

 يأتي لهم مُدجَّجًا بالعزم والإصرارِ

والثبات..

ومعلنًا أمامَ ربِّهِ وشعبِهِ جهادَه

وكلُّ ثائر مُيتَّمٍ بروحِهِ

وكلِّ قطرةٍ من دمِهِ يفدي بلاده

بقلم: أسمى وزوز

من ذاكرة الطّريق

لا أحد يعرف كيف تعود لك ذاتك بعد غياب، لا أحد يعرف كيف عدتَ أنتَ بعد معاركَ طويلةِ الأمدِ مع هذا الواقع المستنزِف لقدرتك على المواجهة، لا أحد سيدرك ما الذي كان بك، وكيف أنّك تختصر بابتسامتك كلّ هذه الأوجاع التي فيك.

لا أحد.

فَعُدْ وحدك كما قطعتَ تلك الأميال بجروحك العميقة وما شكوت من طول خطاك، وشَفَيتها بيديك المرتجفة وما صرخت بأيّ لحظة من نزفك البعيد، وحملت قلبك المثقل بألف خيبةٍ وما عَتِبْت، وطويتَ الطّرقاتِ ضياعًا وما ناديت، ولا أسمعتَ صدى صوتِك لأحدٍ من المارّين، وعندما وصلت أتوكَ ضاحكين ساخرين من غربتك.

عُد إلى روحك كما أعدتَ ألف شيءٍ كان قد ضاع منك، وَرُدَّ تلك التّفاصيل التي أحببتها فيك، وكانت قد غادرتكَ في يومٍ كان قد عَصَفَ الرِّيح بملامحك، وأرجع ما خبّأْتَه فيك قبل سَفرِ العَتمة، أَعِد كلّ ما أفقدَتْكَ إيّاه تلك الغربة، ولا تنسَ شموع ميلادك الأخير على عتبة النّسيان لكلّ الذين آذوك وتركوا فيك جرحًا.

امسح كلّ عنوانٍ باتَ فيك هشًّا، كلّ بابٍ صُدَّ يومًا بوجهك، كلّ صوتٍ أثار فوضاك وما أسكنك.

كلّ اسمٍ بدا لك كالنّور وغدا فيك كسرابٍ أتعبك، كلّ وجهٍ حلمتَ فيه وعاد ليُبكيك بقسوته، كلّ قلبٍ ظننته ميناءً وللتّيه أوصلك، كلّ حلمٍ أودعته قلبك فأضناك وأنهكك، انفضْ غبار قسوة ليالٍ طالت عليك وما فيها من أحدٍ أسندك على كتفه، وعُدْ بميلادك القادم كما كنت قبل الدّهر، وقبل الزّمن الذي أوجعك.

عُدْ بذاكرتك الفارغة، وقلبك الطّفوليّ، وروحك الميلاديّة، عُدْ ولا تكترث لعدد السّنين التي مرّت عليك، وما تجاوزتها بيسرٍ ورضًى، واترك عنك الوقت، ولا تنسَ مظلّتك.

غنِّ لميلادك الأخير فلعلّك اختصرتهم بنسيانٍ أبديٍّ، ولن يعودوا فيك إِلَّا كرمادٍ احترق.

واكتب بحروفك روايتَك مع الحياة، ولا تُعِدْ إلى ذاكرتك، مخاضك مع الغربة، كي لا تُشَوّه المرايا بوجوهٍ قست عليك يومًا، وبقيت ملامحها فيك وهي تقتلع منك الفرح.

دثّر نفسك برداءٍ آخر يشبه المطر، أو بمعطفٍ يحميك برد اغترابك الذي أتاهَك وضيّعك، وخذ معك دفاترَ بلا سطورٍ ولا عناوين، وأقلامًا لا تجيد كتابة أسماءٍ أتعبتك، وفنجان قهوةٍ لا تُعيدك مرارتُها إلى أيّ زمنٍ كان لك وتركوه وجعًا فيك.

خُذ معك ظلّ شجرة السّرو، ولا تُرجع الخطى لأيّ طريقٍ خريفيّ كان لك، وأخافك مجهوله البعيد. خذ كلّ آتٍ، واترك كلّ ما كان بالألم يأتيك.

بقلم: شوقية عروق منصور

بين الموت والموت

في غزة بين الموت والموت

يمر الموت

الغبي من يحاول جعل جهات الأرض

منحنية.. الأرض هناك تدور

ترتدي قميص الحياة

وتتنفس البركان

وبين شياكة القميص

وثورة القاع

هناك أيدي تقرع الخزّان

بقلم: محمد يوسف المزين‏

صوتٌ يقاوم الصمت

من بين القلّة القليلة الذين ما زالوا يكتبون في أدب المقاومة، ينهض يسري الغول لا ككاتب فحسب، بل كضميرٍ حيّ، يقف في وجه الريح حين انحنى الجميع، ويرفع قلمه كراية، لا كزينة على طاولة المثقفين. هو كاتبٌ يعرف تمامًا لماذا يكتب؟ ولمن يكتب؟ ومن أجل ماذا يُنزف الحبر؟ قلمه ليس ترفًا أدبيًا، ولا انغماسًا في الغموض النخبوي، بل هو سلاحٌ مُوجّه نحو الظلم، وصرخةٌ ضد القمع، وهمسةٌ في أذن الإنسانية تدعوها ألّا تغمض عينيها عن غزّة، عن النزوح، عن الجوع، عن الفقد. عندما اصطدم “يسري الغول” بجدار الأيديولوجيات السائدة، لم يهادن. لم يبدل جلده، لم يبع صوته. فقد حاربه الجميع سابقًا في لقمة عيشه، في حقه بالعمل، في أبسط حقوقه كإنسان، يضعون العراقيل في وجهه، حتى ظنوا أنهم سيكسرونه بالتضييق، لكنهم نسوا أن الأوطان تُولد من رحم المعاناة، وأن الحروف تصبح خناجر حين تُحاصر.

ومع انتشار رواياته وقصصه القصيرة وشهاداته، تلك التي جعلت من النزوح مأساةً حية، ومن المقاومة فنّصا حيًّا، خرج الذباب الإلكتروني من جحوره ليعيد الهجوم عليه، لأنهم يخافون من الكلمة حين تكون حرة، ويخافون من الكاتب حين يكون مستقلًا. لكن الغول لم يتراجع، لم يساوم، بل ظل كما هو: منح أدب المقاومة شرف البقاء في زمن الهزائم والانحناءات. فهم أن المقاومة لا تكون بالبندقية فقط، بل قد تكون بالسخرية، بالهجاء، بالمفارقة، بالكلمة التي تفتح جرحًا لا يلتئم في وجه الجلاد.

وبعد السابع من أكتوبر، حين صمت كثيرون، عاد “يسري الغول” أقوى، أشجع، أصفى رؤية، ولم ينتصر لنفسه ممن حاربوه في غزّة. جسّد في كتاباته تفاصيل المنفى، وتعقيدات اللجوء، وقسوة النزوح. حوّل الجوع إلى نص، والدمع إلى معنى، والمعاناة إلى وثيقة حيّة تدعو للتضامن العالمي مع غزّة، ليس بالشفقة، بل بالإيمان بالعدالة.

لم يكتب “يسري” ليُصفّق له أحد، بل كتب ليوقظ، ليحرك، ليُسائل، ليقول لهذه الأمة التي لا تزال تحفر في الرمل: إلى متى؟ أما آن لكم أن تقرؤوا الواقع كما هو؟ أما آن لكم أن تعرفوا أن المقاومة اليوم تحتاج أيضًا إلى صوت، إلى رواية، إلى فكر؟

“يسري الغول” ليس كاتبًا فقط، إنه ذاكرةٌ تقاوم النسيان، ولغةٌ تقاوم التشويه، وصوتٌ يقاوم الصمت.

بقلم: فاطمة الزهراء سحويل (باحثة وصحافية ثقافية في غزّة، تحمل درجة الماجستير في الإعلام والاتصال)

المسرح في غزة.. فن البقاء في زمن الحرب

أصبح المشهد في قطاع غزّة سرياليًّا، يمتزج فيه الضحك بالبكاء ضمن لوحة إنسانية معقدة؛ فالألوان التي كانت تزيّن شوارع المدينة غادرتها، واختفت، وحلّ محلها لون الرماد الذي زاد وضوحًا بعد إعلان الهدنة الموقتة. فكيف يمكن للمسرح أن يجد مساحة للغناء والتمثيل وسط أكوام الركام؟ عمل المسرح الفلسطيني تحت الانتداب البريطاني حتى تشتّت شمله بعد استلاب أرض فلسطين من جانب الاحتلال “الإسرائيلي”، ومعه هُجّر فنانو المسرح، ليبدأ نشاطهم المسرحي في الشّتات، وكان الغرض من المسرحيات استنهاض همة الأمة العربية، ثم تكوّنت جمعية المسرح العربي الفلسطيني من أجل حماية التراث، والتوعية بالقضية الفلسطينية، فكانت مسرحية “شعب لن يموت” ومسرحية “قرقاش” للشاعر “سميح القاسم” التي تتحدث عن الديكتاتور البغيض الذي يقود قومه إلى السلب والنهب والقتل، ومسرحية “معين بسيسو” (ثورة الزنج) التي تجسد الثورة والنكبة الفلسطينية، وغيرها من المسرحيات الفلسطينية التي امتازت بازدحام الأحداث والرموز والمعاني والحيل الفنية.

واستمر المسرح في شقّ طريقه مستخدمًا الحيل والصيغ الفنية ليروي حكايات الناس وينقل مشاعرهم، ليصبح صوتًا يجسد معاناتهم وآمالهم. وكانت دائمًا خشبة المسرح مساحة مفتوحة للهروب من الأوجاع، والتعبير عن أولويات البقاء.

واستمر المسرح في خضمّ حرب الإبادة الجماعية في تقديم العروض والنشاطات، على الرغم ممّا أصاب البنية التحتية الثقافية من دمار، مستخدمًا طُرقًا إبداعية مُتعدّدة تتحدى الأوضاع القاسية. وقد أدّى هذا دورًا محوريًّا في حرب الإبادة الجماعية كإحدى أدوات الدعم النفسي، وخصوصًا للأطفال الذين عانوا جرّاء الصدمات النفسية، إذ نظمت مؤسسة “أيام المسرح” نشاطات درامية في كل مدن القطاع، ونتج عنها مشهد مسرحي قدّم فيه الأطفال تجاربهم الشخصية أمام الجمهور.

وكان هناك شوق كبير لدى الأهالي والأطفال لنشاطات من الممكن أن تخفف قليلاً من عبء الخوف، بسبب استمرار الحرب مدة طويلة لم يشهدها القطاع سابقًا، فاستمرت العروض المسرحية في المؤسسة، على الرغم من الدمار الجزئي الذي لحق بمقرها نتيجة القصف عند توغّل قوات الاحتلال في شارع الجلاء في مدينة غزة، لتصبح بعدها ملجأ للنازحين.

ووفقًا لـ “محمد الهسي”، فقد استمر الفنانون في تقديم العروض في الهواء الطلق، مستمدّين الإلهام من المسرح الروماني، وبسبب صعوبة الحركة، يذهب الممثلون إلى الجمهور في أماكن تواجده، وهو ما سمّاه “مسرح الشارع”، حيث عمل الفنانون على تنفيذ نشاط الحكواتي الخاص بالسيّدات والرجال للحديث المباشر عن حياتهم قبل الحرب وبعدها، وعن آمالهم بعد انتهائها بوقوفهم على خشبة المسرح لينقلوا حكايتهم.

كما اعتمدت العروض المسرحية على تقديم تجارب الناس اليومية، ومحاولة إيجاد حلول لمشكلاتهم عبر “مسرح السؤال” عبر طرح التساؤلات وحث الجمهور على التفكير في الإجابات، كقصة استبدال الكهرباء لماكينة الخياطة بعجلة الدراجة، وهو ما ساهم في دفع عجلة الحياة وعدم توقفها.

واستمرت عروض “أيام المسرح” في المناطق الجنوبية بين الخيام وفي مراكز الإيواء، فأصبح الميدان خشبة المسرح، واستمرت العروض في شمال القطاع؛ في مدينة جباليا، وبلدة بيت حانون، حتى بدء الاجتياح، فاعتُقل أحد أعضاء الفريق، واستشهد الفنان “أحمد الشوا” في طريق عودته بعد أن قدّم عرضًا مسرحيًّا إلى الجمهور، وأصبحت التجمعات لفترة طويلة مخيفة، وخصوصًا في الفترة السابقة للهدنة، لأن قانون الاحتلال ينص على أن “العاصفة تسبق الهدوء”.

تحديات الاستمرار والبقاء

واجه المسرح الغزّي تحديات جسيمة، إذ تعرّض للدمار والخراب نتيجة القصف “الإسرائيلي” وحالة الفوضى المنتشرة، وتحدّث رئيس مجلس إدارة جمعية الشبان المسيحية، “إلياس الجلدة”، عن استهداف الاحتلال الثقافة بكل مكوناتها، فقد تم تدمير المركز الثقافي والاجتماعي الأرثوذكسي الذي كان إضافة نوعيّة إلى المسرح، إذ يُعتبر ثالث أكبر مسرح في مدينة غزّة، بالإضافة إلى تدمير مسرح “رشاد الشوا” الثقافي المسرح الأول في المدينة، ومسرح الهلال الأحمر في غزّة، والذي يُعتبر المسرح الوحيد المتوافق مع شروط المسارح العالمية من حيث تقنيات الصوت والإضاءة وخشبة المسرح، وقد شهد آلاف العروض والمسرحيات، منذ إنشائه قبل ما يزيد على 15 عامًا، بالإضافة إلى تدمير مسرح “هولست” التابع لبلدية غزة، وقد سبق أن دمر الاحتلال مسرح “سعيد المسحال” سنة 2018.

أمّا مسرح جمعية الشبان المسيحية، فتوقف عن العمل نتيجة تحول الجمعية إلى ملجأ لعشرات النازحين، لذا، فإن النشاط الثقافي والمسرحي مُجمّد داخل قاعات الجمعية التي لم تعد صالحة للاستخدام.

يمكن للمسرح أن يحفظ بنية المجتمع كونه أحد الأدوات الثقافية المؤثرة، لكن المسرحيين كان عليهم مواجهة مخاوفهم أولاً، ثم مخاوف جمهورهم كي يستمروا في العمل، ففكرة التجمع الجماهيري في الفضاء العام مغامرة. وقد توقف العرض المسرحي أكثر من مرة نتيجة القصف العنيف القريب من المكان، كما حدث في مدينة دير البلح وخان يونس.

 المسرح صوت لأوجاع الناس

واجه المسرح في غزّة أوضاعًا طاحنة، لكنه لم يختف تمامًا، إنما كان وسيلة للتعبير عن الألم، وصوتًا لأوجاع الناس. وعلى الرغم من الدمار الهائل ونقص الموارد، فقد حاول الفنانون والمسرحيون الاستمرار في تقديم أعمالٍ توثق الواقع القاسي، ومنح الناس مساحة للتنفيس عن معاناتهم، إذ قدّمت “جمعية بسمة للثقافة والفنون” ثلاثة عروض مسرحية تحاكي الواقع، ومنها مسرحية “فاتورة وطن” التي استهدفت تمكين النساء في مواجهة متاعبهن اليومية بحسب ما أوضح الفنان المسرحي “ناهض حنونةط، رئيس مجلس إدارة الجمعية، كما قدمت مساحة للأطفال في غزة بالشراكة مع اليونسكو للتعبير عن مشاعرهم عبر مسرح الدمى للعمل على تهيئة بيئة آمنة تساعدهم في تجاوز الحزن والتعافي من الصدمة، وذلك في العام الأول من حرب الإبادة.

بدأ العمل المسرحي في غزّة تطوعيًّا وحبًّا في الإبداع، وبرغبة داخلية من الفنانين في تقديم الفن من دون الاهتمام بوجود الدعم المالي. فلماذا تغيب هذه الروح في حرب الإبادة الجماعية. وهذا التساؤل يطرحه حنونة داخله، فعلى الرغم من الخوف والدمار، فإنه يوجد إيمان في أن الفن أداة قوية للتوثيق والمقاومة بطريقة تساهم في إيصال صوت غزة إلى العالم، ويكون منبرًا قويًّا لشهادات حية عن ألم الإبادة الجماعية.

وبعد انتهاء الحرب، سيصبح المسرح أداة محورية في عملية التّعافي وإعادة الإعمار الثقافي في غزة، ليس فقط كمساحة للأداء الفني، بل أيضًا كمنصة للشفاء الجماعي وإعادة بناء النسيج الاجتماعي عبر الفنون. على الرغم من إمكانات المسرح الغزي المحدودة، فإنه يملك قصصًا ومشكلات كثيرة لتجسيدها، وسيظل صوتًا للأوجاع والآمال في غزة.

إن الفن المسرحي هو من الفنون التي تنتعش في فترة السلم لأنه في حاجة ماسة إلى الاستقرار، لذلك، لم يكن العمل من وجهة نظر الفنان “محمد أبو كويك” من فريق مؤسسة حكاوي للثقافة والفنون أمرًا يسيرًا، فالوقوف أمام الأطفال لتقديم الترفيه والدعم الكافي إليهم عبر التمثيل المسرحي الدرامي، علاوة على الألعاب الدرامية، مسؤولية كبيرة؛ إذ يُعتمد على توفير أدوات العمل من البيئة المحيطة وأرض الواقع والعمل ضمن الحدود الدنيا في كل التفاصيل. ويوضح أن مقر المؤسسة تضرّر نتيجة إقامة قوات الاحتلال فيه، حيث وُجدت الكتابات باللغة العبرية على جدران المؤسسة، وتم تحطيم الأدوات الموجودة في قاعة مسرح المؤسسة الواقعة في مدينة غزة في مقابل مستشفى القدس.

تُعتبر العروض الدرامية المسرحية فرصة لكثير من الأطفال للهرب من طابور التكية والماء في ظل عدم الانتظام المدرسي وغياب أماكن الترفيه، لذلك، فسيحتاج المسرحيون إلى تكثيف جهودهم بعد انتهاء الحرب للتخفيف من آثارها، ولأن المسرح في غزّة ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أيضًا وسيلة ناجعة للتخفيف من الأعباء النفسية عند الجمهور، كما أكد العديد من الأهالي حين قالوا إن السلوك العنيف لدى أطفالهم خفت وطأته بعد مشاركتهم في العروض المسرحية، فإن المسرح الفلسطيني له خصوصيته، على الرغم من إمكاناته المحدودة، ويملك قصصًا ومشكلات كثيرة لتجسيدها.

بينما يعتقد مدير جمعية البيادر للمسرح والفنون الفنان، “علي ياسين”، أن تقديم العمل المسرحي صعب جدًّا خلال الحرب، فلم تقدّم الجمعية أيّ نوع من النشاط المسرحي خلال حرب الإبادة الجماعية، ورأى أن الصورة ستصبح أكثر وضوحًا عند الهدوء، فلا يمكن في هذه الأوضاع تقديم نصٍّ مسرحي أو إخراجه بالصورة المطلوبة. والفنانون كغيرهم من النازحين، ليسوا بكامل تركيزهم ووعيهم لتنقّلهم المتكرر، والمسرح في حاجة إلى الثبات ليتمكن من رؤية التفاصيل، وغياب الاستقرار يجعل غياب المسرح أمراً طبيعياً.

ويرى “ياسين” أن العديد من المسرحيين لجأوا إلى الدراما، وهو أمر ممكن العمل عليه خلال الحرب، فالفنان المسرحي يقدّم عملاً إبداعيًّا يمنحه القدرة على التأثير، وهو ما سيُبرز دوره أكثر في الفترة القادمة ليوثق ما حدث من إبادة جماعية، وينقلها إلى العالم بأسلوب إنساني صادق.

وقد فقدَ المسرح كثيراً من الفنانين خلال الحرب، كما أن الناس في حالة بحث مستمرة عن المأوى والطعام، لذلك، ينتظر المسرح عودة الروح إلى غزّة، وعودة غزّة إلى نفسها كي يعود بأعمال إبداعية تحكي قصتها.

لقد شكّل المسرح في قطاع غزّة خلال الحرب انعكاسًا للواقع، وتميّز ببساطة تكوينه ورموزه، واستطاع الوصول إلى الجمهور، وعلى الرغم من الخطر، فقد واصل المسرحيون العمل، لأن المسرح في غزّة ليس مجرد فن، بل أيضًا مقاومة، وتوثيق، وأمل في مستقبل أفضل.

بقلم: عبد السلام الريماوي

“رهف عياد”: هذه هي أنا حين كان في العقل والقلب مُتّسع للفرح والأمنيات والأحلام

هل ثمة ما هو أصعب من موت الأحبة؟

أن نراهم يذبلون ويذوون أمام أعيننا، ولا نملك أن نفعل شيئا من أجلهم، من أجل أن يستعيدوا عافيتهم وملامحهم الأولى التي تفيض بالحياة والجمال والحيوية والإقبال على الحياة، ولا نملك غير التعلق بهم أكثر، والخوف من فقدانهم في أية لحظة كنتيجة حتمية لكل هذا الوهن والتعب الذي يزداد يوماً بعد يوم وساعة بعد أخرى.

“رهف عياد” طفلة من غزّة في الثانية عشرة من العمر، لكن حجمها ووزنها يوحيان بأنها أصغر بكثير. تعيش “رهف” منذ نحو عامين في أتون حرب لم تُبق ولم تذر شيئًا على حاله في غزة. حرب إبادة دمّرت في نفوس الناس أضعاف أضعاف ما دمرته على الأرض من مبانٍ وبيوتٍ وأسواقٍ وطرقات ومدارس ومستشفياتٍ..

هل سبق المرض الحرب بارتداداتها الرهيبة إلى جسد “رهف” النحيل، أم أن ما أصابها كان شيئاً ممّا خلفته تلك الحرب الإجرامية عليها وعلى أقرانها من الأطفال، من ذعر وجوع وأمراض جسدية ونفسية يصعب تشخيصها أو حصرها، أو معرفة أعدادها إلى غاية الآن في ظل الغياب الكامل لكل أنواع الرعاية الصحية والنفسية، والانشغال بأعداد الضحايا والجرحى في عمليات القصف والاستهداف والغارات التي لا تتوقف ليل نهار، ومنع طواقم الإغاثة والطواقم الطبية والصحية من الدخول إلى القطاع للمؤازرة والعون والتوثيق، طالما أن المحتلين يقفلون كل النوافذ المؤدية إلى قطاع غزة بشكل كلي منذ أكثر من شهرين؟

من يطالع صور “رهف” الآن وهي تلازم حضن أمّها وفرشتها في أحد مراكز الإيواء – لا أعتقد أنها تقيم في مسكن خاص بعائلتها – يرى طفلة نال من جسدها المرض والجوع، تمامًا كما نال الخوف من قلبها وروحها، وهي لا تعرف أين يمكن أن تكون الغارة التالية لطائرات “نتنياهو” المُصنّعة في أمريكا “سيدة العالم الحر وواحة الديمقراطية”، ولا تعرف إن كانت ستعيش حتى اليوم التالي أم ستكون الضحية التالية لحرب همجية، لم تلتزم بأيّ من قوانين الحروب، ولم توفر طفلاً ولا شيخًا ولا شابًّا، ولم تُقم حرمة لمسجد أو كنيسة أو مدرسة أو مستشفى.

“رهف” تعاني الجوع والسّقم والحرمان ومرضًا لم يشخّص إلى غاية الآن، لأن القطاع الطبي في قطاع غزّة المحاصر هو الآن في الرمق الأخير، بعدما دمرت “إسرائيل” كافة مؤسسات الرعاية الصحية، والمستشفيات، وما تبقّى منها لم يسلم من القصف، وهو يعمل بالكفاف وبطواقم طبية محدودة (بعد استشهاد وجرح وأسر الكثير من أفرادها)، وبالكاد تستطيع وقف نزف الجرحى وتكفين الشهداء الذين يسقطون تباعًا في الغارات التي لا تتوقف.

والدة “رهف” هي الأخرى لم تسلم من الحرب التي تركت آثارها على ملامحها، ما جعلها تكبر قبل أوانها. هي الآن الطبيبة والراعية والأمّ لصغيرتها، وتبذل كل ما بوسعها لرعايتها والاعتناء بها، لكنها لا تعلم ما الذي يتعيّن عليها فعله، وهي لا تعلم بعد طبيعة مرض صغيرتها، لانعدام إمكانات التشخيص الطبي في غزّة، وفي ظل المجاعة التي تعيشها وطفلتها وأكثر من مليوني غزِّي أمام سمع وبصر المجتمع الدولي المتخم بشعارات حقوق الإنسان حقوق الأطفال والعدالة وسواها.

تمسك “رهف عياد” بهاتف والدتها التي احتفظت بأرشيف من صور صغيرتها ذات الوجه الملائكي الذي يشع نورًا وبهاء، وشعرها الكثيف الكستنائي، وعينيها الدافقتين بالجمال والبراءة، وقد جعلت إحداها خلفية لشاشته. تنظر “رهف” إلى صورتها وكأنها تقول للعالم: هذه هي أنا، حين كان في العقل والقلب مُتّسع للأمنيات والأحلام والفرح. هذه هي أنا قبل أن يقرر “بنيامين” أن يبني أمجاده الشخصية فوق كل هذا الخراب وعلى أشلاء وجثث عشرات آلاف الأطفال والنساء. هذه هي أنا قبل أن نتجرّع ومعي أكثر من مليوني فلسطيني في غزّة ممّن خبروا القتل والتشريد، طعم الخذلان من مجتمع دولي يرى الظلم الذي نعيشه منذ سبعة وسبعين عامًا، ولم يحرك ساكناً للانتصار لنفسه أولاً ولمبادئ الحق والعدالة المزعومة، ولم يفعل حتى أضعف الإيمان، بل كان شريكًا للجاني في معظم الأحيان.

بقلم: رائد اشنيورة

مساعدات ملفوفة بورق القنابل

دخلت الشاحنات، تهزُّ ذيولها الحديدية فرحًا… خمس شاحنات هنا، سبع هناك، وبعض الفتات يتطاير في الهواء مثل بطولات وهمية.

“نتنياهو” ينفخ صدره أمام الكاميرات: “لقد منعنا المجاعة” والمتحدث العسكري يُخرج لسانه من بين شفتيه قائلاً: “أنقذنا الإنسانية بـ 1200 سعرة حرارية فقط، مُوزّعة على كل القطاع… بشرط أن يتقاسمها المواطن مع ظله”. المساعدات تصل ملفوفة بورق القنابل، ومغطاة بتواقيع “بن غفير” و”سموتريتش”… حتى أكثر الصهاينة تطرّفًا صاروا فجأة دُعاة إغاثة، بشرط أن يتقدّم صندوق الفول مع دبابة، وتدخل علبة التونة تحت غطاء قصف جويّ محدود.

قالوا: غزة تجوع؟ لا يا حبيبي، غزة تُدار بالجوع. تُربّى مثل نبتة تحت سقف الحرمان، تُسقى كل 10 أيام بكيلو رز منتهي الصلاحية، وكيس عدس وطني جدًّا، ينبت فقط في ظل الطائرات. هم لا يوقفون المجاعة، بل يحلبونها، يربّونها على عين القانون الدولي، ويغذّونها حتى تصير حجّة جاهزة: “أنظروا… نحن نُطعمهم، ونقصفهم، ونُخلي بيوتهم، ونوزّع عليهم خبزًا ساخنًا من فوهات المدافع”.

والعالم يصفّق…غزة تأكل الهواء، وتشرب الضوء المنبعث من القنابل، وتنام على شراشف البيانات الدولية. المأساة؟ لا، ليست هنا. المأساة الحقيقية أن هناك من صدّق أن هذه الشاحنات جاءت حبًّا بالإنسان، لا طمعًا في إطالة عمر المذبحة.

سلام لقلبك

سلام لقلبك

إن كان لا يزال ينبض تحت الركام

إن كان يصحو على صفير الطائرات

وينام على نشيج الأطفال وهم يحضنون الهواء بدل الأمّهات

سلام لقلبك

إن حمل صبر أمٍّ خيَّطت جوع أولادها بالدعاء

وفقد أبٍ يبيع خاتم زواجه ليشتري رغيفين ونصف دعوة

يا أخي في النار

يا رفيقي في الزحف فوق الزجاج المكسور

يا من صارت السماء سقفًا من دخان

والأرض مقبرة مؤقتة نُمدّد فيها أحياءنا حتى إشعارٍ آخر

هذا نشيدنا اليوم

لسنا أبطالاً، ولا نريد أن نكون شهداء دون مواعيد

نريد بيتًا بلا نوافذ مخلعة

وخبزًا لا يُسرق منا في وضح القهر

وأطفالًا يعرفون شكل الدّمية لا شكل الشظية

سلام لقلبك

إن كنت تمشي حافيًا وتغني

وتبكي على باب صيدليةٍ مغلقة

وتكتب على جدران الخراب:

“نحن هنا… لم ننتهِ بعد، لكننا تعبنا”

سلام لقلبك

يا من أكلت الصبر حتى صار جسدك مالحًا

يا من تبتسم رغم الخراب لتثبت أنك أقوى من الإبادة

يا من تقول “غزة” في كل سجدة

وتعرف أن الجغرافيا ليست خريطة، بل جرح له اسمك واسم أمك

سلام لقلبك

إذا كنت ما زلت تنام وأمنية واحدة في صدرك

أن لا تموت هذه الليلة

وأن لا تموت غدًا

وأن تموت كما يموت الناس في بلاد أخرى

على سرير، لا على حجر

سلام لقلبك

فهو آخر ما نملك..

بقلم: حلمي أبو طه

وفاءً للشهيد “أحمد شامية” ولغزّة.. زهرتان للأمل الحزين

في كل عمل فني، تُولد رموز تُعبّر عن صاحبها أكثر مما تنطق الكلمات. وفي رسومات المهندس “أحمد شامية”، كانت هناك دائمًا زهرتان بلون برتقالي مشرق، ثلاث بتلّات تُشبه الدموع في انحناءاتها، تنبتان على أرضٍ تبدو ساكنة، لكنها تنبض بما لا يُقال. نادرًا ما خلت لوحاته منهما. لم تكن الزهرتان مجرد تفاصيل عابرة، بل كانتا، كما يبدو، مرآة لأحلامه، ونافذة أمل من قلب المعاناة.

تشهد ميادين وشوارع غزّة الرئيسة في: عمر المختار، الوحدة، الجلاء، اليرموك، الثلاثيني، وعلى طول ساحل وكرنيش غزة، على بصمات مهندس معماري مبدع، سخّر علمه وخبرته وفنه لتجميل وجه المدينة والارتقاء بعمارتها. فقد أبدع في تصميم وتنفيذ العمارات والأبراج السكنية الحديثة، والفِلَل الفاخرة، والشاليهات، والمولات والمراكز التجارية، ذات الطابع المميز. فكانت مشاريعه انعكاساً لرؤية معمارية أصيلة تمزج بين الجمال والوظيفة، وبين الحداثة وروح المكان.

ليست تلك المباني مجرد كتل إسمنتية، بل هي حكايات معمارية تنبض بالحياة، تحاكي تطلعات الأهالي، وتُجسّد الحلم الفلسطيني في بيئة سكنية راقية تحفظ للناس خصوصيتهم وكرامتهم، فلامست قلوب أهالي غزّة، وعبّرت عن وجدانهم، كأن كل لوحة تهمس بما يختلج في النفس من شجن وأمل. ربما أراد “أحمد” أن يزرع الأمل في وجدان كل من يراه، لكن على طريقته الخاصة… “أملٌ حزين”، كما يمكننا أن نصفه. فحين تُرسم الزهور بدمعة، وتُلوّن بالدفء لا بالبهجة، فإنها تحمل قصة أرضٍ تنزف، وقلوب تصرّ أن تنبت رغم الركام. تلك الأرض كانت غزّة، وكان “أحمد” ابنها، وصوتها، وريشتها التي لم تستسلم.

وقد جمع “أحمد” بين الإبداع الفني والرؤية العلمية، فكانت خبرته مصدر إلهام للطلبة في كليات الهندسة المعمارية، ومحورًا لرسائل علمية وأبحاث أكاديمية، تزيّنت بها قاعات المحاضرات ومدرجات الجامعات الفلسطينية في غزّة، ليبقى عطاؤه ممتدًا من حجرٍ يُبنى إلى فكرٍ يُغرس في أجيال قادمة. على المستوى الشخصي، لم يكن لي شرف معرفة هذا المبدع العبقري عن قرب، لكن شيئًا ما في روحه وفنّه بعد موته دفعني على محبّة خالصة، وللدعاء له بالرحمة من أعماق القلب. فقد فارق الحياة تاركًا خلفه أثرًا لا يُنسى.

تتبّعت سيرته من خلال من عملوا معه من الحرفيين والبنّائين والمقاولين وأصحاب المشاريع والأعمال التي أشرف عليها، وكذلك من خلال المنشورات التي نعته على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت إجماعًا عجيبًا على حسن سيرته وعلوّ خلقه. لم يكن ذلك مجرد ثناء عابر، بل شهادات صادقة تنبض بالحب والتقدير، ممّا زاد يقيني أن الشعور الذي دفعني إلى الكتابة عنه لم يكن شعورًا عاديًّا، بل هو نداء من القلب، وإلهام من الله.

لقد استشعرت أن الله أحب “أحمد شامية”، فحبّبه إلى أهل السماء، ثم ألقى محبّته في قلوب أهل الأرض، فصار ذِكره طيّبًا وسيرته عطرة، وبقيت أعماله شاهدة على نقاء سريرته وصفاء نيته. وكأن الله أراد أن يكرمه بلقاء كريم، في لحظة يختار الله فيها من يشاء، لتستقبله ملائكة الرحمة في دار البقاء، ودار الخلود، في جنة عرضها السماوات والأرض. فهي كرامة لمن أخلص، ورسالة لمن تأمّل، بأن من زرع الجمال والإتقان في الدنيا، يلقَ بإذن الله مقامًا كريمًا في الآخرة، شهيدًا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

إذا كان الساسة ورجالها يعشقون أضواء الكاميرات والفضائيات والتصريحات، فإن أمثال الشهيد “أحمد” أحبّوا الوطن بصمت… وطنٌ بلا فلاشات، لا يتصدّرون المشهد، ولا يتزاحمون على العناوين، لأنهم ببساطة يكتبونها من الداخل، بحبر الإخلاص، وبصوتٍ لا يسمعه إلا من عرف معنى الانتماء الحقيقي.

في مشهد اعتاد الضوضاء والادّعاء، اختار “أحمد” أن يكون الاستثناء… فكان الصمت خياره النبيل، وكان الفعل منطقه، والوطن غايته. استُشهد كما عاش، بعيدًا عن الضجيج، قريبا من الله، عميقا في جذور الأرض التي أحبّها حدّ التضحية. رحل جسده، وبقيت روحه شاهدة على زمنٍ قلّ فيه الصادقون… أمثال “أحمد” لا يموتون، بل يتحوّلون إلى نبضٍ في ذاكرة الوطن، وإلى ظلالٍ وارفة في درب الأمل، وإلى أسماء لا تُنسى في دفاتر الخلود.

اليوم، بعد رحيل المهندس “أحمد شامية”، تبقى الزهرتان رمزا خالدا. أكثر من مجرد رسمة. إنهما توقيعه العاطفي على الحياة، رسالة باقية لكل من أحبّوه ولكل من عرفوا قضيته وفنّه وإنسانيته. ونحن كمحبّي “أحمد”، مدعوون الآن لحمل هذه الرسالة. اجعلوا من هاتين الزهرتين شعاراً للأمل، كما أحب. أحيوا رسمهما وتشكيلهما في كل لوحة، في كل منشور، في كل جدارية أو تصميم. ليس فقط وفاءً لأحمد، بل وفاءً لكل نبضة حياة في غزّة لا تزال تقاوم بالفكر والقلم وريشة رسام. فالفن لا يموت. والرمز لا يُمحى.

رحمك الله يا “أحمد” رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جنّاته، وجعل ذكراك نبراسًا يُهتدى به، وعطاءك الممتدّ في الأرض شاهد صدقٍ على روح عظيمة رحلت، ولكن أثرها باقٍ لا يزول. وما دام فينا من يزرع زهرة على جدار، سيبقى الأمل حياً… وإن كان حزينا.

بقلم الشاعر: محمود البسيوني – غزة

ماءٌ وملحٌ

لاجئٌ في قعرِ البئرِ

لا حَمامَ يُبشّره

لا رسائلَ تُطمئنهُ

ومواطنٌ تحتَ أضراسِ الحواجزِ

لا طُرقاتَ تُوصِله

لا حدودَ تَحمِله

وخَلفَ بابِ الرجاءِ

أسيرٌ يهتفُ الوجع

هل أراك

هل أراك؟!

تخضّبتْ ذاكرةُ الوطنِ

جرادُ النسيانِ

يأكلُ حبّاتِ المطرِ

يلعقُ شمسَ الأكاذيبِ

فصولٌ مزدحمةٌ

تتعاقبُ أسرًا

ويدٌ مُكّبلةٌ

بِحديدٍ لا يصدأ

أسيرٌ يلوّن قُضبان الظُلمِ

يَغرقُ في ألوانِ الحريةِ

يكرّر الغرقَ

كلّما مرّت مراكبُ التبادل

يرفضُ النجاةَ بيدِ آلافِ الغارقين

أَعلنَ العِصيانَ ماءً وملح

ثورةً ضدّ جدران المحتل

إضرابٌ يهضم السجّانَ والسجنْ

فليغضبْ الزيتون

قد أعلنَ التينُ مَيبَسه

وجُفّت كُروم العِنب

سنوات في اعتقالِ الحطب

غربَلَتْ أُمّهات الحجرْ

أمنيات بعقارب العُمرِ

تبحثُ رسائلَ الغياب

عن صدفةِ احتمالٍ

تقرأ فيها سطوراً للقدرِ

طفلةُ الأرضِ

بكتْ وسائدها

ملامحُ والدها زنزانة

وفي يدِها ريشةٌ لسراجِ أملٍ

تُنيرُ ظل الانتظارِ

وتبقى تُقلّبُ صفحاتَ العَلم

أحمرًا مُخضرَ الأحلام

بقلم: رائد الحواري

غزة في رواية “سلالة من طين (غزة الباكية)” للكاتبة “قمر عبد الرحمن”

الكاتب/ الأديب النبيل هو الذي يتماهي مع هموم شعبه/ أمته، ويتناول قضاياها مظهرًا هموم وطموح هذا الشعب/ الأمة، من هنا وجدنا الكثير من الأدباء والشعراء الفلسطينيين يتناول حال شعبهم، وما يتعرض له من إبادة وتطهير عرقي في غزة، حتى أن العديد منهم يعيشون في قارات وبلاد بعيدة: أمريكا، روسيا، كندا، إسبانيا، أستراليا، هولندا وغيرها، فرغم أنهم يعيشون حالة الترف والرفاهية، إلا أننا نجدهم منحازين لشعبهم، ويكتبون آلامهم/ وجعهم وكأنهم بيننا. إذن الكتابة عن مكان، عن ناس في مناطق (بعيدة) مسألة طبيعية بالنسبة للفلسطيني، لأن الكتابة ليست مجرد وصف خارجي للأحداث، للناس، للواقع، بل هي الدخول النفسي، والتماهي مع المكان وفي الناس، والشعور بما يشعرون، يحسون، يتألمون، يريدون، يأملون، وهذا ما يجعل كتابة الأديب صادقة، منتمية لشعبها ولأمتها.

نحن في فلسطين مُقسمين جغرافيا إلى أكثر من منطقة، فلسطين الـ 48، الضفة الغربية، القدس، غزة، والانتقال بين هذه المناطق صعب، وحتى مستحيل، للإجراءات المتشددة والحواجز التي وضعها الاحتلال، أكثر من ألف حاجز في الضفة الغربية وحدها، لكن فضاء النت سمح لنا بالتواصل فيما بيننا. العدوان الوحشي على غزّة، دفع العديد من الكتاب والأدباء والشعراء إلى الكتابة، حتى أنه طال كل فلسطين من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، فنجد الكل يكتب عن غزة، وكلٌّ في مجاله: القصة، القصيدة، الخاطرة، الرواية.. وهنا أذكر الروائية “نزهة الرملاوي”، التي كتبت أول رواية “تراتيل في سفر روزانا”، تحدثت عن غزة وما يجري فيها من إبادة، ثم تبعها “المتوكل طه” بروايته “أخبار نصف جيدة” والتي تُعدّ نقلة نوعية في الرواية (الساخنة/ الواقعية) حيث قدم الواقع من خلال الفانتازيا “الحصان” الذي يستطيع التنقل بين الأمكنة كبساط الريح، وحسب اطلاعي المتواضع تأتي رواية “سلالة من طين، غزة الباكية” كثالث رواية تصدر في الضفة الغربية تتحدث عن غزة الآن.

الأحداث وطريقة تقديمها

تتناول السارد حياة أسرة فلسطينية تعيش في غزة، “مريم” المتزوجة من رجل دين يعاملها بقسوة: “الرجال قوّامون على النساء، ومثنى وثلاث ورباع، وضربوهن”، وكلما ضربها، تأتي إلى بيت أهلها، لعلها تجد حلًّا لواقعها البائس من زوجها الذي تعمّدت السّاردة عدم ذكره بالاسم كإشارة إلى نفورها منه ومن تعامله المتخلف مع “مريم” لكن الأب يعيدها في كل مرة إلى بيت زوجها مكرهة: “البنت مالها غير بيت زوجها… بدك نصير علكة بلسان الناس… اختصري يا مرا… ولا تقوي عين بنتك” (صفحة 64).

وإشارة إلى كثرة الضرب والإهانة، التي تلقتها “مريم” من زوجها النكرة، تقدم السارد هذه الصورة: “شرح لها آدم في الطريق ماذا سيفعل، لكنها كانت خائفة من ردة فعل أبيها، طمأنها وقبّل جبينها الذي جعده الهم قبل أونه” (صفحة 17)، فالساردة تعلم أن هناك قسوة في المشهد، فأرادت التخفيف على المتلقي من خلال الصورة أدبية “جبينها الذي جعده الهم قبل أونه” وهذه لفتة تحسب للرواية. يستمر الزوج في ضربها، حتى أنه يقوم بضربها وحرقها، تعود كما العادة إلى بيت أهلها، يقودها شقيقها “آدم” إلى الشرطة لكتابة محضر بما جرى، وهنا يتدخل الأب مرة ثانية مستخدمًا سلطته الأبوية: “من امتى بناتنا بتروح على مركز الشرطة…أنا بقرر الكيل طفح أو لا؟! فاهم” (صفحة 20)، وهنا تقرر “مريم” الانتحار، تاركه ابنتها “شفا” خلفها.

وهناك “نضال” الابن الأكبر الذي يذهب إلى دراسة الطب في مصر، لكن الاحتلال يعتقله على معبر “رفح”، وهذا ما جعل “آدم” هو الفاعل في الأسرة. بعد انتحار “مريم” يشعر الأب بالذنب/ بالخطيئة التي اقترفها، فيموت حسرة على ابنته وما فعله بها. أمّا الأمّ فلم تكن سوى متلقي للألم، وليس لها فاعلية، فهي تعيش مع رجل يفكر بعقلية الذكور وهيمتنهم على كل ما هو أنثى، امرأة: “وجه أمّه تبكي بحرقة… تبكي لرجوع مريم لزوجها ظلمًا” (صفحة 21). إذًا، نساء الرواية مظلومات اجتماعيًا، وهذا انعكس على الساردة التي انحازت كليًا للإناث، ليس في طرح الأحداث والتوقف عند مظلومية المرأة فحسب، بل حتى في اللغة التي استخدمتها: “يبدو أن الشمس تعلم مسبقًا أنها لو تراجعت سيسطو الليل بظلمه على كل شيء، لذلك تصرّ الشمس أن تبقى شوكة في حلقه، وتسعى لتكون نجمة تثير قلقه” (صفحة 9)، نلاحظ الانحياز للغة الأنثى في المقطع: “الشمس، نجمة، شوكة” والوقوف ضد الذكر “الليل، بظلمه، حلقه” وهذا الأمر تكرر في أكثر من مشهد، وأحيانا نجد (المغالاة) في انحياز الساردة إلى الأنثى، فقد حوّلت ما هو جميل ومفيد “البحر، ماء البئر” إلى كائن متوحّش يخطف الأحبّاء: “يعتقد آدم أن البحر اختطف أخوه كما اختطف ماء البئر أخاه يوسف، يكاد يجزم أن كل مصيبة تحصل سببها الماء أو البحر، فهو يبتلع الصيادين، ولا يبتلع جنود الاحتلال” (صفحة 44)، نلاحظ أن الذكر “البحر، ماء البئر” يقمون بأفعال مؤذية لآدم، خطف أخوته وابتلاع الصيادين، وهذا يقودنا إلى أن الساردة (تماهت/ انفعلت) بأحداث وشخصيات روايتها، ممّا انعكس على لغتها، متجاهلة أن عليها (رصد/ تقديم) الأحداث بصورة محايدة، لكن يبدو أنها لم تستطع السيطرة على اندفاعها وتفاعلها، فكان هذا الانحياز إلى الأنثى، وهذا التحامل على الذّكر.

الواقع السياسي

تنتقد الساردة الواقع السياسي من خلال حوار “آدم” وخطيبته “هبة”:”ـ يعني ما بنفع التفاوض إلا بعد ما يستشهد مية شهيد.. أف حسبي الله ونعم الوكيل.. كل عيلة عندها شهيد أو جريح أو إعاقة أو هدم أو فقدان كامل! ـ ولا حدا قلقان في وجعنا” (صفحة 136).

الاحتلال

جرائم الاحتلال لا تخفى على أحد، فالقصف يقتل الجميع، إن كانوا شيوخًا أم أطفالًا، رجالًا أم نساء، يُعدّ هدفا ووسيلة واستراتيجية للاحتلال، فالقتل والتدمير هدف الاحتلال ونهجه، وليس كما يقولون في الإعلام: “تم القتل بالخطأ، أو أن القصف نتيجة معلومات خاطئة” فالعدو يقتل لأنه يريد تفريغ فلسطين من أهلها، ويدمر، لأنه لا يريد أن يرى بيتًا فلسطينيًا قائمًا، إذًا لا يوجد خطأ أو معلومات خاطئة. الساردة تعطينا صورة عن هذا القتل والتدمير الممنهج: “أكثر من مئتي حالة تم انتشالهم من تحت الأنقاض… وهناك العديد من العائلات حذفت بالكامل من السجل المدني… أطفال الشاطئ، تفحّمت أجسادهم جراء قذيفة مباشرة، وهم يلعبون الكرة” (صفحة: 144 – 145).

وإذا علمنا أن “هبة” تستشهد وهي تقوم بدورها في مساعدة المصابين والجرحى، نصل إلى وحشية هذا الاحتلال وبربريّته. وإذا أضفنا اعتقال الفلسطينيين دون توجيه تهمة لهم، كحال “نضال” الذي تم أسره تحت بند (الاعتقال الإداري) بمعنى السجن دون وجود أيّ تهمة تدين الأسير، ولا يتوقف الأذى عند الأسير/ السجين فقط، بل ويطال الأذى أهل الأسير وعائلته: “فوق تعسف الحكم الإداري، يحرموننا من زيارة الأقارب… وإن سمحوا للأقارب بالزيارة، يحددونها فقط بالقرابة من الدرجة الأولى، وإن حصلت الزيارة يمنعون اصطحاب الأطفال، وإن جاء الأطفال يعرقلون دخولهم، وإن دخلوا يمنعون العناق والقُبل والصور، إنها حروب نفسية متتالية نتلقاها يوميًا” (صفحة 56)،  بهذا المشهد نكون أمام صورة واضحة عن طبيعة الاحتلال والوحشية التي يقترفها بحقنا وحق أسرانا.

  العنوان

نلاحظ أن الساردة اختارت عنوانين للرواية: سلالة من طين، غزة الباكية، فالرواية تتناول حياة أسرة فلسطينية (عادية) وهذا ينطبق على الجزء الأول من العنوان “سلالة من طين” فهناك حياة أسرى وما فيها (الخلافات اجتماعية) بين مريم وزوجها، الأب وطريقة تعامله مع الأم ومريم وآدم، أما الجزء المتعلق بدموية الاحتلال ووحشيته فنجده في “غزة الباكية” حيث تصف لنا الساردة هول الأحداث، وهذا ما جعلها تنفعل وتجعل عنوان بهذه الصورة المزدوجة “سلالة من طين، غزة الباكية” وإذا ما توقفنا عند المذكر “طين” وما يحمله من قسوة وبين مظلومية الأنثى “غزة الباكية” نصل إلى انحياز الساردة للأنثى ووقوفها ضد قسوة الذكر/ الطين.

الأسماء

تستخدم الساردة أسماء شخصيات تخدم فكرة المقاومة: “نضال، أبا الوفا، أبا يافا، أبا كرم، كفاح” وهناك أسماء تشير إلى ثقافتها الدينية: “آدم، إبراهيم، يوسف، مريم”، وأسماء متعلقة بالحالة الاجتماعية: “رضا، هبة، الدكتور أمين، أم صابر، شفا”. بصرف النظر على فاعلية هذه الشخصيات وتأثيرها في أحداث الرواية، يبقى وجود أسمائها المجرد، وما يحمله الاسم من معنى شكل من أشكال إيصال فكرة الرواية، فعندما أماتت الساردة “يوسف ومريم” وهما من الشخصيات الدينية المحبوبة عند كل الناس، أرادت إيصال فكرة الظلم الذي حصل ويحصل لمن نحبّهم، للأبرياء ورحيلهم قبل الأوان. وعندما أبقت كل أسماء الشخصيات المقاومة: “نضال، أبا الوفا، أبا يافا، أبا كرم، كفاح” في الأسر، أوصلت فكرة للمتلقي عند طبيعة الشعب الفلسطيني المقاوم، وكيف أن الاحتلال يعتقل، يقتل كل من يقول لا. وتأكيدا على علاقة الأسماء بالأحداث وبتركيبة الشخصيات، نجد “آدم” ينتقل نقلة نوعية بعد أن سمع باسم “هبة” بمساعدة “الدكتور أمين” فيقرر خطبتها، وتنقله من حالة التشاؤم والألم إلى حالة الرغبة في الحياة والاستمتاع بها (صفحة 161):

ـ دير بالك عل حالك يا حبيبي… قدامنا أيام كثير حلوة.

ـ إن شاء الله… إذا بنستشهد بنتزوح في السماء.

ـ آآآخ.. خلينا بالأول نتزوج في الأرض وبعدها بنتزوج في السما.

فقد عملت “هبة” على تغيير مفاهيم “آدم” عن الحياة، إضافة إلى تفجيره عاطفيًّا، فوجودها في حياته جعله يندفع (ليعوض) “أمه وأخته مريم” الظلم الذي وقع عليهما، من خلال تعامله الرقيق والناعم مع “هبة”.

السرد

جاء السرد الروائي من خلال سارد الخارجي/ العليم، ومرغم (سطوة) الساردة على الأحداث والشخصيات، إلا أنها أعطت الشخصيات هامش جيد لتتحدث بما تريد وتبدي وجهة نظرها بحرية، من هنا وجدنا صوت الأب ومنطقه في أكثر من مشهد. يُذكر أن الرواية من منشورات “الرقمية للنشر والتوزيع الإلكتروني”، فلسطين – القدس، الطبعة الأولى 2025.

بقلم: د. عاهد حلس

أسئلة تقصفها الحرب

كيف سأعلّم طفلي بعد الحرب،

أنّ النجومَ ليست دموعًا،

وأنّ صوتَ البحرِ في الليل

ليس أنفاسَ الحربِ حين تنام،

وأنّ الليلَ

يسكنهُ القمرُ،

لا صوتُ الطائرات.

وأنّ الفجرَ

ليس وقتا للجنازات

بل ضوءٌ ناعم،

يوقظُ المدينةَ،

ويملأ بيتَنا برائحةِ النعناع.

كيف سأعلّمه،

أنّ في الحياة

أسبابٌ أُخرى الفرح،

غيرَ رغيفِ الخبز،

غيرَ النجاة

بقلم: عادل الأسطة

سجناء بقميص أبيض وربطة عنق

عندما التقيت بالكاتب “هيثم جابر أبو الخطاب”، الذي قضى في السجن ثلاثين عاما على دفعتين: سبع سنوات أولا وثلاثة وعشرين عاما ثانيا، تجاذبنا أطراف الحديث في الأدب، فهو خريج قسم الصحافة، وكان درس معي مادة “المدخل إلى تذوق النص الأدبي”، وله أكثر من مجموعة قصصية وله روايتان وديوانا شعر.

بدا الأسير السجين “هيثم” الخمسيني شابا. كنت أنتظره في مقهى لنشرب معا فنجان قهوة ونحكي في الأدب، ولما أتى كدت لا أعرفه، فقد بدا، اعتمادا على صوره التي رأيتها، مختلفا عمّا ألفت ما هو عليه شكلا، فما كان منه إلا أن أراني صورا أخرى له وهو في السجن، ومنها واحدة له يرتدي فيها قميصا أبيض وربطة عنق، ما أثار استغرابي الذي سرعان ما بدده توضيحه، قصة الصورة.

عندما كان في السجن، أحضر إلى غرفة السجن فلسطيني اعتقل من الجسر مباشرة كان يرتدي ملابسه المدنية الأنيقة، ولما انتبه السجناء إليها قرروا أن يلتقطوا صورا لهم بالقميص الأبيض وربطة العنق، وهو ما كان. عندما انتهى من قصِّ حكايته، قصصتُ على مسامعه قصة مراسل راديو “أجيال” ابن قطاع غزة “محمد الأسطل” التي رواها في أحد تقاريره اليومية عن أجواء قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023.

في الحرب ناقش “محمد” عبر تقنية (الفيديو كونفرانس) رسالة الدكتوراه، وكان عليه أن يبدو أنيقا. ارتدى بدلة وقميصا أبيض وربطة عنق، فبدا شكله غريبا لافتا، فمن هو الذي يرتدي، في الحرب، بدلة؟ روى “محمد” أن زوجته علقت البدلة في الدولاب واحتفظت بها لهذه المناسبة، وهو ما كان. لم أشتر في رمضان أيّ ملابس للعيد، ولكنني ارتديت في عيدي الفطر المنصرمين بدلة جديدة كنت اشتريتها في العام 2013 لمناسبة لم أحضرها، وقد قررت أن أجبر خاطرها ولو مرة أو مرتين في العيد. ارتداء بدلات في غزة، حتى في العيد، مافيش! حالة تعبانة يا ليلى!

بقلم: ناصر عطا الله

اِسمِي

اِسْمِي

الذِي يَسقُطُ الجُبَّ

كُلَّ مَرَّةٍ

لَا يَجِدُ سَيَّارَةً

وَلَا قَمِيصًا لِحُجَّتِهِ

كُلُّ الذِّئَابِ قَتَلَتْهُ

كُلُّ النِّسَاءِ

زُلَيْخَا فِيهِ

وَلَا دَمْعَ لِعَيْنٍ تَبْيَضُّ

فَتَرْفَعَهُ

كَـجَرسٍ تُبْنَى لَهَ

كُلَّ يَوْمٍ سَمَاءً

تُمَجِّدُهُ

….

اِسْمِي

رَأْسُ النَّبِيِّ

المَقْطُوع

مِنْ زَانِيَةٍ

لَا يَجِدُ

مَنْ يُقَدِّسُهُ

….

اِسْمِي

التُّفَّاحَةُ المَلْعُونَةُ

فِي يَدِ الأَبِ الْأَوَّلِ

لَيْسَ لَهُ

تَوْبَةٌ تُغْنِيه

….

اِسْمِي

الظُّلُمَاتُ فِي الحُوتِ

كُلَّمَا حَاوَلَ

الخُرُوجَ مِنْهَا

أُعِيدَ فِيهَا

بِغَوَايَةٍ تَطْوِيهِ

….

اِسْمِي

المَرْمِيُّ فِي النَّهْرِ

مِنْ غَيْرِ رَحْمَةٍ

لَا فِرْعَوْنَ

يُعَادِيهِ

وَلَا سَارَةُ تَحْمِيهِ

….

اِسْمِي

المُتْرُوكُ فِي النَّارِ

بِلَا مَلَائِكَةٍ

بِلَا دُعَاةٍ

وَلَا بَرْدَ لَهُ

وَلَا سَلَامُ يُنْجِيهِ

….

اِسْمِي

المَحْشُورُ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ

مَرْجُومًا كَعَاهِرَةٍ

مُهَشَّمًا كَذُبَابَةٍ

لَا طَعْمَ لِوُجُودِهِ

لَا حَيَاةَ تَسْرِي

فِي أَوْرِدَتِهِ

وَلَا خَاتِمَةٌ

تُسْعِفُهُ تَأْتِي

لِتُرِيحَ أَنَّاتِهِ

وَتُخْرِسَ نَايَ الوَجَعِ فِيهِ

بقلم: ماهر المقوسي – غزة

لأنّي أحبّك

لأنّي أحبُّكَ، لا الحربُ تُتقنني، لا ولا الموتُ يعرفُ كيفَ يُغيّرُني،

 أنا الأرضُ، حينَ تدورُ على جُرحِها،

وتَرمي ظلالَ الشظايا على كتفي.

أنا الآنَ أكتُبُني… لا سِواك يعيدُ اتّزانَ فمي،

وتُلقي على الليلِ قُبلةَ نارٍ، فتشتعلُ الأمنياتُ، ولا تحترقْ.

سَكَبتُ الجراحَ على دفترِ الوقتِ، ثم مشيتُ كأنّي النَدى،

 كأنّي اجترحت من الليلِ سِرَّ النهارِ، كأنّي شهدتُ الرُؤى مرّتينْ.

تُطاردني في الشوارعِ ريحُ الغيابْ،

تُفتّشُ عنّي المواويلُ في كُحلِ عَينِ البلادِ الحزينةِ،

في نَبضِ أمٍّ تُفكّرُ هل طفلها نامَ تحتَ الرُكامِ، أم ارتاحَ في جنَّةِ المُستحيلْ.

لأنّي أحبُّك، لا شيء يُشبهُني الآن إلا ترابٍ ببيتٍ تهدّمْ،

وظلُّ المدى يتسلّلُ منهُ على مَهلِ، كي يلامس وجهَ الصباحْ.

تعبتُ… ولكنَّني لم أزل أتشبّثُ بالياسمينِ الذي بين كفيك منذُ المساءِ الذي لم يَجئْ.

وما زلتُ أمشي، على قَدرِ نارٍ تُحرّكُني في المنايا

ولا أستريحْ،

لأنّي إذا ما استرحتُ سيصهلُ فوقي الغيابُ،

وتَنهارُ أجنحةُ النورِ في داخلي.

أريدُ الصباحَ،

ولا أرتجي غيرَ أن يُولدَ الحُبُّ من خيطِ نافذةٍ لم تزل تستعيدُ الغيابَ،

وتحلمُ إن عادَ طفلٌ، بأن يُخبروه: تأخّرتَ، لكنَّ أمّك لم تبتعدْ.

أريدُ المساءَ، وحينَ أعودُ إليك، سأحملُ ظلَّ السؤالِ الذي أحرَقَ الدربَ،

لكنني قد عرفت بأنَّ الجوابَ… على شفتَيك.

أنا الآن أكتبُني من رمادِ الضحى،

ومن وجعٍ يستفيقُ السكونْ،

وأمشي على خطو قلبي الوحيدِ، كأني نجوتُ،

وأيضاً كأني السجينْ.

رأيتُ الغيابَ يُعلّق ظِلِّي، على حبلِ موتٍ،

فصافحتُ موتي، وقلت له: ارحلْ، فلي في الهواءِ حنينْ

أنا الآن أكتبُني، لا لأبكي، ولكنْ… لأن الكتابةَ نارٌ، إذا لم أُشبّكْ بها مِعصمي، فسَيأكُلني الصمت.. صمتي،

وتطفو دمائي على أغنياتي كطينْ.

أنا الآن أكتبُني… كي أراكَ، تعودُ، وتمحو عن الليلِ ليلًا،

وتمنحني ضوءَ وجهِك، كي أستكينْ…

وفي الركنِ، طفلٌ صغيرٌ يُحدّقُ في الضوءِ خلفَ الجدارْ،

يخبّئ في الكفِّ دُميةَ إخوته،

ثم يصمتُ،

في الصمتِ بحرٌ من الانتظارْ.

يقول لأمّه: “لما العساكرْ يِروحو، بنرجعْ نلعبْ، صح؟”

 فتكتمُ دمعًا يُكابدُ خوفَ النهارْ،

وتهمسُ: “آه يا روحي… آه يا دار”

بقلم: يوسف ربابعة

الدين والموروث الديني

الدين في بلادنا ليس متغيرا هامشيا يمكن تجاوزه بالدعوة للعلمانية أو فصله عن السياسة والحياة، لأنه أحد أهم ثوابت الوجود والثقافة والعادات والتقاليد والوعي واللاوعي، ولذلك فنحن بحاحة لمزيد من التعليم الديني.

التعليم الديني الذي يقوم على تحرير المفاهيم والمصطلحات الدينية، والتعمق في دراسة فروع العلوم الشرعية والمذاهب والطوائف، وأساس ذلك هو الفهم اللغوي، أي أن أيّ دارس للعلوم الدينية لا بد أن يكون قبل ذلك دارسا متعمّقا للغة وعلومها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والنظريات في علم الدلالة وتحليل الخطاب وعلم المعنى.

أغلبنا لا يميز بين الدين والموروث الديني مثلا، وأغلبنا يعتبر الفقه والتفسير والفتوى وحيًا نزل مع القرآن، ولا يفصل بين علوم الدين والدين ذاته، ولا بين الوحي والجهد الإنساني في تفسيره وفهمه، ولا يفصل بين القصص القرآني والقصص الموروث المشابه للقرآن، ويعتبر أيّ تفسير جديد ضد الدين ومن باب المحرمات.

ثقافتنا الدينية أغلبها شفوية منقولة متوارثة وليست قائمة على قراءة القرآن وفهمه من داخله وليس من خارجه، فهو المهيمن على غيره كما ورد فيه، لكننا نحن نجعل العلوم الفقهية والتفسير والتأويل الذي هو عمل إنساني مهيمنة على القرآن، بل أصبحت حاجزا تحول دون فهمه، وتصرف الناس عنه، وترفض أيّ اجتهاد مفيد للزمن والواقع. ربما نحن بحاجة للإصلاح الديني قبل الإصلاح السياسي.

بقلم: نعمة حسن – غزة

باختصار

لم أكن أنتقي الأمنيات بشكل محترف

لا أحب القهوة كعادة النساء اللاتي يجدن الحديث عن الحب

ولم أدمن يوما التسوّق

لا يناسبني لبس الكعوب العالية

أو حضور المناسبات للمجاملة

أنا امرأة تعيش اللحظة

كفقرة منتهية

أربط فرحي

بكأس شاي مُحلّى

وسماع أغنية بالصدفة

مزاجي ضيق

كقصيدة تتكون من شطر واحد

….

ثم تجدني بلا مقدمات

أطالب بملعقة بن

من بائع غريب

لا يملك ميزانا

يطحن الحبوب بمطرقة

ويسعى لأن يسقط الحكومات الفاسدة

بدعوة مظلوم

بقلم: صباح بشير

صباحات القدس.. قصيدة فجر وأسرار روح

مع أوّل خيط ذهبيّ نسجه صباح هذا اليوم في سماء القدس، شعرت بالمدينة تستيقظ على همسات قديمة، كأنّها صلوات سرمديّة تلامس الرّوح، إذ ينهض الصّباح فيها متوشّحا بعبق التّاريخ وأريج البلسم، فيمتزج نداء المآذن بأصوات أجراس الكنائس مع زقزقة العصافير التي تتراقص على غصون أشجار الزّيتون المعمّرة أمام البيوت.

تتنفّس القدس صباحها بعمق، فيفوح من أزقّتها رائحة الخبز السّاخن، وزيت الزيتون البكر، وحبّات التّوابل التي تطحن ببطء، لتبعث في النّفس انتعاشا يشبه نسيما عليلا يحمل معه عبق الزّعتر البريّ، وتتسلّل إلى الوجود رائحة القهوة التي تنسج خيوطها في أرجاء المكان كلّه، كأنّها عطر أزليّ يوقظ الحواسّ ويبعثر الهموم، كقصيدة عطريّة ترتّلها حبّات البنّ المحمّصة، لتعانق نسمات النّهار، وتعلن بداية يوم بعبق جديد، يمتزج فيه الدّفء بالحياة والأمل، فتغدو كلّ زاوية وكلّ ركن، مسرحا لهذا العطر الذي يأسر القلوب وينعش الأرواح، فكلّ حجر في المدينة يروي حكاية، وكلّ زاوية تخبئ سرّا.

أمّا نكهة الكعك المقدسيّ فهي حكاية بحدّ ذاتها، تختزل عبق المكان وروحه، فهو يُعجَن بحبّ الأرض ويخبز بلون القمح.

هو رفيق الجلسات الصباحيّة، حيث يختلط عبيره الزّكيّ بضحكات الأهل ودفء الأحاديث، هو جزء لا يتجزّأ من طقوس الحياة المقدسيّة، ورسالة محبّة تقدّم من قلب المدينة إلى كلّ من يتوق إلى طعم الأصالة.

في الصّباح الباكر، تتجلّى هذه الأسرار كلوحات فنّيّة، رسمتها أيادٍ خفيّة على مرّ العصور.

ترى الباعة يتأهّبون، وتسمع ضحكات الأطفال وهي تتناثر في الهواء كأنّها حبّات لؤلؤ.

وما إن اكتمل ضوء الصّباح حتّى وجدت نفسي أسير في أزقّة القدس، لا تائهة بل مفتونة بكلّ تفصيلة تحت نور شمسها المشعّة.

هي ليست أشعّة شمس تلوح في الأفق، بل هي قناديل نور توقد في دروب القلب، تضيء الأزقّة الحجريّة العتيقة، وتقبّل جدرانها التي شهدت قصصا لا تحصى من الصّمود والعشق.

توقّفت عند زاوية مهملة، حيث تتدلّى أغصان شجرة تين عتيقة، نضجت قبل أوانها، فحمَلَت ثمارا بنفسجيّة ناضجة، لم يمدّ إليها أحد يده، قطفت ثلاث حبّات تين بحذر، وحملتها بين كفّيّ كأنّها جواهر نادرة، وأكملت طريقي نحو السّوق القديم، وهناك.. جلست بجوار رجل عجوز يبيع الأزهار، وجهه محفور بتجاعيد الزّمن، قدّمت له حبّة تين مبتسمة، فأشرَقت أساريره بابتسامة تشبه نور المكان، وأهداني غصنا من ياسمين فوّاح.

ثمّ واصلت طريقي، لأجد طفلين يلعبان بجوار الطّريق، أحدهما فقد كُرَته الصّغيرة، فأعطيت كلّ واحد منهما حبّة تين، وأخبرتهما أنّهما سحر يجلب الفرح. تفتّحت عيناهما بالبهجة، وتعالت ضحكاتهما البريئة التي غمرت المكان بالجمال.

بعد ذلك، توجّهت إلى مقهى أنيق؛ لأحتسي فنجانا من القهوة السّاخنة المعتّقة بالهيل، وأنا أتأمّل جمال الشّوارع وأصوات المارّة.

هذه الأشياء البسيطة التي شاركتكم بها، أشعلت في نفسي جذوة الفرح، وجعلت هذا الصّباح بداية ليوم جديد بهيج، فهذه المدينة تحتضن في قلبها أرواحا تعلّقت بها، وتشتاق إلى ترابها.

شعرت أنّ هذا النّهار زاخر بالرّوحانيّة، حيث يعانق فيه المكان أبديّة الزّمان، ليعلن للعالم أنّ فيه من السّحر ما لا يمحوه ليلٌ ولا يدركه وصفٌ، ففي كلّ ومضة فجر، تعيد القدس اكتشاف ذاتها ببهجة، وتلقي على محبّيها تحيّة من نور وسكينة، وكأنّها تهمس وتقول: ها أنا ذا، أشرق من جديد، ومعي قصص لم تُروَ بعد، وأمل لا ينتهي.

وتظلّ في توق دائم لسلام يعانق قبابها، وهدوء ينساب بين أزقّتها، لتشفى جراحها وتزهر فيها الحياة بصفاء أبديّ.

رابط دائم
https://elayem.news/9e7md