الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

إيران تقلب المشهد.. ما بعد الحرب ليس كما قبلها

Author
الأيام نيوز 22 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

إيران تعلن عن إطارها الاستراتيجي الجديد، كاشفة من خلاله ما وراء نيران الشرق الأوسط المشتعلة، ومحدّدة 6 شروط لوقف الحرب، بالتوازي مع مواصلة تنفيذ خطّة دقيقة ومتدرّجة تستهدف أعداءها. ويأتي ذلك في سياق تصعيد عسكري إيراني، فرض وقائع جديدة على الأرض، تمتدّ من غلق مضيق هرمز، إلى توجيه ضربات في عمق “ديمونا”، حيث تؤكّد طهران أن ما يجري لا يندرج ضمن ردود الفعل الآنية والطارئة، بل يعكس نهجا قائما على صبر استراتيجي، يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى، وإرساء معادلة جديدة، تقوم على استثمار القوّة، ضمن أطر قانونية وسياسية، وهو ما أثار اهتمام محللين وخبراء انكبّوا على تفكيك أبعاده واستشراف مآلاته.

وسائل إعلام إيرانية، كانت قد كشفت نقلا عن مسؤول أمني وسياسي رفيع المستوى، أن طهران وضعت 6 شروط أساسية لوقف الحرب ضمن ما وصفته بـ(الإطار القانوني الاستراتيجي الجديد)، مؤكدة أن ما تنفذه حاليا ليس ردا عشوائيا بل خطة تم إعدادها مسبقا ويجري تنفيذها خطوة بخطوة وبصبر استراتيجي.

ووفق التصريحات، ترى إيران أن سيطرتها العسكرية المتزايدة تجعلها غير مستعجلة على وقف إطلاق النار، وأنها ستواصل “معاقبة المعتدي” حتى فرض شروطها، والتي تشمل ضمان عدم تكرار الحرب، وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وصدّ العدوان مع دفع تعويضات لإيران، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، وإقرار نظام قانوني جديد لمضيق هرمز، إضافة إلى محاكمة وسائل الإعلام المعادية لإيران.

في هذا السياق، يتضح أن ما تصفه طهران بـ”الإطار القانوني الاستراتيجي الجديد” لا ينفصل عن تطور ميداني تعتبره حاسما في مسار المواجهة، حيث تؤكد تصريحات المسؤول الإيراني، أن “ما تنفذه طهران حاليا في حربها الدفاعية هو خطة أعدتها قبل بضعة أشهر”، وأن تنفيذها يجري “خطوة بخطوة وبصبر استراتيجي كبير”، في إشارة إلى تدرج محسوب في إدارة الصراع. ويعزز ذلك القول بأن تحقيق “سيطرة كاملة على المجال الجوي” بعد استهداف البنية الدفاعية للخصم، جعل من فرض الشروط مسارا ممكنا وليس مجرد طرح تفاوضي.

ميخائيل ماهر

ضمن هذا الإطار، يبرز البعد القانوني كأداة مرافقة للفعل الميداني، حيث يشير ميخائيل ماهر، خبير في القانون الدولي، في تصريحه لـ”الأيام نيوز” إلى أن هذا التوجه “يعكس تحولا نوعيا في كيفية توظيف القانون الدولي كأداة في الصراع السياسي والعسكري”، موضحا أنه يتجاوز فكرة الغطاء القانوني إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك ذاتها. هذا التوصيف ينسجم مع ما تطرحه طهران من ربط مباشر بين القوة على الأرض وإعادة إنتاج قواعد قانونية جديدة، بما يجعل من القانون امتدادا لمسار الصراع وليس مجرد إطار منظم له.

إيران تعيد تعريف الدفاع والردع

ويأخذ هذا الطرح بعدا أعمق حين يتم ربطه بمحاولة إعادة تفسير مفاهيم مركزية مثل “الدفاع الشرعي” و”الردع” و”الأمن الجماعي”، بحيث تصبح أكثر اتساعا وقدرة على استيعاب الرؤية الإيرانية. كما أن إدراج مطلب إنشاء نظام قانوني جديد لمضيق هرمز يعكس توجها لإعادة تعريف قواعد التحكم في الممرات الحيوية، في سياق يتداخل فيه القانوني بالاستراتيجي، ويؤسس لمرحلة قد تتغير فيها معايير إدارة هذا الممر البحري الحساس.

ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن الثقة التي تعكسها التصريحات الرسمية، حيث تؤكد أن طهران “لا ترى أي أمل في وقف إطلاق نار وشيك”، في ظل ما تعتبره تفوقا ميدانيا يسمح لها بمواصلة “سياسة معاقبة المعتدي” حتى تحقيق أهدافها. هذا المعطى ينسجم مع ما أشار إليه ماهر حول أن البيئة الدولية الحالية، التي تتسم بتعدد الأزمات، توفر هامشا يسمح بفرض وقائع جديدة، خاصة عندما تقترن بقدرة على الصمود وإدارة التصعيد.

وانطلاقا من ذلك، يبدو أن المرحلة القريبة ستتسم باستمرار الضغط العسكري ضمن سقف محسوب، حيث يتم توظيف هذا الضغط لتحسين شروط أي مسار سياسي محتمل، دون التراجع عن المحددات التي وضعتها طهران. كما أن تعدد المبادرات والوساطات، التي أشارت إليها التصريحات بقولها إن “بعض الأطراف الإقليمية والوسطاء قدموا مقترحات إلى طهران لوقف الحرب”، يعكس حركية دبلوماسية تصطدم حتى الآن بسقف الشروط المعلنة.

أحمد البحري

وفي قلب هذه الشروط، تبرز مسألة “ضمان عدم تكرار الحرب” باعتبارها حجر الزاوية في أي تسوية محتملة، وهو ما يدفع إلى البحث عن آليات تتجاوز التعهدات الشكلية. في هذا الإطار، يطرح أحمد البحري، محلل سياسي، في تصريحه لـ”الأيام نيوز” مقاربة تربط هذا الضمان بإعادة ترتيب بيئة الصراع بالكامل، من خلال “تسليم بنيامين نتنياهو إلى محكمة الجنايات الدولية”، وفرض انسحاب من مناطق التوتر، والعودة إلى حدود 7 أكتوبر 2023.

ويمتد هذا التصور ليشمل أبعادا أوسع، حيث يتحدث عن ضرورة “إلغاء مشروع السلام الأمريكي الخاص بغزة”، إلى جانب فك الحصار وإلغاء العقوبات والإفراج عن الأصول المالية، فضلا عن “اعتراف المجتمع الدولي بالبرنامج النووي السلمي الإيراني”. كما يشدد على “وقف الانتهاكات الصهيونية للسيادة اللبنانية، برا وبحرا وجوا”، باعتبار أن استمرار هذه الممارسات يقوّض أي حديث عن استقرار دائم.

هذا الطرح يعكس رؤية تعتبر أن الضمانات الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال معالجة جذور التوتر، وليس الاكتفاء بإجراءات جزئية، وهو ما ينسجم مع الطابع الشامل للشروط الإيرانية التي تربط بين الأمني والسياسي والقانوني. غير أن هذا المسار يظل مرتبطا بمدى قدرة هذه الشروط على التحول إلى التزامات قابلة للتنفيذ في بيئة دولية معقدة.

حسين الأسعد

وفي هذا السياق، يقدم حسين الأسعد، المحلل المختص في الشؤون الإيرانية، قراءة تركز على صعوبة الحصول على ضمانات نهائية، معتبرا أن “مسألة أن تبحث إيران عن ضمانات لعدم تكرار الحرب أعتقد هذا ضرب من الخيال”، في ظل طبيعة الصراع المفتوح واحتمالات تجدد المواجهة. ومع ذلك، يلفت إلى أن السعي نحو هذه الضمانات يعكس محاولة لتقليص هامش المخاطر مستقبلا، سواء عبر مسارات سياسية أو تفاهمات جزئية.

كما يشير الأسعد، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن مسألة التعويضات، رغم إدراجها ضمن الشروط، ترتبط أيضا بإعادة بناء قدر من الثقة، موضحا أنها تمثل “إعادة الثقة ولو جزئيا”، وإن كانت لا تعادل حجم الخسائر، خاصة تلك المرتبطة بالبنية النووية وما تطلبته من استثمارات زمنية ومادية كبيرة. هذا التقدير ينسجم مع الطرح الذي يرى في التعويضات جزءا من مسار أوسع لإعادة التوازن، وليس مجرد مقابل مادي للأضرار.

وفي امتداد لهذه القراءة، تبرز التطورات المرتبطة بمضيق هرمز مدى حساسية هذا الملف باعتباره أحد أبرز نقاط الاشتباك الاستراتيجي. فقد حذر المقدم المتقاعد في الجيش الأمريكي دانيال دايفيس من أن التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع بدلا من احتوائها. وأوضح دايفيس أن الإنذارات المرتبطة بفتح المضيق خلال مهلة زمنية قصيرة تقابلها مواقف إيرانية حاسمة تؤكد أن “المضيق لن يُفتح قطعا”، وأن طهران تمضي قدما نحو تشديد إجراءاتها في هذا الممر الحيوي.

الهجوم على ديمونا يغيّر ميزان القوى

وفي منشور له عبر منصة “إكس”، كتب دايفيس: “أصدر الرئيس ترامب للتو إنذارا نهائيا لإيران، مفاده أن عليها فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، وإلا فسيدمر المزيد من البنية التحتية الإيرانية للطاقة، وسارعت إيران إلى الرد بتهديد مضاد معلنة أنها ستشن هجمات على البنية التحتية الأمريكية والحليفة في قطاعات الطاقة والنفط وتحلية المياه انتقاما لذلك، وعلى أية حال، فهي لن تفتح المضيق قطعا، بل أعلنت صراحة أنها ستحكم إغلاقه بصورة أشد”.

وأضاف: “يأتي هذا في سياق يتناقض فيه ترامب مع نفسه، إذ يزعم تارة أن الحرب قد انتهت وأنه دمر إيران، ثم يعود فيحشد قوات قتالية برية إضافية، وطائرات هجومية من طراز A-10، ومروحيات أباتشي، وقوات بحرية معززة، وفي الوقت ذاته يرفع العقوبات عن النفط الإيراني ويزيل القيود عن مبيعات النفط الروسي في محاولات يائسة للإبقاء على سعر النفط دون مستوى 100 دولار للبرميل”.

وخلص قائلا: “إن هذه الإجراءات تبدو متناقضة وغير عقلانية، وهي في نهاية المطاف إجراءات تفضي إلى نتائج عكسية، وتفتقر إلى أي استراتيجية متماسكة، ولن يفضي أي منها إلى حسم ناجح لهذه الحرب. إنه وقت بالغ الخطورة على الولايات المتحدة وحلفائها، وذلك يعود كليا إلى الانزلاق في حرب اختيارية باتت خارج نطاق السيطرة”.

وتأتي هذه التطورات في ظل التصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط، حيث دخلت الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي – الصهيوني أسبوعها الرابع، مع استمرار تبادل الضربات الصاروخية والمسيرات التي طالت عدة دول خليجية، إضافة إلى إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام السفن التابعة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني والدول التي تعتبرها طهران داعمة للعمل العسكري ضدها.

من جهة أخرى، أكد عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، علاء الدين بروجردي، أن الهجوم على ديمونا يمثل “صفحة جديدة في تغيير ميزان القوى”، موضحا أنه “بشل عين الرادار للعدو وبالعملية التي جرت أمس في ديمونا، ظهرت وتجسدت صفحة جديدة في ميزان القوى وانتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

وحول مضيق هرمز، أوضح بروجردي أن تحصيل مليوني دولار كرسوم عبور من السفن يُظهر القوة والسيادة، مضيفا أنه بعد 47 عاما، تم إنشاء “نظام سيادي جديد في مضيق هرمز، وهو حقٌ للجمهورية الإسلامية الإيرانية”. في الوقت ذاته، استهدفت صواريخ إيرانية مستوطنتي عراد وديمونا في جنوب أراضي فلسطين المحتلة، ما أسفر عن إصابات وأضرار مادية كبيرة، في تصعيد جديد عقب الضربات على منشأة نطنز. وأفادت التقارير بأن القصف ألحق دمارا واسعا في عراد، فيما سُجلت إصابات أيضا في ديمونا وسط حالة استنفار صهيونية مشددة.

رابط دائم
https://elayem.news/9xbo4