الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حوارات

الشاعر القطري محمد بن عبد العزيز العبد الغني لـ”الأيام نيوز”: حين تخذلني الروح.. ينتشلني النشيد الجزائري إلى سماوات اليقين

Author
محمد ياسين رحمة 22 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

في الذكرى الـ71 لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، أهدى الشعبَ الجزائري قصيدةً بعنوان “أنشودة الأوراس”، فكرّمته السفارة الجزائرية في دولة قطر الشقيقة، وأهدته درعا تذكاريا. هو شاعر وكاتب مختلف ومتميّز بلغته وبأسلوبه وبرؤاه الفكرية، انحاز إلى الحكمة أحيانا، وإلى السخرية اللذيذة أحيانا أخرى، ليصافح أرواح القرّاء من خلال رسمه الفني بالكلمات، وليُحدث ثقبا في جدار الوعي العربي، تتسلّل منه إشراقات الأمل بمستقبل أمة عربية استسلمت إلى النعاس طويلا. إنه الشاعر والكاتب القطري محمد بن عبد العزيز العبد الغني، استوقفت “الأيام نيوز” ساعةَ عمره، ولامست سماوات أعماقه، فتفتّحت بعض أزاهيره الوجدانية والفكرية في هذا الحوار.

“الأيام نيوز”: المُبحِر في نصوصكم الشعرية يشعر بأنه أمام شاعر ينتمي إلى العصور الذهبية للغة العربية، لغة فصحى – وليس فصيحة – صرنا نفتقدها في عصرنا الراهن، لا سيما منذ شيوع النشر الرّقمي. فما هي مرجعيتكم الثقافية والأدبية، وكيف هي طبيعة علاقتكم مع اللغة العربية؟

محمد بن عبد العزيز: أشكركم بادئ ذي بدء على هذه الإشادة الكريمة. منذ طفولتي كان للشعر الجاهلي عليّ سلطانٌ خاص، ولا سيما المعلّقات التي ساقني القدَر إلى قراءتها جميعا وأنا بعدُ في مطلع العمر. ثم توالت دهشات الاكتشاف.. من شعر صدر الإسلام إلى رياض العصرين الأموي والعباسي، مرورا بسجالات النقائض بين جرير والفرزدق، وما كان يتخللها من حضور الأخطل والراعي النميري، وصولا إلى البحتري والمتنبي، ثم مدرسة الإحياء والبعث على يد ساميها البارودي، وشاعر نيلها حافظ إبراهيم، وأمير الشعراء أحمد شوقي، مع التقاط بعض شذرات نزار قباني لا شك. ذلك النّهم في زمن كانت فيه شواغل الحياة أقلّ، جعل التعبير الشعري محاولة خجولة للانتساب إلى أولئك الكبار. ولعله السبب الذي جعل لغتي تنساب بطبيعتها نحو الأسلوب القديم، وهو أسلوب قد لا يلامس وجدان بعض أبناء الجيل الحالي، غير أني – على كل حال – لا أدخل المجالس شاهرا سيف المتنبّي، ولا أقول لزوجتي في البيت: الخيل والليل والبيداء تعرفني! ولعل هذا التعلق المبكر بلغات العرب الأُوّل هو ما صقل ذائقتي وقرّبني من الفصحى الناصعة، فاللغة عندي كائن حيّ، تشعر بنبضها حين تعاشرها طويلا، وتسمع خفقانها في أبيات عمر بن كلثوم وجرير والمتنبي، وقد قيل: من أحبّ شيئا أكثر من ذكره.

“الأيام نيوز”: صار في وسع كل إنسان يمتلك أدوات التواصل الرقمي، وقدرا من المعرفة الأدبية واللغوية، أن يكون أديبا أو مُنتجا لـ”الأدب المستعجل”، في غياب حراك نقدي أدبي “حقيقي”. ألا تعتقدون أن هذا الأمر قد يحوّل الأدباء إلى جُناة على اللغة العربية، بل قد يتعدّى الأمر إلى إحداث قطيعة مع كُتب التراث وأمّهات كُتب الأدب العربي، وربما يجعل من العربية الفصحى “لغة مهجورة”؟

محمد بن عبد العزيز: لدينا مثلٌ قطري يقول: “الهون أبرك ما يكون”، ومعناه أن التّخفيف على النفس في اللحظات العسيرة هو أكثر ما يجلب البركة. وانطلاقا من هذا المعنى، فإن تحميل الأدباء وحدهم وزر ما يصيب العربية فيه نظر؛ فالمسؤولية مشتركة. نحن نعيش زمنا أصبحت فيه الإنجليزية شرطا للدراسة والعمل، ومقياسا للنجاح الاجتماعي، وللحديث في المطاعم والمتاجر حتى في بعض بلادنا العربية. في زمن كهذا، لا يمكن لمعول الشاعر أو الأديب – وإن حاول – أن يغيّر وحده. إن واقع اللغة أوسع من أن يُحمَّل لشاعر أو كاتب، فهي شاهد عصر يحكي عن أمّة تركت أبناءها وتبنّت أبناء غيرها، والله المستعان. ولست أعفي الأدباء تماما، لكني أعرف أن العربية لغة حملت القرآن، وتقلّبت على ألسنة قبائل مختلفة، ونجت من صروف الدهر، وهي أكبر من أن تهزمها موجة رقمية عابرة.

“الأيام نيوز”: تزخر نصوصكم الشعرية بفيوض من الحكمة، وكأنكم عشتم ألف عمر في عمر واحد، وهذا يؤكّد ضمنيا على صفاء جوهركم، وعمق نظركم، وقوة شاعريتكم ودقّتها. وقد اخترت التعبير بالقصيدة العمودية الأصيلة، بلغة جذّابة تكتنز كثيرا من عناصر السحر الجمالي. فما هي مولّدات الحكمة لديكم؟ وهل تعتقدون أن النص الشعري “غير العمودي” قادرٌ على التعبير عن الحكمة؟ ثم أليس انتهاجكم لطريق الحكمة يعني بأنها (الحكمة) تنقص ثقافتنا الأدبية والفكرية والمجتمعية؟

محمد بن عبد العزيز: أشكر لكم لطف العبارة وإن كنت أراها أكبر من صاحبكم. الحكمة، كما ورد، ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحقّ بها. والشعر – كالنثر – وسيلة لا غاية، وطلب الحكمة شعرا ونثرا وعملا هو دأب الصالحين، وإن كنا لسنا منهم ولكننا نحبّهم. أما القصيدة العمودية، فالشعر عندي هو العمود وما سواه خيمة بلا عمود، وبناء بلا أساس، وعمل بلا قياس. والحكمة ليست ترفا أدبيّا، بل نور يقذفه الله في القلب. والإنسان لا يتعلّم الحكمة من الكتب وحدها، بل من التجارب والوجع والصمت الطويل، ولعل صرامة القصيدة العمودية تساعد على تثبيت الحكمة كما تُصقل المعادن على السندان.

“الأيام نيوز”: إضافة إلى الحكمة في أشعاركم، تستوقفنا السخرية اللذيذة أيضا، فهل تمتلكون رؤية لمشروع أدبي يدفع إلى حراك ثقافي، يُجدّد للغة العربية أمجادها، ويعيد توطيد العلاقة بينها وبين أبنائها؟

محمد بن عبد العزيز: أنا أبسط من أن أدّعي مشروعا لتجديد اللغة أو التوسّط بين العربية وأبنائها، برّهم وعاقّهم. غير أن السخرية – في حدودها الأدبية – سليقة في طبعي، كما كانت عند الجاحظ الذي هدم بها مذاهب خصومه. السخرية حين تُحسن مواضعها تُبرز التناقض وتُضيء المعنى. وهي ليست ضحكا فارغا، بل وسيلة لكشف الخلل في بنية الفكر، ولفتح نافذة يرى منها القارئ ما يُخفى عنه. وقد قال الجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق… وإنما الشأن في جودة اللفظ. وهذا يكفي.

“الأيام نيوز”: هل يُمكن للقصيدة الشعرية الراهنة، سواءٌ كانت ذاتية مرتبطة بأعماق صاحبها أو كانت مُتعدّدة الأبعاد: اجتماعية، تربوية، ملتزمة بقضية.. أن تكون مرجعا أخلاقيا وجماليا ولغويا؟ وما هي رسالتكم الشعرية؟

محمد بن عبد العزيز: الشعر مرآة الشاعر، لا يُحمَّل ما لا يحتمل، ولا يكون مرجعا إلا في اللغة إذا كان جاهليا أو مما يُقاس عليه. أما ما دونه فهو نصّ له ما له وعليه ما عليه. ولا أخجل من القول إنني لا أعرف لنفسي رسالة واضحة، ولعل سؤالكم يدفعني للبحث عنها. ما أدريه أني لا أريد أن أستعمل الشعر للتكسب، ولا لمدح من لا يستحق. ولعل رسالتي إن وُجدت فهي: قل خيرا أو اصمت. ومع ذلك، للشعر قدرة على أن يترك أثرا لطيفا في النفس، لا بوصفه “مرجعا” بل بوصفه رفيقا للروح.

“الأيام نيوز”: في قصيدتك “أشكو جفافا للعروبة”، نقف أمام شاعر مُثقل بأوجاع أمته العربية، ويحاول النّفاذ إلى أعماقها ليثير فيها إرادة النهضة والانبعاث، والتحرّر من الشوائب التي أدت إلى الفُرقة والتشتت، رغم أنها شوائب دخيلة ومصطنعة وليست من مكونات الشخصية العربية.. هل تمثل هذه القصيدة توجّها في النقد الشعري السياسي لديكم؟ أم هي قصيدة “عارضة”، أبدعتموها في ظروف معيّنة؟ وما هي رؤيتكم للشعر السياسي مثل شعر نزار قباني، لا سيما قصيدته “أنا يا صديقة متعب بعروبتي”؟

محمد بن عبد العزيز: نزار قباني أبدع في تونس الخضراء وكانت من إلهاماتي. وليس مثلي من يثني على مثله. والنص الشعري سيبقى دائما رافدا من روافد السياسة، وقد أدركت الدول القديمة والحديثة خطر الشعر وفعله، ويكفي مثال البيت الشهير: “فغُضّ الطرف إنك من نمير”. أما أنا، فامرؤ من قومي؛ يريبني ما يريبهم ويحزنني ما يحزنهم. ورؤية غزة تُباد في صمت القريب قبل البعيد… إن لم تُحرّك الإنسان، فأقم عليه أربع تكبيرات لا ركوع فيها ولا سجود. وأنا لا أتعمّد السياسة، بل تفرض نفسها عليّ حين يشتد الوجع.

“الأيام نيوز”: أهديتم الجزائر قصيدة رائعة في ذكرى ثورتها المجيدة، وتجلّت معرفتكم العميقة برموزها وقادتها وجغرافيتها الثورية. فما الذي تعنيه لكم ثورة التحرير الجزائرية، وهل ترون أنها قابلة للاستثمار، بقيمها وبطولاتها، في تعزيز ثقة الإنسان العربي بنفسه، ودفعه إلى تحصين نفسه في مواجهة التحديات الغربية التي صارت تستهدف الإنسان والأوطان العربية؟

محمد بن عبد العزيز: الجزائر – بلدًا وشعبًا وثورة – لم تكن بالنسبة لي حدثا عابرا في كتاب التاريخ، بل كانت جزءا من ملامح الصبا والطفولة. ففي قطر، درسنا ثورة التحرير الجزائرية وتربّينا على أسماء أبطالها، وكبرنا ونحن نسمع أهازيج المجد التي تُروى عنها، ونردّد كلمات نشيدها الوطني الذي طالما كان لي – ولا يزال – جرعة منسابة من العزة؛ كلما خذلتني الروح، استمعت إليه فارتفعت كما يرتفع الصاروخ من غيابة الأرض إلى فضاء الثقة، وثارت في داخلي روح لم تهدأ يوما، كبركان كان خامدا ثم وجد من يشعل جمرة قلبه.

الجزائر وثورتها تقولان لنا دائما إن الحق – مهما طال زمن غيابه – ينتصر في النهاية. وإن الزمن، وإن جاوز المئة والثلاثين عاما من استعمار مرير، لا يستطيع أن ينتزع من شعب أصيل يقينَه ولا صموده. فقد دفع الجزائريون أغلى الأثمان: ملايين الشهداء، وأجيالا كاملة لم ترسم أحلام الطفولة إلا على وقع الرصاص ورائحة البارود. ومع ذلك، لم يقل أحد إن زعماء التحرير “قامروا بشعبهم”، ولم يتحدّث أحد عن “عدم تكافؤ الإمكانات”، ولم يطالبهم أحد بأن ينتظروا حتى “تتهيّأ الظروف”. لقد علموا – بالفطرة واليقين – أن الأوطان لا تتحرر بالانتظار.

الثورة الجزائرية تُلجِم المثبّطين في هذا العصر، وتُسكت كل من يهوّن من شأن المقاومة، وتُذكّر كل عربي بأن الشهداء ليسوا “خسائر”، بل هم أعلى رأس مال يمكن أن يملكه وطن، وأن التضحيات – مهما بلغت – تبقى رخيصة أمام كرامة الأرض.

والفلسطيني حين يتعلّم الثورة الجزائرية كما يتعلّم حروف الأبجدية، يدرك أن عام 1948 ليس بعيدا، وأن الاحتلال مهما طال، فهو أقصر من قصة شعب آمن بحقه، وقاتل لأجله، وانتصر في النهاية. يدرك أن الثمانين عاما التي عاشها هو، ليست شيئا أمام مئة وثلاثين عاما عاشها الجزائري، ثم خرج منها مرفوع الرأس، لا منكسرا ولا مح الإرادة.

وربما أهم ما تقوله الجزائر – بلسان الحال لا المقال – أن القوة رديف الحق، فإذا ذهبت القوة ذهب معها الحق أو كاد. وأن الاستعمار مهما تغيّر شكله ولونه يبقى استعمارا، وأن صاحب الأرض يعود إلى أرضه، ولو بعد حين. فالزمن لا يخذل الشعوب التي تحفظ عزّتها، ولا يضيع دم صعد إلى السماء وهو يردد: “الله أكبر.. تحيا الجزائر”.

هذه الثورة ليست درسا في التاريخ، بل درس في اليقين. ليست رواية تُقرأ، بل شهادة تُعلَّق على صدر كل عربي يريد أن يعرف معنى المقاومة، ومعنى الصبر، ومعنى أن يكون للوطن ثمن، وللحرية مهر لا يُدفع إلا بالدم.

“الأيام نيوز”: أكّدتم انحيازكم إلى الحكمة – كما في أعمالكم الشعرية – في كتابكم “متحف الأشياء الجديدة: جولة في دهاليز التجارب”، والعنوان يستوقف القارئ ويدفعه إلى التساؤل: كيف يكون المتحف للأشياء الجديدة، وهو في الأساس للأشياء القديمة؟ فهل اختيار العنوان كان لاعتبارات تتعلّق بإغواء القارئ لاقتناء الكتاب – كما يفعل كثيرٌ من الكُتّاب – أم هو تعبير عن فلسفة فكرية وأدبية ستتوضّح أبعادها بشكل أكبر في كُتب تُبدعونها مستقبلا؟

محمد بن عبد العزيز: لساني يسبقني بالمفارقات والسخرية من الذات قبل السخرية من الآخرين، وهذا يتّضح للقارئ في دهاليز الكتاب وفصوله. أما فكرة “المتحف”، فقد تخيّلت فيها نفسي أمينا لمتحف لا يضمّ إلا معروضات جديدة، أشياء لم يسبق أن رآها أحد، وأحببت أن أشارك القارئ بها على هيئة فصول الكتاب. صحيح أن المتحف في عُرف الناس هو موطن القديم، ومرقد ما مضى من تراث الإنسان، لكن هذا العارض – الذي أنا هو – أصرّ على كسر القالب، إن كان للقالب أصلا وجود ثابت.

أردت أن أقول للقارئ: ليس كل جديد يعيش، وليس كل قديم يموت. وأن الأشياء التي نحرسها كثيرا، ونضعها فوق الرّفوف بحرص مبالغ فيه، تتحوّل إلى مقتنيات لا يُنتفع بها، وتصبح بيوتنا شيئا فشيئا متاحف لا تعرض إلا “الجديد الذي لم يُستخدم”. في أحد الفصول تحدّثت عن هذا عندما وصفت علاقتنا مع ممتلكاتنا: نعاملها كقيّمين عليها لا مُلّاك، نخاف عليها حتى من أنفسنا، فنحرمها من وظيفتها الحقيقية، كما لو أننا نقدّسها بدل أن ننتفع بها. وحين يتحوّل البيت إلى متحف، تتحوّل الحياة نفسها إلى قاعة صامتة، محفوظة، لا يُسمح بلمسها.

أما اختيار عنوان “متحف الأشياء الجديدة”، فكان رغبة في مزج المفارقة بالسؤال: هل الجديد يبقى جديدا إن وُضع في المتحف؟ وهل التقليد يفقد تقليديته إذا خرج من صندوقه؟ العنوان في جوهره دعوة إلى طرح الأسئلة بدل قبول المسلّمات، ودعوة إلى فهم علاقتنا بأشيائنا وأفكارنا ومعتقداتنا: هل نستخدمها؟ أم نضعها في أرفف الذاكرة كقطع زجاجية نخشى عليها من الكسر؟

ولم أنكر يوما أن العنوان يحمل أيضا طبقة من “إغواء القارئ”، ولكن ليس إغواء فارغا، بل إغواء يجعله يشعر أن ثمّة شيئا غير مألوف ينتظره. فالمتحف هنا ليس بناء، بل رحلة ذهنيّة، ومساحات متجاورة من التجربة البشرية. أردت للقارئ أن يمشي في أروقة هذا “المتحف” كما يمشي في ذاكرته، يفتح بابا فيجد نفسه أمام فكرة، ويغلق آخر ليقف أمام مفارقة تضحكه أو تعلّمه أو تربكه قليلا.

وأعتقد، دون ادّعاء أو مبالغة، أن هذا الكتاب كان محاولة لفهم علاقتنا بما نمتلكه وما نفكّر به وما نخشاه. ومحاولة لأن أقول للقارئ: إن الحياة لا تُحفظ في صناديق، ولا يصنعها الوقوف عند الأشياء، بل استخدامها، احتضانها، وحتى كسرها إن احتاج الأمر.

“الأيام نيوز”: كتابكم “متحف الأشياء الجديدة..” يكشف عن تجديد في تقنيات الكتابة، وفي طريقة استعراض الأفكار، وفي اختيار الموضوعات.. ولعله يدعو إلى ترشيد العقل العربي في منهج التفكير بالاعتماد على توليد الأسئلة بدلا من الاستسلام إلى الأجوبة الجاهزة أو “المُصنّعة”.. فما هي رؤيتكم للتجديد في تقنيات الكتابة ولغتها وما يتعلّق بها من عناصر أخرى؟

محمد بن عبد العزيز: أنا في الكتابة لا أتعمّد اتّباع مدرسة مُحددة ولا أقصد صناعة “تقنية” خاصة، بقدر ما أكتب بالطريقة التي أحبّ أن أقرأ بها. أتنقّل بين موضوعات كثيرة لا يجمعها رابط ظاهر سوى فضولي وأسئلتي وتفاعلي مع تفاصيل الحياة. أكتب أحيانا ساخرا، وأحيانا متسائلا، وأحيانا متأمّلا على نحو قد يبدو غريبا لمن ينتظر سردا خطّيا أو منهجا أكاديميا صارما. أستشهد بالشعر والقرآن، وأستعير من الأدب الغربي والشرقي، وأمزج بين الطرافة والانزعاج، بين الضحك والحنق، بين الجدّ والهزل، كل ذلك بلغة عربية فصيحة لا تتقعّر ولا تهبط إلى الإسفاف، وبمصطلحات معاصرة وفكر حيّ يواكب زمانه.

هكذا أحبّ أن أقرأ وهكذا أحبّ أن أتحدّث، ولذلك لا أعدّ ما أكتبه “اتجاها” بقدر ما هو ترجمة صادقة لطريقتي في النظر إلى الأشياء. ليست لديّ رؤية متعالية عن “التجديد”، فأنا لا أؤمن أن التجديد يُفرض أو يُصنع بقرار، بل يأتي بطبيعة الكاتب حين يتحرّر من التردّد، ويترك لغته تنبض كما تنبض حياته. ولذلك أقول إنني كتبت كما أحببت أن يُكتب لي، بلا قوالب مغلقة ولا نهايات جاهزة.

والتجديد عندي ليس معركة مع اللغة، ولا محاولة لكسر تراثها، بل هو – في الحقيقة – محاولة لتحريرها من الجفاف الذي قد تُصاب به حين نحاصرها بالمصطلحات النظرية. اللغة العربية واسعة، مرنة، قادرة على احتواء فكر اليوم كما احتوت فكر الأمس. كل ما تحتاجه هو أن نثق بأنها قادرة، وأن نتعامل معها ككائن حيّ يتنفّس. ولذلك أرى أن التجديد الحقيقي لا يكون في التراكيب ولا في التكسير، بل في طريقة النظر، في صياغة السؤال، في الجرأة على الاقتراب من الموضوعات بزاوية جديدة.

وأؤمن أن الكاتب لا يحتاج أن يبتكر “تقنيات” بقدر ما يحتاج أن يجرؤ على أن يكون نفسه. فتقنية الكاتب الحقيقية هي صدقه. وإذا كان في كتابي شيء من التجديد، فهو نابع من أني لم أكتب ما يُفترض أن يُكتب، بل كتبت ما شعرت أنه يجب أن يُقال، وما تمنيت – أنا القارئ – أن أجده في كتب الآخرين.

ولعل أهم ما أؤمن به في هذا السياق أن الكتابة ليست سباقا بين المدارس، بل حوار بين الكاتب وقارئه، وبين الكاتب ونفسه قبل ذلك. وحين يكون هذا الحوار صادقا، فإن اللغة – لوحدها – تجد طريقها إلى التجدّد، كما يجد الماء طريقه إلى النهر ولو تغير مجراه.

“الأيام نيوز”: ما هي رؤيتكم إلى واقع القراءة في الوطن العربي؟ وهل أنتم “مقتنعون” بحركة التأليف والنشر والكتابة ذاتها؟

محمد بن عبد العزيز: القراءة في وطننا العربي أصبحت – مع الأسف – سوقا رأسمالية تتحكّم فيها الدعاية وما يطلبه الجمهور، وانتقلت بعض دُور النشر من كونها مؤسسات ثقافية تحمل رسالة، إلى مجرد بقّالات تحمل واجهات فاخرة، تتزيّن بالعناوين البرّاقة أكثر مما تتزيّن بالمضامين. ولست أعترض على الربح بطبيعته، فالسوق لا يُعاب إذا كان منصفا، لكنني أخشى أن يتحوّل الطريق أمام من يكتب حبًّا وشغفا إلى طريق موحش، طويل، مليء بالعقبات، فلا يجد في نهايته من يقدّر الصدق أو يلتفت إلى الجهد الحقيقي.

أما القرّاء، فهم أبناء بيئاتهم: لن تجد قطريا يكتب مراسلاته بالإنجليزية طوال اليوم ثم يتوقّع أن يقع في غرام “العقد الفريد”، ولن تجد جزائريا يتحدث الفرنسية في الشارع ثم يُقبل على كتب اللغة العربية الأصيلة بلهفة. فهذا أمر طبيعي؛ إذ إن ألسنة الناس انعكاس لواقعهم، وإن الثقافة التي يسكنونها تحدد ذائقتهم وما يميلون إليه. الطريق إلى الشمال لا يوصلك إلى الجنوب – كما قلت – والطريق إلى التراث لا يمرّ عبر لغات أخرى تُهيمن على الحياة اليومية.

ومع ذلك، أنا مؤمن أن القراءة يمكن أن تعود حين تعود القدوة. فحين يرى الشاب شخصا يقرأ، يستشعر قيمة القراءة، وحين يرى المجتمع أن للكتاب مكانة، تستقيم الذائقة ويهتزّ الداخل. وقد قال الجاحظ: “الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك سلاحا عليك”. ولكن من يعرف هذا اليوم؟ ومن يعي أن الكتاب لا يسوّق نفسه بالصوت العالي، بل بصمته العميق؟

وإذا أردنا إصلاحا حقيقيا في حركة التأليف والكتابة والنشر، فعلينا أن نعيد بناء الوعي قبل بناء المكتبات، وأن نعيد للمدرسة دورها، وللأسرة دورها، وللمثقف مكانته التي يستحقّها. فالكتاب لا يعيش في الفراغ، بل يعيش حيث توجد بيئة تعي قيمته. وإذا كانت القراءة اليوم قليلة، فاللوم لا يقع على القارئ وحده، ولا على الكاتب وحده، بل على الثقافة العامة التي لا تقدّم للكتاب ما يستحق من الاحتفاء، وعلى الأنظمة التعليمية والإعلامية التي لم تجعل من القراءة عادة يومية بل “رفاهية” تُذكر في المناسبات.

القراءة لا تموت، لكنها تذبل إن لم تجد من يسقيها. ولا أزال أؤمن أن في عالمنا العربي جذورًا قادرة على أن تُنبت أشجارا جديدة إذا وجدت التربة الصالحة، وأن المكتبات التي فرغت اليوم قد تمتلئ غدا إن عاد الكتاب إلى مكانه الطبيعي: في اليد، في الحقيبة، في المقعد الخلفي للسيارة، في قلب الإنسان قبل كل شيء.

“الأيام نيوز”: ما هو السؤال الذي تريدون الإجابة عنه من دون أن نطرحه عليكم؟

محمد بن عبد العزيز: لم تُقصّروا في شيء، والحق يُقال. وأسأل الله أن تكون هذه الإطلالة بابا لا يُغلق، وفرصة طيبة لفتح نوافذ جديدة بيني وبين القارئ. وربما السؤال الذي لم يُطرح – وكنت سأسعد به – هو السؤال عن جدوى الكلمة في هذا الزمن، وعن قدرتها على البقاء والتأثير. لكن حتى دون أن يُطرح، لعل هذه السطور قد أدّت بعض الجواب.

“الأيام نيوز”: هل من كلمة أخيرة؟

تحيا الجزائر، والمجد الخالد لشهدائها الأبرار. وسعيدٌ أنا بأن أُصافح وجوهكم الطيبة من خلال هذه السطور، وأن أكون ضيفا على صحيفة تحمل رائحة التاريخ وصدق الانتماء.

وأرجو منكم – ومن كل قارئ كريم – الدعاء لوالدي الذي فقدته قبل أيام، أن يغفر الله له ويرحمه، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة.. والله يجزي من دعا خيرا.

الشاعر في كلمات

محمد بن عبد العزيز العبد الغني، شاعر وكاتب قطري. أدور بين الثلاثين والأربعين. أحمل البكالوريوس والماجستير في التسويق وإدارة الأعمال. عملت في القطاع الرياضي، ثم انتقلت إلى العمل الاجتماعي، وأستقرّ اليوم في ميدان الاقتصاد. أحب كرة القدم، وأحمل شغفا قديما بالقراءة والكتابة، ورغبة صادقة في أن يكون للحرف أثرٌ يتجاوز الصفحات إلى القلوب.

أنشودة الأوراس

يا فَاتِحًا أُورَاسَكَ العَلْيَاءُ — أَحْفَادُ دِيدُوشَ الأَبِيِّ سَنَاءُ

بُولَعِيدُ بَابُكَ لِلْفِدَاءِ مُشَرَّعٌ — فِي جُرْفِ نَصْرِكَ لِلْفِدَاءِ لِوَاءُ

وَدِمَاءُ أَبْطَالِ الجَزَائِرِ دَائِمًا — لِلْعِزِّ وَالمَجْدِ الرَّفِيعِ رِوَاءُ

يَا أَنْبَلَ الثَّوْرَاتِ كُنْتِ ثَوْرَةً — لِلْحَقِّ بَلْ أَنْتِ اليَدُ العَصْمَاءُ

نَالَ الغُزَاةُ عَلَى ثَرَاكِ صَفْعَةً — فِي الوَنْشِرِيسِ تَقَهْقَرَ الأَعْدَاءُ

زِيغُودُ نَجْمٌ فِي أُغُسْطُسٍ سَاطِعٌ — عِندَ الشَّمَالِ تَرَدَّدَتْ أَصْدَاءُ

فِي سُوقِ أَهْرَاسَ العَلِيَّةِ مَوْضِعٌ — يَسْمُو التُّرَابُ وَيَسْتَحِيلُ سَمَاءُ

يَا أَرْضَ مِلْيُونِ الفَلَّاحِ تَحِيَّةً — مِنْ كَعْبَةِ المَضْيُومِ ثُمَّ دُعَاءُ

تَحْيَا الجَزَائِرُ وَالخُلُودُ لِمَنْ مَضَى — جُرْحُ الشَّهِيدِ طَهَارَةٌ وَنَقَاءُ

يَفْنَى لِنَصْرِكِ كُلُّ حُرٍّ ثَائِرٍ — إِنَّ الفَنَاءَ لِمَنْ حَمَاكِ بَقَاءُ

رابط دائم
https://elayem.news/tcnys