الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

بين التوثيق والعقاب.. من يحاسب قتلة الأطفال في مستشفيات دارفور؟

Author
ربيعة خطاب 22 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ضمن تصريح لـ”الأيام نيوز”، يؤكد الدكتور عبد الناصر سلم حامد، كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق إفريقيا في فوكس (السويد)، أن الهجمات على مستشفى “الضعين” التعليمي، بولاية شرق دارفور في السودان، تكشف عن فجوة كارثية بين توثيق الانتهاكات ومساءلة المقترفين، في ظل فشل دولي يكرّس استمرار الإفلات من العقاب، بينما تضاعف الطائرات المسيّرة من حجم المأساة، محوِّلة المدنيين والمرافق الحيوية إلى أهداف مباشرة، في حرب أضحت فيها الفوضى منهجية متعمدة.

في آخر التطورات المأساوية في السودان، شهد مستشفى الضعين التعليمي في ولاية شرق دارفور هجوما دمويا أسفر عن مقتل 64 شخصا على الأقل، بينهم 13 طفلا، وإصابة 89 آخرين، بحسب منظمة الصحة العالمية. الهجوم الذي استخدمت فيه “أسلحة ثقيلة”، وأكدت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية أنه نفذ بواسطة طائرات مسيرة، أدى إلى توقف المستشفى عن تقديم الخدمات الطبية الأساسية، فيما تجاوز عدد ضحايا الهجمات على المرافق الصحية منذ بداية الحرب في 2023، ألفي شخص، ما يعكس مأساة إنسانية مستمرة في واحدة من أسوأ الأزمات في العالم.

عبد الناصر سلم حامد

في هذا السياق، قدّم الدكتور عبد الناصر سلم حامد، قراءة تحليلية لأبعاد الهجمات الأخيرة، مسلطا الضوء على الفجوة بين توثيق الانتهاكات ومسألة مساءلة المسؤولين، حيث تتجلى الأزمة في التباين الكبير بين إثبات وقوع الجريمة وتحديد الجهة المنفذة. فبينما توثق منظمة الصحة العالمية سقوط الضحايا والأضرار، فإنها لا تعد جهة مخولة قانونيا لتعيين الفاعل، نظرا لأن عملية الإثبات في بيئة نزاع معقدة مثل السودان تتطلب سلسلة متكاملة من الأدلة التقنية والشهادات المستقلة، تشمل مسار الهجوم، ونوع الذخيرة، وتحليل استخدام الطائرات المسيّرة.

تأخر المساءلة… نتيجة أم تقصير؟

وأكد حامد أن الحذر في إعلان المسؤولية ليس مجرد تحفظ بيروقراطي، بل ضرورة مهنية وقانونية. فلتسمية جهة ما بأنها نفذت الهجوم، يجب توفر أدلة متماسكة تشمل بقايا السلاح، صور الأقمار الصناعية، شهادات مستقلة، وتحليل نمط الضربات، وربما اعتراضات اتصالات أو معطيات تقنية عن الطائرات المسيّرة. ومع تعدد الجبهات ووجود أطراف مسلحة مختلفة، يصبح تحديد المسؤولية أكثر تعقيدا، خصوصا في الساعات الأولى بعد وقوع أي هجوم.

وأشار حامد – في تصريحه – إلى أن تضارب الروايات يجعل الإعلان عن الجهة المنفذة أمرا حساسا، ففي جريمة مستشفى الضعين، اتهم الجيش قوات الدعم السريع باستهداف المستشفى، مؤكدا أن الغارة كانت موجهة إلى مركز شرطة مجاور. وفي مثل هذه الحالات، تفضل المؤسسات الدولية انتظار تراكم الأدلة قبل إصدار أي اتهام رسمي، لتجنب توظيف الاتهام سياسيا أو التشويش على أي مساءلة لاحقة.

ومع ذلك، شدد على أن الأمم المتحدة قد تصدر تقارير لاحقة أكثر وضوحا، بعد تأكيد الأدلة، مثل تقارير بعثة تقصي الحقائق الأممية التي رصدت هجمات واسعة النطاق ارتكبتها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بعضها يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويشمل ضربات جوية ومدفعية عشوائية أصابت مناطق مأهولة وأبنية مدنية، وفشل في حماية المستشفيات والطواقم الطبية.

وأضاف حامد أن الفشل الدولي لم يعد مجرد قصور، بل أصبح عاملا يسمح باستمرار الإفلات من العقاب: “الفشل الدولي قد لا يكون تواطؤا قانونيا صريحا، لكنه سياسيا وأخلاقيا يقترب من التواطؤ عندما يصبح متكررا، ومعلوم النتائج، ويؤدي عمليا إلى استمرار الجريمة نفسها”. وأوضح أن الأطراف المتحاربة تدرك أن استهداف المدنيين والمستشفيات لن يواجه سوى بيانات استنكار ضعيفة، ما يقوض الردع ويجعل الهجمات أكثر تواترا.

كما أشار إلى التحول النوعي في طبيعة الحرب نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة: “الطائرات المسيّرة تسمح بتنفيذ الضربات عن بعد بسرعة أكبر وبكلفة بشرية أقل، ما يقلل عتبة استخدام القوة ويزيد احتمالات الهجمات المتهورة، ويجعل مساءلة الجناة أكثر صعوبة”.

وأضاف: “ما يبدو ‘عشوائيا’ غالبا يخدم أهدافا سياسية وعسكرية خفية، مثل بث الذعر، دفع السكان إلى النزوح، وتقويض الثقة في السلطات المحلية”. وأكد أن الهجمات المتكررة على المستشفيات والأسواق ومخيمات النزوح ليست مجرد أخطاء عرضية، بل غالبا ما تكون جزءا من استراتيجية وظيفية لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية غير معلنة.

توثيق الهجمات وفجوة المساءلة

توثق منظمة الصحة العالمية الهجمات على المستشفيات والمرافق الطبية، لكنها لا توجه اتهامات لأي طرف، لأن مهمتها تركز على الجانب الصحي والإنساني وليس القضائي أو الجنائي. وأوضح حامد أن عملية إثبات المسؤولية في النزاعات المسلحة صعبة ومعقدة، وتتطلب أكثر من مجرد شهادات أولية، بل بيانات تقنية وتحليل مسارات الهجوم وبيانات الأقمار الصناعية.

وأكدت تقارير الأمم المتحدة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أن الهجوم الأخير على مستشفى الضعين يمثل استمرارا لنمط طويل من الانتهاكات ضد المدنيين والمرافق الصحية منذ بداية الحرب. كما أشار التقرير إلى أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات واسعة النطاق، بعضها يرقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك ضربات جوية ومدفعية عشوائية، وإخفاق في حماية المستشفيات والطواقم الطبية.

ويبرز من خلال ذلك أن الفشل الدولي لم يعد مجرد تقصير عابر، بل أصبح جزءا من البيئة التي تسمح للجناة بالاستمرار: إذا كان الرد مقتصرا على البيانات الاستنكارية، دون فرض كلفة فعلية، فإن الإفلات من العقاب يتحول إلى عنصر منهجي في استمرار الانتهاكات.

حول ما إذا كان استهداف المدنيين والمستشفيات مجرد فوضى أم استراتيجية، شدد حامد على أن الأمر مزيج من الاثنين: “هناك بلا شك عنصر فوضى كبير بسبب تعدد الفاعلين وتغير خطوط السيطرة وضعف الانضباط، لكن تكرار إصابة المدنيين والمستشفيات لا يمكن تفسيره كأخطاء عرضية فقط.”

وختم بالقول، إن الهجمات على المستشفيات والمرافق المدنية قد تخدم أهدافا غير عسكرية مباشرة، مثل إنهاك البيئة الاجتماعية للخصم، وحرمان السكان من العلاج، وبث الذعر، ودفع الناس إلى النزوح، وتقويض الثقة في السلطة المحلية. كما أن استخدام الطائرات المسيّرة يعزز هذه المخاطر، إذ يسمح باستهداف المناطق المدنية بدقة نسبية أو ضمن نطاق واسع مع درجة عالية من الإنكار والغموض، ما يجعل مساءلة الجناة أكثر صعوبة.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023، حربا بين الجيش و”الدعم السريع”، خلّفت عشرات آلاف القتلى وأدت إلى نزوح نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة، فيما يعكس التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة تصعيدا بالغ الخطورة، يؤشر إلى انتقال الحرب إلى مستوى أكثر دموية وتعقيدا.

رابط دائم
https://elayem.news/txtg7