الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

جثامين خلف القضبان.. قبر مؤجّل وأسير مَنسي

Author
خالد عز الدين 18 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

في فلسطين، لا تنتهي المعاناة بالموت، فـ708 جثامين لشهداء، بينهم أطفال ونساء وأسرى، ما تزال محتجزة لدى الاحتلال، بعضها منذ عقود، في مقابر الأرقام أو ثلاجات الموت، في واحدة من أبشع صور التنكيل التي تطال الأحياء والأموات على حد سواء.

في السجون، يُسحق أكثر من 10 آلاف أسير، بينهم 440 طفلًا و49 امرأة و700 مريض. يُضاف إليهم نحو 3600 معتقل من غزة مخفيين قسرًا، إلى جانب 8500 مفقود في ظروف غامضة. التعذيب، التجويع، الإهمال الطبي، والعزل الجماعي، تحوّلت إلى أدوات إبادة بطيئة، كما تؤكده شهادات حقوقيين وأهالي الأسرى، وأبرزها وفاة الأسير المحرر محمد الغوشي نتيجة الإهمال.

الاحتلال لا يكتفي بالاعتقال، بل يستخدم المعتقلين كدروع بشرية، ويغتال الأسرى المحررين كما حدث مع رايق بشارات، ويمنع زيارات الصليب الأحمر. حتى محاولات كسر الحصار تُقابل بالقرصنة، كما حدث مع سفينة “مادلين”.

في خضم هذا الظلام، يتواصل الأمل من خلال صوت الأسرى ورسائلهم. وفي هذا السياق، تواصل “الأيام نيوز” نشر ملف “صوت الأسير” الذي يُعده الإعلامي والأسير المحرر خالد عزالدين بالتنسيق مع نادي الأسير الفلسطيني، ليحمل للعالم صرخات من خلف القضبان، ورسائل شكر إلى الجزائر شعبًا وإعلامًا، لمواقفها الثابتة، ولدورها في كسر الصمت العربي.

“حتى القبور ليست ملاذًا آمنًا في فلسطين”، تقول أم شهيد محروم من الدفن. وفيما تُقنَّن الإبادة إعلاميًا، تبقى الكلمة الحرة، والوفاء لقضية الأسرى، فعل مقاومة لا يسقط بالتقادم.

رسالة الأسرى… كونوا معنا دوما

نثمن نحن الأسرى القابعين في سجون الاحتلال الصهيوني الغاشم، مواقف الشعب الجزائري الشقيق، والجهود الإعلامية النبيلة التي تُبذل دعمًا لقضيتنا الفلسطينية العادلة، وعلى وجه الخصوص قضية الأسرى الذين يعانون الويلات داخل زنازين الاحتلال، ويلاقون شتى صنوف المعاناة والألم خلف أسوار باردة لا ترحم.

في هذا الظرف العصيب، نحن بأمسّ الحاجة إلى الدعم والمساندة لمواصلة الصمود والثبات في وجه اعتداءات الاحتلال وإجراءاته الظالمة وقوانينه التعسفية، التي تهدف إلى إضعاف عزيمتنا وكسر إرادتنا وثنينا عن الدفاع عن أرضنا وحقوقنا المشروعة.

نتوجه نحن الأسرى من داخل قلاع الأسر الإسرائيلية بالشكر والتقدير لكافة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، على تغطيتها المتواصلة لقضيتنا، ونخص بالشكر الإعلام الجزائري الأصيل، بلد المليون ونصف المليون شهيد، بجميع مكوناته، ونخص بالشكر والامتنان الصحف التي تُولي قضايانا في سجون الاحتلال الأولوية والاهتمام اليومي.

نُعبر عن تقديرنا العميق، ومن خلف أسوار السجون النازية، لهذا الاهتمام الدائم والمساندة المستمرة لشعبنا الفلسطيني وتضحياته، خاصة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث تحوّلت السجون إلى مسالخ ومذابح تُمارَس فيها أبشع أشكال التعذيب والقتل المتعمّد بحق الأسرى.

وقد أفردت الصحافة الجزائرية، وعلى رأسها جريدة “الأيام نيوز”، مساحات واسعة من صفحاتها تحت عنوان “صوت الأسير” لنقل صوتنا إلى العالم، إلى جانب تغطيتها اليومية لأخبارنا، ساعةً بساعة. نؤكد نحن الأسرى على ضرورة أن تحذو كافة وسائل الإعلام العربية حذو الإعلام الجزائري، بلد العزة والكرامة، وأن تضع قضية الأسرى الفلسطينيين على أجندتها الإعلامية، في ظل الهجمة الشرسة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم عشرات النساء ومئات الأطفال وكبار السن والمرضى، الذين يرفض الاحتلال الإفراج المبكر عنهم رغم تدهور أوضاعهم الصحية وانتهاء محكومياتهم. ويواصل الاحتلال حملة انتهاكاته اليومية بحقنا، من اقتحامات متكررة للسجون، وعمليات نقل تعسفي داخل المعتقلات، إلى استمرار سياسة العزل الانفرادي، وحرماننا من الزيارات، خاصة أسرى قطاع غزة، الذين أصدر الكنيست مؤخرًا قرارًا بحرمانهم من الزيارات العائلية وزيارات ممثلي الصليب الأحمر. وإننا، من داخل سجون الاحتلال، نهيب بكم أن تواصلوا الوقوف معنا ومساندتنا حتى ننال حريتنا ونكسر قيد السجان. ونحن على يقين راسخ بأن ذلك اليوم قادم لا محالة… فلن يطول ليل الظلم حتى يُشرق فجر الحرية. معًا على طريق الحرية والنصر.

الأسرى من داخل سجون الاحتلال

بقلم: خالد عز الدين

قلمٌ للوطن وموقف لا يلين.. هذا مبدؤنا وهذه رسالتنا

إن ما نقوم به من جهد في سبيل قضية الأسرى هو محاولة جادّة لإبقاء هذه القضية حيّة في الأذهان، والتشديد على تناولها في كل حين، وحمايتها من فيروس “الاعتياد”، لا سيّما لدى جاليتنا في الشتات وعند المواطن العربي عامة.

أما جهدنا من أجل شهدائنا، فهو عربون عرفان لدمائهم الطاهرة التي قدّمت الحق على الحياة، وأرخصت كل نفيس من أجل الوطن. وهذا العرفان يستدعي منّا وفاءً حقيقيًا، يتمثل في الحفاظ على جذوة الحق مشتعلة في النفوس، تلك التي أنارت سبيل الشهداء والمقاومين، وفي استدعاء النفوس الحرّة لمواصلة المسار الحقّ.

وإن هذا العمل الذي نقوم به لا نبتغي منه سوى الأجر من الله وحده، ولذلك نبذل في سبيله ما نستطيع، بل أكثر، من جهد وإخلاص، من أجل إخواننا الأسرى الذين شاركناهم العذابات ونعرفها، لأننا كنّا منهم، ومعهم، ومن أجل سادتنا الشهداء الذين سبقونا بعطائهم العظيم.

ولهذا أكتب هذه الكلمات لأوصل صوتي إلى من لم يدرك بعد جوهر مشاركتنا هذا الجهد، الذي نراه في المقام الأول جهدًا من أجل الوطن، أو لعلّه قد سها عن ذلك.

ولأنني شعرت بألم عميق حين بلغني العتب من بعض إخوتنا الذين شاركونا هذا النهج، بسبب عدم وصول بعض ملاحقنا إليهم أو عدم نشر مساهماتهم؛ فإنني لم أجد لهذا العتب مدعاة، ونحن في هذا الخندق الواحد.

وأود التذكير مرة أخرى بأن ما نقوم به من كتابة ونشر وتوزيع، هو عمل خالص لوجه الوطن، وإن كنا قد اعتدنا إرسال بعض الأعمال لأحبّتنا الذين شاركونا بنبضهم الصادق، فهذا لم يكن من باب الواجب، بل من باب الهبة، ودرجة الإحسان، لقاء جهدهم الذي نثمنه ونقدّره ونفرح به، فـ”ما جزاء الإحسان إلا الإحسان”.

ولذا نأمل من إخوتنا الذين يكتبون من أجل الوطن أن يُعلوا عن الصغائر، وأن يلتمسوا العذر لإخوانهم إذا حالت الظروف دون إيصال المخطوط لكل من ساهم فيه، فالأصل أن يصل أولًا إلى من يجب أن يقرأه، وهذا هو جوهر النشر والتوزيع وغايتنا منه.

خالص تقديري واحترامي لكل أصحاب الكتابات الحرة والمناضلة، ولكل من شاركنا يومًا بنصّ.

 بقلم الأسير المحرر- أسامة الأشقر

الجزائر بوصلتنا الأولى وثورتها قدوة لنا

لطالما نظرنا باحترام وتبجيل وتقدير لشعبٍ أحبّنا وأحببناه، ولأرضٍ عشقنا ترابها كما لو أنه تراب فلسطين التي رُخّصت دماؤنا وأعمارنا لأجلها. كانت الجزائر بوصلتنا الأولى عندما كانت ثورتها قدوةً لنا، فكانت حلقات التثقيف الداخلية للأسرى الفلسطينيين أول ما تبدأ به هو دراسة التجربة الجزائرية في المقاومة والثورة على الاحتلال.

لطالما أطلقنا عليها ثورة الشهداء الأولى في التاريخ المعاصر. فالجزائر الحبيبة، التي استقبلت ثورتنا مرحّبة بها مباشرة بعد انتصارها، قد وضعت بصماتها ناصعةً في قلوبنا، ولم تخِب في يوم من الأيام ظنّنا بها، فكانت – برغم المنعطفات الحادة التي مرّت بها عبر هذه السنوات – تحافظ على ثباتها الذي لم يتغيّر، وهو وقوفها بجانب شعب فلسطين.

نكتب بشعورنا الصادق اتجاه هذا الوطن الحبيب، الذي يغمرنا حبًا وعطفًا، وكان ولا زال محطّ أفئدتنا. فكنتم دومًا الأهل والسند، وكانت وقفاتكم لها الأثر البالغ في التخفيف من جراحنا، وحبّكم الذي نشعر به صادقًا يأسرنا بحبّ هذا البلد الذي نتمنى تقبيل ترابه الذي خُضّب بدماء الطهارة والشهادة والكرامة.

فمِن أسرى فلسطين، للجزائر مليون قبلة وتحية نطبعها على جبين كلّ أمّ شهيد، وتراب شهيد، وقبر شهيد، دفع عمره فداءً لتحرير هذا الجزء العزيز من الأرض الطاهرة التي نحبّ ونقدّس.

للجزائر، التي غمرتنا حبًا، نبادلها الحب أضعافًا مضاعفة.

بقلم: هند شريدة

المُناداة بالعدل وأخلاق المناضل.. الحركة الأسيرة تشحذ همم الأجيال القادمة نحو الحُريّة (الأسيرالشّهيد وليد دقّة نموذجاً)

لأن المظلوميات الواقعة على شعوب المشرق العربي والمتأتية بفعل الاستعمار لا تُحصى، تزيد من ثقلها جرائم السلطة القائمة بالاحتلال وشركائها المتواطئين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية الحاصلة في عموم فلسطين، وبالأخص في القطاع؛ يُؤمَّم الحزن في المنطقة، ويبقى يئنّ مُنبثقاً من الرقعة المتموضعة في الجنوب الغربي بمحاذاة المتوسّط، التي سمّاها الكنعانيون (هزاتي)، والفراعنة (غزاتو)، واليونانيّون (عزاتي)، والفلسطينيّون (غزة).

قد يحصل أن يُولِّد الظلم المتواصل والواقع على الشّعوب المُستعمَرَة عموماً، وعلى الفلسطينيين خاصة، حالةً من الحقد والانتقام اللّذين يدفعان الإنسان حصرياً للانخراط في القضاء على الآخر وحسب. والخطير هُنا، أن يصبح الانتقام محرّكاً بحتاً للتصرّف، وهو الغاية والوسيلة معاً، وبالتالي يخرج عن منطق النّضال الهادف للتّحرر، ويغدو بعيداً كل البعد عن مبدأ إحقاق العدالة. وهو بالضبط ما نراه جليّاً في ممارسات قوّات الاحتلال الصّهيوني الوحشيّة، وهي تقتل كل ما هو فلسطينيّ على أساس الهويّة. فما يحرّكها فقط: الانتقام، الانتقام فقط. وقد يحصل أيضاً، جراء الهيمنة الاستعمارية، أن تُشيع المنظومة الصّهيونية، باستيطانها الإحلالي وتطبيقها نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، نماذج تعذيب وتخويف للسّكان الأصليين، قد تُولّد لدى البعض، وفي ظلّ عَدَميّة تحقيق أهداف سياسية قريبة المنال، حالةً من الاستسلام والخنوع واستدخال الهزيمة، وهذا وارد عند قلّة أيضاً. لكنّ، يبقى الغالب دوماً، والمنطلق الأساسي للنّضال الفلسطينيّ، هو عدالة ونبل القضيّة الفلسطينيّة التي ما زالت تُحرّك أفئدة الشّعوب والأجيال المتعاقبة، سيّما الحركة الأسيرة، وما تمثّله في فلسطين من حالة ثورية ونهج مقاومة مستدام ومشتبك من مسافة صفر مع السجّان، حيث ما فَتِئت الحركة تُنادي بالحريّة، مطالبةً بحقّ الشعب الفلسطيني في الاستقلال وفي تقرير المصير.

بالرغم من القهر الواقع في بلداننا العربيّة، والخذلان جرّاء تآكل المدّ القومي العروبيّ الماضي بهيبتِهِ مقابل تغليظ “السيادة الزّائفة” للدولة القُطْريّة، واستهداف دول المحور المقاوم مقابل ازدياد موجة التّطبيع العربي وزحف “الصهيونية الإسلامية” في الخليج؛ يبقى النّضال من أجل التحرير هو الهدف المرجوّ والقائم الذي يسعى له الفلسطينيّ أينما كان، متحلّياً بأخلاق المناضل الحقيقي التوّاق للحرية.

صادَفَ السابع من نيسان/ أبريل 2025 الذّكرى الأولى لاستشهاد الأسير وليد دقّة، من قرية باقة الغربية في الدّاخل الفلسطيني 1948، عن عمر يناهز 62 عاماً، إذ لم يزل جثمانه مُحتجزاً في معهد أبو كبير للطب الشرعي، بالرغم من انتهاء محكوميّته المتجدّدة والبالغة 39 عاماً، حيث يرفض قضاء “الحاكم والجلاد معاً”، والمتمثّل بمحكمة العدل العليا، وبالإجماع، التماساً يطالب الحكومة بالإفراج عن جثمان وليد دقّة، بل قرّر ما يُعرف بالمجلس الوزاري الأمني المصغّر (الكابينت) – وبتعليمات من إيتمار بن غفير ويوآف غالانت – الاحتفاظَ بجثمانه واستخدامه كورقة ضغطٍ في المفاوضات مع حركة (حماس)، من أجل إعادة الأسرى الإسرائيليّين من القطاع.

كان ممكناً جداً أن يحظى وليد دقّة بقبلة وداعٍ من زوجته المناضلة ورفيقة دربه (سناء سلامة) أو حضنٍ وسْع الكَوْن من ابنته (ميلاد)، لو كان قد تحرّر قبل سنتين من الآن؛ لكنّ حُكْمَ الاحتلال الجائر ودوافعه الانتقاميّة الخالصة، زادت من محكوميّته الفعليّة سنتين، حيث كانت تبلغ 37 عاماً، لتصبح 39 عاماً. كان من الممكن أن يقضي وليد هاتين السّنتين خارج السجن، يستدفِئ فيهما بكنف أسرته، ووالدته (فريدة) التي ظلّت تنتظره حتى بعد رحيله، أملاً في عناق الجثمان، إلا أنْ رَحَلَت هي الأخرى بعد ثلاثة شهور من انتقاله إلى السماء.

ومع كلّ هذا الغلّ والانتقام الخالِصَيْن والمُشبَعَيْن في عقليّة الدولة التي تدّعي الديمقراطية، نعود لنستذكر ذهن وليد المتحرّر وأخلاقه النّضالية وأثره الفاعل والنّهضويّ في مسيرة الحركة الأسيرة ككل، بِدءاً من مواقفه الصّلبة، مروراً بحسّه الفني الذي حرّض على صناعة عُوْدٍ في السّجن (وليد دقَّة: “دِقْ قَوِّي الدَّقّ وَعِّيْ كلّ البشر”، عبد الرحيم الشيخ، 8 أيار 2020، مجلة الآداب) إلى تِركَتِهِ الأدبية، من كُتُبٍ ونصوص حرّرها قبله، كـ (صهْر الوعي) إلى (الزّمن الموازي)، والقصص التي كانت تستهدف الأطفال والنّاشئة، مثل: (حكاية سر الزّيت)، و(سرّ السّيف)، و(سرّ الطّيف). نستذكر أيضاً ما خطّه دقّة في إحدى رسائله (رسالة وليد إلى عزمي بشارة في 2010)، قائلاً: “أنا لستُ مناضلاً أو سياسيًا مع سبق الإصرار والترصّد، بل أنا ببساطة كنت من الممكن أن أكمل حياتي كدهّان أو عامل محطّة وقود كما فعلت حتى لحظة اعتقالي. وكان من الممكن أن أتزوج زواجًا مبكرًا من إحدى قريباتي كما يفعل الكثيرون، وأن تُنجِب لي سبعة أو عشرة أطفال، وأن أشتري سيّارة شحن وأن أفهم بتجارة السيّارات وأسعار العملات الصّعبة. كلّ هذا كان ممكنًا، إلى أن شاهدتُ ما شاهدتُ من فظائع حرب لبنان وما أعقبها من مذابح صبرا وشاتيلا، خَلَقَت في نفسي ذهولاً وصدمة”.

مثلما أشعلتْ فظائع حرب لبنان وما أعقبها من مذابح صبرا وشاتيلا نفس الأسير الشهيد وليد دقّة، وشَحَذَت همّته النّضالية للتّقديم والعطاء على مذبح الوطن. هكذا، ستُشعل الفظائع والشّرور التي شَرَعَ ويَشرَعُ الاحتلال “الإسرائيلي” وشركاؤه هَنْدَسَتها في المنطقة نُفوس الأجيال القادمة، تماماً مثلما أشعلت النّكبة والنّكسة والانتفاضَتَيْن الأجيال المتعاقبة، التي عايَنَتْ الظّلم، فاختارتْ أن تمضي قدماً نحو إحقاق العدالة والتّحرر.

في إحدى رسائل وليد إلى المشرفة على رسالته للماجستير، أفصح فيها، مشاركًا إيّاها ما كان يجول في خاطره من مشاعر إنسانية، قائلاً:

“كنتُ سعيدًا جدًّا، بل متحمسًا لرؤية جلعاد شاليط (الجندي الإسرائيلي الفرنسي الذي أسرته حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وأُطلق سراحه مقابل تحرير 1027 أسيرًا فلسطينيًّا عام 2011) يُفرج عنه، عائدًا إلى عائلته وحياته. لأنّ من حُرِم من حريته، يدرك في عمق روحه أن الحريّة لا جنسية لها ولا لون بشرة، ومن لا يستوعب هذا، لا يفقه جوهر الحريّة. عندما ظهر الجنديّ على شاشة التلفاز، نحيفًا، خجولًا، مرتبكًا، كدت أصرخ: ياه.. كم نحن بائسون وأغبياء! ناقشت مشاعري مع الأسرى، فوجدت أنّني لست الوحيد الذي انتابته هذه الأحاسيس”.

رفض وليد دقّة أن تدنّس مشاعر الكراهية روحه، ولم يسمح للعنصرية القبيحة -التي ينتهجها الاحتلال- بأن تتسلل إليه. بل أخذته إنسانيته وتوقه العميق للحرية بتجرّد، ليفرح لفرح آخر نال حريته، حتى لو كان هذا الآخر عدوّه: جنديًّا إسرائيليًّا، أُشترط لإطلاق سراحه، الإفراج عن عدد من أفراد الحركة الأسيرة التي ينتمي إليها وليد بكل جوارحه.

لقد عكس وليد، ورفاقه من الأسرى الذين شاركوه هذه المكنونات، سموّ أرواحهم ونُبل أخلاقهم النضالية، التي تثمّن الحريّة باعتبارها هاجس الأسير وملازمته الأبدية في السجن.

تأخذنا كلمات وليد لمُشرفته إلى أخلاق الحركة الأسيرة عمومًا، التي كانت واعية دائمًا لفخّ خطاب الكراهية والعنصرية. وقد عبّر عن هذا أيضًا الأسير المحرّر نائل البرغوثي (عميد الأسرى الذي أمضى 45 عامًا في سجون الاحتلال)، حين صرّح في مقابلة تلفزيونية (الجزيرة، 27-2-2025) بعد تحرره:

“إن أحد أهداف الشعب الفلسطيني ليس فقط تحرير فلسطين، بل تحرير اليهود أنفسهم من الغطرسة الصهيونية، ومن الحقد والعنصرية والكراهية التي زرعتها فيهم تلك العنصرية… في داخل كل من يسكن فلسطين”.

عاصر وليد، في سجنه، قضايا ومراحل ذهبت إلى غياهب النسيان، فكتب: “أنا خلف القضبان منذ ما قبل انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وسقوط سور برلين، وحروب الخليج الثلاث. قبل مدريد وأوسلو، وقبل اندلاع الانتفاضتين. عمرنا في الزمن الموازي عمر هذه الثورة، بل قبل انطلاقة بعض فصائلها. نحن هنا قبل الفضائيات، وقبل ثقافة الهامبرغر، وقبل اختراع الهاتف النقّال وانتشار الإنترنت”.

وبرغم كل ما تراكم من مفاصل تاريخية في حياة مناضل مثل وليد، إلا أنه يواصل رسالته معلنًا إنسانيته: “إن التوقف عن الشعور بأحزان الناس، أي ناس، وإن تبلّدت المشاعر أمام مشاهد الفظائع، أي فظائع، كان هاجسي اليومي، ومقياسي لمدى صمودي وصلابتي. إنّ الإحساس بالناس، وبألم البشرية، هو جوهر الحضارة. جوهر الإنسان العقلي هو الإرادة، وجوهره الجسدي هو العمل، وجوهره الروحي هو الإحساس. وهذا الإحساس هو المستهدف تحديدًا في حياة السجين على مدار الساعات والأيام والسنين. أنت لا تُستهدف أولًا ككائن سياسي، ولا ككائن ديني، ولا حتى ككائن استهلاكي تُحرم من ملذات الحياة المادية. قد تتبنى أي قناعة سياسية، وتمارس شعائرك الدينية… لكن المستهدف بالدرجة الأولى هو الكائن الاجتماعي، الإنسان فيك”. المستهدف هو أيّ علاقة خارج الذات، أيّ علاقة يمكن أن تقيمها مع البشر والطبيعة، بما في ذلك حتى علاقتك بالسجّان كإنسان. إنهم يفعلون كلّ شيء ليدفعونا إلى كراهيتهم. المستهدف هو الحب، وذوقك الجمالي والإنساني… لا أُحسن الكراهية، ولا الخشونة والفجاجة التي تفرضها حياة السجن. سأظلّ هذا الإنسان الممسك بحبّه، القابض عليه كما لو كان جمرة، صامدًا بهذا الحب، الحب هو نصري المتواضع والوحيد على سجّاني.

في حياة زاخرة بالحب، حافلة بالمقاومة والعطاء، لم تتحقّق العدالة لوليد دقّة، فاستشهد جرّاء سياسة الإهمال الطبّي التي انتهجها العدوّ بحقه، وهو يصارع نوعًا نادرًا من سرطان النخاع العظمي.

والجدير ذكره حقًا، وضمن مصفوفة التضحية والوفاء في كنف الحركة الأسيرة، أن أقدم رفيقه الأسير المحرّر زكريا الزبيدي، من قادة حركة التحرير الوطني (فتح)، وكان أسيرًا حينها، على تقديم طلب مستعجل إلى إدارة سجون الاحتلال، قاصدًا التبرّع بنخاعه العظمي لوليد دقّة. الأمر الذي أدخل الاحتلال في صدمة من مباشرة الرسالة ومعاني الفداء التي تجسّدها الحركة الأسيرة في إسنادها الجمعي ومؤازرتها لبعضها البعض، فما كان من الاحتلال إلا أن قابل الطلب برمّته بالإقصاء والرّفض السريع.

في كلّ مرّة كان يحاول فيها وليد ورفاقه الانطلاق خارج الزمن الموازي، كان الاحتلال يقف لهم بالمرصاد بالعقوبات والإجراءات التعسفية. ففي ظلّ محدودية الموارد وشحّها المقصود، وسلب الأسير حريّته الشخصية والمكانية، وفي حيّز مجبولٍ ببُغض وحقد السجّان، كانت إدارة السجن تعاقبه بالعزل الانفرادي كلّما حرّر كتابًا أو رسالة من السّجن.

حتى في زواجه من رفيقة دربه (سناء)، وانتزاعهما حفل زفاف فريد من نوعه داخل الأسر عام 1999، والقصص المتناقلة للحدث السعيد عبر الأسرى الذين حضروا آنذاك؛ عوقب وليد وسناء بقرار قضائي، وحُرما من الإنجاب الطبيعي والذرية التي يرغبان بها. فذهب وليد إلى صناعة الحياة وسط كلّ التعسّف المفروض، من خلال تحرير نطفة، أثمرت ابنته: ميلاد وليد دقّة، والتي، كما يقول، بتأنّسها أصبح لاسمه معنى.

حتى بعد ميلاد ميلاد، كانت فكرة اقتناء حلم مادي من لَدُنِ الاستحالة، مولود من لحم ودم، يتذوّق ويتنفّس، يضحك ويبكي، مجبولًا بالتحدّي والحب، كافيةً لأن تُغضب السجّان، وتزجّ بوليد في العزل مجددًا، لجرأته على التفكير في الأمر وتحقيقه. لم يقتصر العقاب على وليد وحده، وإنما شمل سناء وميلاد أيضًا، فحُرِمتا من الزيارة، تمامًا كما حُرمت زوجات أسرى أخريات ممن حرّرن نُطفًا مهرّبة، واقتنصن فُرَصًا ممنوعة لانتزاع مخيالٍ مستقبلي، على اعتبار ما سيكون، وتحرير بعضٍ من أزواجهنّ وأمانيهنّ في هيئة طفل/ة. خاضت سناء وأخريات معركة إثبات النسب، من خلال إجراء فحص الحمض النووي (DNA)، كخطوة اضطرارية لمواجهة السجّان، ونيل حظوة الزيارة، وتسجيل ابنتهما ميلاد في السجل المدني، ومقاهرة السجّان. “خاوى يعني”. والخاوى هذه مهمّة في معادلات السجن والسجّان. كأن تواجه منظومة الاحتلال برمّتها وتقول: “نحن خُلِقنا للفرح، وسنواصل الحياة ما استطعنا إليه سبيلًا.. رغماً عنك”.

رحل وليد دقّة وحيدًا في مستشفى “أساف هاروفيه” في الرملة، بعد 38 عامًا و14 يومًا، رغم انتهاء محكوميّته الفعلية (37 عامًا) منذ 24 آذار/مارس 2023. ولم تكتفِ قوات الاحتلال بذلك، بل هجمت مدمّرة خيمة العزاء التي نصبتها العائلة أمام بيته، واعتقلت عددًا من أفراد أسرته بعد أن اعتدت عليهم بالضرب. كما قنّنت احتجاز جثمانه حتى انقضاء محكوميّته الإضافية، ممعنةً في جريمتها حتى الآن، أي بعد انتهاء السنتين العقابيتين في 24 آذار/مارس 2025، دون وجه حق، وإنما لممارسة انتقام علني… بالطول والعرض، وربط احتجاز الجثمان بمقايضة سياسية محضة.

تقول سناء: “أنت تسكن أحلامي يا وليد. لا أتذكّر من تفاصيل الحلم الأخير إلا جملة واحدة قلتها، وكنا نتناقش أنا وأنت عن غزّة، أتذكر فقط أنك قلت: هؤلاء رجال الله”. ويثير فضولي الآن معرفة الحوار الذي ربما دار بينك وبين رفيق أسرك السابق، عندما عدتما والتقيتما هناك في ثلاجة الموت في “أبو كبير”. لا بدّ أنه كان حوار السماء حول الخير والعدل والإنسانية، في مواجهة الشرّ المطلق لأعداء الإنسانية.

تبقى ثلاثيّة وليد وسناء وميلاد قائمة في أذهاننا، وفي وجدان الحركة الأسيرة. لأنّ الفرح، كما الحزن تمامًا، يُؤمَّم بين الناس، ويشحذ همم المناضلين والمناضلات لغدٍ يسوده الحقّ، والعدل، والتوّاق نحو الحرية.

سجون الموت والإذلال… أيار الأسود يكشف فظائع الاحتلال بحق الأسرى

في استمرار لجريمة الإبادة المتواصلة بحقّ الشعب الفلسطيني، تحوّلت السجون والمعسكرات الصهيونية إلى ساحات تعذيب وتجويع وتصفية جسدية ونفسية للأسرى والمعتقلين، فيما تكشف معطيات أيار/ مايو 2025 عن تصعيد غير مسبوق في سياسات الاعتقال والتنكيل، خاصة في الضفة الغربية والقدس. فبين الأطفال والنساء، والمحررين والمطاردين، تتسع دائرة القمع وتشتدّ حلقاته، وسط صمت دولي وتواطؤ مؤسساتي، بينما تمضي “إسرائيل” في ارتكاب جرائمها بحقّ الإنسان الفلسطيني الحيّ، كما الشهيد.

قالت مؤسسات الأسرى (هيئة شؤون الأسرى والمحررين، نادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان)، إنّ (488) حالة اعتقال سُجلت في الضفة بما فيها القدس خلال أيار/ مايو 2025، بينهم (39) طفلًا و(23) امرأة، ليرتفع عدد حالات الاعتقال في الضفة منذ بدء حرب الإبادة إلى نحو (17,500)، من بينهم (545) امرأة ونحو (1400) طفل. وتُشير المعطيات إلى أنّ هذه الإحصاءات لا تشمل آلاف المعتقلين من غزة.

أكدت المؤسسات أن هذه الحملة تتزامن مع حرب الإبادة الجارية في غزة، والتصعيد غير المسبوق في اعتداءات المستوطنين، خاصة في القرى والبلدات التي تشهد مواجهات متكررة. وقد رافقت الاعتقالات عمليات إعدام ميداني، وهدم لعشرات المنازل، خصوصًا في جنين وطولكرم، حيث يُسجل العدوان الأوسع منذ انتفاضة الأقصى.

استمرت قوات الاحتلال في تنفيذ تحقيقات ميدانية اقترنت باعتداءات وحشية وتنكيل، خاصة بحق عائلات المطاردين، واستخدمت النساء من ذويهم كرهائن، دون استثناء الأطفال.

وخلال أيار، تصاعدت حملة استهداف الأسرى المحررين الذين أُفرج عنهم ضمن الصفقة الأخيرة، حيث تم اعتقال واستدعاء العشرات، وتحويل بعضهم إلى الاعتقال الإداري، أبرزهم وائل جاغوب، المعتقل لـ(23) عامًا والمفرج عنه في يناير، وأُعيد اعتقاله إداريًا لـ6 أشهر. كما صعد الاحتلال من سياسة سرقة الممتلكات، وخصوصًا السيارات، تحت مسمى “المصادرة”، وبدأ في فرض هذه السياسة كنهج ممنهج ضد الأسرى المحررين.

وفي سياق موازٍ، تواصل سلطات الاحتلال إصدار مئات أوامر الاعتقال الإداري بحق الأسرى، بمن فيهم نساء وأطفال، بذريعة “ملفات سرية”، ليصل عدد المعتقلين الإداريين حتى اليوم إلى (3562)، وهو رقم يعكس التحول الأخطر في واقع الحركة الأسيرة منذ بدء الإبادة.

وسلط التقرير الضوء على اعتقال سناء سلامة (دقة)، زوجة الشهيد المفكر وليد دقة، في 29 أيار بالقدس، عقب تحريض مباشر من الوزير الفاشي “بن غفير”، الذي دعا إلى تهجيرها وسحب جنسيتها. واعتبر التقرير اعتقالها حلقة في مسلسل الانتقام السياسي بحق عائلات الشهداء والأسرى، وخاصة عائلة الشهيد دقة، الذي تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه حتى اللحظة.

أما داخل السجون، فتمضي جرائم الاحتلال بوتيرة متصاعدة: تعذيب، تجويع، حرمان طبي، وعزل جماعي غير مسبوق، في ظل ظروف كارثية ترقى إلى جرائم إبادة. وقد بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء الإبادة (71)، من بينهم 5 شهداء أعلن عنهم خلال أيار: محي الدين النجم (جنين)، وأيمن قديح، وبلال سلامة، ومحمد الأسطل، وحاتم عودة (جميعهم من غزة). يُذكر أنّ استشهاد معظمهم وقع قبل أيار، لكن الإعلان تم لاحقًا بعد التحقق من شهادات أسرى مفرج عنهم، حيث تبين أن الوفاة جاءت تحت التعذيب أو بسبب الجوع، أو نتيجة جرائم طبية واعتداءات جنسية.

وقد تمكنت المؤسسات من زيارة عشرات الأسرى والمعتقلين في السجون والمعسكرات، حيث أكدوا استمرار تفشي الأمراض، خاصة مرض “الجرب”، مع غياب العلاج، إضافة إلى توثيق اقتحامات وقمع متكرر بالسلاح والكلاب البوليسية، ومنع الأسرى من الخروج إلى “الفورة” التي تحولت لأداة إذلال.

شملت الزيارات معتقلي غزة في قسم “ركيفت” تحت الأرض في سجن “نيتسان-الرملة”، الذي أُعيد فتحه عقب الإبادة، ويُحتجز فيه من تُسميهم سلطات الاحتلال “أسرى النخبة”، وسط ظروف شديدة القسوة ورقابة لا مثيل لها، ما دفع غالبية المعتقلين إلى الحديث بصعوبة خوفًا على حياتهم.

كما وثّق التقرير تصعيدًا خطيرًا في استهداف قيادات الحركة الأسيرة، المعزولين في زنازين ريمون ومجدو، والذين يتعرضون لعمليات تنكيل ممنهجة بالضرب والكلاب البوليسية المزوّدة بخوذ معدنية، ما أدى إلى إصابات خطيرة في صفوفهم.

النساء والأطفال لم يكونوا خارج دائرة الاستهداف؛ إذ تحدثت الإفادات القانونية عن تعرّضهم للتجويع والتفتيش العاري والقمع المتكرر. يُذكر أن الاحتلال يحتجز الأطفال في سجني “عوفر” و”مجدو”، والأسيرات في “الدامون”.

وعلى صعيد الأسرى المحررين، فإنّ الأغلبية يعانون من أمراض جسدية ونفسية، وقد خضع عدد منهم لعمليات جراحية بعد الإفراج، وبعضهم شُخّص بإصابات خطيرة كالسّرطان والفشل الكلوي، ومنهم الأسير السابق محمد الغوشي من بيت لحم.

● تحديث إحصائي حتى بداية حزيران/ يونيو 2025:

عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال: أكثر من 10,400

لا يشمل هذا الرقم المعتقلين المحتجزين في معسكرات جيش الاحتلال الإسرائيلي.

“تضامن” تُوثق الجريمة.. 10 آلاف أسير و8 آلاف مفقود في سجون ومعسكرات “إسرائيل”

أصدرت المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن بيانَ حقائق محدثًا وشاملًا، يكشف بالأرقام والمعطيات الدقيقة حجم الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال “الإسرائيلي” حتى تاريخ 8 يونيو 2025، استنادًا إلى بيانات موثقة صادرة عن مؤسسات رسمية وحقوقية فلسطينية ودولية.

ووفقًا للبيان، بلغ إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال 10,400 أسير، دون احتساب آلاف المعتقلين من قطاع غزة المحتجزين في معسكرات سرية ضمن سياسة الإخفاء القسري. كما تم تسجيل أكثر من 17,000 حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس منذ 7 أكتوبر 2023. وبيّن البيان وجود 3,562 معتقلًا إداريًا، بينهم 40 طفلًا و5 أسرى محررين أُعيد اعتقالهم بعد صفقة التبادل، إلى جانب 1,447 أسيرًا محكومًا و3,174 موقوفًا بانتظار المحاكمة.

كما أشار إلى وجود 2,214 معتقلًا من غزة صُنّفوا كمقاتلين غير شرعيين، و3,600 معتقل آخر من غزة مخفيون قسرًا في معسكرات سرية. وأوضح البيان أن عدد الأسرى الأطفال بلغ 440 طفلًا، بينهم 40 رهن الاعتقال الإداري، وسُجّلت 770 حالة اعتقال لأطفال بعد السابع من أكتوبر. كما بلغ عدد الأسيرات 49 أسيرة، بينهن أمهات ومريضات، وأسيرتان في مراحل الحمل، وأخريات اعتُقلن بسبب التعبير عن الرأي.

وفيما يخص الأسرى المرضى، وثّق البيان وجود 700 أسير مريض، بينهم حالات حرجة، مثل الأسير أسامة ادعيّس الذي خضع لبتر ساقه نتيجة إصابة خطيرة أثناء محاولة اعتقاله. وتناول البيان أيضًا ملف المفقودين والمختفين قسرًا من قطاع غزة، حيث تم تسجيل 8,500 مفقود معلن عنهم، و7,000 آخرين مسجلين ضمن بيانات رسمية، إلى جانب 49 صحفيًا معتقلًا.

كما أشار إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة بلغ 308 شهداء، من بينهم 71 استُشهدوا بعد 7 أكتوبر، ولا تزال جثامين 78 منهم محتجزة لدى سلطات الاحتلال. وأكدت مؤسسة “تضامن” أن هذه الأرقام تعكس انتهاكات جسيمة وممنهجة للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة وقواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجناء.

وأوضحت أن إصدار البيان يأتي ضمن جهودها المستمرة لتوثيق الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، ودعت المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والتحرك الفوري لوقف تلك الانتهاكات وضمان الحماية القانونية والإنسانية للأسرى في سجون الاحتلال.

بقلم: سامي إبراهيم فودة

أبطال غيبتهم القضبان.. الأسير جمال مصطفى حويل (1970م) – (2025م)

في حضرة القامات الشامخة، جنرالات الصبر والصمود، أولئك القابضين على الجمر والمتخندقين في قلاع كرامتهم كالطود الشامخ… إنهم أسرانا البواسل وأسيراتنا الماجدات القابعون خلف قضبان الاحتلال الغاشم، حيث تنحني الهامات إجلالاً لصمودهم، وتحمرّ الورود خجلاً أمام عظمة تضحياتهم.

إخوتي الأماجد، أخواتي الماجدات، رفاق الدرب الصامدين الثابتين، أولئك المتمرسين في معارك الصبر داخل زنازين القهر…

أعزائي القراء، أحبتي الأفاضل، حديثي اليوم عن رجال من طينة العزة، صابرين على البلاء، نحتوا طريق المجد والحرية بأوجاعهم وآلامهم، فوقفوا كأشجار الزيتون، وشمخوا كجبال فلسطين، وتسلحوا بصبر أيوب داخل ظلمات الزنازين. ورغم أن الجدران الصماء أخفت أجسادهم، فإن أرواحهم تسكننا، تحيا في قلوبنا، وتجري في عروقنا، حضورهم فينا لا يغيب مهما طال زمن الأسر.

عندما نستحضر وجوههم ونتلو أسماءهم المنقوشة في ذاكرة الوطن، نقف خاشعين أمام من ضحوا بأجمل سنوات عمرهم ليحيا شعبهم حراً عزيزاً. إنهم أسرانا، تاج الفخار، وفخر الأمة الذي لا يصدأ. بصمودهم كسروا هيبة المحتل، وبثباتهم دوّنوا ملحمة لا يمكن لأي كلمات أن توفيها حقها. ومن واجبنا أن نُحيي ذكراهم ونروي للأجيال تضحياتهم.

وحديثنا اليوم عن أحد هؤلاء الأبطال: الأسير المناضل جمال مصطفى حويل، ابن الخامسة والخمسين، القابع حالياً في سجن “مجدو”، بعد اعتقاله قبل ثمانية أشهر.

البيانات الشخصية:

الاسم الكامل: جمال مصطفى عيسى حويل

تاريخ الميلاد: 4 أكتوبر 1970

مكان الإقامة: بلدة زرعين المهجّرة – قضاء جنين (الضفة الغربية)

الحالة الاجتماعية: متزوج وأب لأربعة أبناء

تاريخ الاعتقال: 27 يونيو 2024

مكان الاعتقال: سجن مجدو

التهمة الموجّهة: “التحريض”

الوضع القانوني: بانتظار المحاكمة

المؤهلات العلمية:

درس الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث بمخيم جنين، وأنهى الثانوية العامة – الفرع العلمي – في مدرسة جنين الثانوية عام 1991.

حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من الجامعة الأردنية عام 1995.

نال درجة الماجستير من جامعة بيرزيت عام 2011، برسالة بعنوان: “معركة مخيم جنين… التشكيل والأسطورة”.

التحق ببرنامج الدكتوراه في جامعة القاهرة، وهو في المرحلة النهائية من إعداد أطروحته.

محطات نضالية مضيئة في حياة المناضل جمال حويل:

أسير سابق أمضى ما مجموعه 11 عاماً في سجون الاحتلال، بينها 7 سنوات ونصف بشكل متواصل.

خلال اعتقاله، فقد والده.

من القادة البارزين في معركة مخيم جنين عام 2002.

شقيق الشهيد نجيب حويل، الذي استُشهد عام 1991.

أستاذ العلوم السياسية والدراسات الفلسطينية في الجامعة العربية الأمريكية – جنين.

له مؤلَّف بعنوان: “معركة مخيم جنين الكبرى 2002 – التاريخ الحي”.

عمل في وزارة الصناعة الفلسطينية لمدة عام.

عمل في دائرة الرقابة على الائتمان في بنك فلسطين الدولي عام 1998.

شغل منصب مدير المجلس التشريعي ومقرر اللجنة الاقتصادية بين عامي 1998 و2006.

انخرط في النضال الوطني مبكرًا، متأثرًا بجرائم الاحتلال.

انتمى لحركة فتح وشارك في فعالياتها الوطنية.

شارك في تأسيس “التجمع الوطني لأسر الشهداء” في الضفة الغربية عام 1995، وكان ناطقه الإعلامي وعضو أمانته العامة.

أسس “مركز حوار” في جنين عام 1997، المعني بتعزيز ثقافة الحوار المجتمعي.

فاز بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني في انتخابات عام 2006، وهو داخل الأسر.

انتخب عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح عام 2014.

تقلد عضوية مجلس أمناء الجامعة العربية الأمريكية بجنين عام 2016، وعضوية اللجنة الإدارية لهيئة شؤون الأسرى عام 2018.

شارك في العديد من المؤتمرات والندوات، وله محاضرات ومشاركات إعلامية بارزة.

تعرّض للاعتقال أول مرة عام 1985، وتوالت اعتقالاته لاحقًا.

خلال الانتفاضة الثانية، طارده الاحتلال واعتقله في 11 نيسان 2002 بعد معركة جنين البطولية.

تفاصيل الاعتقال الأخير:

في 27 يونيو 2024، اعتقلت قوات الاحتلال المناضل جمال حويل بعد محاصرة صيدلية تواجد فيها مع مجموعة من المواطنين في جنين، ضمن عملية نفذتها وحدة خاصة إسرائيلية. تم اعتقاله برفقة آخرين، أفرج عن معظمهم لاحقًا، فيما استمر اعتقاله تحت ذريعة “التحريض”.

تتعمد إدارة سجون الاحتلال ممارسة أساليب تعذيب جسدي ونفسي بحقه، من خلال اقتحام زنزانته، والاعتداء عليه، وحرمانه من الغذاء والعلاج. يعاني من تدهور صحي خطير، فقد خلالها عشرات الكيلوغرامات من وزنه، وهو ما يهدد حياته بشكل مباشر.

الحرية كل الحرية لأسرانا البواسل وأسيراتنا الماجدات،

والشفاء العاجل لمرضانا خلف القضبان.

تقرير/ إعلام الأسرى

عندما يكون الأسر موتًا مؤجلًا.. الغوشي وخضيرات نموذجًا

من خلف قضبان السجون الإسرائيلية، تخرج أجساد الأسرى الفلسطينيين مثقلة بالأمراض، محمّلة بالندوب، تروي حكايات الإهمال الطبي والتنكيل الجسدي والنفسي، كما في حالة الأسيرين محمد الغوشي ومحمد خضيرات، اللذين يمثلان نموذجين صارخين لسياسة “القتل البطيء” التي يتبعها الاحتلال.

محمد الغوشي: من زنزانة إلى سرير مستشفى

الأسير المحرر محمد أيمن إسماعيل الغوشي (36 عامًا) من مخيم عايدة في بيت لحم، خرج من السجن مصابًا بسرطان الحوض وفشل كلوي وكسور في الأضلاع والأسنان. قبل اعتقاله نهاية 2023، لم يكن يعاني من أية أمراض، لكن خلال 18 شهراً من الاعتقال الإداري دون تهمة، وُضع في ظروف احتجاز قاسية، تعرض فيها للضرب، والإهمال الطبي، وحتى إطلاق النار المطاطي على قدمه في سجن “عوفر”.

بعد ثلاثة أيام فقط من تحرره في مايو 2025، تدهورت صحته بسرعة، ما استدعى نقله للمشفى، حيث تم تشخيص إصابته بتكتلات سرطانية وزُرع له أنبوب في الكلية اليمنى لسحب الدم، بسبب فشلها شبه الكامل.

محمد خضيرات: السرطان خلف القضبان

الأسير محمد زايد خضيرات (23 عامًا) من الخليل، اعتُقل في يونيو 2024 بينما كان يتلقى علاجًا لسرطان الدم، بعد زراعة نخاع عظمي. الاحتلال منعه من استكمال العلاج الحيوي، إذ لم يحصل إلا على جرعتين فقط من أصل 14. وعلى الرغم من حالته الصحية الحرجة، جدد الاحتلال اعتقاله الإداري للمرة الثالثة، بعد حكم بالسجن 17 شهرًا، دون اعتبار لخطورته الصحية.

ظروف احتجازه في سجن “عوفر” زادت من تدهور حالته، حيث يعاني من هزال ونقص وزن شديد، وحرمان من الغذاء والعلاج، في بيئة تفتقر للحد الأدنى من الرعاية الصحية، وسط تعتيم كامل على نتائج فحوصاته.

ما حدث مع محمد الغوشي، وما يتكرر مع محمد خضيرات، ليسا استثناءين، بل وجهٌ يوميّ من وجوه الجريمة المستمرة داخل سجون الاحتلال. أجساد تنهار بصمت خلف القضبان، وأوراق “الملف الطبي” تتحول إلى أوراق نعي مؤجل، يُسلَّم عند بوابة الإفراج أو في لحظة استشهاد داخل الزنزانة.

تسقط الأقنعة حين يُحرر الأسير ليموت، وحين يُعتقل المريض في ذروة علاجه، وحين يصبح المستشفى امتدادًا للسجن. إنها جريمة “القتل البطيء” التي يتقنها الاحتلال تحت أنظار مجتمع دولي أعمى، ومنظومة إنسانية صمّاء.

“إسرائيل” لا تقتل الأسرى بالرصاص فقط، بل بالورم المهمل، بالدواء المحروم، بالضرب المتعمد، بالحرمان من الغذاء والنوم. ومن لا يمُت تعذيبًا، يمُت بالإهمال، أو بقرار إداري بلا تهمة، أو بانهيار الجسد الذي قاوم كثيرًا لكنه خُذل كثيرًا.

أمام هذا المشهد، لم تعد الدعوة للإفراج عن الأسرى المرضى مجرد مطلب إنساني، بل واجب أخلاقي وقانوني عاجل. إن استمرار هذا الصمت الدولي يمثل تواطؤًا مفضوحًا في جريمة جماعية تُرتكب على أقساط يومية داخل الزنازين.

إذا لم يتحرك الضمير العالمي الآن، فكم “غوشي” يجب أن يموت؟ وكم “خضيرات” ينبغي أن يتعفن جسده تحت الاعتقال، حتى يُدرج العالم القتل البطيء كجريمة حرب؟ الأسير الفلسطيني لا يريد شفقة، بل حقًا في العلاج، وعدالة تُعيد له إنسانيته قبل أن تُعيد له حريته.

بقلم الأسير المحرر: إبراهيم أبو صفية

صرخة في وجه السجان

ستبقى سجونهم أضيق من أن تحتوينا، فنحن معذّبون لهم بصمودنا أكثر من تعذيبهم لنا بـسياطهم. إنها عنفوانية المبدأ، والثورية الصادقة، والإيمان الراسخ بالحق والعدالة والإنسانية للقضية الفلسطينية. لا تقلقوا علينا، نحن من نسجن سجّانَنا، ونكبّل إدارتهم بسلاسل إرادتنا الفلسطينية الفولاذية.

من هنا انطلق، فـإذا كان الناس يفضّلون في بعض الأوقات تذكّر الأيّام الجميلة من الماضي، فإن الأيّام القاسية يصبح لها جمالٌ من نوع خاصّ، حتى الصعوبات والمعاناة التي عاشوها تتحوّل في الذاكرة إلى بطولة غامضة وممتعة، فهم لا يصدّقون أنهم احتملوا كلّ ذلك العذاب واستمرّوا بالحياة، هذا حسب ما يقوله الكاتب عبد الرحمن منيف.

نعم، عدتُ أستذكر الآلام التي عايشتها على مدار 300 يوم حرب في سجون الاحتلال، تبعت حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وضد كل ما هو فلسطيني. فالحرب في السجون لا تقلّ عنفًا وهمجية وانتقامًا عمّا يحصل في الخارج. لا استثناءات في التعذيب، ولا لونًا واحدًا له.

بعد السابع من أكتوبر، رأينا ألوانًا اختلط حابلها بنابلها، شدّة ووطأة علينا، بلا رحمة، قسوة الصوّان تحطّمت عند انتقام بني صهيون في السجون. فالحديث عن أشكال العذاب الممنهج، ووفق دراسات علمية في مواجهة أسير أعزل بين أربعة جدران، فقط يحلم بحريته ووطنه، كثير؛ تبدأ من ملعقة الطعام التي صادروها، مقابل ذات استخدام مرة واحدة، تحافظ عليها حتى وإن انكسرت، وتُجبرها حتى تستطيع أن تتناول الطعام الآسن، المصنوع بحقد ولا يمتّ بصلة للطعام، ولا تنتهي بالحرب النفسية والترهيب وعدم الاستقرار المُنهِك.

في ليلته الأخيرة بعد سنتين في بطن الحوت، في ظلمات يركب بعضها بعضًا، راح يتأمّل المكان، ويستذكر اللّيلة الأولى، صابٌّ يعقد لسانه، يتحسّس حنجرته لعلّها عَبَرات، فجأة تُمحى ذكريات عامه، يتعلّق البصر بهؤلاء الذين سيمضون أعوامًا أكثر وأشنع، كيف يودّعهم؟ يشعر بشيء من التعب المُضني، بشيء ما ابتلعته الظلمة، ودّ لو أنّه أخذ بأيديهم إلى فضاء أوسع، لكنّه غير وسيع، أجمل، لكنّه غير جميل. سيحمل رسائلهم، فهناك من ينتظر أخبارهم، هناك من يزرع اليقطين للناجين، سيبحث عن ساحل ليزرع بعضه، هذا ما يستطيعه. في ثنايا المعاناة، الوداع أصعب. سيبحث عن خيط أمل خفيّ يمدّه لهم وهو خارج من الظّلمات. ساوره هاجس بأنّ خيطًا ما قد انقطع، فأصرّ أنّ خيطًا آخر قد مُدّ أو يُمدّ.

فطلّ برأسه عبر الشباك الخلفي للزنزانة، مخاطبًا رفاقه في الأسر عبارة رددها كثيرًا، ولكن واقعها في هذه اللحظة الوداعية، لها وقع آخر، رسالة منه؛ لأنه يدرك إن طُبّقت، لا ينتصر السجّان، ولا ينتصر الاحتلال على الأحرار والأصلانيين أصحاب الأرض، قال جملته المقتضبة: “ديروا بالكم على بعض، حبّوا بعض.”

الأسير (أ.ص)، أمضى في سجون الاحتلال أكثر من 10 سنوات، جلّها بالاعتقال الإداري، هذا السيف المسلّط على رقاب الشباب الفلسطيني الفاعل، لا يريد ذكر اسمه خوفًا من واقع الاعتقال المتجدّد. جاءت الحرب، وانقلبت السجون رأسًا على عقب، حتى استُضعف الأسرى، وحُرموا من أدنى مقوّمات الصمود، للبقاء على قيد الحياة، وقيد العقل قبل أن يُفقَد من هول الجرائم. حتى بات العامل الوحيد للصمود هو التعاضد والتحابب، ووقوف الأسرى لجانب بعضهم بعضًا، مُصَبّرين مُواسين. فلولا فسحة الحوار، وفسحة المحبة هذه، لطارت العقول من رؤوس أصحابها. ولكن غالبًا ما كان ينقلب المشهد التراجيدي، والأكشن الذي تمارسه قوات القمع في الأسرى، لحلقة دراما وتندّر، لحظة الفزع والخوف والضرب، ليس إلا من أجل عدم الاحتكام فيها.

في منتصف شهر شباط 2024، نفّذت إدارة السجون خطة دمج وخلط الأسرى الفلسطينيين من كافة الفصائل الفلسطينية وتشكيلاتها في زنزانة واحدة، فأصبحت الزنزانة تلمّ الشمل الفلسطيني بألوان علمه المختلفة – أي بالمسميات – أصبح في الزنزانة: “الحمساوي والفتحاوي والجبهاوي والجهادي والمستقل، والمار احترازيًا.”

كان الشاباك، ومن أمامه إدارة سجون الاحتلال، يراهنون على عملية الخلط هذه، أن تتصاعد الاختلافات فيما بين الأسرى، ويزداد الضغط عليهم، فالكل أسير أيديولوجية، وقناعة، ومسار حياة مختلف عن الآخر، وبرنامج تنظيمي وإداري مختلف أيضًا. فكان هذا الخلط من أجل أن يحدث احتكاك، ومن ثم شجار واقتتال، وكان الرهان أن يحدث هذا الخلط قتلًا واقعًا في الزنازين.

إلا أنّ الذي حدث هو العكس، فكان التوافق والاتفاق والانسجام – لا أريد أن أُبالغ – ولكن أُفشِل هذا المخطط؛ حيث وُضعت القواعد العامة: الاحترام المتبادل، مع تقدير الموقف واللحظة التاريخية الصعبة في السجون. ففعلا، كانت هذه الجملة “حبّوا بعض” هي الميزان. ومن باب التندّر، كان يقول صاحبها: “حبّوا بعض وحنّوا على بعض، يمكن ما في بكرا. حبّوا بعض، واعذروا بعض، وسامحوا بعض، شبعوا من بعض، الموت قريب كثير، (الندم ما بيفيد).” هذه الكلمة الأخيرة “الموت قريب”، نعم، كان قريبًا، بين قوسين أو أدنى.

فعمليات القمع والضرب والإهانة في أعلى مستوياتها، وارتقاء شهداء من الحركة الأسيرة، كان شبه أسبوعيًّا: هناك يرتقي شهيد أو اثنان، وهناك معلومات وتفاصيل مخفية عن أسرى قطاع غزة الذين يقبعون في معسكرات لا نعرفها، مثل “سدي تمان”.

أصبحت الزنازين مؤتمرات تتلاقح فيها الأفكار، وتُعاد فيها الحسابات، وتُجرى المراجعات، وتُصقل التجارب، وتُهذّب النفوس، وتُفتضح النوايا، يبرز المخلصون، ويسقط في بداية الطريق المتسلّقون، خصوصًا في واقع مثل هذا الواقع العقيم.

ففي هذه المرحلة، إن غذّيتَ (الأنا)، أصبحت الزنزانة وكأنما بُنيت من أجلك أنت وحدك، وضاقت فوق الضيق والآلام، وصُلِبت على صراع ومراهنة الاحتلال لكسرِك. وإن تذوّقت لذة (نحن)، استحالت جنةً عرضها السماوات والأرض، واتسعت الزنزانة رغم ضيقها، وتفسح صدرك لسعة الحرية المتخيّلة.

يقول “جبران خليل جبران” ما معناه: “نحن نحيا من أجلِ أن نعطي.”

أذكر هذه القصة، التي عايشتُها واقعًا في السجون ما بعد الحرب، لعلّ أن يجد نداءُنا صداه في قلوب من بيدهم القرار، أن “يحبّوا بعض”، وأن يقدّم الجميع، وأن يتنازلوا عن “الأنا” من أجل “النحن”، فقد جاء الوقت لإنقاذ تلك الأرواح العالقة، وإنهاء هذه المأساة الماثلة أمام أعين العالم بأسره، والنجاة من المحرقة والإبادة الكبرى في التاريخ المعاصر.

بقلم: أمجد النجار – مدير عام نادي الأسير الفلسطيني

الصليب الأحمر.. غياب الدور وتصاعد الجريمة

منذ عقود، لعبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دورًا أساسيًا في متابعة أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، باعتبارها الجهة الإنسانية التي تُعنى بمراقبة الظروف الاعتقالية وتوثيق الانتهاكات وضمان الحد الأدنى من المعايير الدولية في التعامل مع الأسرى. لكن هذا الدور، اليوم، بات مهددًا ومقيدًا بشكل غير مسبوق من قبل حكومة الاحتلال “الإسرائيلي”.

في خطوة خطيرة، منعت سلطات الاحتلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر من القيام بدورها في متابعة قضايا الأسرى داخل السجون، بما في ذلك الزيارات الدورية التي كانت تُعد شريان التواصل الوحيد بين الأسرى وعائلاتهم، ووسيلة مهمة لرصد ما يتعرضون له من انتهاكات، وأداة ضغط على الاحتلال لكبح جماح انتهاكاته.

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يستمر الاحتلال بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بلعب دور في ترتيبات صفقات التبادل، بينما يُقصيها تمامًا من متابعة الظروف اليومية للأسرى؟ الجواب ببساطة أن الاحتلال لا يؤمن بالمعايير الدولية، بل يتعامل مع القوانين وفق مصالحه الأمنية والسياسية، فيسمح بدور للصليب الأحمر حين يخدم هذا الدور أجندته، ويمنعه حين يشكل له حرجًا أمام المجتمع الدولي أو يفضح ممارساته بحق الأسرى.

ما يحدث داخل سجون الاحتلال هو جريمة مستمرة، وأكثر من 73 شهيدًا سقطوا داخل المعتقلات نتيجة الإهمال الطبي والقتل العمد، ومع ذلك لم نشهد من اللجنة الدولية للصليب الأحمر أي مؤتمر صحفي، أو بيان واضح يُحمّل الاحتلال المسؤولية المباشرة عن هذه الجرائم، أو يُعلن للرأي العام أن الصليب الأحمر قد مُنع من ممارسة دوره الإنساني داخل السجون.

لقد أصبح موقف الصليب الأحمر اليوم محط تساؤل وريبة، لا سيما في ظل استمرار الانتهاكات وتصاعد الجرائم، دون أن يكون هناك أي موقف حازم من هذه المؤسسة التي لطالما اعتبرها العالم ضامنًا للمعايير الإنسانية في النزاعات.

والأدهى من ذلك، أن المؤسسات الدولية الأخرى، بما فيها الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي بمكوناته من حكومات ومنظمات حقوقية، تلتزم الصمت أو تكتفي ببيانات خجولة لا ترتقي لحجم الكارثة التي يتعرض لها أكثر من 10400 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال ومرضى، يتعرضون يوميًا لأبشع أساليب القمع والتنكيل.

إننا، في نادي الأسير الفلسطيني، نحذر من استمرار تغييب دور الصليب الأحمر داخل سجون الاحتلال، ونعتبر ذلك تواطؤًا غير مباشر مع الاحتلال في إخفاء الجرائم التي تُرتكب بحق الأسرى. كما نطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر بكسر صمتها، وتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، وتوضيح موقفها للعالم، والضغط العلني من أجل استعادة دورها، لا أن تبقى حاضرة فقط في مراسم صفقات التبادل حين يُراد لها أن تكون مجرد أداة شكلية. إن معاناة أسرانا لن تتوقف بالصمت، بل بتصعيد العمل الدبلوماسي والشعبي والحقوقي، من أجل كشف حقيقة ما يجري، ووضع حد لهذا الاستخفاف المتواصل بحياة وكرامة الإنسان الفلسطيني في السجون.

بقلم: عبد الناصر فروانة – رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين

الدروع البشرية الفلسطينية.. وجه آخر لجرائم إسرائيلية لا حصر لها في قطاع غزة

دأب الاحتلال “الإسرائيلي” على استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية، وإجبارهم على تنفيذ أعمال محفوفة بمخاطر حقيقية على حياتهم، سواء خلال التظاهرات الشعبية أو المواجهات المسلحة، أو عند اقتحام المنازل والأماكن العامة، أو خلال ملاحقة من يُصنَّفون بـ”المطلوبين”. وقد تصاعد هذا السلوك مع اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول/سبتمبر 2000، وطال كثيراً من الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والفتيان والنساء وكبار السن، واتخذ منحى آخر منذ بدء حملة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

ففي سنة 2002، انتشرت صور لفلسطينيين استُخدموا دروعاً بشرية من جانب جيش الاحتلال خلال العدوان الذي اصطُلح على تسميته “إسرائيلياً” بـ”السور الواقي”. وفي سنة 2004، تداولت وسائل الإعلام المتعددة، العربية منها والعبرية والأجنبية، صورة صادمة لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 13 عاماً، استخدمته قوة من جيش الاحتلال “الإسرائيلي” درعاً بشرياً، بعدما قيّدت يدَيه بالسلاسل، وثبّتته في مقدمة الجيب العسكري، الأمر الذي أثار حينها ضجة كبيرة بين أوساط الحقوقيين وعبر وسائل الإعلام. وتعالت أصوات نشطاء حقوق الإنسان ودعاة حقوق الطفل تنديداً بالجريمة “الإسرائيلية”، مطالبين بحماية الطفولة الفلسطينية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالأحداث تكررت، وثمة تفاصيل عديدة وصور مشابهة لفلسطينيين آخرين استُخدموا بالطريقة ذاتها، مما يؤكد أنها ليست سلوكاً فردياً عابراً، ولا أحداثاً استثنائية. فقد استمعنا إلى ناجين من عدوان 2008 على قطاع غزة وهم يروون كيف استُخدموا دروعاً بشرية، وقرأنا شهادات صادمة وثّقتها مراكز حقوق الإنسان في غزة لأطفال رووا تجاربهم المريرة.

ولطالما سمعنا وشاهدنا فلسطينيين استُخدموا دروعاً بشرية عبر الجغرافيا الفلسطينية على مدار الأعوام الماضية، إلا أن ما حدث ويحدث منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلال حملة الإبادة في قطاع غزة، فاق كل تصور في حجمه وفظاعته. وهو امتداد لما سبق، فـما كان يُعتقد ماضياً أنه سلوك فردي أو فعل استثنائي، بات اليوم واضحاً أنه سياسة ينتهجها الجيش “الإسرائيلي” بصورة دائمة وممنهجة، بل أصبح أيضاً وجهاً من أوجه تكتيكاته في قطاع غزة.

لقد بلغت هذه الانتهاكات ذروتها، حين تحوّل استخدام “الدروع البشرية” إلى حدث شائع، وفقاً لشهادات مروّعة رواها المواطنون، واستناداً إلى مقاطع فيديو صادمة ومشاهد فظيعة التقطتها وحفظتها وبثتها وسائل إعلام عديدة، وتقارير وثّقتها مؤسسات دولية متعددة، علاوة على ما نشرته الصحف العبرية من تقارير وتحقيقات بهذا الشأن. إن تلك الشهادات والمشاهد تعكس تنوعاً في كيفية تنفيذ جريمة الدروع البشرية التي جرمها القانون الدولي، الأمر الذي حوّل حياة أولئك الفلسطينيين إلى جحيم، وعرّضهم للأذى والقتل أحياناً؛ فمنهم من فقد حياته فعلاً، أو أُصيب، ومن بقي على قيد الحياة ما زال يعاني من اضطرابات نفسية بعد الصدمة.

الدروع البشرية والقانون الدولي

ينص القانون الدولي (المادة 23 من اتفاقية جنيف الثالثة) على أنه “لا يجوز في أي وقت إرسال أي أسير حرب إلى منطقة يتعرض فيها لنيران منطقة القتال، أو إبقاؤه فيها، أو استغلال وجوده لجعل بعض المواقع أو المناطق في مأمن من العمليات الحربية.” [2] كما لا يُجيز القانون الدولي استغلال السكان المدنيين لحماية أماكن معيّنة من العمليات الحربية، بحسب ما جاء في المادة 28 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. [3]

ويُضاف إلى ذلك البروتوكول الأول لسنة 1977 في مادته 51، التي تنص على أنه: “لا يجوز أن يوجه أطراف النزاع تحركات السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين بقصد محاولة درء الهجمات عن الأهداف العسكرية أو تغطية العمليات العسكرية”. كما تعدّ المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما الأساسي استخدام مدنيين أو أشخاص آخرين متمتعين بالحماية لإضفاء الحصانة من العمليات العسكرية على مناطق ومواقع أو وحدات عسكرية معيّنة “جريمة حرب”. [4]

إن حماية المدنيين يُعد أحد أسس القانون الدولي الإنساني، ولهذا شدّد القانون الدولي في مطالبته الأطراف المتنازعة على اتخاذ كل الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية المدنيين وتحصين المواقع والمنشآت المدنية من الهجمات العسكرية، وتجنُّب الأهداف العسكرية داخل الأحياء والمناطق السكنية والمواقع المدنية أو بالقرب منها، لأنه في حالة كهذه يتحول المدنيون مباشرة إلى دروع بشرية.

أحداث فظيعة وشهادات مروعة..

في تشرين الأول/أكتوبر 2024، نقلت شبكة “CNN” الأميركية شهادة مصوّرة لجندي “إسرائيلي” يُفصّل استخدام الجيش فلسطينيين كدروع بشرية في غزة، حين أجبر الجيش معتقلين على دخول منازل وأنفاق في غزة للتأكد من أنها غير مفخخة. ويقول الجندي “الإسرائيلي” في شهادته إنه تم إحضار صبي يبلغ من العمر (16 عاماً) وآخر يبلغ من العمر (20 عاماً) إلى وحدته، وأشار إلى أن “يديهما كانتا مقيّدتين وراء ظهريهما، وكانا معصوبي العينين”، و”سارا عبر الأنقاض تحت تهديد السلاح إلى المباني المفخخة المحتملة، وإلى الأنفاق المظلمة”. ويضيف الجندي: “طلبنا منهما دخول المبنى قبلنا، وأخبرناهما أنه إذا كانت هناك أي فخاخ، فسوف تنفجر بهما وليس بنا نحن”[5].

بينما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية، نقلاً عن جنود “إسرائيليين” ومعتقلين فلسطينيين سابقين، أن قادة في جيش الاحتلال “الإسرائيلي” أصدروا أوامر باستخدام معتقلين فلسطينيين دروعاً بشرية أثناء عمليات الجيش في قطاع غزة، مشيرين إلى أن استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية من جانب قوات الاحتلال أمر شائع على نطاق واسع.

وقال معتقل فلسطيني سابق إنه أُجبر على دخول منازل في غزة بينما ثُبّتت كاميرا على جبهته لكشف الطريق والتأكد من خلوّها من قنابل ومسلّحين[6]. وأوضح معتقل سابق آخر أنه هو الآخر ثُبّتت كاميرا على جبينه، وأُجبر على دخول منازل في قطاع غزة مرتدياً زياً عسكرياً للتأكد من خلوّها من المتفجرات أو المسلّحين، مؤكداً أنه تنقّل بين أكثر من وحدة عسكرية في كل مرة. وأضاف أن الجنود ضربوه وهدّدوه بالقتل إن لم ينفّذ الأوامر، مشيراً إلى أنه بقي محتجزاً لدى الجيش “الإسرائيلي” في شمال غزة لمدة أسبوعين ونصف الأسبوع خلال الصيف الماضي. كما تحدّث فلسطيني آخر تم استخدامه درعاً بشرياً لمدة أسبوعين، وأنه أُجبر على دخول منازل ومبانٍ ومستشفى ومواقع يُشتبه بوجود أنفاق فيها وتفتيشها[7].

وكشفت صحيفة “هآرتس” العبرية، في تحقيق يستند إلى شهادات جنود وضباط خدموا في صفوف الجيش “الإسرائيلي”، تأكيداً لاستخدام الجيش “الإسرائيلي” سياسة الدروع البشرية ضمن “عملياته العسكرية” الحالية داخل قطاع غزة. وأظهر التحقيق “نمطاً ثابتاً في سلوك الجيش “الإسرائيلي” الذي يتمثّل باستغلال المدنيين، الذين يتم تجنيدهم قسراً”. ووفقاً لشهادات متعددة، فإن الجيش يقوم بتحديد المدنيين الفلسطينيين الذين يمكن أن يكونوا من كبار السن أو الأطفال، واستخدامهم في مهام خطِرة كدخول المنازل والمباني المشبوهة، أو تفتيش الأنفاق، وذلك لحماية جنوده من الكمائن أو العبوات الناسفة.

وأكد التحقيق أن ذلك يحدث بعِلم القيادات العليا في الجيش “الإسرائيلي”، بمن فيهم قادة الألوية وصولاً إلى هيئة الأركان العامة. وأشار إلى أن هذه الممارسات ليست جديدة، إنما هي امتداد لإجراءات مشابهة استخدمها الجيش “الإسرائيلي” في الماضي[8]. وفي تقرير آخر صدر حديثاً عن الصحيفة ذاتها، فقد وُصف استخدام جيش الاحتلال المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية بـ”السياسة الممنهجة”[9].

وفي آذار/مارس الماضي، أقر ضابط رفيع المستوى في وحدة قتالية في الجيش النظامي “الإسرائيلي” باستخدام جنود الاحتلال المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة دروعاً بشرية بصورة منتظمة منذ بدء الحرب، وقال في مقال كتبه لصحيفة “هآرتس”، وطلب عدم نشر اسمه: “إن الجنود يستخدمون المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية في قطاع غزة لما لا يقل عن 6 مرات يومياً”، وأوضح أنهم أجبروا الفلسطينيين على العمل دروعاً بشرية لأن ذلك أسرع من وسائل أخرى متاحة تستغرق وقتاً كإرسال كلب أو “روبوت” أو طائرة مسيّرة، بحسب قوله. كما أشار إلى أن هذه الممارسة شائعة جداً، وأن أفراد القيادة الأعلى رتبة في الميدان كانوا على علم باستخدامها لأكثر من عام، ولم يحاول أحد إيقافها، بل بالعكس، فقد تم تعريفها بأنها “ضرورة عملياتية”. ويختتم الضابط مقاله بالقول إنه لدى “إسرائيل” كل الأسباب للقلق من المحاكم الدولية، لأن هذا الإجراء جريمة يعترف بها حتى الجيش نفسه، وهي تحدث يومياً، وأكثر شيوعاً كثيراً مما يُقال للجمهور[10].

ح. ع. هو شاب فلسطيني من سكان جباليا شمالي قطاع غزة، أدلى بشهادته لوكالة الأناضول التركية، ويروي فيها كيف استخدمته قوات الاحتلال درعاً بشرياً، فقال: “أُجبرت على تنفيذ مهام خطِرة شملت ارتداء زي الجيش “الإسرائيلي” وخوذة الرأس العسكرية وتزويدي بكاميرا ودخول منازل اعتقدوا أنها مفخخة تحت تهديد التعذيب الجسدي والنفسي، وطُلب مني فحص المنازل قبل دخول الجنود إليها”.

وأشار إلى أن الجيش “الإسرائيلي” “استخدمه درعاً بشرياً في جباليا، إذ أُجبر على مرافقة الفرق العسكرية أثناء اقتحام المنازل والمباني”. وأردف: “كان الجيش “الإسرائيلي” يضربنا في مناطق حساسة، ويهدّدنا بالقتل في حال رفضنا تنفيذ الأوامر”[11].

واستعرض المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تقرير أصدره في وقت سابق شهادة فلسطيني من سكان جباليا البلد شمال قطاع غزة، كانت قوات الاحتلال قد اعتقلته خلال الحرب، واحتُجز داخل موقع عسكري، ومكث في الاعتقال 42 يوماً، وتم استخدامه كدرع بشري 15 مرة خلال تلك الفترة، تحت الضرب والتهديد بالقتل، وأُجبر على ارتداء الزي العسكري “الإسرائيلي” ووضع خوذة على رأسه وعليها كاميرا للتصوير وسماعة لتلقي التوجيهات. ويقول إنه كان يُطلب منه أحياناً قطع بعض الأسلاك خوفاً من أن تكون موصولة بعبوات معدة للتفجير، وأنه بعد انتهاء مهمته، أطلقوا عليه رصاصة من الظهر لتخرج من صدره، وقُدّر له أن يبقى على قيد الحياة ليروي لنا قصته ويدلي بشهادته [12].

هذا بينما نشرت هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين الفلسطينية تقريراً تناولت فيه شهادة أسير من غزة استخدمته قوات الاحتلال درعاً بشرياً بصورة يومية لأكثر من 40 يوماً عبر عدة أساليب، منها: وضعه على مقدمات السيارات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، وهو مقيّد اليدين والرجلين، بالإضافة إلى إجباره على ارتداء الزي العسكري لجيش الاحتلال وتزويده بكاميرا، وفي حال رفضه، كان يتعرّض للضرب، وكانت ترافقه طائرة مسيّرة لتوجيهه خلال حركته. وعلى مدار تلك المدة، مارس جنود الاحتلال بحقه سياسة التجويع، كما حُرم من استخدام دورة المياه أو الاستحمام، واستمر ذلك على مدار مدة اعتقاله، فكان يواجه الموت كل لحظة بحسب تعبيره، إلى أن أُصيب بطلق ناري في صدره، وبقي لنحو نصف ساعة دون علاج[13].

وفي الختام، هذا قليل مما حدث ويحدث للفلسطينيين هناك، وهنا في قطاع غزة، وهكذا يحتمي جنود الاحتلال “الإسرائيلي” خلف الدروع البشرية الفلسطينية، في جريمة حرب مكتملة الأركان، يحظرها بشدة القانون الدولي الإنساني، ولطالما حذّرت من ارتكابها المؤسسات الدولية، بينما لا يزال الشعب الفلسطيني ينتظر العدالة الدولية.

المراجع

[1] “اليوم الثالث عشر: طفل فلسطيني يستخدم كدرع بشري”، مركز الميزان لحقوق الإنسان، 8/1/2010.

 [2] “اتفاقية حنيف بشأن معاملة أسرى الحرب”، الأمم المتحدة – حقوق الإنسان – مكتب المفوض السامي.

 [3] “اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12آب/أغسطس 1949″، الأمم المتحدة – حقوق الإنسان – مكتب المفوض السامي.

 [4] “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”، الأمم المتحدة – حقوق الإنسان – مكتب المفوض السامي.

 [5] “جندي إسرائيلي يفصّل استخدامهم الفلسطينيين كدروع بشرية في غزة.. ماذا قال؟”، “العربية”، 24/10/2024.

 [6] “أ. ب عن جنود إسرائيليين: استخدام إسرائيل الدروع البشرية في غزة منتشر على نطاق واسع”، “يوتيوب”، 24/5/2025.

 [7] “أسوشيتد برس تنشر شهادات عن استخدام الاحتلال للفلسطينيين دروعا بشرية”، “الجزيرة نت”، 24/5/2025.

 [8] “‘هآرتس‘: الجيش الإسرائيلي استخدم فلسطينيين كدروع بشرية في غزة”، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”، 13/8/2024.

 [9] “صحيفة هآرتس: إسرائيل تستخدم الفلسطينيين دروعا بشرية بشكل ممنهج”، “يوتيوب”، 26/5/2025.

 [10] “ضابط إسرائيلي: نستخدم الفلسطينيين دروعاً بشرية بشكل منتظم”، “الجزيرة”، 30/3/2025.

 [11] حسني نديم، “شاب فلسطيني يروي للأناضول كيف استخدمته إسرائيل درعا بشريا بغزة (شهادات)”، وكالة الأناضول، 10/1/2025 (محدّث في 11/1/2025).

 [12] م. ع. س. (21 عاماً) من سكان جباليا البلد ونازح في مواصي خان يونس، “أجبروني على ارتداء زي الجيش وتفتيش المنازل”، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 16/9/2024.

 [13] “هيئة الأسرى ونادي الأسير تستعرضان شهادة لمعتقل من غزة استخدمه الاحتلال درعاً بشرياً لأكثر من 40 يوماً”، هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير، 15/8/2024.

عن الكاتب:

عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.

بقلم: وسام زغبر – عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

«مادلين».. سفينة الحرية التي كسرت حاجز الصمت وفضحت قرصنة الاحتلال

في مشهد يعيد إنتاج التاريخ الاستعماري القائم على القمع والعدوان، أقدمت دولة الاحتلال “إسرائيل” على قرصنة بحرية مكتملة الأركان، باعتراض واحتجاز سفينة “مادلين”، إحدى سفن “أسطول الحرية”، في عرض المياه الدولية. هذه السفينة، التي أبحرت من موانئ الضمير العالمي محمّلة بالمساعدات الإنسانية والأمل، لم تكن تحمل سوى رسالة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة. إن اعتقال المتضامنين الدوليين، ومن بينهم نواب برلمانيون وفنانون ونشطاء من مختلف الجنسيات، لمجرد أنهم حملوا مساعدات غذائية وطبية لأطفال يموتون جوعًا وعطشًا، يكشف مدى توحش الاحتلال واستهتاره بكل الأعراف والمواثيق الدولية.

هذه الجريمة ليست سوى امتداد مباشر لحرب الإبادة الجماعية التي تشنها “إسرائيل” منذ أكثر من 600 يوم على القطاع، والتي أودت بحياة ما يزيد عن 55 ألف شهيد، وأكثر من 115 ألف جريح، وخلّفت أكثر من 15 ألف مفقود تحت الأنقاض، غالبيتهم من الأطفال والنساء. القرصنة “الإسرائيلية” بحق “مادلين” تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتعبّر عن الطبيعة الاستعمارية العنصرية لهذا الكيان، الذي لا يقيم اعتبارًا للقانون أو للضمير العالمي. إن استهداف سفينة إنسانية بهذا الشكل، عبر الحصار والتشويش الجوي والهجوم البحري المباشر، وصولًا إلى الترهيب والاختطاف، يُعدّ جريمة دولية موصوفة، لا يجب أن تمرّ دون رد ومساءلة.

إننا في مواجهة جريمة مركّبة، تبدأ من حصار شعب وتجويعه، وتمتد إلى تجريم كل من يحاول مدّ يد العون له. والمطلوب اليوم ليس فقط إطلاق سراح أبطال “مادلين” وسفينتهم، بل تحرك دولي عاجل لعزل دولة الاحتلال ومحاسبتها على جرائمها، ورفع الحصار الظالم عن غزة بشكل كامل وفوري. كما أننا ندعو إلى تصعيد التحرك الشعبي العالمي وتسيير المزيد من سفن الحرية، لأن رسالة “مادلين” لا يمكن أن تُغرقها آلة القمع.

في المقابل، لا يسعنا إلا أن نحيي أحرار العالم الذين خاطروا بأرواحهم من أجل كسر الحصار، وفي مقدمتهم النائبة الأوروبية ريما حسن، وكل من رافقها في هذه الرحلة الإنسانية. لقد وصلت رسالتهم إلى قلوب أبناء شعبنا، وإن لم تصل إلى موانئه، وسيسجّل التاريخ أسماءهم في سجلّ نضالنا، إلى جانب شهدائنا وأسرانا ومقاومينا.

“مادلين” لم تكن مجرد سفينة، بل كانت صوتًا للحرية في وجه الظلم، وصرخة عالمية في وجه الإبادة. وإن اختطافها لن يُسكت هذا الصوت، بل سيزيده صدى. لأن الشعوب الحرة لا تُهزم، ولأن إرادة الحياة أقوى من سطوة الحصار.

ستُكسر القيود، سينكسر الحصار، وستنتصر فلسطين.

من زنازين القهر إلى ميدان الشهادة.. وداعًا رايق بشارات

نعت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، والحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، الشهيد والأسير السابق رايق عبد الرحمن بشارات (48 عامًا) من محافظة طوباس، الذي اغتالته قوات الاحتلال في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاستهداف الممنهج للأسرى المحررين.

رايق بشارات لم يكن مجرد رقم في سجل الشهداء، بل صفحة دامية من وجع فلسطين المقاوِم. فقد أمضى ما مجموعه أكثر من تسع سنوات داخل سجون الاحتلال، وهناك سُجلت إحدى محطات الألم في حياته حين بُترت يداه عام 2002، في مشهد قاسٍ لا يزال محفورًا في ذاكرة من عرفوه. وفي العام نفسه، استُشهدت زوجته، وأُصيب نجله، ضمن سلسلة من المآسي التي طالت عائلته.

اعتُقل بشارات أول مرة عام 2003، وأُفرج عنه عام 2011، لكنه بقي تحت الاستهداف الإسرائيلي، فتم إعادة اعتقاله عام 2019 لمدة شهرين، ثم اعتُقل مجددًا في عام 2021، وخاض آنذاك إضرابًا مفتوحًا عن الطعام لمدة 53 يومًا رفضًا لاعتقاله الإداري، مُجسدًا بصموده صورة من صور البطولة الفلسطينية خلف القضبان.

وتقدمت الهيئة ونادي الأسير بأحرّ التعازي والمواساة لنجله الأسير يزيد بشارات، المعتقل إداريًا منذ آذار/مارس من العام الجاري، ولكل أفراد عائلته الصابرة الصامدة، سائلين الله أن يلهمهم الصبر والثبات.

وأكدت المؤسسات الثلاث أن هذه الجريمة تأتي في سياق نهج إسرائيلي ممنهج لاستهداف الأسرى المحررين، وخاصة من شاركوا في مقاومة الاحتلال، سواء من تحرروا ضمن صفقات تبادل أو بعد انتهاء محكومياتهم، حيث لا يتوقف الاحتلال عن ملاحقتهم واعتقالهم واغتيالهم، في محاولة لكسر إرادتهم وتشويه رمزية حضورهم الوطني والإنساني.

رايق بشارات كان شاهدًا على بشاعة الاحتلال، وضحية مستمرة لمقصلته الدموية، حتى لحظة استشهاده. لم يهن ولم يبدّل، وظل وفيًا لخطه الوطني، حاملًا جراحه، وذكريات أسره، وفقدان زوجته، بين كتفيه حتى ارتقى.

إنّ استشهاد بشارات هو نداء جديد للعالم: بأن من يُفرَج عنهم من السجون لا يتحررون من استهداف الاحتلال، بل يواصلون مواجهة الموت في كل لحظة. وإنَّ الوفاء لرايق، ولكل الأسرى الشهداء، يبدأ بمحاسبة الاحتلال على جرائمه، ودعم نضال الأسرى المتواصل من زنازين القهر إلى ساحات الصمود.

بقلم: د.عبد ربه العنزي

ماكياج الشيطان

الممارسات التي انتهجها النازيون ضد اليهود أنتجت “مجتمعًا إسرائيليًا فاشيًا”، أو كما يقول “إسرائيل شاحاك”: “اليهودية النازية”. وفي الوقت نفسه الذي تُدان فيه النازية ويُستنكر مؤيدوها ويُجرّم منظّروها، فإن لليهود في “إسرائيل” الحقَّ في ممارسة أي نوع من السلوك اليهودي ضد الأغيار “غير اليهود”. لذلك نكتشف سهولة البحث عن تبرير أيديولوجي لـ”إسرائيل” في أي ممارسة فاشية، فمثلًا، “موشيه يعالون” رئيس الأركان الإسرائيلي حينما ذبح مخيم جنين عام 2002، قدّم تفسيرًا للسلوك النازي الإسرائيلي، واعتبر إبادة المخيم عملية “كيّ للوعي” الفلسطيني، وهو التعبير نفسه الذي استخدمته الدعاية النازية للتنكيل باليهود في ألمانيا.

ومنذ “الهولوكوست”، دأبت “إسرائيل” – الدولة، وقوة الاحتلال، وجماعات الضغط الصهيونية العالمية – على أن تصفع وجه الحضارة الغربية صباح مساء، مستفيدةً من معاناة “الهولوكوست” الإنسانية، ماديًا، كما يحدث مع ألمانيا التي دفعت لـ”إسرائيل” منذ عام 1952 مبلغًا يقارب “58” مليار دولار، وإعلاميًا، كما يتضح في الأفلام السينمائية التي تنتجها هوليوود لتكريس “الهولوكوست” في الوعي الغربي، وسياسيًا، للنيل من كل شخصية أو مؤسسة أو دولة تتبنى مواقف مناوئة لـ”إسرائيل”، حتى أصبحت “الهولوكوست” صناعة، مما حدا بـ”نومان فنكلستين” لتأليف كتاب بعنوان: “صناعة الهولوكوست”.

الهولوكوست هذه، واليهودية المتعذبة كما يريد أن يصورها منظّرو الصهيونية، ألزمت العالم أن يصمت إذا مارس كيان العدو الصهيوني تنكيلًا بالفلسطينيين يماثل التعذيب النازي لليهود. لقد أجبر العالمَ لنصف قرن ونيف على التزام الصمت تجاه “الكيان الصهيوني” كدولة احتلال، والتغاضي عن آثامها وجرائمها ضد إنسانية الفلسطيني وآدميته.

هذه الحالة، حالة الصمت إزاء نازية الدولة اليهودية المعاصرة، فجّرها الصحفيان “فريدريك رينفيلت” و”دونالد بوستروم”، بعد أن أصرّا على شهادتهما في تحقيق أجرياه في الأراضي المحتلة ونُشر في صحيفة “أفتونبلاديت” السويدية، حول انتهاكات إسرائيلية كبيرة لحقوق الأسرى الفلسطينيين، وسردا شهاداتهما عن جثامين شهداء تعرضت للسرقة.

ما كشفه الصحفيان السويديان هو جهد لكشف حقيقة الاعتداء على جثامين الفلسطينيين وسرقة أعضائهم، وهو ما يُعد تجاوزًا أخلاقيًا إجراميًا في نظر القانون الدولي. إنها جريمة لو حدثت في أي بلد غير “إسرائيل” لاختلف التعاطي الدولي والإعلامي معها، لكنها مع ذلك محاولة صادمة قدمها الصحفيان للرأي العام الأوروبي، الذي طالما نظر إلى كيان الاحتلال على أنه ضحية “الإرهاب العربي”.

وطالما أن الصحفيين الشجاعين فتحا هذا الملف، فإن خلف هذه الجريمة تفاصيل أكثر مساسًا بحق الإنسان الفلسطيني حيًا وميتًا. إنها جريمة ترتكبها “إسرائيل” منذ قيامها حتى اليوم، حيث هناك آلاف من المفقودين الفلسطينيين والعرب، إلى جانب أعداد مهولة من الشهداء الفلسطينيين الذين تعتقل دولة الاحتلال الصهيوني جثامينهم الطاهرة حتى يومنا هذا، في حفر لا يزيد ارتفاعها عن سطح الأرض بين 50 – 70 سم، مما يعرضها للانكشاف بفعل العوامل الطبيعية، فتكون عرضة لنهش الوحوش والكلاب الضالة، فيما تتعرض الجثث المحتجزة في الثلاجات للتلف وانبعاث الروائح، بسبب غياب المعايير الصحية.

ولم يصدر عن مؤسسات الدولة العبرية ما ينظم تعاملها مع جثامين الشهداء وضحايا حروبها على الدول العربية والفلسطينيين، عدا الأمر العسكري الصادر عام 1976، والذي حمل الرقم 380109، وتعلّق بتعريف الجثث، ونزع الوثائق والأغراض منها، وترقيم الجثث والقبور.

إن كيان الاحتلال لا يزال يحتجز المئات من هذه الجثامين في ما يُعرف بـ “مقابر الأرقام”، أو في ثلاجات حفظ الموتى، والكوميديا السوداء لـ”إسرائيل” تصرّ على التعبير عن نازيتها؛ إذ إن السلطات القضائية الإسرائيلية أصدرت على بعض هذه الجثامين أحكامًا بالسجن، وصل بعضها إلى المؤبد وعشرات السنين!

وبشهادة مؤسسات حقوقية دولية، فإن “إسرائيل” هي الدولة الوحيدة في العالم التي تفرض عقوبات على الجثث؛ حيث تحتجز أعدادًا غير معروفة من جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين استشهدوا في مراحل مختلفة من الكفاح الوطني. وقد أقام الكيان الفاشي الصهيوني لهذه الغاية مقابر سرية عُرفت باسم “مقابر الأرقام”، حيث كُشف النقاب عن أربع منها، فضلًا عن احتجاز جثامين أخرى في ثلاجات.

وهذه المقابر السرية عبارة عن مدافن بسيطة، محاطة بالحجارة، دون شواهد، ومثبت فوق القبر لوحة معدنية تحمل رقمًا معينًا، ولهذا سُميت بـ”مقابر الأرقام”، لأنها تتخذ الأرقام بدلًا من أسماء الشهداء، ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به الجهة الأمنية المسؤولة، ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد.

إن التنكيل بجثامين الشهداء الفلسطينيين، أو اعتقالها لعقود من الزمن، علامة امتياز لممارسة نازية إسرائيلية. وهي – أي “الكيان الصهيوني” – يمارس هذا السلوك الفاشي في الوقت الذي جنّد فيه العالم، حكومات، ومؤسسات حقوقية، ونقابات مهنية، ومنظمات دولية، ومؤسسات إعلامية، وشخصيات اعتبارية دولية، للبحث عن الجندي الطيار “رون أراد” الذي انقطع الاتصال به منذ عام 1987!

إنه سلوك يتفوق على النازية كأيديولوجيا ومؤسسة، لأن النازية – رغم جهازها الإعلامي “الجوبلزي” – فشلت في إقناع العالم بتبرير الجريمة أو تقبّل دوافعها، بل حفزت العالم كله للوقوف ضدها.

أما العالم الصامت على النازية الصهيونية الآن، فهو نتيجة في حد ذاته لتفوق الشر على الخير. إنها تشظٍ لقيم حقوق الإنسان التي قاتلت البشرية طويلًا من أجلها. إنها مرحلة “الصهيونية” التي تقتل وهي تقنع العالم أنها الضحية، وأنها الناجية من عار البشر المتمدنين الذين تركوها تُشوى في “الهولوكوست”. إنها تخفي جريمتها باقتدار، كما تفعل مع “مقابر الأرقام” لشهداء فلسطين.

بقلم : مراد السوداني – الأمين العام لإتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين

أسرانا .. البرق الأبيض

الكتابة عن الأسرى تبدو لدى الكثيرين مجازفة غير محسوبة النتائج، أو ربما، لغواً فكرياً، ويحقّ للبعض أن يعتبرها شطحاً لا يصحّ عليه نقلٌ ولا عقلٌ، بلغة المتصوّفة، أو هذياناً.. كيف لا؟ وكلّ شيء ينقلب إلى ضدّه، ويعلن الوجود قانون المغايرة والاختلاف. حتى بات الحديث عن بديهيات وجودنا الفلسطيني جنوناً، والإصرار على الثوابت جموداً لا تقتضيه ممكنات السياسة وأحابيل الساسة البهلوانيين الذين – في معظم طرائقهم – يتقنون الدجل والرقص على الحبل، والتلوّن الحرباوي تحت ذرائع “التكتيك البارد” وتبرير السقوط المهين.

والآن، وقد قال شعبنا كلمته: لا حلّ دون إطلاق سراح الأسرى، فإنّ من الضروري والملحّ أن يقفز ملفّ المعتقلين ليستقرّ على طاولة المفاوضات دون لبس أو مناورة أو مداورة، لتتقدّم قضيّتهم وتأخذ الصدارة والأولوية. أما آن الأوان أن نتذكّر سرب نوارس الشهداء الذي تضرّج في زنازين الموت البطيء وإرهاب أعتى احتلال على سطح كوكبنا الأرضي؟ ونتذكّر (وكم نسينا) معارك الأمعاء الخاوية التي خاضتها الصفوة، الصفوة من أبناء شعبنا، في باستيلات النقيض وغرف تحقيقه؟ فكم من أضلع طُحنت، وأظافر نُزعت، وأرواح أُزهقت، وما زالت كهرباء حقد العدو تشقّ دهاليز عظام الصابرين الصادقين في ظلمة الرهبوت وأقبية التحقيق؟ أولئك الذين تشقّ نظراتهم برّ الصمت العربي والدولي لتؤكّد لنا: بأنّهم يدفعون يومياً ضريبة دفاعهم عن وجودنا ومقدّساتنا وشرفنا، وأنّ دماءهم التي نزفت في غير خيمة وسجن بصقت في وجوه المدّعين والمقامرين والراقصين على جراحنا كالدببة.. نقول ذلك ونشعر أنّ الحقيقة ما زالت نائمة، فرحم الله من أيقظها.. وكلمة الحقّ غائبة، فهل من يهزّها بجرأة الصدق؟ أم أنّ على قلوبنا أقفالها، وعلى أعيننا عباءات ليل؟

**

ومن حقّنا أن نتساءل: ماذا قدّمنا للأسرى؟ وما هي الحال التي تعيشها أسرة المعتقل؟ من ذا الذي يطرق أبوابهم ويذرف دمع الخبز والحليب على عتبات فقرهم وكلالهم؟ ويربّت على كتف صغارهم ذات عيد، ويهدهد لوعتهم المخنوقة وأنفاسهم المكتومة؟ ومن الذي يرفع عقيرته ليصرخ أمام البلاد والعباد بأنّ النقيض يحوّل المعتقلات إلى أقفاص ذلّ وموت استراتيجي؟ أنّ العدو ماضٍ في استحداث أفانين القتل بحقّ الأسرى، ليرتفع معراج تضحياتهم إلى الأعالي، ويُلامس سقف سمائنا المكلومة؟ ويستمرّ المعتقلون في تحويل باستيلات القهر وزنازين العزل الفردي والجمعي إلى أكاديميات فداء وشموع تضحية، للتأكيد على أنّ غطرسة السجّان وهزيم رعود مفاتيح زنازينه لن تزيد قلوبهم إلا اشتعالاً بحبّ الوطن والانحياز لترابه وليله ونهاره، ولن تمنعهم من أن يهجسوا بفلسطين: غزالة أمتنا السارحة، وبرقنا الأبيض، وحلمنا المحتوم، وثابتنا الأكيد، رغم متغيّرات آلة العولمة ومستحدثات النظام الدولي المغازل لعدوّنا، الذي حوّل وطننا بجهاته اللاهبة إلى سجنٍ كبيرٍ وقيدٍ مكين.

**

وبعد.. أما آن لتجربة الاعتقال الفلسطيني أن تُدوَّن؟ ولسِفر الجهاد الفلسطيني في سجون النقيض أن يُحبَّر، بدأب وفعل الكُتابيين، وإصرار زيتوننا الجريح على المواجهة والبقاء؟ أما آن لما حقّقته الحركة الأسيرة من إنجازات وتضحيات جسام وسِجلّ بطولة ناصع أن يُحفَظ، ولما خطّته أقلام الأحرار أن يبقى؟ فصراخهم ودويّ قلوبهم ملأ رنينه الأبعاد والأمداء، ليُعلِن أحقّيتهم – الأسرى – في أن يكونوا بين ذويهم وأُسرهم؛ لأنّ أياديهم الخيّرة والمباركة ما زالت تصنع التاريخ وتحفر علامات الفخر على جبهة الزمن، وتُثبت حقيقة ناصعة: بأنّ الاحتلال يستدعي المقاومة، والعين بالعين، والسنّ بالسنّ، والعدو تجاوز ألف حدٍّ ومقدّس، وداس على كل شيء، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

**

يتقدّم الأسرى ويقذفون صدورهم العارية، إلا من إيمانهم بعدالة قضيتهم، على بطش النقيض ومحمولاته وآلاته. صرخوا وشقّوا شجر القلوب لزلزلة النيام والمطفأين، لتُخرج أرضُ روحهم أثقالها، ويُحدّث التاريخ أخبارها.

**

تأخّرنا فتقدّموا.. جَبُنّا فشجعوا.. انكفأنا فامتدّوا في الشجر والحجر، وقنبلوا النشيد والكلام الجاهز.. برّرنا وناورنا، فانحازوا لدمهم المستباح، ورشقوا بجمراته وجوه الغزاة، وغنّوا نداء الحياة.. أخذنا حقّنا وحقّ غيرنا، فآثروا على أنفسهم، وتوّجونا على عرش البراري.. نسيانهم على غفلة مفاوض، فذكّرونا بهم وبنا، والحزن بالحزن يُذكَر..

تسلّقت علينا طفيليات حبّ الذات والأنانية والصعود على جماجم الأطفال، فانتبذوا الأقاصي (السجون) وشزرونا لإعلان البراءة من الرجس الذي عمّ وساد. اقتتلنا على شقّ تمرة، فزرعوا نوى قلوبهم على السياج، في الحارات والأزقّة والمخيّمات.. ورفعوا كلامهم نجوماً تهزأ بالعتمة، وتفكّ ستائر الليل، وتهمز خيل الجراح على قمم جبالنا، في الشعاب والوديان.. وكلّ مكان.. لتصهل بأنّ الرماة على ظهر أُحد، وأنّ صليات حناجرهم أقوى من هدير مدافع النقيض وقذائف الموت الحمراء.

أتقنّا النفاق، فأتقنوا جرأة الحقّ. هلّلنا لـ”الآخر” الذي كان ولم يزل نقيضاً، فهلهلوا (الأسرى) انتصار بياضهم على غبش العدو وسديمه.. قفزنا كقططٍ عجفاء، ذات اليمين وذات الشمال، فانتصبوا محدّقين في غدهم، وفتحوا الأسئلة، فاحترق الكلام، ورنّت قيودهم، فأيقظت (إن أيقظت) السواكن والرواكد في امتدادات وطننا طولاً وعرضاً..

تسوّلنا على قارعة أمريكا، وبسطنا الأكفّ لما جاد به صندوق النقد الدولي، وذهبنا الأسود المسروق.. تسوّلنا (وأُجبر الكثير)، فأنكر المنسيون طبائعنا، وجاحوا: “تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها”، و”تأكل الهِرّة بنيها وهي مغمضة عينيها”.. تثاقلنا إلى الحرب لأنّ رغد السلام (المزعوم، طبعاً، والذي يحسبه الظمآن ماء) أَتخَمنا وأوقعنا في أريحية الرضى ولذّة القبول وسياسة الانبطاح والعدمية.. وجدنا التجارة بالأرواح والمهج والذهب والبلاد والدم، فتاجرنا.. فبذل المنسيّون أعمارهم رخيصة، وتلك تجارة لن تبور.

ليس غريبًا أن يعيد العدوّ إنتاج المكان؛ مكاننا، إلى محطّات إبادة متنقّلة، عبر قائمة التعذيب العصري وفنّ الإبادة… وليس غريبًا أن تتحوّل المعتقلات إلى مختبرات وعينات بحث أمام طلبة الجامعات في “إسرائيل”، حيث يزور هؤلاء الطلبة، في جولات بحثية دراسية، المعتقلات لإجراء أبحاثهم وتقاريرهم عن “المتوحّش”، “الإرهابي”، “المتخلّف” الذي يقبع خلف القضبان… وعبر غسيل الأدمغة لهؤلاء الطلبة وتضليلهم، والماكينة الإعلامية الصهيونية المبرمجة، والتنشئة المؤسَّسة على كره ما هو فلسطيني وعربي، يتحوّل الأسير الفلسطيني/العربي إلى رقم في اختبار طالب إسرائيلي… ياه، كلّ ذلك… كلّ ذلك… وننام ملء عيوننا عن توحّش النقيض.

وفي سياق “إنسانية” العدو، وآخر تجلّيات “ديمقراطيته”، ما حدث مع الطالب أنس شحادة، طالب الهندسة الإلكترونية في جامعة بيرزيت، المعتقل في سجن النقب الصحراوي، إذ أُجريت له عملية جراحية للزائدة الدودية في مشفى (سوروكا)، حيث شقّوا بطنه دون تخدير وأمام ناظريه، مردّدًا (الطبيب الإنساني؟!)، وبين الحين والآخر بالعبرية: “مخرّب”، ولم تشفع لأنس دعوات الممرّضات للطبيب بأن يرحم المريض الذي أغمي عليه، فقاموا بإيقاظه، وبين الصحوة والحلم، يشمّ أنس رائحة لحم يحترق، فإذا بالطبيب (الإنساني جدًّا!) لم يستخدم الإبرة والخيط، بل لحام النار… فأيّة بربرية وغولية هذه؟! وأيّ سادية ومشارط حقدهم تعفّر بياض دمنا وتنعفه راجفًا؟ وأين نحن من كلّ ذلك؟

أمّا عن اغتصاب الأطفال وترويعهم بهدف إسقاطهم وتحطيم نفسيّاتهم، فحدّث ولا حرج… وكلّ ذلك يندرج تحت حجّة الأمن “الإسرائيلي”! فما يهدفون إليه هو أن كلّ من يخرج من المعتقل يجب أن تعطب روحه، ويتعفّن جسده، ولا بدّ من كسر إرادة المعتقل بشتى الأساليب: الأغنية التي تختارها إدارة السجن وفق رؤية نفسية تفعل فعلها بالتراكم، نوع السجائر التي كانت توزّعها إدارة السجون على الأسرى: “أُسكت”… الترغيب والترهيب، وسياسة العصا والجزرة، ودائمًا العصا أمام الجزرة وخلفها… وليس عبثًا أن يصرّ العدو على اعتبار المعتقلين في سجونه “سجناء أمنيين” وليسوا سياسيين؛ فلو اعتبرهم سياسيين لاعترف بحقوقهم وشرعيتهم. فهم متهمون بـ”الإرهاب” و”العنف”، وهم – حسب رؤية النقيض – يهددون أمنه ويقضّون مضاجعه، ومن هنا يسعى العدو بأدواته التضليلية إلى تقديم صورة مشوّهة تمامًا للصليب الأحمر الدولي وهيئات حقوق الإنسان (إن وُجدت) عمّا يدور في أقبية القتل، أقبية الرطوبة والعفونة والحشرات والأمراض التي تقتات على أجساد أبنائنا وأحبّتنا خلف القضبان…

**

وهناك، في معازل العدوّ، وبعيدًا عن الأعين، يطوي أسرى الدوريات العرب أيامهم… وينزفون جراحهم بصمت ومرارة… يمعنون إرادة وتحدّيًا، ويمعن العدوّ فيهم سلخًا وموتًا لتحويلهم إلى أشباح من عالم مختلف وزمن آخر… فكم من أسير أُفرج عنه في كيس أسود؟! أم أن هؤلاء لا بواكي لهم؟! وعلى ماذا ننتظر، ومعنا أمتنا التي وُضعت على قائمة المأكولات، متناسين: “إذا كنت مأكولًا، فكُنْ خير آكلٍ”!

**

ولن ننسى أخواتنا الصابرات اللواتي يتعرّضن لشتى صنوف الإهانة والإذلال والتركيع، من الترهيب إلى العزل، إلى التحرّش الجنسي ومحاولات الاغتصاب… كلّ ذلك، ولم يرمش لنا جفن، ولم تثر لنا ثائرة… وكأنّ الأمر لا يعنينا! وعليه، فإنّ على عاتق المؤسسة الرسمية الثقافية والإعلامية، وكافة المؤسسات والمراكز ذات الشأن، وكلّ غيور على ترابنا الحر، مسؤولية فضح ممارسات العدو ضدّ العُزَّل في باستيلات القهر والنسيان… النسيان الذي يحفر لحم وعظام وردنا الطفل، وزيتوننا الشيخ…

**

أمّا الذين يقضون الأحكام المؤبّدة… فالسجن بيتهم وأسرتهم، والظلمة أمسهم وغدهم… يصادقون الدوري اللاهي بين الأسلاك الشائكة، وما ضلّ من الطير ليحطّ على زهرة عمرهم الذوّاية… كيف لا، وقد وقع شيخهم أبو السكّر في حبّ الشجرة في سجن عسقلان؟! إنهم المنسيون يربّون أحلامهم ويزرعون الأمل في أحواض القلوب، ويصرّون على المواجهة والذهاب نحو فلسطين مغسولة من سخام العدو… إنهم المنسيون: الضحايا الذين يحاكمون الجلّاد، والورد الذي يكسّر السيف، والندى الذي عصف بالجمر، والقيد اللاهب ثباتًا وشموخًا وعنفوانًا في زمن الردّة والسقوط العربي… إنهم المنسيون الشوامخ الذين رأوا فلذات أكبادهم من وراء الأسلاك “الإسرائيلية” تنمو كزعترنا الجبلي، فيذرفون نرجس العيون لوعةً، ويلوبون عمرًا…

**

” “أسرانا”، بألف كبيرة بحجم قاماتهم التي تعانق أرض السماء، حيث يدلّ الاسم على المسمّى، وتذهب اللغة لتحرس رقصاتهم الذبيحة، وأعضاءهم التي تتداعى كلما كوتهم سياط النار، وألهبت أجسادهم هزّات الهلع الصهيوني، ولفحتهم حمأة الخيام والأقبية… إنهم الأسرى و”أسرانا” منهم، ولهم، ومعهم. ترصد الوجع وتقرع أجراس الأرض ضدّ العدو الذي تخلّق بخلائق الضباع، وزحف كالجراد على اليانع والأخضر فينا، وأوغل في كلّ شيء: خسفًا، وقصفًا، وقتلًا… الأسرى، إذًا، يعلنون معركة الصمود… لتنتصب قصباتهم النحيلة في وجه مدرّعات الغزاة، والرشاشات الثقيلة، والأسلاك المكهربة الشائكة الشاهدة على عقدهم التوراتية. وطوبى لها، وهي العليّة العفية، تواصل العطاء، وتحمل الوجع الفلسطيني، وقضية الأسرى، بكامل الوثوقية والاقتدار…

رابط دائم
https://elayem.news/vu0oc