الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

«جمال ساعود» يوضّح لـ”الأيام نيوز” رؤية طهران لما بعد الحرب: إدارة الصمود والانتصار وفق مبدأ “التجزئة الذكية”

Author
رتيبة عماري 25 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في رؤية تحليلية قدمها الدكتور ساعود جمال ساعود لـ”الأيام نيوز”، تتجلّى استراتيجية إيران، في إدارة الحرب واستثمار نتائجها، ضمن خطّة متوازنة تقوم على إدارة الانتصار بحكمة، وتحويل الصمود العسكري إلى أوراق تفاوضية، ذات وزن دولي. ويؤكد ساعود أن إيران، بدلا من الانجرار وراء خطاب لغوي تصعيدي، ها هي تتجه – بالفعل – نحو مقاربة عقلانية تراكمية تجمع بين الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، مع الحفاظ على قدرة التفاوض حول الملفات النووية والإقليمية والعقوبات بشكل منفصل، وفق مبدأ “التجزئة الذكية”. كما يشدد على أهمية تعزيز الاعتراف الإقليمي بدور إيران ورفع العقوبات عنها، مع إدارة نفوذها الإقليمي بحذر لتقليل الكلفة السياسية وتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.

 أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن الوضع في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران يتسم بعدم الاستقرار ويتغير باستمرار. وأوضحت ليفيت في تصريحات لقناة “ABC” الأمريكية أن هذه المناقشات دبلوماسية حساسة، وأن واشنطن لن تفصح عن تفاصيلها عبر وسائل الإعلام، مشددة على أن الافتراضات بشأن اللقاءات لا تعتبر نهائية إلا بعد إعلان البيت الأبيض الرسمي.

وفي وقت سابق، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة وإيران أجريتا مفاوضات “إيجابية ومثمرة جدا”، وأشار إلى أنه كلف البنتاغون بتأجيل توجيه ضربات إلى البنية التحتية للطاقة في إيران لمدة خمسة أيام. لكن الواقع على الأرض كشف عن تناقضات واضحة، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن طهران لم تجر أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، مكتفية بتلقي رسائل عبر وسطاء تعبر عن رغبة أمريكية في مناقشة سبل إنهاء النزاع، وهو ما أبرز محدودية وارتجالية السياسة الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني.

وفي تحول مفاجئ يجسّد هشاشة القرار الأمريكي، تراجع ترامب عن حافة تصعيد كان من الممكن أن يكون كارثيا مع إيران، متجها نحو مسار دبلوماسي حذر تم ترتيبه عبر شبكة معقدة من الوسطاء. هذا التراجع، الذي حظي بتغطية واسعة من كبريات الصحف الدولية مثل وكالة بلومبيرغ وول ستريت جورنال وتلغراف وآي بيبر، لم يكن نابعا عن استراتيجية حكيمة، بل نتيجة ضغوط مكثفة من حلفاء واشنطن في الخليج، الذين حذروا من العواقب الكارثية المحتملة لاستهداف البنية التحتية المدنية في إيران، بما قد يخلق فوضى عارمة في الخليج وفراغا إقليميا غير مستقر.

وفق بلومبيرغ، تزامن هذا التراجع مع الاهتمام الأمريكي بتهدئة الأسواق المالية التي اهتزّت بفعل تهديدات ترامب، وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما كشف مرة أخرى عن ضعف إدارة الولايات المتحدة للأزمات وارتباط قراراتها بالمصالح الاقتصادية الداخلية أكثر من التوازنات الإقليمية. ووفق أشخاص مطّلعين نقلت عنهم الوكالة، أدى قرار ترامب إلى هبوط حاد في أسعار خام برنت وارتفاع في مؤشر “إس آند بي 500″، ما أعطى الإدارة الأمريكية متنفسا مؤقتا، لكنه أظهر هشاشة سياستها تجاه النزاعات الإقليمية.

نحو إيجاد مخرج للحرب

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، كشفت مصادر أن وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان اجتمعوا في الرياض لمحاولة إيجاد مخرج للحرب، في ظل غياب إيران عن طاولة مفاوضات مباشرة، خصوصا بعد مقتل شخصيات بارزة مثل مسؤول الأمن القومي علي لاريجاني. ورغم هذه الصعوبات، تمكنت أجهزة الاستخبارات المصرية من فتح قناة اتصال مع الحرس الثوري الإيراني، ما أتاح طرح مقترح لوقف القتال لمدة خمسة أيام كمهلة لإعادة الثقة وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار، وهو ما مهد الطريق للتحول الذي أعلن عنه ترامب لاحقا من منتجعه في مارالاغو بولاية فلوريدا.

ويشير محللون، مثل روهيت كاشرو من صحيفة آي بيبر البريطانية، إلى أن إيران نجحت في توجيه دفة الصراع لصالحها رغم التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، مستندة في ذلك إلى مبدأ الصمود كوسيلة استراتيجية للضغط الاقتصادي على خصومها، خصوصا من خلال التأثير على أسواق الطاقة العالمية، ما يعكس فشل السياسة الأمريكية في استيعاب تداعيات حرب اقتصادية بعيدة المدى.

ساعود جمال ساعود

وعلى صعيد التحليل الاستراتيجي، يرى الدكتور ساعود جمال ساعود، في تصريحات لـ”الأيام نيوز”، أن السلوك التفاوضي الأمثل لإيران بعد الحرب يجب أن يقوم على مبدأ “إدارة النصر لا استهلاكه”. وأوضح أن طهران ينبغي أن تتجنب تحويل الإنجاز العسكري أو الصمود الميداني إلى خطاب تصعيدي قد يثير تشكيل تحالفات مضادة، بل عليها توظيف هذا الإنجاز ضمن مقاربة تفاوضية عقلانية تراكمية.

وأشار ساعود إلى أن استراتيجية التفاوض المثلى قد تتضمن مسارات متعددة، تجمع بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، مع إعادة إحياء أدوات الدبلوماسية المستخدمة سابقا في ملف الاتفاق النووي لعام 2015، ولكن بشروط محدثة تعكس التوازنات الجديدة. كما يجب على إيران فصل الملفات المختلفة تكتيكيا، بحيث لا تُجمع القضايا النووية والإقليمية والعقوبات في سلة واحدة، بل اتباع مبدأ “التجزئة الذكية” لتحقيق مكاسب تدريجية دون تقديم تنازلات كبرى دفعة واحدة.

وأضاف ساعود أن إيران بحاجة للحفاظ على قنوات تواصل مع الولايات المتحدة عبر وسطاء، مع إدراك أن واشنطن تبقى الطرف الحاسم في ملف العقوبات، وأن أي مكسب اقتصادي حقيقي يمر عبر تفاهم ولو محدود معها. هذه المقاربة، بحسب ساعود، يجب أن تُبنى على خطاب عقلاني موجه للخارج، يركز على الاستقرار الإقليمي وعدم الرغبة في التصعيد، بما يعزز صورة إيران كفاعل يمكن التفاهم معه، لا كطرف يسعى إلى توسيع الصراع.

أولويات استراتيجية

أما على مستوى الأولويات الاستراتيجية لتعظيم المكاسب السياسية، فذكر ساعود عدة محاور رئيسية. أولا، رفع أو تخفيف العقوبات، إذ تمثل هذه الخطوة المدخل الحقيقي لتحويل أي مكسب سياسي أو عسكري إلى عائد اقتصادي ملموس. ويتطلب ذلك مرونة محسوبة في التفاوض، دون المساس بالمرتكزات السيادية، مثل رفض تفكيك المشروع الصاروخي والتمسك بورقة الملف النووي.

ثانيا، تثبيت الاعتراف الإقليمي بدورها، من خلال الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية، خصوصا مع دول الخليج التي توجد بها قواعد أمريكية، بما يعزز شرعيتها كطرف ضامن للاستقرار، لا مهددا له. هذه الخطوة تساعد على ترسيخ مكانة إيران كقوة لا يمكن تجاوزها في المحيط الإقليمي، وتحد من أي محاولات لعزلها سياسيا أو تصويرها كتهديد أمني.

ثالثا، إدارة النفوذ الإقليمي بحذر، إذ ينبغي التحول من منطق “التوسع غير المباشر” إلى “النفوذ المنضبط”، بما يقلل الكلفة السياسية لتحركاتها في ساحات مثل العراق ولبنان. ففائض النفوذ في هذه المناطق، إذا لم يُدار بعناية، قد يتحول إلى عبء تفاوضي ضدها، بدل أن يكون أداة لتعزيز مصالحها الاستراتيجية.

ويشير ساعود إلى أن نجاح إيران تفاوضيا لا يليق قياسه فقط بقدرتها على الصمود أو فرض شروطها، بل بمدى قدرتها على تحويل نتائج الحرب إلى اعتراف دولي بدورها، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وإعادة إدماجها في النظام الإقليمي والدولي بشروط أكثر توازنا. وفي المقابل، يظهر السلوك الأمريكي في الملف الإيراني بصورة مضطربة، إذ تتسم قرارات واشنطن بالتأجيل والارتجال، بينما تركز على مصالح داخلية واقتصادية قصيرة المدى، وهو ما يعكس فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهداف واضحة على الأرض.

وبذلك، تتضح الصورة العامة للملف الإيراني كدرس في إدارة الصراع، حيث نجحت إيران في الحفاظ على قدراتها التفاوضية وتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى مكاسب سياسية واقتصادية، في حين ظهرت الولايات المتحدة، – في ظل تناقضات ترامب – عاجزة عن صياغة استراتيجية حقيقية، متقلبة بين التهديد العسكري والضغوط الدبلوماسية، وهو ما يكشف هشاشة سياساتها أمام التحديات الإقليمية الكبرى.

رابط دائم
https://elayem.news/w385r