الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

حين تصبح الكلمة تابوتًا ومقاومة.. أدب المجازر

Author
خالد عز الدين 09 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

في زمنٍ تتناسل فيه المجازر كأنها روتين يومي، وفي لحظة تحوّلت فيها غزة إلى جرح مفتوح على خرائط العالم، تقف الكلمة وحدها على خط النار، شاهدة لا تنحني. أمام عجز السياسة، وصمت المجتمع الدولي، وتواطؤ الإعلام السائد، تنهض القصيدة، والنص، والشهادة الشخصية، لتؤسس أرشيفًا من نوع آخر: أرشيف الحبر والدم، الكرامة والخذلان، الذاكرة والانتظار.

الملف الذي بين أيدينا ليس تجميعًا عابرًا لنصوص متفرقة، بل هو لوحة فسيفسائية حية، تنبض بأصوات متعددة: شاعر جائع يبحث عن الرغيف ككرامة، أم تكتب من تحت الأنقاض، طبيبة تنعى أبناءها التسعة، كاتبة ترى في الفراشة جسرًا بين البراءة والدبابة. تتنوع الأشكال الأدبية بين القصيدة النثرية، السرد التأبيني، المقالة التأملية، والشهادة الشخصية، لكن الثيمة واحدة: إنسان غزة لا يُمحى… حتى إن استُهدف.

هذا الملف يقدّم أدبًا لا يهادن، لا يُجمل، لا يبحث عن بلاغة شكلية فارغة. هنا، الكلمة مشتعلة برماد الخبز، مرقّشة ببقع الدم، محروسة بأكفّ الأمهات. يتضح أن ما نقرؤه ليس فقط “نصوصًا” بقدر ما هو بناء سردي مضاد للغطرسة الإسرائيلية، وصرخة في وجه ذاكرة دولية مثقوبة. إنه “أدب المجازر”، كما يسميه الدكتور المتوكل طه، أدبٌ يوثّق الإبادة لا ليؤرشفها فقط، بل ليقاومها.

في هذه النصوص، لا نجد أدبًا يبحث عن الجوائز أو يلهث وراء بريق النشر، بل نصوصًا كُتبت على ضوء الشموع، تحت هدير الطائرات، بجوار الأجساد الممدّدة، وبقلب أمّ لا تزال تبحث عن أصوات أبنائها في الرماد. الكلمات هنا ليست حروفًا بل بقايا أنفاس، ليست تعبيرًا فنيًا بل محاولة لانتزاع الحياة من تحت الركام. إنها مشاهد معيشة بلغة شعرية، ونداءات استغاثة خرجت من الحلق قبل أن تصل إلى الورق.

في هذا الملف، كل نصّ هو شاهد وشهيد. الطفلة هند ليست فقط قصة، بل علامة على الفشل العالمي. الأم التي تخاطب أبناءها الشهداء ليست مجرد كاتبة، بل ضمير أمة. والفنانة التي قُصفت ريشتها، ما زال أثرها يرسم الحقيقة على وجه العالم. لا مسافة بين القارئ والكاتب هنا؛ كل سطر يلغي المسافة، يدعونا لنتورط وجدانيًا، أخلاقيًا، إنسانيًا، دون ادّعاء أو ترف.

ما تحمله هذه الأعمال من دفقات وجدانية، وحمولة رمزية، لا تحتاج إلى شرح، بل إلى إنصات عميق. لأن هذه النصوص ليست مرآة لحرب فقط، بل مرايا لما تبقى فينا من بشرية. هي محاولات لالتقاط الحياة في لحظاتها الأكثر هشاشة، عندما يصبح الانتظار مهنة، والرغيف حلما، والكتابة معجزة.

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

إلهام البدي… ريشة السلام التي اغتالها رصاص الاحتلال في جباليا

سقطت الفنانة التشكيلية إلهام البدي شهيدة على أرض جباليا، بعدما استهدفتها آلة الحرب الإسرائيلية إلى جانب عدد من المواطنين العزل، فارتقت عن عمر ناهز الثالثة والثلاثين، تاركة وراءها وجعًا عميقًا في قلب الفن الفلسطيني، ودمعة لا تجف في عيون كل من عرفها أو تأمل أعمالها.

لم تكن إلهام مجرد فنانة ترسم الألوان على القماش، بل كانت صوتًا ناعمًا يصرخ بالحق، وريشةً تنسج حكايات الوطن بخيوط من الصوف والحرير، حيث كانت تمزج الرسم بالتطريز الفلسطيني في تداخل فريد كأنها تخيط بالروح ذاكرة المكان والإنسان والمقاومة. في لوحاتها، صمدت المآذن تحت القصف، وغردت العصافير من بين أنقاض البيوت، وارتدت الجدّات تطريز المخيمات، كل ذلك على مساحات من الأمل والألم.

كانت إلهام مشروع وطن مصغّر، وطنٍ يحلم وسط الركام، يرفض أن يستسلم للدمار. اختارت أن تجعل من الفن فعل مقاومة، وأن ترسم الحقيقة حين يصمت الصوت، وأن تُطرّز على الجراح صورًا للأمل، تنبض بالحياة والتحدي.

اغتالتها صواريخ الاحتلال كما اغتالت كثيرين قبلها، لكنّها لم تستطع أن تمحو بصمتها، بل زادتها خلودًا. فالفن لا يُدفن، والحق لا يُقصف، والذاكرة لا تحترق. لقد عرف الاحتلال جيدًا أن ريشة إلهام كانت أكثر فتكًا من رصاصه، لأنها رسمت فلسطين كما لا يريد أن يراها: حيّة، شامخة، جميلة رغم الألم.

برحيل إلهام، فقدت فلسطين واحدة من نواعمها الصلبات، امرأة عرفت أن الفن لا يوقف الموت، لكنه يوثق الحياة، وأن اللوحة لا تحمي من القصف، لكنها تحمي الذاكرة من النسيان.

اليوم تُشيّع إلهام إلى مثواها الأخير، لكنها باقية في كل بيت علّق لوحة من أعمالها، في كل خيط طرزته بأناملها، في كل عين تأملت جمال فلسطين من خلال ألوانها. رحلت إلهام البدي، لكن الفن الذي أنجبته لن يموت، سيبقى شاهدًا على بشاعة المحتل، وعلى عظمة من قاوم بريشة وأمل في زمن صار فيه الحلم ذاته جريمة تُقصف.

يقول أحد المقرّبين منها: “كانت رسوماتها إبرةً تخيط جراح غزة، واليوم ترحل بجرح جديد يُضاف إلى جراح شعبنا”.

إن استهداف الفنانين والصحفيين ليس استثناءً، بل جزء من سياسة ممنهجة لفرض حصار إعلامي وثقافي خانق على غزة، في ظل نزيف إنساني مستمر منذ أكثر من عام ونصف، وسط غياب أي تدخل دولي فاعل لوقف المجزرة أو كبح جماح حرب الإبادة التي تطال البشر والحجر، والكلمة والريشة.

بقلم: فهد شهاب –غزة

ربما سأنجُ مرة أخرى

مطلع القصيدة قابل للزيارة الآن،

والخريف يلوّح بصوته العالي.

أنا أكثر قابلية للمغادرة،

فإن صرتُ حُرًا، رحلتُ نحو الله،

فهل يسافر الراحلون إلى جائعين،

خالين من طعام الأرض؟

* *

الخريف كَذبة الرحيل البرتقالي،

وِحدةُ الألوان،

حِدّةُ الألوان،

وكيف يصير الليل جائعًا مرة أخرى،

وهو اللاتردد في انتظار الغد؟

فلو سمع،

لكتب قصيدةً تليق بخيبتي،

تجيرني من تعب السفر.

* *

فتذكّرْ…

أنني أحنّ إلى بلاط البيت،

فهو مرسمي،

ويراودني السؤال:

أيشعرُ البيت في غيابي؟

هل تدرك القصيدةُ حقًا أنني غائب،

كخوف حمامةٍ تركت تطير بين رصاصتين،

كخوفِ يدي أن تكتب في الرحيل سطرًا،

عوضًا عن سطرين

* *

فأنا لا أجيدُ إلا لغتي،

من يجيدُ منكم لغة العصافير؟

أخبروها أن تعود الآن،

أخبروها أنني اشتقتُ لها،

أريدُ جناحًا واحدًا يكفيني،

سأتّكئ على شهيدٍ

قد أجَّلَ صعودَه نحو الله،

خوفًا من أن يموت مرتين.

* *

قد أدركَ الشمس،

ربما سيطلعُ الصباح،

ربما سأنجُ مرة أخرى،

ولا أعلمُ حقًا إن كنتُ قد نجوت.

فأنا لا أليقُ إلا أن أكتب عن خيبتي،

مثل انتظار الأمهات أطفالَهنّ،

انتظار الأطفال أمهاتهم،

حزنِ الطيور غير المُعلن عنه،

اشتياق الورد أن ينبتَ على صدري قبل أعوام.

* *

خيبتي …

كلما تحسّستُ الربيع،

كلما يمّمتُ وجهي بالتراب،

نجوتُ من الموت.

* *

العائدون إلى بيوتهم يطلونها بالأمل،

والأملُ يبخل أن يُطلّ علينا،

وهو يعلم أن السماء محراب،

لوجوه العائدين من خيباتهم.

* *

فَوَلِّ وجهَك يا قلبُ وصَلِّ،

ويَمِّمْ وجهَك بالتراب وصَلِّ.

* *

فإن دخلتَ عليها محرابها،

لا تسألها: أنَّى لها كل هذا؟

سلها

كيف ينام الطيرُ في صدرها،

وقد بنى عشّه بين أضلعي،

سلها كيف للوزية عيناها

 أن تتعجّب منهما الشمس،

وكيف يتّسق الوقتُ مجددًا

إذا أغمضتهما فجأة؟

* *

سلها…

من يخطئُ الطريق والسؤال كل مرة،

كيف لا يعود؟

بقلم: المتوكل طه

باختصار؛ أدب الأرض المحتلة – من كتابة الضرورة إلى الإبادة

**

الأدب الفلسطيني عموماً، والشِعر خصوصاً، تميّز بأنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة، بسبب الشتات مرة، وبسبب الأيديولوجية مرة أخرى، ولهذا فإن الشِعر الفلسطيني ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة، فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر، جعلت منه متعددَ الأشكال والأساليب والذروات، أيضاً، بشكل يلفت النظر. ويكاد لا يَجمَع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة، إذ نجد حقاً أن التجربة الشِعرية الفلسطينية في الشتات تختلف اختلافاً بيّناً عنها في الأرض المحتلة، ففي الوقت الذي كانت فيه التجربة الشعرية في الخارج تتبنّى قضايا سياسية وجمالية وشكلية معينة، كانت التجربة الشعرية في الداخل مضطرة ومجبرة على أن تتساوق والواقع الذي يفرض ذاته عليها، وكان الواقع فقيراً ومدقعاً من جهة الجدل العقلي والسجال الثقافي، زمن الحروب والاضطرابات تقل السجالات، ولكن هذا الواقع كان يقدم أروع النماذج وأشدها قوة من جهة أشكال التضحيات وأساليب النضال. كان لا يمكن للشاعر سوى أن ينخرط في ما يجري في الشارع، وكان لا بد له من أن يبرّر شِعره، أو يبرر تميّزه، أو، وربما كان هذا هو الأدق، عليه أن يقدم شيئاً مفيداً، مفهوماً، محرّضاً، سريع التأثير، شيئاً جامعاً، أغنية تصلح للغناء أو الترديد في شوارع، كان عليه أن يجعل قصيدته قريبة من أسماع الذين يحملون النعوش أو يستعدون للمواجهة، أو الذين يصرخون أمام الدبابات، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الشاعر نفسه كان منخرطاً في العمل السيـاسي حتى أذنيه، فإن ذلك كان يجعل من قصيدته خادمة لأهدافه السياسية أو التنظيمية. بكلمات أخرى، كان الواقع المعيش يجعل من القصيدة غنيّة بالموسيقى، هادرة بالكلمات، واضحة المعنى، تصلح للضجيج، مناسبة للجموع، تحكي عن ناسها وعن مكانها، وكانت تشبه عملية تسجيل اللحظات الخالدة، يتماهى فيها الفرد / الشاعر مع أناسه جميعاً، فهو يشبههم ولا يزيد عنهم ولا ينقص، صوته هو صوتهم ومشاعره هي مشاعرهم، لا ذاتية زمن الحروب، ولا فردانية لحظة المواجهة، هناك النفَسُ الجماعي والروح الجماعية، الحامية والحافظة، الأقوى والأكثر صموداً وبقاء واستمراراً.

إن القصيـدة التي ولـدت في الأرض المحتلة بعد احتلال العام (1967)، كانت بصورة أو بأخرى، قصيدة الجماعة وقصيدة المكان وقصيدة التحريض بشكلها المهم، وبهذا الصدد يمكن القول؛ إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة، الأمر الذي جعل من القصيدة – بشكل عام، تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج – بمعنى آخر، ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً، الفن صورة مختصرة فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير، وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس، فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.

وبعد العام (1992)، وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر، وتغير المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات، وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية، فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل – حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها – واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة، كان عليها أولاً أن تتوازن؛ بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها، وكان عليها أن ترد بشكل أو بآخر على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه، كالعلاقة مع الآخر، والعلاقة مع السلطة، وكان عليها، أيضاً، أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية.

بعد العام (1992)، كان هناك مخاض على المستوى السياسي والاجتماعي، والشعري، أيضاً، وعاد الأمر كله، كما كنّا ذات يوم في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث وقع الشِعر في حيرةٍ من أمره، فهل يندب الوطن الضائع أم يغني للفارس القادم؟!

ما نريد أن نصل إليه من هذا العرض، هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشِعر الفلسطيني وخاصة شعر الداخل (الضفة والقطاع والأرض المحتلة عام 1948)، يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشعري، بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ. بين النقد والإبداع شَائج بنيوية، عضوية، وروحية عميقة، فلا يمكن استيراد نظرية نقدية عشوائياً لفهم أو مقاربة نتاج له خصوصيته الشديدة، النظرية النقدية ليست مفتاحاً لكل الأبواب، وليست مركبة تسير في كل طريق.

النقد مكمل ومضيء للنص الإبداعي، وليس معارضاً أو متعالياً أو متعالماً عليه، الذائقة يصنعها النص ولا يضعها النقد، والسقف الجمالي يرفعه النصّ ولا يرفعه النقد.

إن القصيدة الفلسطينية في فلسطين، التي حاولت ما حاولت، وعالجت ما عالجت، وتوصّلت إلى ما توصلت إليه – بغض النظر عن جماليته أو عدمه – هي الحالة التي يجب دراستها، والتعامل معها، والمقاربة لها.

ولا يمكن ظلم القصيدة الفلسطينية بمقارنتها بما وصلت إليه قصائد الأوروبيين أو الأمريكيين.

وعليه فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص، المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري يجب أن تنبع من داخله، ومن شروطه، ومن نسقه العام.

ولعله من الظلم والتعسف والتجنّي أن نحاسب أدب الأرض المحتلة بنظريات نقدية غريبة كانت نتاج نص إبداعي مختلف تماماً، ولد ونما وترعرع وتطوّر في ظرف تاريخي مختلف، فالنظرية النقدية التي صمّمت خصيصاً لنص معين لا تصلح إطلاقاً لنص آخر مختلف عنه في المرجعيات وفي الظرف وفي الهدف.

وإن الشِعر المقاوم ليس اختراعاً فلسطينياً بالتأكيد، ولكنه ارتبط بهم مدة طويلة من الزمن وقد يطول الأمر دائماً، والشعر المقاوم يتميّز بأنّه يقوم على ركيزتين هامتين هما: الأرض والتاريخ، وهاتان ركيزتان خارجيتان تقومان أساساً على الفهم الفردي الذي لا يمكن له أن يخالف روح الجماعة أبداً، والشعر – كل شِعر – إذا لم يعبّر عن روح الجماعة في زمن ما ومكان ما فإن يتحوّل إلى مجرد تسلية لصاحبه.

من هنا؛ فإن مقاربة القصيدة الفلسطينية من الداخل والخارج معاً، حسب افتراضنا، سيجعلنا أقدر على الفهم والمشاركة ومن ثمّ التذوق. ونصل إلى الشعر الفلسطيني بعد أوسلو العام (1993) الذي كان محكوما بإرثه الطويل وثوابته التي تحولت إلى خطوط حمراء، وهو محكوم بقانون التطور أيضاً. إن نقطة التجاذب ما بين الثوابت وما بين المتغيرات في هذا الشعر ظهرت بأجلى صورها في الحوار الداخلي في هذه القصيدة، والنقد، والغموض والانتقال من المركز إلى الهامش – بمعنى أن السياسية لم تعد هي القضية الأكثر أولوية -، وعلى المستوى ذاته، كان هناك تغير في شكل القصيدة ذاتها. القصيدة التي تحوّلت من الصهيل إلى الهمس، ومن المركزي إلى الهامشي، ومن الجمعي إلى الذاتي، ومن الصوت الأوركسترالي إلى صوت المفرد، ومن المطوّلة إلى قصيدة الومضة ومن الخارجي إلى الداخلي – وخاصة على مستوى الموسيقى – ومن الاتهام إلى النقد، ومن الاشتباك إلى الانطواء، كل ذلك يدفعنا إلى سؤال المنهج هنا، بمعنى أن مناهج النقد الأدبية الآتية أصلاً من مجتمعات مستقرة وثابتة تستطيع رصد الحركة الشعرية في أماكنها وتستطيع، أيضاً، متابعة العوامل المؤثرة في تشكيل النص الشعري. هل تستطيع أن تقارب النص الشعري الفلسطيني متعدد المنابت وتعدد المرجعيات! هل يستطيع “الموضوع” فقط أن يشكل “وحدة” للقصيدة الفلسطينية؟! كان شكل القصيدة ولغتها وصورتها الشعرية تعبيراً عن تغيّر تاريخي بالأساس، هذا التغير الذي خلق صورة شعرية هي جزء من رؤية العالم الذي تغيّر، هذا ما حاولنا أن نتتبعه وأن نلمسه وأن نتذوقه، كان في بالنا مناهج النقد ولكن – بالدرجة نفسها – كانت عيوننا وقلوبنا على النصّ. والآن؛ وبعد هذا العدوان على غزّة، وبعد ما أفرزته نظرية الرّعب الصهيونية من نتائج، وما آلت إليه الحال في قطاع غزّة.. سنرى، بعد أن تهدأ المدافع، واقعاً جديداً مهولاً ومخيفاً وصادماً، وسنقرأ نصوصاً، وستُكتب أخرى، ستكون معجونة بالدماء والحسرات والحطام والهباء والدموع، كما ستكون مطعّمة بالعبقرية والأساطير والحدّة والمفارقات والتميّز والذهول، ما يجعلنا لا نتعجّل في إطلاق أيّ حُكمٍ نقدي، لأن ذلك استباقاً للحقيقة، على رغم توفّر كمٍّ كافٍ من الشواهد الإبداعية، التي تمثّل إرهاصات لظاهرة جديدة في الأدب الفلسطيني، هي “أدب الحرب”. وأعتقد أن القصص والحكايا ومجريات كثيرة.. ستكون معينا لا ينضب لأدب لا يشبه غيره، يغري بالتسجيل أو البناء عليه. وعليه؛ أتمنى على الدارسين اعتماد تسمية “أدب المذابح أو المجازر” لآلاف المجازر، التي ارتكبتها الصهيونية بحقّنا، وما كُتب عنها في تاريخنا المعاصر، مثلما لدينا “أدب السجون” و”أدب المقاومة” و”أدب المنفى”.. الخ، وعلينا أن نُحصي كل حجر هدموه، وكل شلال دم وعرق، وكل صرخة مصوّحة، وصاروخ أعمى، وكل نأمة وجنازة وذرة غبار، وكل جرح وحريق، وكل سيارة إسعاف بعثروها بمَن فيها، وكل اغتيال واستهداف مبيّت، وكل مئذنة طوّحتها الطائرات، وكل كلمة ندّت من فم ثاكلٍ أو شيخ أو يتيم، وكل موقف وفعل ومبادرة، وكل لحظة ومحرقة وهباء، وكل مشفى وجرسيّة ردّموها، وكل ضمادة قطن، واسم مولود مات بعد وضعه بساعات، وكل عروس حرقوا ثوبها وحطّموا أضلاع بيتها البسيط، وكل أيام العتمة وساعات العطش، وسلسة الغارات التي جعلت القطاع كربلاء ممتدة، لا تنتهي، وكل تصريح مسموم أو مشبوه، أو إنسانيّ، وكل موقف يتفرّج، أو مسيرة تتضامن، أو دولة انحازت للشيطان، أو مسؤول، على قلّتهم، انتصروا لفلسطين، وكل إحصائية للضحايا والبيوت وأطنان القنابل المُحرّمة. لا ينبغي أن ننسى، أو يفوتنا شيء، أو ننتظر حتى يهدأ ميدان الطحن المهول. لنتابع ونكتب ونصوّر ونحفظ، لتعلم الأجيال القادمة حقيقة ما جرى، وطبيعة هذا الوحش الضاري، ونِفاق الأخوة الأعداء والقتلة الرسميين. وبالطبع، فإن غزّة المحاصَرة العملاقة، الصامدة الصابرة، التي تُباد عن بكرة أبيها وتقاوم، تتراءى خلف جبال الدخان والرّكام، مثل غلالة عملاقة، لكنها مدمّاة وترعف بنزيفها، خلف السطور، وربما تشمّ رائحة الشوارع المُرهقة المحترقة وأهلها النازحين، المحشورين داخل حَلبة مُحاطة بالرصاص الطائش والقصف المجنون والجوع والأمراض.. ومع هذا فإن قوّة الحياة في البلد ومواطنيه المُحاصَرين تتفجّر في النصّ، ببساطة وإصرار حاسم! وتكاد تلمس بيديك كل تفاصيل الحياة المتشابكة، بأحزانها وفجائعها وقطرانها وسخطها وأملها العنيد، وتلفحك سخونة الأشياء في كل مكوّنات لوحة الحياة، التي أكملها زملائي الشعراء بقصائدهم ونصوصهم التي هي بمقدار خصوصيتها فإنها تنفتح بل تنغمس في الشأن العام حتى جدائلها المبذولة للنار، والنهار الذي لا تغرب شموسه. وأرى أنّ هذا النتاج ينشغل، أيضاً، بالتأمّل الذي لم يقصد مبالغ الصوفية والعرفانية، على رغم انشغال الشاعر بالنجاة من القذائف والفناء، والبحث المضني عن الخلاص، ومع هذا، مال إلى الرؤية الصافية التي أوصلته إلى الحِكمة أو إلى المفارَقة، على رغم أسداف عجاج الموت والقصف والأحزان، ما عمّق المعنى وأخذه إلى تكثيف حارق، أو إلى تداعيات وفضاءات سوريالية غير معقولة، وتنفتح على آفاق مذهلة وخلاصات صادمة. أما مفردات الشاعر فهي مستقاة من المحرقة والجثث والخذلان، كما كانت تضجّ باللجوء والقتل والجسارة أيضاً! وفاضت بأسماء العديد من الشهداء، الذين ظلّ صوتهم في البحر، وكذلك صرخات الضحايا ونداءات الحرية والعائدين إلى الحلم، عاجلاً أم آجلاً. إنّ شعراء غزة، بكل أسمائهم المبدعة، المرابطة الصامدة، هم الذين يجترحون نصّ البقاء في وجه الشطب والإلغاء، الفائض باللهب والتحدي، والبسيط مثل كلام الأمهات المُعجز.. هو ذاته الجريء مثل موسيقى غامرة لاهبة. وبظنّي فإن المهم في أي نصٍّ هو: ليس (من أين يأخذ) لأن الأهم برأيي هو (إلى أين يأخذ)، وأعتقد أن الشاعر الغزّيّ، خلال الحرب، يشملنا بعباءته التي تمسّكت بإنسانيتها، رغم ما أصابها من شظايا وركام وسغب، وأكد لنا أن هدفه الأعلى هو الانتصار للإنسان والحياة، وأنه يتغيّا الجَمال والصدق.. وقوّة الحقيقة.

رائد اشنيورةبقلم الشاعر: رائد أشنيورة

أريد أن أموت وفي فمي فتات

أنا لا أريد الجنة الآن

ولا أن أعيش ألف سنة أخرى

ولا أن يبتسم لي القدر ذات مساء بارد

أنا فقط… أريد رغيف خبز

رغيف واحد

ليس ساخنًا تمامًا، لا بأس

ولا حتى مستويًا كليًا

لكن يكون فيه طعم القمح

طعم الحياة

أنا لا أمزح يا الله

ولا أطلب شيئًا كثيرًا

أريد أن أموت وفي فمي فتات

وفي يدي كسرة

وفي عيني صورة أمي تخرج الرغيف من التنور

وتهشُّ عني الذباب والحرب

أريد أن أُبعث يوم القيامة

وفي كفّي خبزٌ ناشف

لكنه حقيقي

من بقايا المعجنات لا من أوهام المساعدات

خرج من فرن لا من قصف

أريد أن أُبعث

وفي يدي كسرة

ألوّح بها للملائكة وأقول:

انظروا، لم أمت جائعًا

أنا لست من فئران الحصار

أنا إنسان

أكل آخر ما تبقّى من حياته

أنا ابن الحصار

ابن الطابور الطويل على باب الفرن

ابن الخبز المقطوع

الخبز الذي لم يأتِ

وإن جاء، جاء مذبوحًا في كيس

مغمسا بالدم والأشلاء

لا ريح له، ولا ذاكرة

* *

يا الله

قل لهم في الأعلى

أنني لست طماعًا

لكن الجوع له صوتٌ في رأسي لا يسكت

وصوتٌ في بطني يدوّي

وطفلًا في قلبي يسألني:

متى سنأكل خبزًا كالناس؟

أريد أن أترك لأطفالي رائحته على يدي

حين يلمسونني بعد موتي

ليقولوا: كان أبي يحلم بالخبز

ولم يحرمنا منه ..

* *

يا الله

إذا كنت تجهّزني للرحيل

فأعطني رغيفًا أضعه في جيبي

لأقضم منه في الطريق إليك

فلا أموت جائعًا

ولا أصل إليك خاويًا من الطعم والحنين

بقلم: حسن يافا

الفراشة والدبابة الخائفة..

حاصرت الدبابات الإسرائيلية تل الهوى في غزة…، دارت بينها وبين المقاومة معارك ضارية… رجال المقاومة كانوا يخرجون من الأنفاق … يهاجمون القوات المتوغلة… وتتساقط المدرعات والدبابات أمام ضرباتهم … ثمً تنسحب وتحاول استراتيجية أُخرى… لكن المقاومة استطاعت أن تتقن “اللعبة” وتغيّر استراتيجيتها بطريقة ذكية … أربكت المقاومة قوات الاحتلال التي تخبطت وانهارت معنوياتها وهي ترى المدرعات المُدمرة تملأ الطرقات بينما تبث المقاومة صور عويل وهلع الجنود الذين حاصرتهم في البنايات، انتصار المقاومة أحرج قادة الجيش الذي لا يُقهر! قرّر الجنرالات أن الطريقة الفعالة للقضاء على المقاومة في تل الهوى لن يتحقق إلا “بمسح” كل مبنى فيها عن وجه الأرض، وقتل أكبر عدد من الناس من رجال ونساء وأطفال، قتل الأطفال أهم ما يكون في العقيدةً الصهيونية، خطر الأطفال مثل خطر المقاتلين! شنت الدبابات والطائرات والزوارق الحربية هجومًا متواصلًا مسعورًا على كل ما هو واقف من بيوت وكل من يتحرك من بشر. المسيرات كانت تصطاد المدنيين الهاربين الباحثين عن ملجأ. قُتلت عائلات بكاملها، وانتشرت الجثث والأشلاء على الطرقات أو تحت البيوت المدمرة. بقي من عائلة رجب ابنة في الخامسة من عُمرها اسمها هند التي تمكنت بأعجوبة أن تصل إلى بيت خالها، الذي أخذها مع زوجته وبناته الثلاثة بسيارة صغيرة تكدس الجميع بداخلها واتجهوا نازحين إلى جنوب القطاع… المسألة حياة أو موت أو قطع أطراف! سارت السيارة في طريق كان مُصابًا بتقطع الأوصال وقد تراكم فيه حُطام البيوت المدمرة وتجَمّعت فيه مياه الصرف الصحي التي دمر مسلكها جيش الاحتلال، أدرك الخال أن قراره على النزوح كان خطأً فادحًا. وبينما هو يعيش في جحيم الندم، وبُعد أقل من كيلومتر من مغادرة البيت، هاجمت دبابة “إسرائيل” السيارة وقتلت كل من فيها، .. إلا هند وليان حمادة ابنة خالها الكبيرة التي عُمرها خمسة عشر عامًا، وجدت البنتان نفسيهما بين أهلهن الذين توقفت حركاتهم وكلامهم… وملأ دمهم أرضية السيارة … وتراشق على النوافذ… بينما كانت دبابة تقترب منهن..

وجدت ليان حمادة تلفون أمها الخلوي واتصلت بالهلال الأحمر تطلب النجدة … وما هي إلا بضع كلمات منذ بدأت المكالمة حتى حصدت روحها الدبابة الواقفة أمام السيارة … هند بكت وهلعت وهي ترى بنت خالته تنزف حتى الموت، ثم مدت يديها وحملت التلفون وقالت للمرأة على الجانب الآخر من الخط: كلهم ماتوا!

كلهم ميتين؟

نعم

هل هم في داخل السيارة؟

نعم … الدبابة تقف بجانبنا

هل الدبابة قريبة… قريبة كثير … واقفة أم تتحرك؟

تتحرك نحو سيارتنا… اقتربت كثيرًا كثيرًا مني… أنا خائفة

يجب ألا نخاف يا حبيبتي

خليك معي

أنا معك حتى يأتي أحد ليأخذك… سوف أبقى معك حتى يأتيك أحد كي يخرجك من السيارة … يا حبيبتي، ليس لدي أي وسيلة كي أصلك ولكن سوف نُرسل سيارة إسعاف كي تُنقذك.

لم تصل سيارة الإسعاف إلى هند، لأن الدبابة قصفتها وقتلت المسعفين الذين كانا فيها.

صارت هند وطفولتها الآن وحيدة أمام فوهة مدفع الدبابة…

لن نعرف ما حصل في الدقيقة الأخيرة من حياة هند ولكن ربما أن فراشة قد تسللت خلال ثقب من الرصاص كانت قد نخرته رصاصة من الدبابة في جدار السيارة.

ودار بين الفراشة وبين هند حوار قبل أن تُغادران هذه الأرض…

سألت هند الفراشة، لماذا أنت حزينة؟

لأن جبل الحديد أكل موسم الربيع،

كيف؟

دهس حقل الورد وزهور اللوز والأضواء الدافئة في بيوت الفقراء… قتلوا حُبي

كيف تحبين الورد؟

أُقبله… يفرح… ويعطيني رحيقه

الورد يحبك لأنك تلعقين رحيقه؟ متى بدأ هذا الحب؟

منذ الأزل

كيف تفرحين؟

أطير من الفرح إلى الأضواء في بيوت الفقراء… يلاحقني الأولاد والبنات ونرقص معًا حول الأضواء حفلة المساء

الآن فهمت

وأنت يا هند، لماذا أنت حزينة؟

لأن الدبابة جعلت أهلي ميتين… قتلت حُبي

الدبابة؟

جبل الحديد، الذي يتقدم نحوي … اسمه في لغة البشر دبابة…

جعلت الدبابة أهلك ميتين… وتريد أن تقتلك؟ أليس عندها قلب؟

مات قلبها … صارت جبل حديد!

لماذا؟

تخاف من الأطفال؟

من الأطفال؟ لماذا؟

لأن الأطفال يصيرون كبار! وتخاف أن ينتقموا منها لأنها قتلت أمهاتهم وآبائهم…

هل في الدبابة الخائفة أضواء… أرقص حولها.. ربّما يرق قلبها!

قلبها من رصاص…

كيف تكون قوية وقاتلة… وتكون خائفة؟

المجرمون دائمًا خائفون

القدر عادل… الشمس تُشرق دائمًا مرة أخرى … لا تحزني يا هند، ربما تموتين في أية لحظة وتملي فلسطين أمل. لا تموتين حزينة!

وصارت الفراشة تحكي لها قصصًا فيها سندريلا، وياسمين وعلاء الدين، وقصة البنت التي تسلقت قوس قُزح لكي ترى الأرض من السماء ..

ثم سألتها هند: صديقتي الفراشة، هل لكم أسماء مثلنا نحن البشر؟

طبعًا لنا أسماء

ما اسمك؟

اسمي جنة

كم أحب يا جنة، أن أكون طائرة من ورق (kite)، ونطير معًا

يا ريت.. ونكثر ونملأ السماء فراش

ثم تحرك “جبل الحديد” وأصاب هند بأكثر من ثلاثمائة رصاصة… ماتت هند… انطفأت أضواء عينيها، … قبلت نجمة شفتيها… وبدأ موسم الرحيق..

الذئب

بقلم: تالا محمد جودة

الذنب الكبير

“لكن ابني لم يمت”

قالها وهو لا يصدق ما يقول.

ها هو يراه أمامه جثة هامدة،

لكنه يقول إنه لم يمت.

* *

كيف لم يمت، وها هو الدم قد اعتبر وجهه لوحة،

لوحة رسمها مصيره ومباغتة الزمن.

لكنه لم يرَ أمامه ابنه الذي تفحمت أطرافه،

بل يراه ذلك المهووس بكرة القدم.

* *

لم يرَ أمامه إلا طَلّته في آخر عيد،

لم يرَ أمامه إلا قصصه المليئة بالتهويل لكل شيء.

رآه وهو يسرد قصة آخر شجار في الحي،

وهو يطلب زيادة في مصروفه الذي ما عاد يكفيه،

يرى صورته وهو يشاجر أخته الصغيرة،

ثم يعود ويراضيها.

* *

يراه وهو يقيس زي كرة القدم الجديد،

وهو يشعل النار مع والده لإعداد الطعام،

ويخبره أثناءها عن طموحاته وأحلامه،

كيف ستكون حياته المستقبلية الجميلة،

عدد أطفاله، أسماؤهم…

* *

تمر هذه اللقطات أمام عينيه سريعًا،

ثم يوقظه صوت أحد المواسين،

يعيده إلى الزمن،

تلطمه الحقائق تباعًا،

ثم لا يجد ردًا عليها،

إلا أن يلعن كرة القدم.

يلعن كرة القدم،

الذنب الذي ارتكبه ابنه وأصدقاؤه،

ودفعوا الثمن غاليًا.

* *

الكثير من الصمت…

وأجسام هامدة…

أحمد لكهبقلم: أحمد لكه

الخنساء أم الشهداء

يا خنساءَ الدارِ ويا نورَ العتمِ

يا أمَّ الثائرِ والحلمِ الأصمِّ

وشاحُكِ كوفيةُ المجدِ تعلو

وثوبُكِ نقشٌ من المجدِ يرنو

قبلةُ طفلٍ فوق الجبينِ

تحكي حكايا الصامدينَ

خنساءُ فلسطينَ، يا صوتَ الحنينْ

يا أمَّ الشهداءِ، يا حضنَ السنينْ

دمعُكِ نارٌ، وصبرُكِ جبلْ

أنتِ الحكايةُ في وجهِ الأجلْ

كلُّ شهيدٍ في القلبِ حيّ

وفي دعائكِ وطنٌ قوي

خنساءُ فلسطينَ، يا أمَّ الرجاءْ

فيكِ الكرامةُ، فيكِ الإباءْ

بقلم: ضحى الصيفي

أنا الصوت الذي لم يُكتم رغم الجراح…

أنا فلسطينية من غزة، شاهدة على الوجع، وناجية من مجزرة خطفت أطفالي الثلاثة: ريتال، ونور الحق، وأسامة، في لحظة واحدة من حضن الحياة. نجوت من الموت بجسدي المثقل بالجراح، لكنني أعيش كل لحظة بروح أمٍ مكسورة تحفر أسماء أطفالها في الذاكرة والوجدان. في كل كلمة أقولها، وفي كل حرف أكتبه، أحمل وجع بلادي وصوت شعبي. لم أعد أكتب فقط كصحفية، بل كأمٍ نكبتها الحرب، وكإنسانة تحمل قضية، وكصوتٍ يناضل ليبقى الوجع الفلسطيني حيًّا في ضمير العالم. رسالتي ليست فقط تذكيرًا بالفقد، بل نداءً للضمير الإنساني: نحن لا نُقصف بالأرقام… نحن أسماء، ووجوه، وأحلامٌ خُطفت بقوة الهولوكوست. أنا أم الشهداء، أنا الجريحة،

أنا الضمير الذي بقي حين ماتت كل الضمائر. لا تطلبوا مني الصبر، فأنا محتسبة راضية بقضاء ربي، لكنني أكتب، وأتحدث، وأوثق، ليس لأنني تجاوزت… بل لأنني أقاوم أن يختفي اسم أطفالي في زحمة المجازر. لأنني أؤمن أن من نحبهم لا يموتون إن ظل صوتهم حيًا بيننا. ألم الفراق… وجعٌ لا يُقال، بل يُنقش على الروح إلى الأبد.

بقلم: قمر عبد الرحمن

الخـذلان الصّاخب

هل شعرت بالنّـار؟

أم كانت بردًا عليها، وعاملتها كاسمها؟

لكي تمرَّ من أمامها.. وأمامنا

“َورد” لا يشبهها أيّ كلامٍ الآن..

ولا يساويها أحدٌ إلّا توائمها في البـلاء،

قامت وأوزعت النّـار عنها،

لتعبر أمام زجاج هواتفنا..

لعلّ صمتنا يحترق،

ويصدر رائحةً أعلى..

من هذا الخـذلان الصّاخب!

في الحرب​

الكلّ يشهر السّلاح في وجهك يا ولدي​

لا تخف.. إن رأيت الأشجار انضمت لرجال العصابات​

لا تخف.. إن فتحت رغيفًا ووجدت بداخله متفجرات

لا تخف.. إن ذهبت للصّلاة واتّهموك بالإرهاب والمؤامرات

كلّ شيءٍ قابل للانفجار في وجهك يا ولدي

الدّين​ متفجّر، والطّحين​ متفجّر، والزّهور والقبور

كلّ شيءٍ واردٌ في الحرب يا ولدي

حتّى يدفعوك جوعًا​ لرداءة الشّعارات

حتّى يعلنوك نصرًا​ فوق جثث #الأموات​

لا تخف إن قتلوك يا ولدي..

حتّى بعد القتل​ أنت في مأمن من فخِّ الخيارات

ارتعد خوفًا.. على من بقوا خلفك

ينتظرون إنصاف المفاوضات​!

رفاهية الانعزال

امرأةٌ تبحث عن جسدها في الحـ ـرب

لا شيء أثقل من هذا الثّوب المنسدل!

الثّوب يرفض جسدها، والجسد يرفض ثوبها

يقول أحدهما للآخر:

كانت الحياة أكثر اتساعًا من كلّ هذا الضّيق!

الآن.. الثّوب يقول لها أشياء مبهمة..

بينما هي لا تستطيع تفقّد جسدها عن قرب،

ولا تملك رفاهية الانعزال ولا الارتياح من الثّوب قليلًا!

بقلم: عبد السلام عارف عطاري

قبلَ أن تشعلَ الحربُ نارَها

الأسماءُ التي سقطت في جرنِ النار

صارت جمرةً أضاءت ما حولَها

الأسماءُ الصرخة لما تضع الحربُ أوزارَها

إذ نجا باسمِهِ من نارها

لما يبكي بين يدي الداية

وتبتهج حالةُ الانتظار

والعرقُ يتصببُ جمرًا على جبينِها

وتدلُهُ على ثديها ويمضغُ القطرةَ الأولى من الحياة

الحياة التي ستأخذُهُ إلى الممتلئ بالحب

والحب قبل الحليب

 قبلَ أن تشعلَ الحربُ نارَها

هي الأسماءُ التي تزهرُ لما تضع الحربُ أوزارَها

هي الأسماءُ على الشواهدِ تدلُّنا

تدلُّنا على ما ظلَّ من ذكرياتٍ لنارِنا.

بقلم: عادل الأسطة

كتابة خلف الخطوط.. يوميات الحرب على غزة

في الجزء الثاني من كتاب “كتابة خلف الخطوط: يوميات الحرب على غزة” الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام 2024، الذي حرره عاطف أبو سيف وعبد السلام عطاري، نقرأ شهادة مصبوغة بأسلوب ممتع كتبها الكاتب والمدون سائد حامد أبو عيطة. تقع الشهادة في حوالي سبع وعشرين صفحة (79 إلى 107) وكتبت تحت عناوين متعددة كثيرة، وما إن تبدأ قراءتها حتى تواصل لتنهيها بجلسة واحدة. يروي سائد عن قسوة الحرب وتأثيرها على السكان، وقد عانى هو وأسرته كما عانى مليونا مواطن غزاوي وربع المليون. ركام ودماء وأشلاء متناثرة وفقدان ابنتيه ميرا وتالا، في 14/10/2023، وفراق دون موعد ووجع قلب ونوم في الشارع وندرة الملابس وتجار طماعون وجامع جثث يعود جثة مثل جثث الذين يجمعهم ونساء ينجبن الأطفال في الخيمة “طفلة الخيمة”، والسعي للحصول على خيمة وكيس طحين، ثم الجوع الكافر، وفي الشتاء ثمة ليالٍ باردة وثمة خوف وطوابير. كل شيء ينقلب وثقافات الناس تتحول إلى ثقافات شوارع والسؤال الذي يراود الجميع هو: متى تتوقف الحرب ونعود إلى شمال القطاع؟

اقرأوا هذا النص عن الاستحمام في النزوح، وكانت الكاتبة نعمة حسن كتبت نصًا مفصلاً. يكتب سائد: “الاستحمام في الحرب عذاب حقيقي ونصف فضيحة. النساء تحمل دلو الماء الساخن وتسير بين خيام النزوح للبحث عن مكان آمن للاستحمام، يا إلهي الطرقات مليئة بالنساء اللواتي يحملن دلو الماء المسخن على الحطب، ‘لا بد من الوصول إلى حمام آمن قبل أن يبرد الماء’، الأجواء باردة وتنتظر النساء يومًا مشمسًا في الشتاء للاستحمام. كنت أشعر بالخجل والحرج الشديد لأن لدي حمامًا بجانب خيمتي وأملك مفتاحًا له، تطلبه بعض النساء من زوجتي لاستخدامه”. يسرد سائد عن تاجر الحرب المستغل الطماع وعن جيران الخيمة واجتماع الناس مع بعضهم كل يريد أن يروي مأساته الخاصة ويطلب منه؛ لأنهم عرفوا أنه كاتب، أن يكتب حكاياتهم. ويقص علينا عن إصابته وصعوبة الحركة لديه والاتكاء على زوجته وعن لقائه بأبناء أخيه بعد خمسين يومًا، وعن افتقاده أصدقاءه ثم عن لقائه بأحدهم، ولا ينسى الأوفياء منهم، كما لا ينسى من قدموا له الخيمة والأواني والفراش “أنا ممتن لأصدقائي… هؤلاء من أجمل وأطهر الناس الذين التقيت بهم في حياتي”. ينهي سائد نصه بالسطر الآتي: “من المؤكد أنني لن أنسى طفلتي اللتين فقدتهما للأبد وهما قصة عذابي للأبد”. أعتقد أن نص الكاتب جدير بالقراءة.

بقلم: د. عاهد حلس

انتِظارِ القمر

مُنذُ عامَيْن،

والقمرُ مِثلُنا،

عاطلٌ عنِ العَمَل،

لا مِهنةَ له،

سِوى أن يُضيءَ وجهَ الجَثَث.

* *

لا حُبَّ عُذريًّا في المدينة،

ولا حُزنًا ناعِمًا

يَطبَعُ صورةَ شَهيد

على وجهِ القمر.

* *

ولا ضَحِكاتِ العائلةِ على سطح البيت

يَشرُقُ مِن نبعِها القمر،

ولا شايَ المساءِ

يُعيدُ الطفولةَ كامِلَة

تحتَ عَريشة العِنَب،

* *

مُنذُ عامَيْن،

ونحنُ عاطلونَ عنِ العَمَل،

لا مِهنةَ لنا،

سِوى انتِظارِ القمر.

بقلم: شوقية عروق منصور

الشهيد نجمة في السماء والاسم المجهول على الأرض

أول مرة اصطدمت بكلمة شهيد، كنت في الصف الرابع حين أخذت امرأة كانت يومًا جارة لبيت جدي في قرية المجيدل المهجرة – مجدال هعيمق – تحدثني عن جدتي التي جن جنونها حين استشهد ابنها – عمي -، وكان ذلك بعد أن هربوا إلى قرية يافة الناصرة عام 1948، تاركين خلفهم بيتهم في المجيدل وأثاثهم المتواضع من فراشات ولحف ووسائد وأدوات المطبخ النحاسية والأرض المزروعة ببعض الخضروات، أما جدي فقد أصيب بطلقة رصاص في فخذه، مما أقعده فوق كرسي الشلل، يتنقل بصعوبة، لذلك كانت الجدة ربان القارب التائه. لم أعرف عمي ولم أسمع حكاية استشهاده إلا من تلك المرأة التي كانت شاهدة عيان، لكن بدأت أنظر إلى جدتي من زاوية أخرى، وأتأمل ملامحها الحزينة المثقلة بحنين غامض، وقسوة تستمدها من ظروف أحاطت بعنقها، كالحبل المجدول بخيطان الدهشة والرحيل والفقر والجوع واللجوء ونظرات الأبناء الذين وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة خارج بيتهم والحيرة والعراء عنوانهم، والخوف من الآتي في انتظارهم. الحبل المجدول بدهشة اللجوء والدم يشد على رقبة جدتي، يخنقها، ولا تجد أمامها إلا المزيد من التجهم والعبوس، حتى أننا كنا نخاف الاقتراب منها، وعندما نلمح ابتسامة تشق شفتيها، نراها عجيبة قد نزلت من السماء ونتساءل – شو صاير في الدنيا -، لكن كأنها تحرم نفسها من لحظة فرح تتسلل إلى القلب في غفلة، سرعان ما تزم شفتيها وترجع إلى حالة التجهم. ما معنى شهيد؟ سألت أمي التي أجابتني، اللي بموت دفاعًا عن وطنه، لكن عمي الصغير لم يحمل بندقية، لم يقاتل..! فقد عرفت أن جدتي همست له، حيث كان أكبر أولادها بأن يتسلل إلى قريتهم، ويأتي ببعض الخضروات من أرضهم، لكن عند وصوله إلى بيتهم، وحين كان يهم بدخول الأرض الملاصقة للبيت، إذ بأحد الذين استولوا على البيت من اليهود، يطلق عليه الرصاص ويرديه قتيلاً، ولم يكتف بقتله غدرًا وفي وضح النهار، بل قام بوضعه بالعرض على الحمار الذي كان يركبه عمي، متدليًا كالذبيحة، أما الخرج الذي جهزه عمي من الطرفين لوضع الخضروات، فقد احتضن قطرات الدم النازفة من الجسد الذي أخذ ينتفخ من حرارة الشمس. سار الحمار حاملاً جثة عمي وهي تنزف دمًا، حتى وصل إلى الطريق المؤدي إلى يافة الناصرة، وهناك رأى أحد المشاة الحمار وأخذ يصيح وينادي لعل أحدهم يعرف الشاب المقتول، وبعد أن تدافعوا وتأملوا وجهه عرفوا أنه ابن فلان.

كانت جدتي عندها في الطابون تقوم بخبز أرغفة الخبر التي عجنتها، وكانت تنتظر الخضروات التي سيأتي بها ابنها لكي تطبخ، لكن الصراخ القادم، الذي يقترب رويدًا رويدًا من الطابون، جعلها تقف، وما أن وقفت حتى رأت الدماء تقطر من جثة قد تحولت إلى سواد نتيجة الغبار والأتربة التي التصقت بها في الطريق. قالت المرأة التي حدثتني عن حزن ووجع جدتي، إن جدتي أمسكت بالجمر الساخن وأخذت تنثره على وجهها وتلطم على صدرها، ولم تفق من غيبوبتها إلا بعد دفن ابنها الذي دفنوه بسرعة، بملابسه المنقوعة بالدماء لأنه مات شهيدًا. وبعد سنوات طويلة، عندما كانت جدتي تحتضر أوصت أن تدفن في قبر ابنها، ليس إلى جانبه، بل في قبره حتى تمتزج عظامها وجلده وروحها به. تستيقظ الشمس وتنهض الحياة، تعيش الوجوه، ويتم تكريس الأيام لبناء سنوات الاجتهاد والعمل، وكل واحد يدخل بطولاته الشخصية، وحكاية التحدي للوصول إلى هدفه باختياره، يربح أو يخسر هذا هو شأنه الخاص، لكن عندما يستشهد أحد الشباب أو إحدى الشابات أشعر أن الشهادة ستتحول إلى الشأن العام، ستتحول إلى مهرجان خطابي وشعارات تُسجل وأغاني وأهازيج وغيرها من عبارات مضيئة، لكن هناك في داخل وجع الغياب من ينتحب ويصرخ بصمت ويفتقد وينتظر العودة. لا أحد يسلط الضوء على تلك الغابة المصنوعة من شرايين الأم والأب والأخوة والزوجة والابن، لا أحد يجر السنوات ويسأل عائلة الشهيد كيف عشتم تلك السنوات؟ وكيف حدقتم بصور الشهداء وتأملتم غياب تقاسيم الوجوه التي عصرت لحظة التصوير، فخرجت الابتسامة كأنها الآن الفسفور المضيء في ليل معتم. كلما سمعت كلمة “شهيد” أدرك أن الأم ستتغطى بالحزن طوال العمر، ومن يصدق زغردة الأم عند خروج جثمان ابنها الشهيد من بيته؟ يعرف أنها الصرخة التي كللتها بزغرودة كي تخفف من وجع الفراق والرحيل. أدرك أن الشهيد يتحول إلى نجمة في السماء أو يتحول إلى سبيكة من ذهب الذكريات في خزائن العائلة، لكن أعرف أيضًا أسماء الشهداء على الأرض سرعان ما تجف، وتخرج رويدًا رويدًا من الذاكرة، حيث تتسع خلايا النسيان وتشاطر الزمن عملية مسح بصمات الضوء، وقد يتراكم الثلج أمام أبواب مخازن الأرشيفات التي تحوي المجلدات التي يُسجل فيها أسماء الشهداء.

بقلم: د. ولاء بطاط

ألاء النجار.. حين يُذبح القلب تسع مرات

عندما تُذبح الطفولة على مرأى العالم، وتصمت الإنسانية، تصبح مجازر الأطفال خبراً عادياً. عامان مرا على نحر البراءة تحت سمع العالم وبصره، فمن سيسمع نحيب آلاء النجار، تلك الأم الثكلى، غير أبناء شعبها الذين كُتب عليهم أن يكونوا شهوداً وشهداء في آنٍ معاً؟

آلاء النجار، الطبيبة الملائكية، لم تكن تعالج أجساد الأطفال فحسب، بل كانت تضم جراحهم إلى قلبها، تمسح دموعهم بأناملها، وتزرع فيهم بذور الحياة. عشقت الأطفال حدّ الذوبان، حتى اختارت طبّهم مهنة ورسالة، ولم تكتفِ بذلك، بل حملت إلى قلبها عشرة أقمارٍ من أبنائها، أنجبتهم حباً، وربّتهم حياة، وجعلت من ضحكاتهم نشيد صباحها ومسائها. كانوا قناديل روحها، وزينة دنياها، وسكّان قلبها الذي ما نام يوماً من الخوف عليهم، وعلى أطفال غزة جميعاً، من صواريخ الموت التي لا تعرف غير الطفولة هدفاً.

وفي صباحٍ كغيره من الصباحات الثقيلة في غزة، غادرت آلاء بيتها نحو المستشفى، تحمل في قلبها قلق الأم، وتترك خلفها عشرة أرواح هم نبضها وكيانها. قبّلتهم قبلةً سريعةً عجلى، ولم تكن تدري أن تلك القبلة هي الوداع، وأن ذلك الحضن الصباحي هو الأخير. أوصتهم ألّا يغادروا المنزل، لعلّ جدرانه تقيهم ناراً لا ترحم، لكنها لم تكن تعلم أن الصاروخ الذي خشيتهم منه، سيغدر بهم وهم داخل البيت، بلا ذنب ولا حماية.

وفيما كانت الطبيبة تؤدي واجبها المهني، استقبلت واحداً تلو الآخر من فلذات كبدها، لا أحياء، بل أشلاء. تسعة قلوب من قلبها تساقطوا أمامها كأوراق الخريف الذابلة، نادتهم والدمع يخنق صوتها:

“عودوا إليّ يا أحبائي، يا من كنتم لحمي ودمي، أين ضحكاتكم التي كانت تملأ أركان البيت؟ إيف، صغيرتي، قومي نلعب كما كنا نفعل! سدين، أميرتي، لماذا لا تردين؟ أين يدكِ؟ أين قدماكِ؟ وجهكِ، أين نوركِ؟”.

سيدار يا حبيبتي ألا تسمعينني انهضي يا نبض قلبي

ريفال جبران أتسمعوني يا رفاق روحي؟ أجيبوني لا تصمتوا يا كل الحياة.

يحيى يا حبيبي يا أول فرحي وحياتي ألم أقل لك انتظرني حتى أعود؟ لماذا يا صغيري لم تنتظرني؟

وتمضي آلاء تنادي أسماءهم واحداً تلو الآخر، تنادي ولا من مجيب. كأنما غارت الأرض بأرواحهم، وكأن السماء قد أطبقت فوق أحلامهم. تسعة رحلوا دفعة واحدة، تسعة قناديل أطفأتها نار الحقد. وحده آدم، الناجي الوحيد، يصارع من أجل البقاء، من أجل أن يمسح دموع أمّه، علّه يكون آخر خيط يربط قلبها المنكوب بالحياة.

فمن يسمع نحيب آلاء؟

من يرى قلبها المذبوح؟

من يشعر بروحها التي فقدت تسعة أرواح دفعة واحدة؟

أيّ قلب في هذا العالم لم يرتجف بعد، وأيّ ضمير لم يستفق؟!

آلاء ليست مجرد أمّ ثكلى، بل مرآة لوجع فلسطين، جرح سبعة وسبعين عاماً لم يجد من يضمده. هي وجه كلّ أم فلسطينية نامت وذراعها حول طفلها، تخشى أن تصحو على صراخٍ لا يسمعه أحد. هي صورة الوطن المنكوب، الذي لم تقدر الكاميرات على تصوير دموعه، ولا الأقلام على وصف نزيفه.

لكِ الصبر يا آلاء،

ولأرواح يحيى وركان وإيف وجبران ورسلان وريفال وسدين ولقمان وسيدار الرحمة والسلام.

والشفاء لآدم الناجي الوحيد

ولفلسطين الجريحة، صمود لا ينكسر مهما اشتدّ القهر.

بقلم: الأديب الشاعر/هيثم جابر …فلسطين.

الكتابة.. السجن.. الحرب

أن تكتب ولديك كل الإمكانيات المادية والمعنوية هذا شيء طبيعي جداً، تستطيع أن تختار الوقت والزمان الذي يناسبك وتكتب، لا شيء ينغص عليك وقتك، ولا فكرك، تمارس طقوسك الكتابية، تعد قهوتك، تجلس في مكان هادئ وتبدأ بسكب أفكارك على أوراقك الخاصة والجميلة، تختار نوعية الورق، ونوعية القلم أو أن تكتب مباشرة على جهاز الكمبيوتر خاصتك فهذا وضع طبيعي، لا شيء خارق للعادة، ولا شيء استثناء في ذلك.. لكن أن تكتب وأنت في السجن، والقيود تحيط بك من كل حدب وصوب فهذا هو الاستثناء. في السجن أنت لا تملك وقتك ولا حتى أدوات الكتابة بشكل طبيعي، لا الوقت ملك ولا الزمان لك، تخاف أن يأتي العدد في أي لحظة، تخاف أن تكون هناك مداهمة أو تفتيش، فيذهب كل ما كتبت أدراج الرياح ويتم مصادرتها من قبل السجان، ثم المكان الكئيب الذي يفرض عليك لون واحد من ألوان الكتابة، فلا أنت مطلع على الأحداث بشكل كامل ولا أنت حر لتحاور الناس وتتبادل معهم الأفكار والمعلومات، أن تكتب في حيز ضيق، في وقت ضيق، في زمان ضيق، المعلومات ناقصة، والمكان والزمان تضيق بك من كل جانب، ومع ذلك تكتب، أنت لم تسافر ولم ترى أماكن ولا بشر لإثراء تجربتك الكتابية والإبداعية، ومع ذلك تكتب. تكتب شعر الحرب بناء على ما تسمعه من أخبار شحيحة، وتكتب شعر الغزل بناء على ما تتخيله في حبيب المستقبل، أو ربما أنك رأيت امرأة جميلة في تلفاز أو في مخيلتك الجائعة للأنوثة والجمال، كل شيء حولك مختلف، لا شيء يشبه الحياة الطبيعية في ذلك المكان الكئيب، ومع ذلك تستطيع اقتناص برهة من الليل، دون أن يرقبك سجان وتكتب شيئاً، يشعرك أنك لا زلت إنساناً لك رسالة تؤديها اتجاه كينونتك ونفسك وشعبك ووطنك. لكن أن تكتب في زمن الحرب فهذه مغامرة لا تحمد عقباها، ربما أنت تكلفك تلك الكلمات حياتك، مجرد سؤال، سأله الأسير الشهيد “ثائر أبو عصب” لأحد السجانين “هل هناك هدنة تلوح في الأفق؟” فكان جواب هذا السؤال، أن الشهيد الأسير “ثائر” ارتقى للعلا بعد لحظات نتيجة الضرب المبرح بهدف القتل. بعد الحرب أصبحت الكتابة شيئاً من المستحيل، وترف لا يمارسه إلا المجانين، لا وقت لديك، الرعب سيد الموقف، تنتظر موتك بكل لحظة، لا تملك إلا ملابسك التي ترتديها، فالحصول على قلم وورقة كأنك تقوم بتهريب سلاح، أو كأنك تقوم بمغامرة حربية من مغامرات السوبر مان. بعد أن مر على الحرب أشهر طويلة، لم نشهد شيئاً منها، بعد أن تم مصادرة حتى ملابسنا الداخلية، قطعت عنا الماء والكهرباء ولا أبالغ إذا قلت حتى الهواء. إنه الجحيم بحد ذاته، تفقد حياتك لسبب تافه جداً، ربما يقتلونك إن وقفت على باب الزنزانة لترقب شيئاً من إحباطك وألمك وقهرك. ذات مرة استطعت أن أحصل على قلم من سجان كنت أعرفه قبل الحرب، قمت بتجميع أوراق أوامر الاعتقال الإداري، وبعد ذلك اهتديت إلى أوراق الجينة الصفراء المربعة، وكنت أنضفها وأجففها لأكتب عليها. كتبت أجزاءً مبعثرة من قصائد متنوعة وكنت أخفيها أوقات التفتيش والفحص الأمني، ساعدنا في ذلك طريقة السير التي فرضها علينا السجان وهي أن نمشي على أربعة أرجل منحي القامة والظهر، حتى كانت هناك مداهمة مفاجئة مما اضطررت لإخفاء الأوراق في كيس المهملات. لكن للأسف تم العثور عليها، وتم العثور على قصيدة بالغة العبرية، كنت امتحن نفسي في الاستطاعة الكتابة بلغة غير اللغة الأم. يومها اتهمني السجان أن القصيدة.. قصيدة حب، وهي موجهة إلى إحدى السجانات وهي أبعد ما تكون عن الحب، أردت أن أحاكي قصيدة محمود درويش “بين رِتا وعيوني بندقية” لكن الجريمة كانت أنني كتبتها باللغة العبرية.. لذلك أرسلوني إلى العزل لمدة عشرين يوماً، وتم معاقبة الغرفة عقوبات متفاوتة لأنه ضبط فيها أوراق وقلم. إضافة إلى شبحنا مكبلي الأيدي والأرجل في غرفة انتظار من الصباح حتى المساء.. كل ذلك من أجل ورقة وقلم.. لقد كانت الكتابة المستحيلة في الحرب بعد السابع من أكتوبر كتابة مجبولة بالدم والآهات.. عدى عن الممارسات الإجرامية التي ربما سمع عنها البعض في “أبو غريب غوانتانامو” لكن القلم بقي حياً والكلمات استلقت على شاطئ الورق. ورغم الموت والإرهاب والتجويع إلا أنه هناك متسع من شظايا زمن للكتابة، في زمن الحرب والموت، ولدت عدة مشاريع كتابية لدي، خاصة بعد أن تم اغتيال دواني الشعري الرابع، سأنتقل لكتابة الديوان الخامس.. وسأنجز رواية القديسات.. وسأكتب عن الفن الروائي في القرآن.. وسأنجز كتاب “أضواء على الإعلام “إسرائيل”” وأنجز الكتاب التاريخي “الانقلاب الأموي على الإسلام”، كلها مشاريع كتابية ولدت في الحرب. سيكون هناك متسع للكتابة.. لكن هذه المرة بنكهة الحرية.. (أسير محرر)

بقلم: حسن عبادى-حيفا

رواية “ظلّ أزرق” للكاتبة رنين زيدان

على هامش أمسية ثقافية للاحتفاء برواية “ظلّ أزرق” للكاتبة رنين زيدان جروس، ومعرض فنّي للشاعر والفنان نزيه نصر الله في شفاعمرو، أهداني الصديق النصراويّ عامر عودة نسخة من مجموعته القصصيّة الصادرة حديثًا “بداية بلا نهاية” (قصص قصيرة، 161 صفحة، تدقيق نحوي: أحلام دانيال، الصادرة عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، كفرمندا/الجليل الفلسطينيّ). كتب في الإهداء: “إلى القادم الجديد، الذي وُلد مع ولادة هذا الكتاب ومنحني لقب الجد. إلى الطّفل المدلل جورج خوري”. يحوي الكتاب في طيّاته 38 قصة قصيرة؛ تناول موضوعات مجتمعيّة ووطنية، عادات وتقاليد وانتماء، مُستقاة من حياتنا اليوميّة. كتب في قصة “بداية بلا نهاية” التي تحمل المجموعة عنوانها: “قالت له: كتبت العديد من القصص والحكايات والقصائد… لكنك لم تكتب قصّة حبّنا بَعد! … لقد بدأت بالكتابة، لكن أريدكِ أن تشاركيني في كتابتها. لماذا يجب أن أكتب نهاية لبداية جميلة؟!… سأخالف قوانين كتابة القصّة القصيرة ولن ألتزم بعناصرها؛ فلن يكون في هذه القصة إلّا البداية… لن تكون نهاية لأجيج هذا الحب… حُبّنا باقٍ إلى الأبد”. وكتب في قصة بعنوان “وشمٌ قوميٌّ” التي تناول فيها قصة سمير، عربي تجنّد في جيش الاحتلال، وحين توجّه لاستئجار بيت رفضت صاحبته اليهوديّة قائلة: “خدمتك في الجيش لا تُبطل عربيّتك”. عاد إلى قريته ليسأل أفراد عائلته عن سبب وجومهم، فقالوا له إنّهم تلقّوا قرارًا حكوميًا بمصادرة أرضهم وضمّها إلى إحدى البلدات اليهوديّة التي بُنيَت على أنقاض قريتهم المهجّرة لتوسيع مسطّحها. ستكون لي وقفة مطوّلة مع المجموعة قريبًا. كتب لنا في الإهداء: “إلى الأستاذ حسن عبادي، تقديري واحترامي. 28.05.2025”.

شكرًا لك عزيزي عامر على الهديّة القيّمة.

“معتقل سدي تيمان “الإسرائيلي” – صفحة سوداء في تاريخ الإنسانيّة”

على هامش مؤتمر أدب الحريّة بعمان، تزامنًا مع يوم الأسير الفلسطيني، أهدانا الصديق علي عبد الله أبو هلال نسخة من إصداره “معتقل سدي تيمان “الإسرائيلي” – صفحة سوداء في تاريخ الإنسانيّة” (دراسة، 112 صفحة، تدقيق لغوي: أحمد الصيفي، تصميم: شربل إلياس، الصادرة عن مكتبة كل شيء الحيفاوية لصاحبها وصديقي صالح عباسي، تحت رعاية المكتبة الوطنيّة الفلسطينية ورئيسها آنذاك الصديق عيسى قراقع). جاء في الواصفات: معتقلات/ أبارتهايد/ تمييز عنصري/ غزة/ الاحتلال “الإسرائيلي”/ تعذيب/ جرائم حرب/ الضفة الغربية/ المحاكم الدولية. كتب في الإهداء: “إلى الّذين يستحقّون المجد والخلود، وهم أكرم الناس منّا جميعًا الشّهداء والشّهيدات، إلى العظماء الّذين ينتظرون شروق الحريّة، الأسرى والأسيرات…”. جاءت الدراسة في 7 فصول؛ معتقل معسكر “سدي تيمان”، الاعتقال وأشكال التعذيب وشهادات المعتقلين، المؤسسات والهيئات الفلسطينية الحقوقية تدين الاعتقال والتعذيب، الموقف “الإسرائيلي” من الاعتقال والتعذيب في معتقل معسكر “سدي تيمان”، الموقف الدولي من تعذيب الأسرى والمعتقلين، تعذيب الأسرى والمعتقلين انتهاك جسيم للقانون الدوليّ، المسؤولية الدولية للاحتلال “الإسرائيلي” عن تعذيب الأسرى، وأنهى بخاتمة وقائمة المراجع التي اعتمدها. ستكون لي وقفة مطوّلة مع الدراسة في حفل إشهارها يوم الثلاثاء 24 حزيران 2025. كتب لنا في الإهداء: “إلى الأصدقاء الأعزاء الأستاذ حسن عبادي والأستاذة سميرة عبادي، مع الاحترام والتقدير. 17.04.2025”.

شكرًا لك عزيزي علي على الهديّة القيّمة.

رواية الغرفة الزهراء للأديب وليد الهودلي

أهداني الصديق وليد الهودلي نسخة من إصداره الأخير “الغرفة الزهراء” (رواية، 280 صفحة، تدقيق لغوي: د. عبد المجيد حامد، الصادرة عن دار يافا للنشر والتوزيع، رام الله)، وأوصلني إياها، مشكورًا، صديقي مصطفى نفاع. جاء الإهداء “لأهل غزّة الكرام وأسرانا العظام”. تتناول الرواية في 15 فصلًا؛ توحّش القمع في السجون، رومنسيات رغم أنف السجّان، العزل: موت داخل الموت، الزنزانة الزهراء تشارك في المعركة ؟!، البوسطة رحلة على حافة الموت، وكالة صقر الإعلامية، الإسراء والمعراج في السجن، مطاردة ساخنة للترانزستر، أشمّ رائحة السنوار، حب وعشق في الزنزانة الزهراء، نحو نهضة فكرية، القائد الفذّ إسماعيل هنيّة؟!، أحفاد أويس القرنيّ، اغتيال سماحة السيّد، واستشهاد فارس الطوفان. الغرفة الزهراء: “زنزانة “إسرائيلية” ظاهرها عذاب وباطنها فكرة”، باتت السجون “الإسرائيلية” زنزانة تزهر الرجال والأفكار والصمود، في ظاهرها ويلات العذاب بحق الأسرى الفلسطينيين وفي باطنها رحمة وفكرة. قطع النقاش مكبّرات القسم تنعق بأقذع الشتائم والمسبّات: “يا أخوات ال…جعانين يا أولاد الق… كسف صار السجن؟ خمس نجوم؟ ولله لتشوفوا نجوم الظهر، السجن من اليوم وطالع هو مكان للموت البطيء، هو الجحيم، جهنم الحمرا، لازم تنسوا إنكم بشر، أنتم دون الحيوانات كثير كثير، الحيوانات أحسن منكم. اليوم بدّي أحضركم فيلم من الآخر، إنه الآن يدخل الفورة بإمكانكم مشاهدته…” (ص. 43) ستكون لي وقفة مطوّلة مع الرواية قريبًا. كتب وليد في الإهداء: “إلى الأخ العزيز حادي مسيرة أدب الحرية في السجون أ. حسن عبادي، عظيم ودّي واحترامي. وليد الهودلي. 20.05.2025”.

شكرًا لك عزيزي وليد على الهديّة القيّمة.

نصٌ بقلم د. عبد الرحيم جاموس

نهشُ الجوعِ وجهَ الكرامة…!

[1]

في غزّةَ…

حيثُ الكرمُ،

إذا ضاقَ الفضاءُ، وسِعتْهُ الأرواحْ،

وحيثُ الطِّفلُ يُقسِمُ لُقمَتَه،

ويغفو الحُلمُ في عيونِ النساءِ

على هديرِ الطائراتْ…

هُناك،

ينهشُ الجوعُ ما تبقّى

من أجسادِ الكرامةِ،

ويقتسمُ الموتُ رغيفَ الصباحِ

مع الزَّمنِ الجائعْ…!

[2]

غزّةُ،

التي علّمتِ الكوكبَ

أنَّ الكفَّ تُصافِحُ المدفع،

وأنَّ الخبزَ يُصنعُ من الحجارة

إذا خانتِ السنابلْ…

باتتْ اليومَ

تَرضَعُ وَجعَها مِن ثديٍ مجوَّف،

وتكحّلُ عينَها بسوادِ المجاعة،

وتَمسحُ بملحِ الدموعِ

شَفَةَ الحياةْ…!

[3]

منذُ متى

صارَ الطِّفلُ يُفطِرُ

على رمادِ الزّادْ؟

والأمُّ تحلبُ من الهواء

قطرةً لرضيعِها؟

منذُ متى

أصبحتِ التكايا ذِكرى،

والقدورُ خاليةً

كقلوبِ القَتَلةْ …؟

[4]

يا ربُّ…

لقد جفَّ ضرعُ الرحمةِ

في عيونِ البَشر،

وصارَ الضميرُ

بضاعةً فاسدة

في أسواقِ الأُمم …!

[5]

شاحناتٌ

تَغفو على أبوابِ غزّة،

تحملُ قمصانَ الملائكةْ،

لكنّها لا تدخلُ،

لأنَّ الجُنرالَ على المَعبَر

يريدُ الموتَ أنيقًا،

بلا فوضى، بلا خبز،

بلا شَهقةْ……!

[6]

غزّةُ

تعلو عِظامُها كالمآذن،

وتُصلّي على جسدِ المجاعةْ،

والأطفالُ – يا ويلي –

صوتُ عِظامِهم

أوضحُ من النشيدْ …!

[7]

أيُّ شَرعٍ هذا؟

أيُّ دينٍ يسكتُ

على طوفانِ الجوعْ؟

ويمنحُ القاتلَ

صكَّ البراءة؟

أينَ محكمةُ العدلْ؟

حينَ تموتُ الحياةُ في المَهود

وتُسلبُ الأمومةُ

من صدرٍ محترقْ …؟!

[8]

غزّةُ لا تُريدُ بياناتٍ،

تريدُ رصاصةَ رحمةٍ

للموتِ البطيء،

تُريدُ ممرًّا للحليب،

لا للذلِّ…

تُريدُ شمسًا لا تُقصف،

وحياةً تُكتبُ

بلا لونِ الدمْ …!

[9]

يا أحرارَ العالم،

لا تنتظروا

أن يُحمَلَ القطاعُ

على الأكفّ نعشًا

لتَبكوا،

افتحوا بواباتِ الضمير،

قبلَ أن تتحوّل غزّة

إلى مقبرةٍ للجوعى،

وشاهِدِ قبرٍ

على موتِ الإنسانيّة…!

بقلم: خالد جمعة

إذا اختلطت عليك الخيلُ

إذا اختلطت عليك الخيلُ

وأعياكَ صهيلها المُرّ

فلا تطلق عليها النارَ

في هذي المساحات الشاسعة أمامكَ

بفِضَّتِها السائلة

بغوايات بناتٍ صغيرات

يلعبن بالحبلِ على بقايا البيوت

يمكنك أن تلملمَها في كيسٍ مخمليٍّ

وتدّعي أنك ستملأها قُبَلا وأشجاراً

وتنظّف السماء من الدخان

والأوديةَ من الجثث

لكن عليك أولاً

أن تعدّ الفطور للأطفال الجالسين في الظل اللاهب

فأمهاتهم لم يلمسن الطحين كما تعرف

هي عادة الأمهات [السيئة]

“حين يمتن ويتوقفن عن صنع الخبز”

عليك أن تحمّمَهم من الحزن الذي تراكم على جلودهم

وتسكّن كل حروف اللغة حين تكلمهم

واكتب أسماء الراحلين على الشوارع

[إذا وجدتَ ما يكفي من الشوارع]

ضع الكلامَ كلّه في أكياسٍ من خجل

وإياك… ثم إياك

أن تسمح لطفلٍ واحدٍ بالسؤال

كي لا تقف أنت والتاريخ معاً

محرجين من الإجابةْ

بقلم: نعمة حسن – غزة

(عوقا، كعك) بائع المعجنات ينادي بصوت القمح المبحوح

يحاول ترتيل تسابيحه بطريقة تشبع جوع الطريق

يوزع لهاثه بإيماءة شامخة صدقة عن الفقر الذي يتسلق ظهره كل ليلة

الهرة التي عبرت الشارع مسرعة دون أن تنتبه أنها مركز الكون أسقطت بيادر القمح من يد البائع

حركت خاصرة المسافة

في تلك اللحظة العابثة يلتقي عاشقان

 طال انتظارهما على حافة الرصيف

 يحاول كل منهما دحر المسافة

 سنتيمترًا بقياس عشوائي

 لسرقة صدفة مغفورة الذنب

 يجمعهما رغيف خبز

 الجوع يفرك يديه بحماس لذيذ

في عين القطة

في روح الصبية

في شهوة العاشق

في البطون التي تركها بائع الكعك تنتظر رزق الصباح

 الملح يقيم صلاته هنا

والجميع يبتهل ليسبق الوقت بقضمة طرية

هذا المشهد قتل في غارة جوية

هذا ما أعلنه مذيع الأخبار قبل موعد العشاء بدقيقة ونصف.

بقلم: د. آلاء القطراوي – غزة

شكرًا شهدائي

ترددتُ كثيراً في كتابة هذا المنشور، لكن لعظمة هذا الابتلاء، سأكتبه سائلة فيه وجه الله تعالى، وأن يكون تثبيتاً لمن تلوعوا بنار الأسئلة، منذ أن استشهد أطفالي وأنا يؤرقني سؤال (هل تعذبوا لحظة القصف؟)

أكرمني الله برؤياهم في رؤيا مباركة

إذ رأيت أنني أدخل غرفة مليئة بالأسرّة ينام فيها أطفال كثر، وكان كل سريرين متقابلين واستحضرت الآية الشريفة ” على سرر متقابلين” حتى وجدت ثلاثة أسرّة، واحد ليامن وآخر لكنان وآخر لأوركيدا

فقبّلتهم والله قد تتعجبون، فقد أحسست وجه يامن على خدي تماماً كما كنتُ أحسه في الدنيا وكذلك كنان وأوركيدا، ثم تحلّقوا حولي فسألتهم سؤالاً

(لمّا قصفوكم اليهود زعلتوا؟)

ردّت عليّ حبيبتي أوركيدا بإجابة عظيمة وكانت مغمضة العينين وكلها نور وجلال، كلّما تذكرت ما سمعته منها اقشعر بدني

قالت:

(هدا امتحان

واحنا صبرنا

واحنا راضيين فيه

وأسأل الله أن يرضى عنّا)

والله صحوت وأنا أرتعش، وأقول كيف لطفلة عمرها 6 سنوات أن تعلّمني حقيقة الدنيا والتسليم بهذه العظمة، وليست أي طفلة، بدأت أفكّر يعني ما هو ابتلائي أمامها

أوركيدا واخوتها حاصرهم الاحتلال وأفزعوهم وكسّروا مقتنيات المنزل، ثم طلبوا منهم الخروج الآمن من المكان فلم يسمحوا لهم، ثم منعوا تنسيق الصليب الأحمر ليخرجهم من هناك، وكانت تقول لي هي ويامن بأن جرافات الاحتلال تهدّ عليهم جدران المنزل شيئاً فشيئاً، ثم قصف عليهم الاحتلال المنزل، لتظلّ حبيبتي هي ويامن وكنان وكرمل 4 أشهر تحت الركام

وحينما سألتهم هل قصف اليهود أزعلكم

ردّت عليّ بنور العارفة بربها

إنّ كل ما يحدث معنا هو امتحان بحقّ، ويتطلب الصبر والرضا، وحين يظنّ المرء بأنّه حين يصبر ويرضى بأنّه قد أوفى الله حقه فهو ليس كذلك، بل عليه أيضاً بعد كل هذا الصبر والرضا أن يسأل الله أن يرضى عنه

أوركيدتي:

دوّنتُ عبارتكِ داخل قلبي وعبر ترددات روحي، لقد وصلَتْ رسالتك يا شهيدتي الحبيبة، لقد بلّغتِ وشهدتُ على تبليغك

وأسأل الله أن يكتب لنا أجور الصابرين الراضين وأن يرضى عنا

اللهم ارض عن يامن وكنان وأوركيدا وكرمل وكل شهداء غزة وشعبها ملء السماوات والأرض واكتب لنا الفرج والجبر يا عظيم السماوات والأرض

وحسبي الله ونعم الوكيل

بقلم حسن القطراوي – غزة

الحياة في غزة معجزة

الحياة في غزة مُعجزة،

كل ما يفعله الناس ببساطة نحتاج في غزة إلى معجزة لنفعله، وأنت تنتقي وجبتك اليومية من “المنيو” تذكّر أننا نحتاج وقت طويل كي نتأكد من أننا سنأكل أصلاً.

حين تصلك الوجبة في ظرف دقائق، تذكّر أننا نحتاج ساعات طويلة لنصنع وجبة واحدة مليئة بالغُبار والدخان، نشتري الحطب بمعجزة، ونُشعل النار بمعجزة، ونحصل على الخبز بمعجزة.

وأنت تشرب الشاب حلو المذاق، تذكر أننا نشربه علقمًا فالسُكر تبخّر في المدينة كلها.

وأنت تركب السيارة مرتاحًا تذكّر أن بعض الجرحى لا يجدون سيارة إسعاف واحدة.

وأنت تتجهّز للتضحية بعد أيام، تذكّر أن البعض في غزة ضحّي بكل أبنائه.

وأنت تهرب من حرارة الشمس إلى مكيّفك، تذكّر أن الشمس تجلس معنا في الخيمة.

وأنت تقرأ هذه الكلمات البسيطة تذكّر أننا نمشي مسافة حتى تصل إليك وتعرف حالنا، لا نريد بعد كل هذا سوى احترام صبرنا، أو غضبنا، أو حتى تعبنا إن تعبنا يومًا.

نريد العيش بكرامة، أو الموت باحترام،

وتذكّر ما قلته لك، الحياة في غزة معجزة.

لأننا تُركنا وحدنا، تُركنا بكل هذا البكاء.

بقلم: بهاء رحال

رواية “فرصة ثانية” للأديبة صباح بشير

تتدفق الرواية بسيل من الأحداث المترابطة مع بعضها في نسق سردي مميز بسلاسته وبساطته وتكامله، ولغة بسيطة قريبة من القارئ ومناسبة للأحداث ومجريات العمل، الذي جاء منذ الصفحة الأولى صادمًا بحادثة موت وفجيعة فقدٍ مربكة، ألقت بظلالها وتركت أثرها الشديد على العائلة، وعلى حياة الصغير اليتيم يحيى، الذي منذ لحظة ولادته صار يتيمًا بلا أم ترعاه وتربيه، ويكبر بين يديها، وتهتم بتفاصيله، وترضعه، وتربي فيه الأمل حتى يبلغ أشدّه. فشاءت الأقدار أن يكبر على هذا المصير الذي صرخ في وجهه منذ اللحظة الأولى التي خرج بها إلى الحياة، تلك الحياة التي بينها وبين الموت مبضع جرَّاح، وإرادة الله التي لا راد لها. تتحرك الأحداث في الرواية بسلاسة وواقعية، وبترابط تام في سياق متتابع، وهذا يجعل القارئ يمسك بالكتاب من دون رغبة في تركه، مشدودًا لأحداث من واقع الحياة، واقعنا، فلا فرق بين واقع الناس على اختلاف أقدارهم وأماكنهم، وفي التفاصيل ما يجعل الرواية واقعية، أو حتى يمكن القول: شديدة الواقعية في دقة الوصف والسرد والأحداث، ورسم الأمكنة والمسافات. ولأنها بنت الواقع، فشخصياتها تتشابه وترتسم بصورة قريبة من القارئ، فلا تشعر بغربة في فهم مجرياتها، ولا تحتاج جهدًا لتدخل إليها وتدخل إليك. فرصة ثانية، رواية الكاتبة صباح بشير، الصادرة عن دار الشامل للنشر والتوزيع، تسلط الضوء على نوازع داخلية تسكن الإنسان بعد حوادث الفقد والموت، وتقلبات الشخص النفسية والاضطرابات التي تعصف بالشخص على المستوى النفسي والعائلي، والمحيط الاجتماعي. ضغوط الحياة، ومواجهة المصائر، ومكامن الحب والتردد. صراعات نفسية، وجلد الذات التي تنهرها الذكريات، والحنين إلى فصل الماضي، واضطرار القرارات الصعبة، وخطوات نحو المجهول القلق الذي يخشاه كل من يفكر بعمق في محاولة استشراف المستقبل، ومحاولة رسم غد آمن، هادئ، ومكتمل، وتجليات الاستحواذ على الحاضر بكل ما فيه من اضطراب وتردد. وما يرافق كل ذلك من أحداث كانت كخيط خفيف الظل، يمسك القارئ به من دون عناء، ويواصل قراءة الحكاية بفضول وتشويق، لمعرفة النهايات لأبطال يتحركون في مضمار واحد، مختلفين قليلًا في الصفات، متشابهين ربما في الاضطرابات والصدمات، ومحكومين بالأمل. فرصة ثانية، محاولة لكشف اللثام عن بعض ظروف الواقع، عن النصف المجهول في حياة البعض، النصف الناقص الذي لا يراه الكثيرون، النصف الذي لا يحضر دائمًا، وهي تجريب لتفكيك عقد كثيرة في الحياة، وأمراض تنتقل وتتوارثها الأنفس من لوثة وثنيات المجتمعات التي تحبو على رصيف الاحتمالات والتردد، والفرضيات المجتزأة المبينة على الاعتقاد المتراكم من حكايات الوهم ومرويات الأولين. فرصة ثانية تسلط الضوء على فكرة التضحية، وهي فكرة رائجة في العقود الماضية، إلا أنها في سنوات الحاضر باتت قليلة، وهنا الكاتبة لا تتخذها من جدلية الصح والخطأ والحكم عليها من زوايا النجاح والفشل، بل إلى مساحات أخرى، بدون أحكام مسبقة، لتتركها لواقع الأيام، ومصائرها في لعبة الأقدار، والقدرة دومًا على الانبعاث والتجديد، والفرص الأكثر ودًا ودفئًا وجمالًا. بقي أن أقول لكم أن صباح بشير في روايتها فرصة ثانية حاورت النفس البشرية بهذا العمل في كل تجلياتها، وكشفت عنها أغطية الرجفة، ولامستها في كل حالاتها، ولم تتصنع أبطالها بل أخذتهم على طبيعتهم في صور حقيقية، فكانوا أبناء الواقع غير المتصنع، وقد سلطت الضوء على قضايا يعيشها المجتمع، من خلف الستائر، فكشفت اللثام عن بعض المسكوت عنه، وعمدت على استخدام أسلوب التنوير، الذي يمنح السرد الرؤيا والحكمة والعقلانية ويخدم مضمون العمل وتكامله.

* *

صباح بشير في روايتها فرصة ثانية حاورت النفس البشرية بهذا العمل في كل تجلياتها، وكشفت عنها أغطية الرجفة، ولامستها في كل حالاتها، ولم تتصنع أبطالها بل أخذتهم على طبيعتهم في صور حقيقية.

رابط دائم
https://elayem.news/3wm1p