الإثنين، 06 أبريل 2026 — 17 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

خريطة رقمية لتثمين النفايات.. خطوة نحو اقتصاد أخضر مستدام في الجزائر


أمام تنامي التحديات البيئية وزيادة الضغوط المرتبطة بتسيير النفايات وتثمينها، تراهن الجزائر على الرقمنة كمدخل أساسي لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي وتعزيز نجاعته. وفي هذا الإطار، كشفت وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، عن مشروع جارٍ لإعداد خريطة رقمية لتتبع مدى تجسيد هذه الاستراتيجية.

ووفق هذا المنظور أفاد الخبير الاستشاري في شؤون البيئة والتنمية المستدامة، دراجي بلوم علقمة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، بأن توجه رقمنة قطاع تسيير النفايات في الجزائر يندرج ضمن مسار إصلاحي أوسع تتقاسمه كل من وزارة البيئة ووزارة الداخلية والجماعات المحلية، بحكم تداخل الأدوار بينهما.

خُطوة واعدة نحو اقتصاد أخضر مستدام

وأوضح علقمة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن النفايات المنزلية تبقى من اختصاص البلديات والمؤسسات التابعة لوزارة الداخلية، في حين تتكفل وزارة البيئة بتسيير ومراقبة باقي أصناف النفايات، وعلى رأسها النفايات الخطرة والسامة التي تتطلب آليات دقيقة في المتابعة والرقابة.

وأشار المتحدث، إلى أن هذا النوع من النفايات، المصنف ضمن الدرجة الأولى، يحظى بعناية خاصة من طرف مديريات البيئة الولائية، التي لا يقتصر دورها على منح التراخيص، بل يمتد إلى تتبع مسار هذه النفايات بدقة، والتأكد من طرق معالجتها أو تثمينها أو إتلافها وفق المعايير المعمول بها، مؤكداً أن التعديل الأخير للقانون 01-19 جاء ليكرس إجبارية اللجوء إلى تثمين النفايات بدل الاكتفاء بإتلافها، وهو ما يعكس تحولا نوعياً في النظرة إلى النفايات باعتبارها مورداً اقتصادياً يمكن استغلاله.

وأضاف أن الجزائر تضم مئات المؤسسات المرخصة في مجال جمع ونقل ومعالجة النفايات الخطرة، خاصة لدى كبار المنتجين في القطاع الصناعي، مبرزاً أن هذه المؤسسات مطالبة قانوناً بالتصريح السنوي بكميات النفايات التي تفرزها قبل 31 مارس من كل سنة، وهو ما يسمح بتجميع معطيات وطنية ضمن ما يعرف بجرد النفايات الخطرة، الذي يشكل قاعدة بيانات مرجعية على المستوى الوطني.

ونوّه الخبير في شؤون البيئة، إلى أن هذه الآلية، رغم أهميتها، لا تزال تواجه صعوبات ميدانية، تتعلق أساساً بضعف دقة التصريحات ونقص الكفاءات المتخصصة في تحليل المعطيات، ما يؤدي أحياناً إلى تقديم أرقام أقل من الواقع، خاصة في ظل وجود رسوم مفروضة على تخزين النفايات، وهو ما يدفع بعض المؤسسات إلى التقليل من حجم التصريح لتفادي الأعباء المالية.

تعزيز الشفافية والقضاء على “نقاط الظل

وفي هذا السياق، أوضح أن الرقمنة يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تجاوز هذه الاختلالات، من خلال إرساء أنظمة ذكية تسمح بربط كميات المواد الأولية المستعملة داخل الوحدات الصناعية بحجم النفايات الناتجة عنها، ما يتيح تحديد الكميات الحقيقية بشكل آلي ودقيق، ويحد من الاعتماد على التصريحات التقديرية.

وأكد أن هذا التتبع الرقمي من شأنه أن يعزز الشفافية ويقضي على “نقاط الظل” داخل بعض المؤسسات، التي قد تكون محل شبهات فيما يتعلق بطرق التخلص من النفايات، مشيراً إلى أن بعض الممارسات غير القانونية، مثل الرمي العشوائي في الطبيعة أو في مناطق نائية، تبقى محل اتهامات يصعب إثباتها في غياب آليات تتبع دقيقة، وهو ما يمكن تجاوزه عبر الرقمنة.

وتابع قائلا: “إن المنظومة الجبائية المعتمدة حالياً، والتي تفرض رسوماً على تخزين النفايات الخطرة والاستشفائية، تهدف أساساً إلى دفع المنتجين نحو البحث عن حلول بديلة، وعلى رأسها التثمين وإعادة التدوير، مبرزاً أن هذه المقاربة التشريعية تشجع المؤسسات التي تتبنى رؤية اقتصادية في تسيير نفاياتها، من خلال تقليص الأعباء المالية والاستفادة من الامتيازات المرتبطة بإعادة التدوير”.

ولفت إلى أن أحد التحديات الكبرى التي تواجه هذا القطاع يتمثل في نقص عدد مراكز معالجة وإتلاف النفايات الخطرة، خاصة تلك التي تعتمد على الحرق بدرجات حرارة عالية، والتي تتجاوز 1200 درجة مئوية، مشيراً إلى أن القدرات الحالية لا تزال غير كافية مقارنة بحجم النفايات المنتجة، رغم تسجيل مشاريع لإنشاء مراكز جديدة في عدة ولايات.

رقمنة تسيير النفايات المنزلية.. التحدي الأكثر تعقيداً

وفيما يتعلق بالنفايات المنزلية، أوضح محدثنا، أن رقمنة تسييرها تظل أكثر تعقيداً، بالنظر إلى ارتباطها بسلوك المواطن والمعطيات الديموغرافية، مشيراً إلى أن هذا الجانب يعتمد على توفر قواعد بيانات دقيقة حول عدد السكان وتوزيعهم، وهو ما يتطلب رقمنة شاملة لمختلف القطاعات ذات الصلة.

وشدد على أن نجاح أي استراتيجية في هذا المجال يظل مرهوناً بإشراك المواطن، الذي يعد الحلقة الأساسية في منظومة التسيير، من خلال تبني ثقافة الفرز الانتقائي عند المصدر، وهو ما اعتبره الشرط الأول لتحقيق فعالية أي نظام رقمي، مؤكداً أن غياب هذا الفرز يؤدي إلى فقدان الثقة، خاصة عندما يتم خلط النفايات بعد فرزها من طرف المواطنين.

وأبرز أن التجارب التي تم إطلاقها في هذا المجال لم تحقق النتائج المرجوة بسبب غياب منظومة جمع انتقائي مرافقة، ما جعل المواطن يفقد الحافز للمشاركة، داعياً إلى اعتماد نظام بسيط يقوم على فرز النفايات إلى صنفين رئيسيين، عضوي وجاف، بدل النماذج المعقدة التي يصعب تطبيقها.

كما أشار إلى أن النفايات الجافة، التي تمثل ما بين 40 و45 بالمائة من إجمالي النفايات المنتجة يومياً، تشكل مورداً اقتصادياً مهماً، لكونها تضم مواد قابلة للاسترجاع، مثل البلاستيك والزجاج والكرتون والمعادن، ما يستدعي تطوير منظومة خاصة بجمعها وتثمينها، سواء من طرف البلديات أو من خلال إشراك القطاع الخاص.

ونوّه إلى أن الجزائر حققت تقدماً في إنشاء مراكز الردم التقني للنفايات المنزلية والهامدة عبر مختلف الولايات، غير أن المقاربة الحالية لا تزال تركز على الجمع والتخلص، دون استغلال الإمكانيات الاقتصادية التي يوفرها التثمين، رغم أن هذا القطاع يمكن أن يشكل مصدراً مهماً للدخل.

وفي هذا السياق، أوضح أن الجزائر تستورد سنوياً كميات معتبرة من المواد البلاستيكية لفائدة الصناعة، حيث بلغت قيمة الواردات في السنوات الأخيرة أرقاماً مرتفعة، رغم توفر هذه المادة ضمن النفايات المحلية، ما يعكس خللاً في استغلال الموارد المتاحة.

وأكد الأستاذ علقمة، أن اعتماد الرقمنة، إلى جانب إدماج الفرز الانتقائي وتطوير آليات التثمين، يمكن أن يحول قطاع النفايات إلى مورد اقتصادي فعلي، قادر على تحقيق عائدات تصل إلى ملياري دولار سنوياً، مع تقليص فاتورة الاستيراد من المواد الأولية.

وأضاف أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب رؤية شاملة تقوم على التكامل بين مختلف الفاعلين، من وزارات وهيئات محلية وقطاع خاص ومجتمع مدني، مع تعزيز الإحصائيات الدقيقة التي تشكل أساس أي سياسة ناجحة، مبرزاً أن تقدم الدول يقاس اليوم بمدى دقة معطياتها.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد دراجي بلوم علقمة على أن الرقمنة، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها بمعزل عن إصلاح شامل لمنظومة تسيير النفايات، يقوم على إدماج الفرز الانتقائي، وتطوير قدرات المعالجة، وتحسين الحوكمة، وتبني رؤية اقتصادية تجعل من النفايات ثروة وطنية حقيقية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة.

تعزيز التنسيق وتحقيق التثمين الفعلي للنفايات

يُشار إلى أن المنصة الرقمية ستعتمد على خريطة وطنية شاملة لمختلف المنشآت عبر التراب الوطني، بما يتيح متابعة دقيقة لوضعيتها وكيفيات تسييرها، ويعزز في الوقت ذاته مستوى التنسيق بين الإدارة المركزية والهياكل المحلية.

كما ستُمكن هذه الأداة من الوقوف على سيرورة تطوير مراكز الفرز ومحطات المعالجة، في إطار توجه واضح نحو تكريس التحول الرقمي للقطاع.

ويأتي هذا المسار ضمن مقاربة علمية وبحثية قائمة على التعاون مع مراكز البحث، بهدف بلوغ تثمين فعلي ومستدام للنفايات وتحويلها إلى مورد اقتصادي ذي قيمة مضافة، وفق ما أكدته وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو.

رابط دائم
https://elayem.news/y9rao