السبت، 14 مارس 2026 — 24 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

صناعة المحتوى الرقمي لدى الأطفال.. فرصة للإبداع أم تحدٍ تربوي جديد؟


مع انتشار المنصات التفاعلية، أصبح الفضاء الرقمي جزءا أساسيا من حياة الأطفال، حيث لم يعد دورهم مقتصرا على تلقي المحتوى فقط، بل بات بعضهم يشارك في صناعته والتفاعل معه بطرق متعددة. وقد فتحت هذه التحوّلات آفاقا جديدة أمام تنمية مواهب الصغار وتطوير قدراتهم الإبداعية والتواصلية، غير أنها في المقابل أثارت تساؤلات متزايدة حول طبيعة المحتوى الذي يتعرّضون له، وحدود تأثيره في بناء شخصيتهم وتوازنهم النفسي والاجتماعي.

في ظل هذا الواقع، يبرز نقاش متنامٍ حول ضرورة إيجاد مقاربة متوازنة تتيح الاستفادة من الفرص التي توفرها البيئة الرقمية لتنمية مهارات الأطفال وإبداعهم، مع ضمان حمايتهم من المخاطر التي قد تنشأ عن التعرض لمحتويات غير ملائمة أو عن الاستخدام غير الموجه للتكنولوجيا.

فبين الطموح إلى اكتشاف مواهب جديدة عبر صناعة المحتوى الرقمي، والحاجة إلى حماية الطفولة وصون حقوقها النفسية والاجتماعية، تتقاطع الأدوار التربوية للأسرة والمدرسة والمجتمع في بناء وعي رقمي مسؤول لدى الأجيال الصاعدة.

وفي هذا الصدد، يرى المختص التربوي أحمد جعدي، أن الحديث عن العولمة والتطور السريع في المجال الرقمي، وما يرافقه من انتشار واسع لشبكات التواصل وتأثيراتها المتزايدة على مختلف الفئات، يفرض اليوم وقفات جادة تترافق مع جرعات من الوعي والاستشراف والتخطيط، خاصة في ظل الإقبال الكبير على استهلاك المحتوى الرقمي.

صناعة المحتوى الهادف هي الطريق لحماية الأطفال رقميا

وأوضح جعدي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أنه لا يمكن إنكار أهمية التكنولوجيا الرقمية في حياتنا المعاصرة، إذ أصبحت وسيلة أساسية للاتصال والتواصل، بما توفره من خدمات متعددة تسهم في اختصار الوقت والتكاليف، فضلا عن دورها البارز في مواجهة الأزمات، مستشهدا بأزمة جائحة كورونا (كوفيد-19) التي فرضت اللجوء إلى الوسائط الرقمية في مختلف المجالات، وعلى رأسها التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي.

وأشار المتحدث إلى أن الأطفال لم يكونوا بمنأى عن هذا التحول الرقمي، بل أصبحوا من أكثر الفئات تفاعلا مع الوسائط التكنولوجية، لما توفره لهم من فرص للتعلم والترفيه في الوقت ذاته، غير أن هذا الواقع يطرح تحديات كبيرة تتطلب بناء جدار من الوعي والتوجيه من أجل تقليل الخسائر المحتملة، مؤكدا أن أخطر تلك الخسائر يتمثل في فقدان بوصلة القيم والفضائل التي تشكل أساس بناء المجتمعات.

وأكد جعدي أن ترك الفراغات القيمية داخل وعي الأجيال الصاعدة قد يفتح المجال أمام جهات تسعى إلى التأثير فيهم عبر محتويات قد تبدو جذابة في ظاهرها لكنها تحمل رسائل سلبية، مشيرا إلى أن بعض الجهات قد تقدم “السم في العسل” عبر وسائط رقمية تستهدف فئة الأطفال والمراهقين.

ولفت المختص التربوي إلى أن عجز كثير من الآباء عن مراقبة استخدام أبنائهم للإنترنت أو مواكبة حضورهم الرقمي يزيد من حجم المخاطر التي قد تهدد حقوق الأطفال، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي، مضيفا أن مجرد التذكير بالتشريعات أو الاتفاقيات لم يعد كافيا للحد من التأثيرات السلبية لبعض المنصات الرقمية.

كما أبرز أن عددا كبيرا من المنصات الرقمية بات يعتمد على آليات جذب نفسية قائمة على تحفيز هرمون الدوبامين، الأمر الذي يجعل الأطفال والمراهقين أكثر تعلقا بالمحتوى المعروض أمامهم، في ظل كثرة المؤثرين وتنوع المحتويات بين المفيد والسطحي، وهو ما قد يؤدي إلى انشغال العقل بتفاصيل العالم الافتراضي على حساب التفاعل مع الواقع.

وفي هذا السياق، شدد جعدي على ضرورة تبني نظرة تشخيصية دقيقة للواقع الرقمي الذي يعيشه الأطفال، مع تحليل الحاضر واستشراف المستقبل من أجل اتخاذ تدابير أكثر استجابة لاحتياجاتهم وأكثر قدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية، مع اعتماد قدر من الصرامة في حماية حقوق الطفل داخل البيئة الرقمية.

كما أفاد بأن التنشئة على السلوكات الإيجابية تبدأ أساسا من الأسرة، التي ينبغي أن تضطلع بدور تربوي ورسالي قائم على ترسيخ القيم والتمسك بعناصر الهوية وترتيب الأولويات، بما يضمن تنشئة جيل متوازن يتمتع بجسم سليم وعقل مفكر قادر على الملاحظة والتحليل والتقييم أثناء تفاعله مع العالم الرقمي.

وأوضح في السياق ذاته، أن مرافقة الأطفال في بدايات تعاملهم مع التكنولوجيا تظل أمرا ضروريا، وذلك من خلال الحوار معهم وتشجيعهم على إبداء آرائهم واقتراحاتهم، بما يساعدهم على التمييز بين المحتوى النافع والضار، مستفيدين من الفطرة السليمة التي ينبغي على الكبار الحفاظ على نقائها.

وأشار جعدي إلى أن وضع الأطفال في مواقف حياتية تحفزهم على التفكير ومحاولة إيجاد الحلول بأنفسهم يسهم في تنمية روح التواصل لديهم وتعزيز مهارات التفكير النقدي، كما يسمح للآباء والمربين باكتشاف ما يمتلكه الأبناء من ذكاءات متعددة يمكن أن تشكل أرضية لبروز الإبداع لديهم.

وأكد المتحدث أن هذا الإبداع ينبغي رعايته وتشجيعه بدل إخماده، وذلك من خلال توجيه اهتمام الأطفال بالتكنولوجيا نحو مجالات إيجابية، وعلى رأسها صناعة المحتوى الهادف والتربوي الذي يسهم في نشر المعرفة والقيم الإيجابية داخل المجتمع.

وأضاف أن المرافقة التربوية المتدرجة التي تبدأ بالتربية ثم التدريب ثم المصاحبة تجعل الطفل أكثر قدرة على التفاعل مع العالم الرقمي دون شعور بالغربة أو الضياع، ما قد يساهم في ظهور صناع محتوى يسهمون في نشر الخير ومساعدة الآخرين وبناء المجتمع من خلال مشاريع رقمية مفيدة.

وفي ختام تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أكد جعدي أن حماية الحقوق النفسية والاجتماعية للأطفال من مخاطر المحتوى الرقمي الضار مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع المدني، من خلال توحيد الجهود في مجالات التوعية والتوجيه والتقييم وتشجيع البدائل الإيجابية المواكبة للتطورات التكنولوجية، مشددا على أن “زهور المستقبل هي في البذور التي نزرعها اليوم.

المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال يغلب عليه الطابع التجاري

وحول هذه الجزئية، أفاد المختص في علم الاجتماع فوزي بن دريدي، أن العالم شهد خلال العقدين الأخيرين تحولات كبيرة في مجال السمعي البصري والرقمي، ما أدى إلى توسع غير مسبوق في إنتاج المحتوى الرقمي، خاصة ذلك الموجه للأطفال، غير أن هذا المحتوى لم يعد يخضع في كثير من الأحيان لرقابة حقيقية، الأمر الذي أفرز نوعا من “الانفلات” في طبيعة الرسائل الإعلامية والتربوية المقدمة لهذه الفئة.

وأوضح بن دريدي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الأطفال اليوم باتوا يتعرضون إلى محتوى رقمي غير مراقب، يغلب عليه الطابع التجاري أكثر من التربوي، وهو ما يطرح تحديات كبيرة تتعلق بتأثيراته على النمو النفسي والاجتماعي للطفل.

ولفت إلى أن بعض الدول اتجهت إلى اتخاذ إجراءات للحد من هذا التأثير، من خلال تقييد استخدام بعض التطبيقات والبرامج بالنسبة للأطفال.

وأشار المتحدث إلى أن دولا، خاصة في منطقة الدول الإسكندنافية، بدأت تعيد الاعتبار إلى الوسائل التقليدية في التعلم والتنشئة، مثل الكتب والقصص والأنشطة التربوية المباشرة، باعتبارها أدوات تسهم في تحقيق توازن صحي في نمو الطفل المعرفي والنفسي.

وفي هذا السياق، يرى بن دريدي أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين التحولات الرقمية المتسارعة على المستوى العالمي وبين الحفاظ على الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال، مؤكدا أن المحتوى التربوي الموجه لهذه الفئة ما يزال محدودا مقارنة بحجم المحتوى التجاري المنتشر عبر المنصات الرقمية.

كما نوّه إلى ضرورة تشكيل وعي جماعي بأهمية الاستثمار في إنتاج محتوى رقمي تربوي موجه للأطفال، داعيا إلى تشجيع الشركات والمؤسسات على الاهتمام بهذا المجال، حتى يتحقق نوع من التناغم بين ما يتلقاه الطفل في المؤسسات التربوية وما يتعرض له في الفضاء الرقمي.

وأكد المتحدث أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، إضافة إلى المؤسسات الرسمية مثل وزارتي التربية والثقافة، مطالبة بتعزيز التعاون المشترك والعمل على إطلاق مبادرات لإنتاج محتويات رقمية جذابة تتماشى مع روح العصر، وفي الوقت ذاته تساهم في تنمية شخصية الطفل وقيمه.

وأشار بن دريدي إلى أن الدراسات الحديثة تؤكد صعوبة التحكم الكامل في المحتويات الرقمية التي تصل إلى الأطفال، غير أنه يمكن التوجه نحو إنتاج بدائل رقمية هادفة تكون قادرة على منافسة المحتوى المنتشر حاليا.

وفي ختام حديثه، لفت المختص في علم الاجتماع إلى أن الطفل يمثل ركيزة المستقبل، ما يفرض ضرورة أن تكون القيم التي يتلقاها داخل الأسرة والمدرسة منسجمة مع ما يشاهده ويتفاعل معه في الفضاء الرقمي، مشددا في الوقت ذاته على أهمية دور الأولياء في تفعيل الرقابة العائلية ومرافقة الأبناء في استخدام الوسائط الرقمية، معتبرا أن المرحلة الراهنة تتطلب قدرا كبيرا من الإبداع في تصميم برامج بديلة تحمي وعي الطفل وتحصنه من المحتويات التي قد تسهم في تشويه إدراكه وقيمه.