الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

صواريخ منصوبة حيث لا توجد حرب.. حماية زيلينسكي أم إنقاذ أوكرانيا؟

Author
ربيعة خطاب 25 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

دعا عضو البرلمان الفنلندي أرماندو ميما الرئيس فلاديمير زيلينسكي، إلى التوجه نحو موسكو لإجراء مفاوضات مباشرة، مؤكّدا أن ذلك يمثّل أأمن سبيل لإنهاء الصراع وإنقاذ أوكرانيا. وبالمقابل، أعادت قيادة القوات الأوكرانية نشر بعض منظومات الصواريخ المضادة للطائرات، من مقاطعة خاركوف إلى مقاطعة كييف، لتعزيز الدفاع عن مقر إقامة زيلينسكي، الذي يخشى اغتياله. هنا تتبلور مفارقة شائكة – طرحتها “الأيام نيوز” على خبيرين – هل إنقاذ أوكرانيا يأتي عبر الحوار مع الخصم، أم عبر ترسانة أسلحة يحيط بها الحلفاء الغربيون، رأس النظام في كييف حماية له؟

 في هذا السياق، يبرز تصريح أرماندو ميما، عضو البرلمان الفنلندي، الذي كتب على منصة “إكس”: “لو كان زيلينسكي أذكى، لسافر إلى موسكو للتفاوض، إذ لا جدوى من مواصلة القتال، ذلك أن التفاوض وحده كفيل بإنقاذ بلاده”. هذا الطرح لا يقدَّم بوصفه دعوة تقنية للمفاوضات فحسب، بل كتصور كامل لطريقة إنهاء الحرب، يقوم على فكرة أن استمرار القتال لم يعد يحقق أي مكاسب سياسية أو استراتيجية لكييف، بل يفاقم كلفة الاستنزاف على المجتمع والدولة.

هذا الخطاب يتقاطع مع تحولات أوسع داخل المزاج الأوروبي، حيث تتزايد المؤشرات على إرهاق سياسي واقتصادي من حرب امتدت لسنوات دون أفق واضح للحسم. وفي قلب هذا التحول، يظهر أن النقاش لم يعد محصورا في دعم أوكرانيا، بل في جدوى استمرار الحرب أصلا، وهو ما يفسّر انتقال بعض الأصوات نحو طرح خيار التفاوض المباشر مع موسكو باعتباره مخرجا عمليا من حالة الجمود.

غير أن هذا المسار السياسي لا يتحرك في فراغ، إذ يتزامن مع واقع ميداني وأمني يعكس توجها معاكسا تماما. ففي مقابل الدعوات إلى التفاوض، تكشف تقارير عسكرية عن إعادة تموضع منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية من مناطق قتال في خاركوف إلى محيط كييف، بهدف تعزيز حماية مقر إقامة الرئيس.

وفي رواية نقلها الخبير العسكري أندريه ماروتشكو لوكالة “تاس”، أن “الأنظمة الغربية وصلت بالفعل إلى فاسيلكيف وبوريسبيل وهي في حالة تأهب قتالي”، وهي معطيات تشير إلى تحول في توزيع القدرات الدفاعية، لكن ليس لحماية أوكرانيا، بل لحماية العاصمة وبالتحديد مركز القيادة، حتى وإن كان ذلك على حساب إضعاف جبهات أخرى. وتذهب الرواية إلى احتمال أن يكون زيلينسكي قد أصدر بنفسه توجيهات بهذا الخصوص، ما يعني أنه أمر بتسخير كل القدرات لحمايته.

إسلام زباري

مفارقة شائكة

المحلل العسكري إسلام زباري يرى – في تصريحه لـ”الأيام نيوز” – أن الحرب الروسية على أوكرانيا تحولت إلى “حرب استنزاف للموارد والطاقات الأوروبية”، الأمر الذي جعل أوروبا نفسها الطرف الأكثر تأثرا بتداعياتها. ومن هذا المنظور، يصبح من الطبيعي أن تتصاعد دعوات داخل القارة تبحث عن مخرج سياسي، خاصة مع تراجع الدعم الأمريكي النسبي لكييف، ما يدفع نحو إعادة تعريف طبيعة الصراع باعتباره “صراعا روسيا – أوروبيا بالدرجة الأولى”.

لكن هذا التحول في القراءة السياسية لا يعني تلقائيا أن كييف باتت مستعدة لتغيير مسارها. فبحسب التحليل نفسه، يبقى احتمال استجابة زيلينسكي لمثل هذه الدعوات محدودا، بالنظر إلى شبكة الدعم الغربي التي ما تزال تحيط به، فضلا عن الحسابات السياسية المرتبطة بموقع الولايات المتحدة، التي لا تبدو راغبة في دفعه نحو مشهد تفاوضي قد يظهر كتنازل غير متوازن أمام موسكو.

عبد الناصر سلم حامد

ومع الانتقال إلى زاوية أخرى من المشهد، يقدم الدكتور عبد الناصر سلم حامد، كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق إفريقيا في فوكس (السويد) لـ”الأيام نيوز”، قراءة أكثر تركيبا للمفارقة القائمة بين الدعوة إلى التفاوض وتعزيز حماية الرئيس. فالمسألة، وفق هذا التصور، لا تبدو تناقضا إذا ما تحركت الدولة فعليا في مسارين متوازيين: مسار سياسي يبحث عن إنهاء الاستنزاف، ومسار أمني يسعى إلى منع انهيار مركز القرار، وهو ما يعكس “طبيعة الدولة في زمن الحرب”.

غير أن هذا التصور النظري يصطدم بواقع مغاير، حيث لا يظهر زيلينسكي استعدادا فعليا للانخراط في مفاوضات مباشرة مع موسكو، ما يجعل مسار التفاوض غائبا عمليا، ويحوّل التركيز بالكامل نحو البعد الأمني، لكن ليس لحماية أوكرانيا ككل، بل لحماية رأس النظام على وجه الخصوص. وهو ما يفسّر دفع بعض الأطراف، مثل عضو البرلمان الفنلندي أرماندو ميما، إلى تقديم نصيحة مباشرة له بالتوجه إلى موسكو، باعتبارها مخرجا ممكنا لإنهاء الحرب.

ويعزز هذا التفسير ما جاء على لسان مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، الذي أكد أن السلطات الأوكرانية “لا تهتم جديا بمفاوضات السلام، ولا بالخطوات الإنسانية البسيطة التي من شأنها تخفيف معاناة الناس”. وأشار نيبينزيا إلى تصاعد الهجمات باستخدام الطائرات المسيرة على الأراضي الروسية، بما فيها موسكو ومقاطعتها، وما نتج عن ذلك من تضرر نحو 27,5 ألف مدني منذ فبراير 2022.

وفي المقابل، شدد على أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين “متمسك بحل تفاوضي وتحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة بطرق دبلوماسية”، فيما أشار المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إلى أن موسكو تأمل في مواصلة المفاوضات بعد تنسيق جدول الأطراف المعنية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد التفاوضي الذي يواجهه زيلينسكي بسبب رفضه الفعلي لأي حوار مباشر مع موسكو.

حرب دون أفق واضح للحسم

ومن جانبها أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في حديث للصحفيين، يوم الاثنين، أن موسكو لم ترفض قط المفاوضات حول أوكرانيا، وما زالت تتمسك بهذا الموقف.  وقالت زاخاروفا: “هناك مفاوضات متعددة حول أوكرانيا، وتسير وفق مسارات مختلفة. وتتناول هذه المفاوضات قضية بالغة الأهمية كالقضايا الإنسانية. ولذلك، لم ترفض روسيا قط التفاوض، مهما بلغت تعقيدات التحديات الإقليمية أو الشؤون العالمية. هذا واجب ضروري لابد منه، ونحن ننطلق من ذلك”.

وأشارت المتحدثة إلى أن أوروبا الغربية لا تتبع نهج احترام سيادة الدول الأخرى، بل تشبثت بالديمقراطيين الأمريكيين. وأضافت زاخاروفا: “لا يزال نظام كييف على جدول أعمال السياسيين الأوروبيين، على الرغم من أنهم يرون الوضع المحيط بأوكرانيا، وما يفعله زيلينسكي، هو أمر شائن تماما، فهو يمثل تحولا إلى إرهاب دولي، وارتكاب هجمات إرهابية”.

ولا تقف دلالات هذا المشهد عند حدّ الوقائع الميدانية، بل تمتد لتفتح نقاشا أوسع حول طبيعة القرار داخل كييف وحدود استقلاليته. فتركيز الجهد الدفاعي حول مركز السلطة، في ظل غياب أي مسار تفاوضي موازٍ، لا يعكس فقط خيارا عسكريا ظرفيا، بل يوحي بترتيب أولويات يعيد تعريف مفهوم “الأمن” نفسه، من حماية الدولة ككل إلى حماية مركز القرار فيها.

وفي هذا السياق، تتقاطع المعطيات الأمنية مع مؤشرات سياسية أوسع تتحدث عن تراجع موقع أوكرانيا في سلّم الاهتمام الدولي، خاصة مع تحوّل الأنظار نحو أزمات أخرى. وهو ما يضع القيادة الأوكرانية أمام ضغط مزدوج: حرب مفتوحة في الداخل، وتراجع في الزخم السياسي والدعم الخارجي.

وتعزز هذه القراءة تقديرات إعلامية غربية، من بينها ما نشرته مجلة “The American Conservative”، التي تشير إلى تصاعد الضغوط على زيلينسكي، سواء داخليا بفعل تآكل موقعه، أو خارجيا نتيجة تغير أولويات الحلفاء، وهو ما يضيّق هامش المناورة أمامه. وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو الإجراءات الأمنية المكثفة مجرد استجابة لتهديدات ميدانية، بل انعكاسا لحالة قلق سياسي أعمق، في سياق حرب مستمرة دون أفق واضح للحسم.

رابط دائم
https://elayem.news/nruxm