الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

ظاهرة شواء العيد.. حين تتحول العادات إلى تهديد للصحة العمومية

Author
إيمان عبروس 22 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عيد الفطر، لا تقتصر الأجواء على التهاني والزيارات، بل تمتد إلى الشوارع التي تنبض بطاولات الشواء وروائح اللحم، في مشهد يوحي بالفرح والحيوية، غير أن خلف هذه الصورة الاحتفالية، يختبئ واقع مقلق، حيث تتحوّل بعض الممارسات إلى خطر على الصحة العمومية في ظل غياب شروط النظافة، ما قد يجعل بهجة العيد عرضة للتحول إلى معاناة صحية، يدفع ثمنها خاصة الأطفال.

فادي تميم

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أكد فادي تميم، المنسق الوطني للمنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، أن ظاهرة بيع الشواء خلال أيام العيد لم تعد مجرد سلوك عابر أو محدود، بل تحولت إلى نشاط موسمي واسع الانتشار، يتكرر كل سنة بوتيرة متصاعدة.

وأوضح أن هذه الظاهرة أصبحت جزءا من المشهد العام في العديد من الأحياء، حيث تنتشر طاولات الشواء بشكل عشوائي، مستغلة الإقبال الكبير من الأطفال الذين يجدون في “العيدية” فرصة للاستقلالية في الاختيار والاستهلاك.

وأضاف أن هذا التوسع غير المنظم يعكس غياب التأطير القانوني لهذا النشاط، ما يفتح المجال أمام أي شخص لممارسة البيع دون رقابة أو التزام بالمعايير الصحية، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام الجهات المعنية.

سلوك استهلاكي مرتبط بثقافة العيد

ويرى مختصون أن الإقبال الكبير على الشواء خلال العيد لا يرتبط فقط بالرغبة في الأكل، بل يعكس بعدا نفسيا واجتماعيا لدى الأطفال، يتمثل في البحث عن المتعة والاستقلالية وتجربة أجواء مختلفة عن الروتين اليومي.

فـ”العيدية” تمنح الطفل شعورا بالحرية، تجعله أكثر ميلا لاتخاذ قرارات استهلاكية دون رقابة مباشرة، وهو ما يستغله الباعة بعرض منتجات جذابة من حيث الشكل والرائحة.

غير أن هذا السلوك، رغم طابعه البريء، قد يتحول إلى خطر حقيقي في ظل غياب التوعية، حيث يفتقر الأطفال للقدرة على التمييز بين الغذاء الآمن وغير الآمن، ما يجعلهم فريسة سهلة للممارسات غير الصحية.

لحوم مجهولة المصدر وسلسلة تبريد منعدمة

وحذر فادي تميم من أن أخطر ما يميز هذه الظاهرة هو نوعية اللحوم المستعملة، حيث أكد أن نسبة كبيرة منها مجهولة المصدر، ولا تخضع لأي رقابة بيطرية أو صحية.

وأشار إلى أن غياب سلسلة التبريد يمثل أحد أبرز المخاطر، إذ يتم نقل اللحوم وتخزينها في ظروف غير ملائمة، ما يؤدي إلى تكاثر البكتيريا بشكل سريع، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.

كما أوضح أن عرض اللحوم في الهواء الطلق، دون حماية من الغبار والحشرات، يزيد من احتمالات التلوث، في حين أن بعض الباعة يعمدون إلى تتبيل اللحوم بمواد قد تخفي علامات الفساد، وهو ما يصعب على المستهلك اكتشافه.

ممارسات تحضير وبيع تفتقر لأبسط شروط النظافة

لا تتوقف المخاطر عند مصدر اللحوم فقط، بل تمتد إلى طرق التحضير، حيث أكد تميم أن العديد من الباعة يفتقرون لأبسط قواعد النظافة الشخصية، مثل غسل اليدين أو استعمال أدوات نظيفة.

كما أن أدوات الشواء غالبًا ما تُستعمل بشكل متكرر دون تنظيف أو تعقيم، في حين يتم التعامل مع اللحوم النيئة والمطهوة بنفس الأدوات، ما يؤدي إلى انتقال البكتيريا بشكل مباشر.

أما أماكن العرض، فهي في الغالب غير مهيأة، حيث توضع المأكولات في ظروف مكشوفة، دون أي احترام لشروط السلامة الغذائية، ما يحول هذه الطاولات إلى بؤر محتملة للتسممات الغذائية.

الأطفال.. الحلقة الأضعف في معادلة الاستهلاك

وأكد تميم أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه المخاطر، نظرا لضعف جهازهم المناعي، وعدم قدرتهم على تحمل البكتيريا والجراثيم بنفس كفاءة البالغين.

وأوضح أن التسممات الغذائية لدى الأطفال قد تظهر بسرعة، وتتراوح أعراضها بين آلام في البطن، قيء، إسهال، وارتفاع في درجة الحرارة، وقد تصل في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة تستدعي الاستشفاء.

كما شدد على أن خطورة هذه الحالات لا تكمن فقط في الأعراض الآنية، بل في إمكانية تأثيرها على صحة الطفل على المدى المتوسط، خاصة إذا تكررت أو لم يتم علاجها بالشكل المناسب.

ضغط الأعياد يربك المنظومة الصحية

وتشهد المؤسسات الصحية خلال فترات الأعياد ضغطا إضافيا نتيجة ارتفاع حالات التسمم الغذائي، ما يضع الطواقم الطبية أمام تحديات كبيرة في التعامل مع هذه الحالات، خاصة في ظل توافد أعداد معتبرة في وقت قصير.

ويؤكد مختصون أن أغلب هذه الحالات يمكن تفاديها بسهولة، إذا ما تم احترام شروط النظافة والسلامة الغذائية، وهو ما يعكس أهمية الوقاية مقارنة بالعلاج.

وفي هذا السياق، شدد تميم على أن دور الأولياء لا يقتصر على المراقبة فقط، بل يتعداه إلى التربية والتوجيه، من خلال غرس ثقافة استهلاكية واعية لدى الأطفال.

ودعا إلى ضرورة توعية الأبناء بمخاطر شراء الأطعمة من مصادر مجهولة، وتشجيعهم على اتخاذ قرارات صحية، خاصة خلال المناسبات التي يكثر فيها الاستهلاك العشوائي.

كما أشار إلى أن مرافقة الأطفال خلال خرجاتهم، أو توجيههم نحو بدائل آمنة، يعد من أهم الوسائل لحمايتهم من المخاطر المحتملة.

لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، إذ أكد تميم أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، من سلطات رقابية ومجتمع مدني وأسر.

فمن جهة، يجب تكثيف حملات التفتيش خلال أيام العيد، ومن جهة أخرى، ينبغي تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذه الممارسات، ورفض التعامل مع الباعة غير المؤهلين.

كما أن التبليغ عن التجاوزات يبقى أداة فعالة للحد من انتشار هذه الظاهرة، والمساهمة في حماية الصحة العمومية.

بين متعة اللحظة وضرورة الحذر

ورغم أن الشواء يبقى جزءا من أجواء العيد بالنسبة للكثيرين، إلا أن تميم أكد أن المشكلة لا تكمن في هذا التقليد بحد ذاته، بل في كيفية ممارسته.

فبين متعة اللحظة وإغراء الروائح، تبقى السلامة الغذائية خطا أحمر لا يجب تجاوزه، ما يستدعي إعادة توجيه هذه العادات نحو ممارسات أكثر أمانا، سواء داخل المنازل أو في فضاءات مرخصة.

تحذير منظمة حماية المستهلك.. رسائل واضحة قبل فوات الأوان

وفي ختام تصريحه، أطلق فادي تميم جملة من التحذيرات الصريحة، داعيا الأولياء إلى عدم التهاون مع هذه الظاهرة، لما تحمله من مخاطر حقيقية قد لا تظهر آثارها إلا بعد فوات الأوان.

وأكد أن الاستهلاك غير الواعي، خاصة من قبل الأطفال، قد يحول لحظات الفرح إلى أزمات صحية، مشددا على أن الوقاية تبدأ من الاختيار السليم لمصدر الغذاء.

كما دعت المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده إلى ضرورة تجنب شراء الأطعمة المعروضة في ظروف غير صحية، والحرص على التأكد من نظافة مكان التحضير وجودة المنتجات، معتبرة أن أي تساهل في هذا الجانب قد تكون له عواقب وخيمة.

وفي رسالة أكثر حدة، حذرت المنظمة من أن استمرار هذه الممارسات دون وعي أو رقابة سيؤدي إلى تفاقم حالات التسمم الغذائي خلال الأعياد، داعية إلى التعامل بجدية مع هذا الملف، وعدم اعتباره مجرد ظاهرة عابرة.

وأكدت أن حماية صحة الأطفال مسؤولية جماعية لا تقبل التهاون، وأن ضمان عيد آمن يتطلب يقظة دائمة، ووعيا حقيقيا، وسلوكا استهلاكيا مسؤولا، يضع سلامة الفرد فوق كل اعتبار.

رابط دائم
https://elayem.news/c0bva
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي