الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

من أوراق المؤرخ الجزائري “عبد القادر زبادية”.. العمارة والفنون في إفريقيا الغربية حتى نهاية القرن 16 (الجزء الثاني)

Author
محمد ياسين رحمة 17 فبراير 2025
X Facebook TikTok Instagram

“الرّقص” من الفنون التي برعت فيها شعوب إفريقيا الغربيّة عبر العصور، وقد لاحظ هذا الأمر “الحسن الوزان”، الذي اشتهر باسم “ليون الإفريقي” (1483 – 1552)، ودوّنه في كتابه “مختصر تاريخ الإسلام وتاريخ إفريقية”، فقد قال بأنّه “شاهد بنفسه في بلاد (سنغاي) أن سكان الأحياء المختلفة يبيتون في غناء ورقص حتى مطلع الفجر، وتزداد تلك الظاهرة انتشارا وقوة لديهم خلال الأعياد والمناسبات”. والأمر نفسه ذهب إليه “دولافوس”، صاحب كتاب “حضارات إفريقيا السوداء” الصادر في باريس عام 1925، فقد رأى أنه “إذا كانت هناك علامات التقاء تجمع بين جميع شعوب إفريقيا السوداء (إفريقيا الغربية) في الميدان الحضاري فهي الفنون بدون شك”.

أما كاتبنا الدكتور “عبد القادر زبادية” فقد توصّل إلى نتيجة أوجزها في قوله: “أما الرقص، فإنهم كانوا يشتركون فيه أيضا بشكل جماعي، ويسيرون على ضربات الطبول. ولكن في غير انتظام إيقاعي دقيق، لأن الرقص كان يثير فيهم نوعا من الهوس. كما يُفهم من عبارات المؤرخين في هذا الشأن، ولذا فإنهم كانوا يندفعون فيه أكثر كلما استمر فيختلّ النظام وتسود الجلبة والصخب”.

إضافة إلى الرّقص، عرفت شعوب الممالك الإسلامية في إفريقيا الغربية مظاهر حضارية في فنون النّقش والنّحت والعمارة، إضافة إلى حركة فكريّةٍ “في ثلاثة ميادين، هي: الآداب، التاريخ، الشرعيات وعلوم اللغة”، وذلك وفق ما أكّدته الوثائق التي وصلت إلى أيدي الباحثين. غير أن هذه الحركة الفكرية عرفها الأفارقة بعد مجيء الإسلام واعتناقهم له، وأما قبل ذلك فقد كان للأفارقة “آدابٌ غير مكتوبة” توارثوها جيل عن جيل، وهي عبارة عن “حكايات يتناقلونها بالمُشفاهة، أصاغر عن أكابر، وهي تروي بطولات الأجداد وأصول القبائل وحروب الملوك والرؤساء وكذا العراك مع الطبيعة”.

لم يُبدع الأفارقة إنتاجًا أدبيًّا خاصا بهم، وركّزوا اهتمامهم على التاريخ، ومثال ذلك المؤرّخ “محمود كعت” (1468 – 1593) الذي ألّف كتابه “تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التّكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار”، وخصّ فيه فترة القرن السادس عشر التي وقع فيها احتلال المغرب الأقصى لمناطق من السودان الغربي. وقد تحدّث “كعت” عن هذا الأمر في كتابه، ووصف النكبة التي حلّت بمملكة “سنغاي” عندما أمر المُحتلّ “أحمد المنصور” بترحيل علماء “تمبكتو” إلى “مراكش”، وفرض عليهم ما يُشبه الإقامة الجبرية في عاصمة حُكمه، فصارت “تمبكتو” مدينةً بلا علماء ومثقفين. قال “كعت”: “ولمّا أجلاهم القوم وارتحلوا صارت تمبكتو جسمًا بلا روح، وانعكس أمـرهـا وتغيّر حالها، وتبدّلت عوائدها، ورجع أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها، وساد أراذلها على عظمائها”.

أما في مجال العمارة، فقد كانت المساكن في إفريقيا الغربية – قبل مجيء الإسلام – عبارة عن أكواخ مستديرة من الطين، تُغطّى سقوفها بالقشّ في شكل هرمي. وعندما استقدم حاكم “مالي”، عام 1325م، المهندس الأندلسي “الساحلي الغرناطي”، تغيّرت العمارة في هذه المنطقة الإفريقية، وتطوّرت في هندستها ومواد بنائها..

تواصل جريدة “الأيام نيوز” نشر الإضاءات حول إفريقيا الغربية، لا سيما الممالك الإسلامية فيها، من خلال كتاب “الحضارة العربية والتأثير الأوروبي في إفريقيا الغربية جنوب الصحراء: دراسات ونصوص” للمؤرّخ الجزائري الدكتور “عبد القادر زبادية” (1933 – 2013) الذي يُعتبر من أبرز المؤرّخين الجزائريين في تاريخ إفريقيا الغربية (تأليفًا وتحقيقا للمخطوطات)، فهو أول من أدخل تخصّص الدراسات الإفريقية إلى الجامعة الجزائرية، ودعا إلى تأسيس معهد جزائري للدراسات الإفريقية على غرار معاهد الدراسات الإفريقية في بعض البلدان العربية والغربية.. ونترك القارئ مع هذا المقال الذي يتناول العمارة والفنون في إفريقيا الغربية حتى نهاية القرن السادس عشر..

الكتابة باللغة العربية في السودان الغربي

لم نعثر لكُتّاب السودان الغربي قبل القرن الثامن عشر على إنتاج شعري، ولكنهم كانوا كثيرا ما يستشهدون بأشعار وكتابات لشعراء العرب وكتابهم، فـ “عبد الرحمان السعدي” يقول عن “تمبكتو” بأنها تشبه في روعتها وجمالها ما كان قد شبّه به “الهمذاني” مدينة “البصرة” في مقاماته.

أما “أحمد بابا” فهو يستشهد على صواب نظريته في أنّ السّواد في لون البشرة لدى الإنسان، إنما مردّه إلى العوامل المناخية والطبيعية، وبرأي “ابن خلدون” أيضًا، ويورد رجز “أبي علي بن سينا” الذي لخّص فيه رأيه في الموضوع نفسه بقوله:

حَرٌّ غيّر الأجسادا – حتى كسا جلودها سوادا

والصّلغب اكتسبها بياضا – حتى غدت جلودها فِضاضا

وهذا يدلّ على اطلاع السودانيين الكافي على الأشعار العربية والكتابات المُنمَّقة لدى “الهمذاني” و”الحريري” وغيرهما، ولكني لم أعثر على أشعار من إنتاج سوداني في تلك الفترة. (أشار الكاتب إلى أن “الألوري” أورد في كتاب “تاريخ نيجيريا” عدة أبيات في طلب العلم والتزهّد نسبَها إلى شعراء سودانيين، ولم يُبيّن أصحابها ولا تاريخها، ويرجّح أنها لكُتّاب من العهود المتأخّرة).

أما الأسلوب الذي كانوا يكتبون به، فإننا إذا أخذنا “أحمد بابا” كمثال، لأنه عاش في الفترة نفسها وكتَب خلالها أيضا، فإن أسلوبه شيّق وجزلٌ ومتين. شيّقٌ من حيث أن الموضوعات التي طَرَقها هي موضوعات طريفة في حدّ ذاتها، فقد ألّف في تَراجِم علماء المالكية، وكتَب رسالة حول حكم الإسلام في امتلاك المسلم للمسلم كعبدٍ ضمّنها رأيه الخاص أيضا. (سمّى “أحمد بابا” هذه الرسالة: “الكشف والبيان بحكم مجلوب السودان”، ثم قال: وإن شئت فسمِّه: “معراج السعود إلى نيل حكم مجلوب السود”).

وقد عالج “أحمد بابا” ذلك الموضوع بأسلوب علمي موضوعي. ويظهر من عباراته أنه كتبه كإبداء رأي في إحدى مشاكل مجتمعه في عصره. وأما جزالة أسلوب “أحمد بابا” فإنها تتمثّل أمامنا في تمكّنه من الألفاظ التي يستعملها وفي المفردات التي تتركّب منها جُمَله فهي كلّها متناسقة، مما جعل جُمَله قصيرة أيضا، شأن المتمكّن من اللغة.. وأمّا المتانة في أسلوب “أحمد بابا” فإنّنا لنلمسها في أنّ الرجل، ألفاظه بقدر معانيه، أمّا عباراته فهي شديدة الدلالة على ما يقصد.

وعلى العكس من “أحمد بابا”، نجد كلًّا من أسلوب “السعدي” و”محمود كعت” بعيدين عن المتانة والجزالة وكثيرًا ما يتخلّلها الحشو، وأحيانا نجد لديهما تعابير غامضة استُعملت فيها مفردات أخذاها من الدّارجة في “تمبكتو” على أيامهما. ربما يعود الفرق في أسلوبهما عن “أحمد بابا” إلى أن هذا الأخير عاش وكتَب أيام ازدهار الثقافة العربية بالسودان الغربي على أيامه، في حين كتَب “السعدي” و”كعت” بعد تلك الفترة، حينما بدأت تضعف مكانة اللغة العربية في البلاد خلال القرنين: 16 و17.

ونجد كتابة سودانية أيضا باللغة العربية من فترة الأسيقيين في الأسئلة السّبعة التي كان قد بعث بها الحاج “محمد الأول” إلى الإمام “المغيلي” حوالي سنة 1502، فكل سؤال من بينها يحتوي على أكثر من سطرين، أمّا عباراتها فشديدة القوة والتماسك، ولكننا لا نستطيع الجزم بأن كاتبها سوداني، لأن الأخبار تواترت إلينا عن وجود كُتّاب مغاربة في بلاط الأسقيا في ذلك الوقت، ولذا فغير مؤكدٍ لدينا نسبة صياغة تلك الأسئلة إلى كاتب سوداني. (من المعروف في تاريخ الحضارة الإسلامية أن كُتّاب الملوك كانوا يُسمّون بـ “كُتّاب الإنشاء” أو “كُتّاب الرسائل”، وكانوا يُختارون من بين أبرع الكُتّاب واللغويين، ولذا فإنّ الذي كتب رسالة “الأسقيا” إلى “المغيلي”، لا شك أنه كان من نوعِ الكُتّاب البارعين).

والنتيجة التي يمكن أن ننتهي إليها في موضوع الكتابة الأدبية حتى نهاية القرن السادس عشر، أن معظم الكتابات التي وصلت إلينا من ذلك الوقت هي كتابات قليلة من حيث الكميّة، وكلها مكتوبة باللغة العربية.

ومن الاطلاع عليها يستطيع الدّارس أن ينتهي إلى القول بأنّ الكتابة باللغة العربية قد بلغت مستوى متوسّطًا لدى كُتّاب ذلك الوقت من السودانيين، فقد كتب أولئك السودانيون في مواضيع اجتماعية عديدة أثناء تصدّيهم للكتابة في التاريخ والفقه ولكن لم تُؤثَر لنا عنهم أشعار تستحقّ الذّكر سوى ضروب من الرّجز الذي كانوا يستعملونه أحيانا لضبط معلوماتهم في الفقه والفرائض والمنطق.

نستثني هنا ما ذكره “اليفراني” في “نزهة الهادي بأخبار ملوك القرن الحادي” وهو مخطوط مدرسة اللغات الشرقية.. فقد نُسب إلى “أحمد بابا” ثمانية أبيات نظمها في التعبير عن الحنين إلى وطنه حينما كان في “مراكش” منفيا، ولم يكن “أحمد بابا” شاعرا كما هو معروف، ولذا كان نظم تلك الأبيات غير سليم. وهذه الأبيات هي:

أَيا قاصدًا كاغو فعُجْ نحو بلدتي – وزمزم لهم باسمي وبلّغ أحبّتي

سلاما عَطيرًا من غريبٍ وشائق – إلى وطن الأحباب رهطي وجيرتي

وعندي أقارب هناك أعزّة – عليّ، السادة الأُلى دفنت بغربتي

أبي زيدهم شيخ الفضائل والهدى – وصنو أبي عمي وأقرب أسرتي

وسيفي فسيف البين سُلّ لفقدهم – عليّ، وهلّ الموت ركني وعمدتي

ولا ننسى عبد الله ذا المجد والندى – فقد مدّ حزني فقدُ قوتي وعشيرتي

وشبّان بيتي سارعوا عن أخيرهم – إلى ملك الأملاك في وقت غربتي

فوا أسفَا منهم وحزني عليهم – فيا رب فارحمهم بواسع رحمتي

ولذا فإن تحليل ميادين وطبيعة إنتاجهم فيما يأتي سيمكّننا أكثر من أخذ فكرة إجمالية عن تطور الحركة الفكرية في ذلك الوقت.

الشرعيات وعلوم اللغة

تحدّث “السعدي” طويلا عن العلماء والفقهاء الذين تولّوا مناصب قضائية في بلاد “سنغاي” على أيام الأسيقيين وقبلهم، كما أتى بقوائم طويلة للأئمة والمدرّسين وقد زاد عدد من ذكَرهم على المائتين، وأثنى على كل واحد منهم لتمكّنه من العلوم وبذله الجهود العظيمة في تحصيلها وإشاعتها.

وفي جميع القوائم التي ذكرها لم نعثر إلّا على رجلين فقط، قال عنهما إنهما كانا – بالإضافة إلى تمكّنهما من الفقه والتفسير – لهما اطّلاع على الأدب العربي، أما الذين أتقنوا النحو والصرف، بالإضافة إلى الفرائض والتفسير، فهم ثلاثة، وهناك واحد من بينهم فقط قال عنه أنه يحسن المنطق. وبهذا يتّضح أن مادة الفكر الأساسية كانت الشرعيات وعلوم اللغة.

وحينما نتتبّع عباراته، نجد أن جميع أولئك العلماء كانوا أولياء الله، وقد ثبتت لكل واحد منهم – بناء على رأي “السعدي” – معجزات وخوارق، شهد له بها الناس في زمانه وقدّروه لأجلها وكانوا يتبرّكون به.

وهذا ربما يدلّنا على أن الشعوذة كانت تختلط بأفكار الناس، ولم يكن أولئك الفقهاء والمفسّرون يختلفون في ذلك عن غيرهم، ويفسر هذا بأن الكثيرين من أولئك العلماء لم تمكّنهم ثقافتهم من فهم أغراض الشريعة الفهم اللائق، فهُم وإن أتقنوا الكثير من أحكام الفرائض وحفظوا الأحاديث، إلا أن فهمهم لعميق أغراض الشريعة ظل سطحيا.

ولعل مما يؤكد هذه الحقيقة أن الأسقيا “محمد الكبير” قد أظهر في أسئلته التي استفتى فيها “المغيلي” تألّمه الشديد من كون علماء بلاده لا يفقهون من الدين الإسلامي إلا بعض الأحكام البسيطة، وفهمهم في الغالب لها سقيم، ومع ذلك فهُم يتباهون على الناس بغزير علمهم ويجدون من بين العامة من يتبعهم ويصدّق كل ما يقولون.

ولهذا لم نعثر في جميع المصادر على أيّ مؤلَّف قائم بذاته لعلماء السودان حتى نهاية عهد الأسيقيين في مجالات الفقه والتفسير واللغة، وكل ما كتبوه في ذلك على كثرته لا يعدو أن يكون حاشية لشرحٍ، أو شرحًا لتصنيف، أو نظمًا في قالب رجزٍ لمصنّف من المصنفات التي كتبها المشارقة أو المغاربة، أو تفسيرا لجزء من القرآن، يعتمد فيه صاحبه على شرح لعالِمٍ آخر من خارج السودان.

ولهذا فلنا أن نقول عن اقتناعٍ بأنّ جُلّ الموضوعات التي أنتج فيها السودانيون إنتاجا مستقلا في تلك الأثناء، لم يكن في الأدب ولا في الشريعة واللغة، وإنما كان في ميدان التاريخ.

رابط دائم
https://elayem.news/erhjt