الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

من أوراق المؤرخ الجزائري “عبد القادر زبادية”.. إفريقيا الغربية في كتابات العلّامة “ابن خلدون” (الجز الثاني والأخير)

Author
محمد ياسين رحمة 24 فبراير 2025
X Facebook TikTok Instagram

سطع نجم العلاّمة “عبد الرحمن بن خلدون” (1332 – 1406م) في عصر الانحطاط العربي والإسلامي، فقد كان عقلا جبّارًا “غيّر مجرى التاريخ الإنساني، فهو أستاذ العلماء في كل مكان منذ نهايات القرن الرابع عشر الميلادي. وَهَب الإنسانيةَ مفاتيح الدخول إلى فضاءات علمية ومعرفية كانت مجهولةً قبله”. قال عنه المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي”: “ابن خلدون قدّم للفكر البشري فلسفة للتاريخ تُعَدُّ أعظم عمل، لم يسبق أن أنجزه عقل بشري في أيّ زمان وأيّ مكان من قبل”.

عاش “ابن خلدون” في الجزائر زمنا طويلا، وتنقّل للإقامة بين بعض مدنها مثل: بجاية، قسنطينة، بسكرة، تيارت، تلمسان، وهران.. ودرَس على أيدي علماء جزائريين، كما درّس لأبناء الجزائر وبناتها “في جامع القصبة في بجاية، ومدرسة العباد في تلمسان”. وقد “أشارت بعض المصادر إلى أن ابن خلدون قدّم دروسه إلى مئات من النساء الجزائريات”..

في الملتقى الدولي الذي أقامته الجزائر، في شهر جوان 1978، حول “ابن خلدون” والذكرى المئوية السادسة لمقدّمته، قال المفكر الجزائري “مولود قاسم نايت بلقاسم”: “عندما ملّ (ابن خلدون) وكلَّ من كلّ بَيعة وهيعة، وَجَد في الجزائر السّكن والسّكينة، إذ تزوّج من قسنطينة زوجته الوحيدة.. وخلاَ لنفسه للتفكير والرويّة في بسكرة، وتفرّغ للدرس والعلم، وعكف على إجراء القلم في قلعة بني سلامة قرب تيهرت (تيارت) مع أسرته، (مُتفرّغا عن الشّواغل كلّها)، (عاكفًا على تدريس علم، أو قراءة كتاب، أو إعمال قلم في تدوين أو تأليف). وشرع في التأليف حتى أخرَج لنا هذه (المُقدّمة على النّحو الغريب الذي اهتديتُ إليه في تلك الخلوة) (الكلام لابن خلدون عن نفسه)”.

كتب “ابن خلدون” عن السودان الغربي (إفريقيا الغربية)، وتناول تأثير المناخ على الأفارقة وطبائعهم النفسية.. كما تناول بعض الشؤون الأخرى التي انفرد بها عن غيره من المؤرّخين، مثل طريق القوافل الذي ينطلق من مدينة “ورقلة” الجزائرية إلى السودان الغربي، قال: “وهذا البلد (ورقلة) لهذا العهد باب لولوج السفر من الزّاب إلى المفازة الصحراوية المُفضية إلى بلاد السودان يسلكها التجار الداخلون إليها بالبضائع”..

نواصل مع كتابات المؤرّخ الجزائري الدكتور “عبد القادر زبادية” (1933 – 2013) حول تاريخ إفريقيا الغربية ونذكّر بأنه أول من أدخل تخصّص الدراسات الإفريقية إلى الجامعة الجزائرية، ودعا إلى تأسيس معهد جزائري للدراسات الإفريقية على غرار معاهد الدراسات الإفريقية في بعض البلدان العربية والغربية.. وقد استخلصنا هذا المقال من كتابه “الحضارة العربية والتأثير الأوروبي في إفريقيا الغربية جنوب الصحراء: دراسات ونصوص”، وهو امتداد لسلسلة من المقالات التي كتبها المؤرّخ في مجلة “الأصالة” الجزائرية، ونشرنا بعضًا منها، وسنواصل نشرها حتى يتعرّف القارئ على الغرب الإفريقي بعيون وفكر مؤرّخ جزائري. وفيما يلي، نترك القارئ مع المقال..

الحملات العسكرية المراكشية لاحتلال السودان الغربي

لقد صعد “المنصور” إلى الحكم سنة 1577، وكان لا يزال شابًّا نشيطا وطموحا، فنظّم المملكة المغربية بالقوة وقضى على الفتن وساد البلاد الأمن والاستقرار على أيامه، فكان عهده من أزهى أيام “السعديين” بالمغرب الأقصى، وكان من أهم إنجازاته تنظيم الجيش المغربي وتزويده بأحدث أساليب القتال على أيامه، فقلّد الأتراك والبرتغاليين، وكان ينفق على أفراد جيشه بسخاء حتى يتم إخلاصهم له.

يبدو أن نجاح “المنصور” في تسليح جيشه قد شجعه على ألّا يتأخر بإرسال الحملة الاستكشافية الأولى إلى السودان الغربي، وبما أنه كان لا يعرف البلاد جيدا ويجهل المكان الذي تواترت الروايات على أنه غابة كثيفة توجد بها معادن الذهب، فقد سارت تلك الحملة على غير هدى ورجعت دون نتيجة.

كانت تلك الحملة الأولي تتكوّن من عشرين ألف محارب، وقد أعطاها “المنصور” كهدفٍ أول “وضان” في منطقة الحوض الحالية ثم مجرى “السنغال” ومنه تصعد نحو الشرق حتى “تمبكتو”.

ولكن هذه الحملة كانت سيئة التنظيم وغير موفورة التموين الكافي لمدة طويلة، ولذلك لم تستطع قطع الصحراء، ونالت منها المجاعة والعطش، فرجعت إلى المغرب الأقصى.

ولما رأى “المنصور” أن إرسال الجيش لأهداف غير مضبوطة سلفًا غير مفيدٍ، كما أن الإكثار من عدد الجنود في فترة الاستكشاف لا مبرّر له.. غيّر طريقته، ولكنه لم يتخلّ عن مشروعه فأرسل حملة ثانية تتركّب من مائتي فارس فقط، سلاحهم البنادق، وعيَّن لهم هدفا محدّدا وهو “تغزة” بذاتها.

وقد تمكّنت هذه الحملة من احتلال المنجم، أما السكان فقد استولى عليهم الرعب فهرب بعضهم من وجه الحملة إلى “تغزة الغزلان” في الجنوب، والبعض الآخر لجأ إلى “تاودني”. وبعد أن وجد رجال الحملة أنفسهم في مكان خالٍ، هجره سكانه، فإنهم لم يقيموا إلا مدة قصيرة، ثم عادوا إلى “مراكش”.

وبعد جلاء الجيش المغربي عن “تغزة”، أمر الأسقيا بعودة العمال إلى المنجم، أما أثناء وجود الجيش المغربي بالمنطقة فقد ارتأى ألّا يجابهه بشيء.

ولكن رغم هذا الفشل المضاعف الذي رآه “المنصور” في سنة 1584 حين إرساله حملة الاستكشاف الأولى، ثم في عام 1586 بعد الهجوم على “تغزة”، فإنّه لم يُرِد أن يتخلى عن مشروعه.

وصادف أن التقى – وهو في فاس – سنة 1589 بأحد رعاياه الذي عاد لتوّه من بلاد “سنغاي”، وكان قد أقام فيها قبل ذلك عدة سنوات في خدمة بلاط الأسقيا، فزّوده بمعلومات مُفصّلة عن ضعف مملكة “سنغاي” واضطرابها في أواخر أيامها، وهذا ما دفع “مولاي الذهبي” على استئناف العمل الفوري لاحتلال “سنغاي” وامتلاك مواردها التي كانت تبدو أمامه أكثر مما هي في واقعها.

فبادر بارسال رسالة إلى الأسقيا “إسحاق الثاني” أثار فيها حقوقه في امتلاك الصحراء التي اعتبرها “امتدادا” طبيعيا للمغرب الأقصى، وأكد عليه بضرورة تسليم الممالح دون تريّث للمغرب.

ويبدو أن قضية طموح المراكشيين إلى احتلال البلاد قد أصبحت واضحة جدا في أذهان ملوك “سنغاي”، بعد أن أقدموا مرارا وخاصة في عهد “المنصور” على القيام بعدة محاولات مكشوفة للتعدّي، وفي الوقت نفسه كانوا يُظهرون حرصهم على مصادقة أمراء “سنغاي”.

ولا ندري ما إذا كان “إسحاق” قد رأى في كثرة أعداد جيشه ما يكفل له الدفاع عن حوض بلاده أم أنه أقدم على ما أقدم عليه كفورةٍ من فورات الغضب التي تنتاب الشخص حينما يلزم نفسه الصبر أمام تعدّيات الآخرين، أكثر مما يمكن لها أن تتحمّله.

وعلى كلٍّ، فإن الأسقيا “إسحاق” أجاب على رسالة “المنصور” إجابة سلبية ومثيرة، فأرفق جوابه بخوذة عسكرية وبسلاسل يكبح بها العبيد.

أما “المنصور” فقد وجد في جواب الأسقيا “إسحاق”، وفي الأخبار المتوافرة لديه عن تضعضع “سنغاي”، الفرصة الذهبية للهجوم، ولكنه هذه المرة عمل جميع الحسابات لإرسال الحملة فانتظر حتى نهاية موسم المطر، ثم وجّه في نوفمبر 1590 جيشا تعداده ثلاثة آلاف فقط، ولكنه اختارهم من بين أحسن عناصر جيشه وزوّدهم بالمدافع والبنادق، وجعل على القيادة الباشا “جودار” الإسباني. أمّا الهدف الذي احتوته تعليماته المدققة فهو احتلال “غاو” و”تمبكتو” (عصَبَي الحياة في سنغاي)، والقضاء النهائي على دولة “سنغاي” وضمّ حدودها للمغرب الأقصى.

ولا ندري كم بقِيَت الحملة في الصحراء، كما لا ندري عدد من مات قبل الوصول، ومن المؤكد أنها فقدت عددا لا بأس به من أفرادها لقساوة الصحراء وطول الطريق..

(تتفق روايات الرحّالة والتجار مثل “ابن بطوطة” و”الحسن الوزان” المُسمّى ليون الإفريقي وغيرهما على أن المسافة من “سجلماسة” إلى “تمبكتو” تقطعها القوافل في ستّين يوما، و”مراكش” غير بعيدة على “سجلماسة”، كما أن الجيش لا يمكن أن يكون شبيهًا بسير القوافل المُحمّلة، ولذا يمكن أن نقدِّر بأن الحملة قضت حوالي شهرين قبل الوصول إلى “سنغاي”).

ولما قربت الحملة من “غاو” (العاصمة)، لاقاها جيش “سنغاي” في “تنديبي” (إلى الشمال قليلا من العاصمة)، ويقال إنه كان يتكوّن من ثلاثين ألف راجلٍ واثني عشر ألفا وخمسمائة فارس، وهو عدد لا نستبعده لأن الأسقيا جنّد كل ما في استطاعته للدفاع، وعدد الجيش هو الذي نعتقد أنه كان قد شجّعه فقط على التصلّب في وجه “المنصور”.

ولقد انكسر جيش “سنغاي” سريعا أمام الجيش المغربي لانتظام هذا الأخير وحداثة أسلحته النارية التي لم يكن لجيش “سنغاي” عهدٌ بها من قبل. ولقد استمات جيش “سنغاي” استماتة تامة، حتى أبيد معظم أفراده. وفي هذا المقام، نجد أوصافًا واسعة لدى المؤرخين المراكشيين من أمثال “اليفراني” و”السلاوي” وغيرهما، وكلها تشير إلى البلاء الحسن الذي أبلاه جيش “سنغاي” والمصائب التي تعرّض لها على أيدي رجال الحملة.

وقد دخل الجيش المغربي إثر ذلك مدينة “غاو” دون صعوبة، وبعدها مدينة “تمبكتو”، وفرض الطاعة على سكان جهات النيجر الأوسط.

(يشير “اليفراني” إلى أن “المنصور” سُمِّيَ بالذهبي لكثرة ما توارد عليه من ذهب السودان.. ويرى “جولیان” في كتابه “تاريخ إفريقيا الشمالية” أن “المنصور” موّه على العالم الخارجي وعلى شعبه بكثرة ذهبه من السودان الغربي…)

وفي أول تقرير أرسله “جودار” إلى “المنصور”، أكد لمولاه خيبة المسعى، حيث أن البلاد فقيرة وليست مُدنها إلّا قرى صغيرة يلتقي فيها التجار، أمّا الذهب فإنه يأتي به آخرون من مناطق بعيدة مجهولة لدى معظم سكان “سنغاي”. وقد أرسل “المنصور” بعثة للتحقيق في مدى صحة كلام “جودار”، فأكّدت صحته. ولما تأكد لـ “المنصور” أن عمله لا طائل من ورائه، يبدو أنه لم يعد يهتم بالبلاد وأهمل شأنها بعد ذلك.

وقد أكدت وجاهة هذا الرأي كتابات كل من القاضي “محمود كعت” و”أحمد بابا” من أن أفراد الجيش المغربي انسجموا بعد ذلك في الحياة العامة ببلاد “سنغاي”، وراح رؤساؤهم في كثير من الأحيان يتقابلون ويتحاربون كما كان يفعل الأمراء المحليون. أما ارتباطهم بالمغرب الأقصى فقد بقي شكليا، كما أن الملك لم يعد يهتم بأمورهم بعد أيام الحملة الأولى.

وقد استؤنِفَت التجارة عن طريق القوافل بعد ظروف الاضطرابات الأولى، ولكن في وقت غلبت عليه قلة الأمن والفوضى فلم يعد للتجارة مع السودان الغربي أيضا ذلك الازدهار الذي كانت عليه في السابق.

نهاية مملكة “سنغاي”

وإذا كان الهجوم المغربي على “سنغاي” سنة 1591 قد أضعف ظروف التجارة في بلاد السودان الغربي، فإن ذلك العام رأى نهاية مملكة “سنغاي” إلى الأبد. ويبدو للباحث أن عاملين أساسيين كانا في مقدمة أسباب هذا الحادث: وأولهما ضعف المملكة في آخر أيامها نتيجة الخلافات والنزاع المستمر بين أفراد البيت المالك. أما ثانيهما فهو طموح “المنصور” إلى الحصول على مورد لا ينضب من الذهب، وإذا كان تخاذل الأسيقيين المتأخرين عن تنظيم دولتهم قد أضعفها أمام الخطر الخارجي فإن عدم توافر الثروة التي كانت الهدف الأساسي من حملة “المنصور”، قد دفعه إلى إهمال شأنها وزاد تنازع الجنود على الرئاسة فيها في السّير بها نحو الإهمال والتجزّؤ التدريجي بعد ذلك، فأصبحت كأن لم تكن بالأمس.

رابط دائم
https://elayem.news/xo13y