الإثنين، 06 أبريل 2026 — 17 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

من غزة إلى لبنان.. استهداف الصحفيين سياسة ممنهجة لإسكات صوت الحق


قد تتباينُ الجغرافيا وتختلف الأزمنة، إلا أن واقع الصحفيين في لبنان يعكسُ صورةً مأساوية مُماثلة لما يعيشه زملاؤهم في غزة، فهم يواجهون المصير نفسه استهدافٌ ممنهج، ومحاولاتٌ متواصلة من قبل الاحتلال الصهيوني لتزييف الحقائق ومنع نقل الصورة كما هي، ضاربين بذلك كل المواثيق والقوانين الدولية التي تحمي حرية الإعلام والصحفيين عرض الحائط، وهو ما أكده صحفيان من غزة لـ”الأيام نيوز”.

وفي هذا الصدد، أفاد يحيى اليعقوبي صحفي فلسطيني مقيم في غزة، أن استهداف الصحفيين في بؤر النزاع، لا سيما في غزة ولبنان، لم يعد سلوكاً عرضياً أو نتيجة لأخطاء ميدانية، بل يعكس توجهاً ممنهجاً يهدف بالأساس إلى حجب الحقيقة ومنع إيصال الصورة الكاملة إلى الرأي العام الدولي.

استهداف الصحفيين في غزة ولبنان جريمة ضد الإعلام

وأوضح في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا التوجه يأتي في سياق تحولات إعلامية عميقة، حيث أسهم الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي في كسر “حاجز التصفية” الذي كانت تمارسه بعض وسائل الإعلام الغربية، من خلال الانتقاء أو التلاعب بالمحتوى المعروض.

وأشار المتحدث إلى أن أي صورة أو مقطع فيديو بات اليوم قادراً على بلوغ العالم في لحظات، وهو ما من شأنه تحريك الرأي العام العالمي ودفعه إلى التفاعل مع معاناة الشعوب التي تتعرض للقصف، خاصة في فلسطين ولبنان، لافتا إلى أن هذه القدرة المتزايدة للإعلام الرقمي على التأثير، جعلت من الصحفيين هدفاً مباشراً، باعتبارهم حلقة الوصل الأساسية في نقل الحقيقة وكشف الانتهاكات.

وفي هذا السياق، أبرز اليعقوبي أن أساليب الاستهداف لم تقتصر على الجانب الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أشار إلى وجود تعاون مع إدارة منصة “ميتا” من أجل تقييد المحتوى الفلسطيني واللبناني، عبر خوارزميات تستهدف صور الشهداء والجرحى والمصطلحات المرتبطة بالمظلومية، ما يؤدي إلى حظر الحسابات وتقييد وصولها.

وعلى المستوى الميداني، قال الصحفي الفلسطيني: “إن وتيرة الانتهاكات شهدت تصعيداً خطيراً، بدءاً باستهداف مقار وسائل الإعلام ومنع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة، مروراً بقصف الصحفيين أثناء أداء مهامهم، وصولاً إلى استهدافهم داخل منازلهم مع عائلاتهم”، مُؤكّدا أن عدد شهداء الصحافة في غزة بلغ 261 صحفياً، في مؤشر خطير على حجم الانتهاكات المرتكبة بحق الجسم الإعلامي.

وشدد اليعقوبي على أن غياب المساءلة الدولية، وصمت الدول التي ترفع شعارات حرية الصحافة، شكّل عاملاً مشجعاً على التمادي في هذه الانتهاكات، حيث نوّه إلى أن الاحتلال، ومع إدراكه لضعف ردود الفعل الدولية، صعّد من استهدافاته بشكل تدريجي، مركزاً بشكل خاص على الصحفيين ذوي التأثير الواسع، ممن يمتلكون قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد يحي اليعقوبي، أن استهداف الصحفيين بالقصف يُعد من أبشع الجرائم المرتكبة، بالنظر إلى أن الإعلام لا يُعد طرفاً في النزاع، بل هو مرآة تنقل الوقائع كما هي، مُوضحا أن انحياز الصحفي لقضية شعبه لا يتعارض مع المهنية، بل يندرج ضمن نقل الحقيقة من قلب الحدث.

محاولة ممنهجة لإسكات صوت الحقيقة

من جانبه، أبرز المُصور الميداني من غزة، خميس الريفي، أن تكرار استهداف الصحفيين في كلٍ من غزة ولبنان يعكس بوضوح وجود توجّه ممنهج يرمي إلى إسكات الصوت الإعلامي الحر، وطمس حقيقة ما يجري على الأرض من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، مُشيرا إلى أن هذه الممارسات تكشف في عمقها حجم التحديات التي يواجهها الإعلاميون في سبيل نقل الصورة الحقيقية إلى الرأي العام الدولي.

وأوضح الريفي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن العمل الميداني في ظل هذه الظروف لم يعد يقتصر على المخاطر الأمنية المباشرة، بل بات مرتبطا بجملة من العراقيل اليومية التي تعيق أداء الصحفيين، لافتا إلى أنه يتواجد يوميا بالقرب من “الخط الأصفر”، حيث يخرج صباحا ويعود مساء، في ظل بيئة شديدة الخطورة وغير مستقرة.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن غياب الكهرباء بشكل منتظم، إلى جانب النقص الحاد في المعدات والتجهيزات، يزيد من صعوبة أداء المهام الصحفية، ويحدّ من القدرة على توثيق ونقل الأحداث بالسرعة والدقة المطلوبتين، مؤكدًا أن هذه الظروف تفرض واقعًا مهنيًا قاسيًا على الصحفيين في الميدان.

وفي السياق ذاته، شدد الريفي على أن الجانب النفسي لا يقل وطأة عن التحديات الميدانية، بل يمثل عبئًا متزايدًا، خاصة بعد ثلاث سنوات من الحرب التي وصفها بـ”الكابوس المستمر”، مضيفا أن الاستنزاف النفسي بات جزءًا من يوميات الصحفيين، في ظل مشاهد العنف والدمار المتكررة.

ونوّه المتحدث إلى أن استمرار استهداف الصحفيين لا يمكن فصله عن محاولات التحكم في تدفق المعلومات وتوجيه الرواية الإعلامية، معتبرا أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياق أوسع يسعى إلى تزييف الوقائع والتعتيم على الانتهاكات المرتكبة.

خِتاما، أكّد الريفي أن هذه التحديات، رغم قسوتها، لم تثنِ الصحفيين عن أداء رسالتهم، بل زادتهم إصرارا على نقل الحقيقة، مشددا على أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضا على مستوى الرواية والصورة، حيث يسعى الصحفيون إلى كسر الحصار الإعلامي وفضح ما يجري أمام العالم.

إدانات واسعة لاستهداف الصحفيين في لبنان وفلسطين

وفُجع الوسط الإعلامي العربي، يوم 28 مارس الماضي، استشهاد ثلاثة صحفيين في جنوب لبنان، وهم: فاطمة فتوني، وشقيقها المصور محمد فتوني، وعلي شعيب، خلال تغطيتهم للأحداث على الحدود.

بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتفع عدد الشهداء الصحفيين منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 إلى 261 صحفياً، بعد استشهاد الصحفية آمال شمالي خلال شهر مارس الماضي، ما يجعل هذه الفترة من أكثر الفترات دموية بحق الإعلاميين في التاريخ الحديث.

من جانبها، قالت نقابة محرري الصحافة اللبنانية، إن استشهاد الزملاء الصحافيين “جريمة موصوفة بكل المعايير تدل على الطبيعة العدائية والإلغائية للدولة الصهيونية تجاه لبنان واللبنانيين، خصوصا الإعلاميين الذين يوثقون جرائمها وينقلون مجازرها إلى الرأي العام العالمي”.

وأشارت إلى “تغافل” الرأي العام العالمي عن ضرب سلطات الاحتلال عرض الحائط للمواثيق والأعراف والبروتوكولات الأممية والدولية التي تحظر التعرض للصحافيين والإعلاميين والمصورين وطواقمهم التقنية في مناطق الحروب.

وشددت النقابة على أن ما جرى ليس سابق في استهدف الاحتلال “الصحافيين العزل إلا من مذياعهم وقلمهم وحناجرهم وكاميراتهم”.

وقالت نقابة محرري الصحافة اللبنانية: “نضع هذه المجزرة الجديدة برسم الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي ومنظمة اليونسكو، وهيئة حقوق الانسان، واتحاد الصحافيين العرب”، داعية إلى أوسع إدانة ضد الاحتلال الصهيوني وجرائمها بحق الصحافيين.

من جهته، ندّد منتدى الإعلاميين الفلسطينيين بالجريمة، مؤكداً أن استهداف الصحفيين الثلاثة يمثل امتداداً لنهج ممنهج في استهداف الإعلاميين، في انتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية.

وأوضح المنتدى أن الجريمة تعكس إصراراً على إسكات الصوت الإعلامي الحر ومنع نقل الحقيقة، مشيراً إلى أن الاحتلال يتبع السياسة ذاتها التي انتهجها في قطاع غزة عبر الاستهداف المباشر والمتكرر للطواقم الصحفية.

ودعا إلى تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة، مطالباً بفتح تحقيقات دولية عاجلة ومستقلة، وتوفير الحماية للصحفيين، كما أعرب عن تضامنه مع الإعلاميين في لبنان، مقدماً التعازي لعائلات الشهداء، ومؤكداً أن دماء الصحفيين ستبقى شاهداً على هذه الجرائم.

رابط دائم
https://elayem.news/w5mlc