الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

موعدنا العيد.. لكن السجّان سرق الزمان

Author
خالد عز الدين 11 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

في زمن الأعياد، حين تتزين الأرض بالفرح وتُفتح الأبواب للعناق، يبقى باب الزنزانة موصدًا على نبض لا ينكسر. هناك خلف الأسلاك، حيث تتحطّم المواسم على جدران السجن، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين طقوس العيد بلا أطفالهم، بلا أمهاتهم، بلا وطنٍ يحتضن حريتهم. هذا ليس عيدًا، بل مرآة دامية لوطن مُكبّل وأحلام مؤجلة في عيون من يقضون أعمارهم على أرصفة الانتظار.

بين جدران القهر، لا يكبر العيد إلا في قلوب من يصرخون للحرية بأمعاء خاوية، وابتسامات مقتنصة من وجع التحقيق والعزل. أكثر من 9000 أسير وأسيرة، بينهم 200 طفل، وعشرات النساء، ومنهم من تنتظر مولودها في زنزانة، لا يحتفلون بالعيد بل يكتبونه مقاومةً، بالصبر، وبالكرامة التي لم يسلبها الاحتلال رغم السلاسل.

في هذا الملف، نفتح نوافذ الذاكرة والوجدان على مشاهد من الداخل: شهادات الأمهات، رسائل الأسرى، رمزية الخالدين كعمر القاسم وسناء دقة، وأصوات من طفولة مسروقة في زنازين الاحتلال.

“عيد الأسرى” ليس مجرّد عنوان… إنه سؤال أخلاقي يطرق أبواب العالم : أين أنتم من عيدٍ يتألم؟ ومن شعبٍ كلما قُيّد، ازداد صلابةً؟

الأيام نيوز

كتب: خالد عزالدين

الأسرى ليسوا قضية… بل هم القضية

قد يظن البعض بأن الحديث حول قضية الأسرى لن يكون مجديًا على صعيد التأثير، لأن المسألة قديمة، والضمائر قد ألفت إغفال هذه المعاناة، بيد أننا لن نكلّ ولن نملّ التذكير وطرق كل عقل ووجدان، علَّ الحرية تتسلل خلف الفوضى، وتنقذ بالإرادة آلاف الأبطال، ممن قدموا حياتهم قربانًا للوطن والمقدسات، قبل السابع من أكتوبر 2023، والآلاف بعده.

فيا من يسمع أو تقرأ عن أسير فلسطيني، عليك أن تقف ثم تقف، لأن ذاك الأسير وأمثاله هم النماذج التي يمكن أن تسوقها لتعزيز ثقافة الرجولة والكرامة والنخوة في أبنائك أو أحفادك أو تلاميذك، في زمن صرنا نفتش فيه عبر صفحات التاريخ، كي نجد مثالًا للتضحية والإيثار وتغليب الهمّ العام على الملذات الفردية.

ويا من تماحك في أروقة السياسة، عليك أن تستلهم الصمود والثبات ممن حُرموا رؤية أبنائهم وأحفادهم لأجل موقف ولأجل وطن.

أما من يعتقد بأن الأسرى ما هم إلا فرع من القضية الوطنية، فعليه إعادة حساباته، لأن الأسرى إن لم يكونوا القضية كلها، فهم حماتها وبوصلتها ومقياس حضورها وبقائها. دون أن ننسى بأن المحتل كان ولا يزال يرى في أسر الفلسطينيين إحدى أهم أدوات التركيع، وطالما لطم المحتل خدَّه حينما كان يرى الأسير، وبعد تحرره من السجن، يعود إلى ميادين النضال بكافة أشكاله، فالسجان يعمل دومًا على أن يكون السجن درسًا ينتهي إلى إبطال مفعول الوطنية في النفوس.

سنخطّ حروفنا وننفق أيامنا من أجل من ضحّوا بكل شيء لصالح كرامتنا، وهنا لا أنسى رفع القبعة تقديرًا وإجلالًا لصحفيي الجزائر ووسائل إعلامها، لما بذلوه ويبذلونه في تبني قضية الأسرى، فالجزائر انتزعت حريتها من مستعمرها، وتعرف معنى الحرية ومفاهيمها.

الزغاري يصرخ في وجه الصمت.. آلاف الأسرى يُعذَّبون وغزة تُمحى والعيد شاهد مذبوح

قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، إنّ الاحتلال الإسرائيلي يُغيّب آلاف الأسرى في سجونه، ويواصل عزلهم وتعذيبهم بمستوى غير مسبوق، لم تشهده الحركة الأسيرة من قبل، عبر سياسات ممنهجة تستهدف كسر إرادتهم وسحق إنسانيتهم. وفي رسالة بمناسبة عيد الأضحى، شدّد الزغاري على أن ما يتعرض له الأسرى من تنكيل وحرمان متواصل، ليس سوى امتداد لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق شعبنا في غزة، ووجه آخر للعدوان الشامل الذي يطال أبناء شعبنا في كل مكان.

وأشار الزغاري إلى أن مئات الأسرى أمضوا عقودًا خلف القضبان، محرومين من ذويهم، كثيرون منهم فقدوا أفرادًا من عائلاتهم خلال فترة اعتقالهم الطويلة، ومرّت عليهم عشرات المناسبات والأعياد داخل الزنازين، دون أن يُسمح لهم حتى بعناق أو وداع. وأضاف أن الاحتلال يمعن في فرض العزل الانفرادي منذ بدء مجازر غزة، بحق عشرات الأسرى، من بينهم قيادات للحركة الأسيرة، وقد تجاوز معظمهم 22 عامًا في السجن.

وأوضح الزغاري أن أكثر من 440  طفلاً يعتقلهم الاحتلال ويقتلعهم من أحضان أسرهم، ويُخضعهم للجوع والتعذيب والإهمال الطبي، في جريمة متواصلة لقتل طفولتهم وسرقة مستقبلهم. كما أشار إلى وجود 49 أسيرة في سجون الاحتلال، من بينهن أمهات محرومات من أطفالهن، ويتعرضن لشتى أنواع الانتهاكات.

وفي ختام كلمته، وجّه الزغاري تحية خاصة لأسرى قطاع غزة، الذين يتعرضون لجرائم مضاعفة، ويُخفى العشرات منهم قسرًا وسط صمت عالمي مخزٍ وتواطؤ دولي فاضح. ففي الوقت الذي تُطالب فيه دول العالم بالإفراج عن عشرات الأسرى الإسرائيليين، يذكّر الزغاري بأن مئات من معتقلي غزة يُعذّبون ويُخفَون دون محاكمة أو خبر.

كما أطلق الزغاري نداءً للمنظومة الدولية التي تواصل عجزها الممنهج أمام حرب الإبادة في غزة، داعيًا إياها لاستعادة الحد الأدنى من القيم الإنسانية التي تدّعيها، والعمل على عزل كيان الاحتلال ووقف جرائمه، وإنقاذ الأسرى والمعتقلين من القتل البطيء، الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 71 أسيراً منذ بدء الإبادة، بينهم طفل.

بقلم : سعيد بن عياد

داخل زنازين ومعتقلات الاحتلال.. الأسرى الفلسطينيون يهزمون جلاديهم

يمضي الأسرى الفلسطينيون عيدًا آخر في سجون الاحتلال، مجددين بذلك العهد على مواصلة الصمود في ساحة معركة الحرية وتعبيد طريق الاستقلال لبناء الدولة الفلسطينية التي تنتزع مكاسب دبلوماسية نحو الاعتراف بها عضوًا كامل الحقوق في منظمة الأمم المتحدة. في سجون الاحتلال العنصري، تتواصل الجرائم الفظيعة التي تُسلَّط على الأسرى، بمن فيهم النساء والأطفال والمرضى، في محاولة يائسة للنيل من عزيمتهم وزعزعة قناعتهم الراسخة بأن مشروع التحرر مسألة غير قابلة للمساومة تحت مظلة الشرعية الدولية، وأن الهدف أصبح على مرمى حجر، وبالتالي يجب مواصلة مسيرة النضال بما في ذلك المقاومة بصدر عار داخل زنازين التعذيب وأقبية العزل الانفرادي وساحات الصمود، حيث يقف الأسرى كصخرة صلبة من صخور القدس ومسجدها الأقصى الصامد. الأسرى الفلسطينيون يتحملون في صمت ممزوج بالأمل شتى أنواع التعذيب والبطش التي يُسلطها عليهم مجرمو الاحتلال، يمدون بذلك شعبهم طاقة متجددة للبقاء على عهد الآباء والأجداد بأن الأرض والمقدسات الإسلامية والمسيحية ميراث أبدي لا يُطرح على طاولة تفاوض أو مقايضة، وهي بوصلة الأجيال ومفتاح طريق الحل النهائي على أساس قواعد الشرعية الدولية. إنهم يعيشون على صدى ما يجري على الأرض في غزة والضفة الغربية، حيث يقود المتطرفون الصهاينة حربهم العنصرية ضد الإنسان والأرض من خلال عمليات تهجير للسكان الفلسطينيين وتدمير للعُمران، وإطلاق مخططات بناء مستوطنات جديدة، وتجريف للأراضي، وإتلاف حقول أشجار الزيتون رمز الانتماء، موازاةً مع التقتيل الممنهج. غير أن هذا المخطط الممنهج للاحتلال العنصري يجد أمامه شعبًا متجذرًا، صابرًا، يسقط وينهض بسرعة، حاملًا الراية الفلسطينية باعتبارها القاسم المشترك، تذوب فيها خلافات واختلافات الفصائل، كما رسمته لوحة خروج المقدسيين صباح يوم عيد الأضحى المبارك إلى باحات المسجد الأقصى، تعبيرًا عن قوة الانتماء وقيمة الصلة بالعنوان. تلك الوقفة مسحت ما قام به المستوطنون قبل أيام، لما دنّسوا المكان المقدس بحماية من بوليس وجيش “إسرائيل”. بنفس النبرة والصدق، ينبض قلب الأسير الفلسطيني مع نبض الشارع في القدس والضفة وغزة، متطلعًا لفجر الحرية والاستقلال، غير مستسلم لسياسة الأمر الواقع التي ينتهجها الاحتلال. هذا الأخير يتخبط حاليًا وسط فشل مخططاته التدميرية والإجرامية، زادته مع الدول الداعمة له وطأة عزلة دولية، كما هو الحال في مجلس الأمن الدولي، حيث تشكلت قناعة بضرورة وقف حرب الإبادة، وانسحاب جيوش “إسرائيل”، وإدخال المساعدات، ورفض مشاريع المستوطنات التي تهدد خيار الحل القائم على قواعد الشرعية الدولية. كل التحايا للأبطال في سجون ومعتقلات العار، حيث يقف الأسرى كرجل واحد أمام آلة التعذيب والقهر والتجويع، ومنع إدخال الدواء، ومنع الزيارات، في رسالة تثير إعجاب أحرار العالم، حتى في بلدان تدعم الاحتلال الصهيوني، تواجه حكوماتها، كما في بريطانيا وفرنسا، ديناميكية احتجاجية لا تتوقف، تطالب بإنهاء احتلال فلسطين والحرية لشعبها وأسراها، وهو ما سوف يتحقق كما يشير إليه التاريخ

عيدهم قيدٌ ووجع.. خلف القضبان تكبر الحرية وتغيب الأضاحي

تقرير/ إعلام الأسرى

في الزنازين المغلقة على الألم، يحل عيد الأضحى كضيفٍ ثقيلٍ لا يحمل إلا الوجع، ينزف من أطرافه قيدٌ وحنين، ويزرع في الأرواح مزيدًا من الفقد والصبر. في سجون الاحتلال، تغيب تكبيرات العيد، وتصمت الخراف، وتعلو بدلًا منها أنات الجوع، وهمسات الاشتياق، وقلوب مشدودة إلى بوابة الحرية المغلقة.

قبل السابع من أكتوبر، كانت الأعياد تُنهب لكنها لا تُمحى. كان الأسرى يقاومون القيد بفتات الفرح: صلاة جماعية في ساحة ضيقة، تهاني هامسة عبر الزنازين، كعكٌ يصنع من الخبز الجاف وبعض الأمل، وضحكة يتيمة تشق القضبان كاختراق لآلة القمع. أما بعد السابع من أكتوبر، فقد تحوّل العيد إلى ذكرى موجعة، خالية من أي معنى للفرح. تصاعدت الإجراءات القمعية، وغابت كل الطقوس. الصلاة ممنوعة، الزيارات محظورة، والاتصال بالعالم الخارجي مقطوع. حتى “حِلوان العيد” الذي كان يُصنع من خيال الأسرى، صار مظهرًا جديدًا للقمع والإذلال. ما يُقدّم اليوم هو وجبات مهينة، وإهانات جسدية، وضرب واقتحامات وعزل انفرادي.

الجوع يفتك بهم ببطء. أجساد تذبل من سوء التغذية، ووجوه شاحبة كظل وطنٍ يتلاشى. النحول بات سمة عامة، والأمراض تنهش دون دواء أو طبيب. ينام الأسير على جوع، ويستيقظ على قسوة السجّان لا على رائحة قهوة العيد. الأسيرات يفتقدن أولادهن، يسرقهن العيد إلى حضنٍ مفقود وذكريات لا يُعوّضها جدار السجن البارد. أمهاتٌ محرومات من رؤية أطفالهن، وطفلاتٌ حُرمن من لمسة أم. في الزنازين تتردّد تكبيرات باهتة، حزينة، لا يسمعها إلا من ذاق ذات الألم.

أما الأسرى الأطفال، فحكاية وجعٌ آخر.

أطفالٌ في عمر الزهور يُزج بهم في الزنازين بدل حضن الأهل. تُسرق طفولتهم بذريعة الأمن، ويُمنعون حتى من التساؤل عن معنى العيد. ينام الطفل الأسير على صورة أمّه في ذاكرته، وعلى حلم بسيط بأن يستيقظ صباح العيد بين ذراعيها، لا بين جدران لا تعرف الرحمة.

أسرى غزة يعيشون في عتمة مركّبة.

منذ بدء العدوان، لا تصلهم أخبار، ولا زيارات، ولا حتى إشارات حياة من ذويهم. العيد بالنسبة لهم ليس إلا خوفًا لا يهدأ من أن تكون منازل أحبّتهم قد اختفت تحت ركام الحرب. ومع ذلك… لا تزال جذوة الحياة مشتعلة. الأمل وحده هو العيد الحقيقي. هو اللحظة التي يصيح فيها أحدهم: “سيأتي اليوم الذي نعود فيه. سنصلي العيد بين أهلنا، وسنذبح الأضاحي بأيدينا، لا أن نُذبح بصمت خلف القضبان”. فيا عيد، بأي حالٍ عدت؟ وهل تحمل في تكبيراتك هذه المرة نداءً لحريةٍ لم تولد بعد؟

أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني… العيد بين العزل والحرمان والقهر

أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني استقبلوا عيد الأضحى لهذا العام خلف قضبان الاحتلال، في ظروف إنسانية بالغة القسوة، وتحت سطوة إجراءات عقابية متصاعدة حوّلت فرحة العيد إلى وجع يومي مستمر. تُحرم هذه الأرواح الحرّة من أبسط الحقوق التي تكفلها القوانين الدولية: لا زيارات عائلية، لا اتصالات هاتفية، لا رسائل ولا صور… كل ما يُبقي الإنسان على صلته بالحياة يُصادر بدمٍ بارد.

الحقوق تُجتثّ من جذورها: المحامون يُمنعون، الأغطية تُسحب، الممتلكات تُصادر، والاقتحامات التعسفية لا تتوقف. في الزنازين، يشتدّ لهيب الحرّ، وتنعدم التهوية، وتغيب مياه الشرب وأدوات التنظيف، ما تسبب في انتشار أمراض جلدية مؤلمة، وسط إهمال طبي متعمد يرقى إلى جريمة مكتملة الأركان.

الاكتظاظ يضاعف القهر. غرفٌ تضيق بأجساد الأسرى حتى لم يعد لهم موطئ فراش. الأسيرات والأطفال يدفعون الثمن الأكبر في مناسبات العيد، حيث يتحوّل الحنين إلى ألم مقيم. أما أسرى غزة، فهم في عتمة مضاعفة: لا يعرفون شيئًا عن مصير أحبّتهم في ظل الحصار والنار وانقطاع كل سبل الحياة.

عيد الأضحى هذا العام ليس سوى مرآة دامية لسياسات الاحتلال التي تسعى إلى كسر إرادة الأسرى. لكنه أيضًا شاهد صلب على صمودهم… على قدرتهم العجيبة على التشبث بالحياة رغم كل شيء. لقد انقضى العيد يا صديقي… لكن العزة لم تنقضِ، ولا الرجاء. فما يزال في الزنازين رجال ونساء… يحملون العيد في قلوبهم، وينتظرون الفجر الذي لا بد أن يأتي.

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

جثامين بلا وداع… كيف يحوّل الاحتلال الموتى إلى رهائن؟

في عالم يرفع شعارات الكرامة والعدالة وحقوق الإنسان، تظل جثامين مئات الشهداء الفلسطينيين محتجزة في ثلاجات الاحتلال “الإسرائيلي” ومقابر الأرقام السرية، كرهائن سياسية وعقابية، في واحدة من أكثر الجرائم انتهاكًا للكرامة الإنسانية. هؤلاء الشهداء لم يحظوا بوداع يليق بهم، ولا قبور تحمل أسماءهم، بل تحوّلت أجسادهم إلى أرقام جامدة في مقابر مغلقة أو إلى قوالب جليد تُسلَّم لعائلاتهم بعد سنوات من الانتظار، دون أن يُسمح لهم حتى بفتح نعوش الوداع الأخير. منذ عقود، تتعامل “إسرائيل” مع جثامين الشهداء الفلسطينيين كأوراق مساومة وضغط، تارةً بذريعة الأمن، وتارةً أخرى بحجة ردع العمليات، فيما تُصر عائلات الشهداء على حقهم الأبسط: دفن أبنائهم وفق شعائرهم الدينية والوطنية، ووداع من لم يُودَّعوا.

708 شهيدًا.. أرقام لا تنام في الذاكرة

حتى تاريخ 1 حزيران 2025، وثّقت “الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والمفقودين” احتجاز جثامين 708 شهيدًا وشهيدة، بينهم أطفال ونساء وأسرى ومواطنون عرب. يقبع 256 منهم في مقابر الأرقام، بينما احتُجز 452 منذ أن أعادت “إسرائيل” تطبيق هذه السياسة عام 2015. وبينهم 305 شهداء منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، و65 طفلًا لم يتجاوزوا الثامنة عشرة.

ورغم فظاعة هذه الأرقام، تبقى غير شاملة، فالعدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير، خاصة أن السلطات “الإسرائيلية” ترفض الكشف عن القوائم الكاملة للمحتجزين، وتتهرّب من إصدار شهادات وفاة، ما يُبقي عائلات الشهداء في دائرة عدم اليقين، ويحوّل مصيرهم إلى حالة إخفاء قسري.

مقابر الأرقام: حين تتحوّل القبور إلى رموز للنكبة المتجددة

مقابر الأرقام هي عنوان الظلم المركّب. لا أسماء، لا شواهد، لا تواريخ. فقط أرقام معدنية تميّز القبور، وتُسجَّل في ملفات سرية لدى الجيش “الإسرائيلي”. هذه المقابر، التي تم الكشف عن أربعٍ منها سابقًا – معظمها في غور الأردن وشمال فلسطين – محاطة بالأسلاك، ممنوع الاقتراب منها، ومصنّفة كمناطق عسكرية مغلقة. إنها قبور بلا وجوه، وجنازات بلا معزّين، وذاكرة بلا ضوء.

ولا تقتصر المأساة على الضفة الغربية. ففي قطاع غزة، كشفت الحملة أن الاحتلال سلّم 516 جثمانًا مجهول الهوية ودُفنوا في مقابر جماعية وسط وجنوب القطاع. بينما تشير تقارير عبرية إلى احتجاز أكثر من 1500 شهيد في معسكر “سدي تيمان”، في ظروف تصفها التقارير الحقوقية بأنها غير إنسانية، حيث تتحوّل الجثامين إلى أدوات ضغط، أو أوراق تفاوض لتبادل الأسرى.

احتجاز يخالف كل القوانين

وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدًا المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى، يجب احترام جثامين الموتى وتمكين ذويهم من دفنهم حسب شعائرهم. ومع ذلك، تواصل “إسرائيل” انتهاك هذه المادة بلا حسيب أو رقيب. في بعض الحالات، يتم تسليم الجثامين بعد شهور أو سنوات وهي في حالة تجميد تام، يُطلب من العائلة دفنها خلال ساعتين فقط، ودون تشريح، وأحيانًا مقابل كفالات مالية. تتعدى هذه الانتهاكات الجانب الرمزي. إذ تفيد تقارير الأمم المتحدة أن 62% من الشهداء منذ 2022 لم يكونوا مسلحين، بل جرى إعدام بعضهم ميدانيًا، أو تُركوا ينزفون دون إسعاف. ومع ذلك، يحتجز الاحتلال جثامينهم، في مخالفة أخرى للقانون الدولي، ولأبسط مبادئ الإنسانيّة.

المسار القانوني: صراع في قاعات المحاكم

منذ تأسيس الحملة عام 2008، خاضت معارك قانونية أمام المحكمة العليا “الإسرائيلية”، نجحت خلالها في تحرير بعض الجثامين، مثل الشهيد مشهور العاروري بعد 34 عامًا من الاحتجاز، وحافظ أبو زنط بعد 35 عامًا. كما أسفرت جهودها عن استرداد 91 جثمانًا عام 2012، ضمن ما سُمّي بمبادرة “حسن نية” للعودة إلى المفاوضات. لكن النية لم تستمر. ففي سبتمبر 2019، أصدرت المحكمة العليا “الإسرائيلية” قرارًا يسمح للجيش باحتجاز الجثامين، بشرط أن يكون الشهيد من حماس أو نفّذ “عملية نوعية”، وهو شرط فضفاض تفسّره “إسرائيل” حسب مزاجها الأمني والسياسي. ولعل المثال الأوضح على هذا هو رفض المحكمة في أكتوبر الماضي تسليم جثمان الطفل المقدسي زهدي محمد الطويل، رغم أنه طفل، بحجة قرار صادر عن الكابينيت يمنع التسليم دون النظر إلى هوية الشهيد أو فصيله.

أين العالم؟

في ظل هذا الواقع المأساوي، تغيب المحاسبة الدولية، ويغيب الصوت الأخلاقي. فالعالم الذي ثار لمقتل صحفية أو طالب جامعي في ظروف مأساوية، يغض الطرف عن مئات الجثامين المحتجزة في قبور صامتة، دون أن يطالب بحقها في الوداع، ولا بحق أهلها في الحزن. إن احتجاز الجثامين لا يمسّ فقط بحرمة الموتى، بل يُشكّل اعتداءً على الأحياء، على ذويهم، على ذاكرتهم، على قدرتهم على الحداد. كيف يحزن الإنسان على ابنه، وهو لا يعرف إن كان ما زال حيًا، أو إن كان ميتًا في ثلاجة على هيئة لوح جليد؟ كيف يُطفئ نار الفقد دون أن يرى الجثمان؟ كيف تنام أمّ دون أن تزور قبر ابنها؟ كيف ينسى وطنٌ أسماء من حُرموا من حتى الموت الكريم؟

لنا أسماء… ولنا وطن

هذا الشعار الذي ترفعه الحملة الوطنية ليس مجرد عنوان، بل صرخة ضمير. صرخة أمهات وآباء، إخوة وأخوات، لا يطلبون سوى حقهم في معرفة مصير أبنائهم، في دفنهم بكرامة، في أن تتحوّل أرقام المقابر إلى شواهد بأسماء وصور وورود. الحملة لا تقف وحدها. بل تشكّلت لجان تنسيقية في كل المحافظات الفلسطينية، وتحركت نحو حشد رأي عام دولي، وأصدرت وثائق ودراسات قانونية بثلاث لغات. ولكنها، حتى اليوم، لا تزال تواجه جدار الصمت والتسويف والمماطلة. إن استمرار احتجاز الجثامين هو جريمة مركّبة: إنسانية، قانونية، وأخلاقية. ومن العار أن يظل العالم صامتًا أمام جريمة تبدأ بطلقة، ولا تنتهي حتى في القبر.

بقلم: عيسى قراقع

الإبادة الصهيونية… لا تفاوض على الحياة إلا بالموت أو البندقية

الإبادة الصهيونية الجارية في فلسطين ليست على الوعي والرواية، ولا لكسب التعاطف والتأييد لهذه السردية أو تلك، وليست لتعديل موازين القوى، ليست صراعًا بين الحضارة والهمجية، ولا حتى صراعًا بين الأرض والسماء في النصوص الدينية، إنها إبادة موجهة إلى الخالق العظيم، بأن من خلقتهم من غير اليهود في فلسطين، الأغيار والبربريين والإرهابيين، كان خطأً إلهيًّا يجب تصحيحه بالسيف والمدفعية.

الإبادة تقول: يا شعب فلسطين لقد عدنا، عاد شمشون ليقضي على دليلة الفلسطينية، اخرجوا وارحلوا، صواريخنا تهدر وقنابلنا المتفجّرة، اخرجوا من الحياة، فلا تفاوض على حياتكم إلا بالموت أو البندقية.

لم تعد الحرب تكثيفًا للسياسة، ولا مجرد هدنة لتحقيق إنجازات وانتصارات أو هيمنة، ولم تعد لتحقيق مصالح اقتصادية وجمع الثروات والذهب، فالصراع الآن على الحياة، هناك من يجب أن يحيا وهناك من يجب أن يموت، وعلى الأقوياء أن يقصفوا أعمار الضعفاء ويهدروها قصفًا ومسحًا وتعذيبًا، اغتصابًا وخنقًا وسلخًا وتنظيفًا، جسدًا وذاكرة، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

المطلوب أن يموت الفلسطيني، ليس موتًا عاديًّا، بل قتلًا وثأرًا وانتقامًا ونسفًا وجوعًا وحرقًا، ليس موتًا بالضغط أو الابتزاز أو الحصار، ولا بالقهر واليأس والطرد والسجن، بل إخفاء وتمزيقًا، تطهيرًا وإلغاءً من الخارطة السياسية وحتى من النقاش ومن الخيال، أن لا يكون الفلسطيني موجودًا، هذه هي تعاليم الرب اليهودي والصهيونية الدينية العنيفة، لا مجال للتفاوض مع هذا الرب المسلح الذي يقاتل بالتوراة والنار والحديد.

الإبادة شطبت كل تلك المفاهيم الأخلاقية والأسئلة القانونية حول القيمة العليا والأسمى للحياة، تحولت إلى أدنى قيمة تحت جنازير الدبابات في قطاع غزة، فقيمة الحياة أصبحت تساوي شطب الحياة، وكل ما يقال عن الكرامة الإنسانية أصبح بلا معنى، فالإبادة القادمة من عصور الجحيم لا تسمع ولا ترى، ولا تسمح لأحد أن يفكر بالحياة والحرية، ولا حتى بالقضاء والقدر، جحيم ثم جحيم إلى آخر جحيم.

البلدوزر في غزة، الفولاذ واللهب ورائحة اللحم البشري والجوع، الإبادة لا تسعى إلى هزيمة الفلسطينيين أو إضعافهم أو إنهاكهم، لا تطلب راية استسلام بيضاء، بل إخفاء ودفن الفلسطينيين، إزالة الحضور بالغياب، والقضاء على تهديد كل من عاش تحت الاحتلال، حتى لا ينبثق جيل آخر من أزقة النسيان.

إبادة وهستيريا وجنون، من دير ياسين حتى غزة، اقتلوا النساء فلا زلن يحبلن بالأمل، اقتلوا الأمل فما زال يبرق في عيون الأطفال، اقتلوا الأطفال فما زالوا يحملون الحجارة، اقتلوا الحجارة فما زالت ترفع عمود البيت في الذاكرة، اقتلوا كل شيء، لا تفتحوا حوارًا إلا مع الموت والعدم.

الإبادة هي النهاية، نهاية مئات القرارات الدولية، نهاية شرائع حقوق الإنسان، نهاية جلسات التفاوض العبثية، نهاية كافة سيناريوهات الحلول السياسية للصراع، نهاية هذه المؤتمرات والجلسات والتدخلات الدبلوماسية، نهاية فلسفة العدالة من أرسطو حتى محمود درويش، نهاية الثقافة والديمقراطية، إغلاق أبواب المفكرين المصلحين وحاملي جوائز السلام، إنه دين جديد، دين الموت، دين الجريمة المنظمة، وعلى كل العباد أن يذهبوا إلى غزة وليس إلى مكة، ليؤدوا طقوس الموت قاتلين أو مقتولين.

لا تفاوض في حُمّى الإبادة، لا هدنة، وإن كانت، فهي هدنة الميتين حتى ينظف القاتل وجهه، هدنة الشهيد الذي يبحث عن قبره، الموت مرايا بلا وصايا، وكل يرى في غزة نفسه، عزلة أبدية، دفن السماء بالتراب والجثث، وكل من يتكلم يرى الضحية فيه لا تشبه الضحايا، كل يخرج من موته إلى موته دخانًا أو شظايا.

الإبادة تقول: لا يكفي نهب الأرض وبناء المستوطنات، لا يكفي أن يُحشر الفلسطينيون في معازل ومصائد ونذلهم على الحواجز العسكرية، لا يكفي أن نعذبهم ونطحنهم في السجون والمعسكرات، نحتاج إلى الإبادة، إرسال الفلسطينيين إلى ما وراء الوراء، إلى قاع الظلام وإلى أبعد مدى، لا همس ولا صمت ولا أشباح ولا صدى.

توقفوا عن الحديث عن حل الدولتين أو الدولة الواحدة، توقفوا عن تركيب أطراف اصطناعية لحكم ذاتي بلا سيادة، توقفوا عن الحوار حول المخيمات واللاجئين وحق العودة، ترّهات مزعجة، هنا الإبادة، اصهروهم في النار، حتى يصيروا رمادًا، اصهروهم حتى لا يعود الحمام إلى صوته في أعالي الشجر، اصهروهم حتى لا يجدوا من يصلي عليهم ويطلب الرحمة، هنا الإبادة، لا نريدهم حتى ظلالًا، اصهروهم حتى تتلاشى رائحتهم من التراب ومن اللغة ويصيروا سرابًا.

الإبادة أستاذ جاء من ألمانيا النازية، وعندما سجنت الصهيونية الله في توراتها أصبح كل شيء مباحًا، الحياة قابلة للتصفية، لا شرعية دولية، ولا محكمة جنائية، القتل طليق وحر ومفتوح، القتل لا توقفه الأحكام والمعايير والشهود، الكل في المحرقة، نظام دولي جديد، تشكيلات مشوّهة للإنسان وللأرض وللطبيعة، حدود دموية بين الوطن الخرافي والوطن الواقعي، حدود لا فاصل لها بين مجزرة ومجزرة.

الإبادة لا تحتاج إلى ضمير إنساني، تحتاج إلى وهم يستطيع أن يركب ذاكرة وهوية وأسطورة مختلقة، تحتاج إلى عميان وشياطين ووحوش لا يقدرون على التعايش مع الجمال والأغنية، إبادة نقية تمسح الآخرين، لا تهتم بالإحصائيات والأرقام المجرّدة، أو بما تخسره في هذه الحرب أخلاقيًّا وإنسانيًّا، لا قيمة مطلقة للحياة البشرية، الإبادة لا شريك لها إلا الإبادة، استئصال كل مولود وولد، وعلى كل الذين وُجدوا استثناءً وشذوذًا على هذه الأرض أن يغيبوا حتى يرتاح الله في سمواته السابعة.

أبيدوهم، لا توقّعوا معهم على أي معاهدة، حقوقهم تحاصرنا وتعزلنا، الاعتراف بهم يعذّبنا، يُلغي شرعيّتنا، السلام لنا وحدنا، لا فرق بين صوت الطفل وصوت القنبلة، سلامنا يمتلئ من فراغ أرواحهم وعلينا أن ننتج أدب الإبادة، ونعلم أولادنا كيف يصعدوا التلال فوق الجثث، أن يُبدعوا فن إطلاق الرصاص في الكتابة.

الإبادة ليست على اختلاف الرؤى وتفسير الحقوق التاريخية، ليست على حق تقرير المصير لهذا الطرف أو ذاك، ليست تنظيرات سياسية أو أكاديمية، الإبادة لا تُعطي الوقت لتحميل المسؤوليات أو التعلّم من الخبرات، الإبادة لا تريد سوى أن يبقى واحد وحيد على هذه الأرض، اليهود الأنقياء خلفاء الله، صوته الهادر في الطائرات والصواريخ، هندسة الخراب الذي نراه ولا نراه.

أيها الإباديّون الملوّثون، هل انتصرتم علينا؟ هل انتصرنا عليكم؟ اكتملت رحلتكم في أجسادنا وابتسمت تل أبيب، ولكني أَحسب أنكم في مخيم الدهيشة لم تجدوا شارعًا للحراسة، وأَحسب أننا شعب نقوم ألف مرة من القيامة، وأَحسب أن في فلسطين كل موت روح وجسد وحقيقة، وصدقونا للمرة الأخيرة إن موتنا الكبير هزم دولتكم الكبيرة، حلمنا يدل علينا، هنا نحيا وهنا نموت، وفي حياتنا تموتون كلما دقّت أجراس البحر، وعلى سواحلنا نتمدد، ينهض موتانا ويدور الزمن، تنكسر الدائرة، فإذا كان عندكم إله واحد مجنون، فكلّنا آلهة.

الاعتقال كأداة إبادة.. 460 قصة ألم في أيار والدم يسيل في الزنازين

مركز فلسطين لدراسات الأسرى

في الوقت الذي لا تزال فيه آلة الحرب الإسرائيلية تفتك بأجساد الفلسطينيين في قطاع غزة، لم تتوقف القبضة الأمنية للاحتلال عن سحق ما تبقى من الحياة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين. أيار/مايو لم يكن شهرًا عابرًا في روزنامة الجريمة، بل فصلاً دامياً جديداً في الرواية المفتوحة للنزيف الفلسطيني. فقد وثّق مركز فلسطين لدراسات الأسرى (460) حالة اعتقال خلال هذا الشهر فقط، بينهم 24 امرأة و29 طفلاً، فيما ارتقى خمسة أسرى شهداء جدد داخل السجون، غالبيتهم من قطاع غزة. ولا تزال القافلة تمضي.

المجزرة الصامتة التي يمارسها الاحتلال خلف القضبان لا تقلّ وحشية عن تلك التي تدوي أصواتها في السماء. فمنذ السابع من أكتوبر وحتى نهاية مايو، تجاوز عدد حالات الاعتقال في الضفة والقدس 17 ألفًا، بينهم 545 امرأة وفتاة، و1360 طفلاً، إضافة إلى آلاف الأسرى المحررين ونواب تشريعيين. نحن إزاء سياسة اعتقال جماعي ممنهجة، لا هدف لها سوى كسر إرادة شعب، ودفن كرامته تحت سلاسل التحقيق وأقبية التعذيب.

أيار كان استثناءً في قسوته، لا سيما على النساء. فبينما تزعم سلطات الاحتلال أنها “واحة ديمقراطية”، تمضي في اعتقال الفتيات والنساء من مكاتب، منازل، وحتى مراكز صرافة ومشاغل الذهب، دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة. عشرات الأسماء سُجلت هذا الشهر فقط، منهن “زهوة حالوب”، و”سارة وألاء الهمشري”، و”أنهار عبد الجواد”، و”ربى الهمشري”، و”ياسمين شعبان”، و”بنان أبو الهيجا” ابنة الأسير القسامي جمال أبو الهيجا، التي حُوّلت إلى الاعتقال الإداري. حتى الصحفيات لم يسلمن، إذ اعتُقلت “ثروت أبو شقرا” أثناء تغطية إعلامية في القدس، و”حنين قواريق” التي مكثت تسعة أيام قيد التحقيق. أما زوجة الشهيد الأسير وليد دقة، سناء سلامة، فقد اعتُقلت في القدس بعد تحريض مباشر من المتطرف بن غفير، في مشهد يعكس بوضوح تغول الفاشية الإسرائيلية على ما تبقى من حقوق إنسان.

ولم يكن الأطفال خارج دائرة الاستهداف. الاحتلال اعتقل 29 طفلاً في أيار، أصغرهم لا يتجاوزون العاشرة من عمرهم، مثل عرفات حنيني، وسند وبراء الحاج محمد، الذين اقتيدوا من منازلهم ببلدة بيت دجن شرق نابلس، كأن الطفولة نفسها باتت جريمة في عرف الدولة القائمة على العنف والتمييز.

وإمعاناً في التنكيل، لم تكتف قوات الاحتلال باعتقال “المطلوبين”، بل طالت أيديها أفراد عائلاتهم، في سياسة عقاب جماعي فاضحة. من زوجة الأسير المطارد محمود الفسفوس، إلى والدة المطارد عبد الكريم صنوب، وصولاً إلى خالة وشقيقة أحد المطلوبين، كلهم اعتُقلوا دون سند قانوني سوى الرغبة في بثّ الرعب وتصفية الروح الفلسطينية من جذورها.

وفي سجون الاحتلال، حيث يتوارى الضوء، ارتقى خمسة شهداء جدد خلال أيار وحده، ليرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 307 منذ عام 1967، بينهم 70 أسيراً منذ 7 أكتوبر فقط، و44 منهم من غزة. الشهداء الجدد ليسوا أرقاماً بل وجوهاً تحمل ملامح الأرض. منهم الأسير أيمن قديح (56 عامًا) الذي استُشهد بعد خمسة أيام فقط من اعتقاله نتيجة التعذيب، وبلال سلامة (24 عامًا) الذي ارتقى خلال النزوح من خانيونس، ومحمد الأسطل، وعمرو عودة الذي استُشهد داخل معسكر “سديه تيمان” بعد أسبوع من اعتقاله مع أفراد عائلته. أما الشهيد محيي الدين نجم (60 عامًا) من جنين، فقد استشهد نتيجة الإهمال الطبي في سجن النقب بعد أن قضى ما مجموعه 19 عامًا في سجون الاحتلال. هؤلاء الأسرى لم يموتوا، بل قُتلوا ببطء، تحت التعذيب أو بإبر الإهمال، وبتواطؤ مؤسسات دولية تصمّ آذانها عن أنينهم.

في موازاة ذلك، تتواصل سياسة الاعتقال الإداري على نحو تصاعدي مخيف، إذ أصدرت سلطات الاحتلال في أيار وحده 755 قرارًا إداريًا، معظمها بلا تهمة أو محاكمة. وحتى المرضى والمصابون بالسرطان لم يسلموا، مثل الأسيرين محمد خضيرات وعمرو أبو هليل، اللذين جُدّدت أوامر اعتقالهما رغم وضعهما الصحي الحرج. أكثر من 3600 أسير يقبعون اليوم رهن الاعتقال الإداري، ما يشكل 36% من إجمالي الأسرى الفلسطينيين، في مخالفة صريحة لكل الأعراف والقوانين الدولية.

ولأن غزة لا تزال تدفع الثمن الأكبر، استمر الاحتلال في عمليات الاعتقال الميداني لأهلها حتى من داخل مراكز الإيواء، إذ اعتُقل أكثر من 700 مواطن بعد اقتحام مدرسة شمال القطاع، وفُصل الرجال عن النساء، وجرى نقلهم إلى مراكز تحقيق سرية. بل إن القوات الخاصة اختطفت طفلاً في الثانية عشرة من عمره، محمد سرحان، مع والدته، بعد أن أعدمت والده ميدانياً في خانيونس. الإفراج عن الطفل بعد يوم لم يكن “منّة”، بل محاولة رديئة لتجميل جريمة مكتملة الأركان.

حتى أولئك الذين أُفرج عنهم من معتقلي غزة، لم يخرجوا سالمين. فقد نقل 72 معتقلاً إلى المستشفيات في حالة صحية مزرية بعد شهور من التعذيب والتنكيل، أحدهم بُترت قدمه نتيجة إصابة بالرصاص وظروف احتجاز غير إنسانية.

ما يجري ليس حملة أمنية عابرة، بل فصل آخر من سياسة الإبادة الصامتة التي تمارسها “الدولة العبرية” بحق شعب أعزل. تتوزع أدوات هذه الإبادة بين القصف والاعتقال والتجويع والتعذيب، فيما يقف العالم متفرجاً، أو متواطئاً.

كل رقم في هذا التقرير هو قصة مغيّبة، وصرخة مؤجلة، ووجه ينتظر من ينقذه من ظلمة الزنزانة. أما نحن، فلا نملك إلا أن نحفظ أسماءهم، ونكتبها بمداد الألم، كي لا تتحول إلى مجرد إحصائيات في تقارير موسمية. لأن خلف كل رقم… أم تبكي، وأب يحتسب، وطفل يكبر قبل أوانه.

في قبضة الجلاد.. 49 أسيرة يواجهن الموت البطيء خلف القضبان

تقرير/ إعلام الأسرى

بينما يمعن الاحتلال في حربه المفتوحة على كل ما هو فلسطيني، تنفجر داخل الزنازين مأساة صامتة، لا أقل وحشية من القصف ولا أقل فتكاً من المجازر. هناك، في سجون الاحتلال، تحت سياط القهر والبرد والتجويع، تُحتجز 49 أسيرة فلسطينية، بينهن طفلة وأسيرتان حامل، وأخريات يُصارعن أمراضًا مزمنة وإهمالًا طبيًا متعمّدًا، في مشهد لا يكتبه سوى الجلاد على جسد الضحية.

إنه الموت البطيء، يتموضع في زنازين بلا نوافذ، في حصص طعام تُشبه وجبات الكلاب، وفي قيود حديدية تحاصر القلب قبل اليدين. هي معركة خفية، تُخاض على أرض الألم، لا سلاح فيها سوى الصبر.

فداء عساف، منذ اعتقالها عام 2015، تخوض حرباً صامتة مع سرطان الدم. نتائج الفحوص الأخيرة في مستشفى “رمبام” كشفت عن تدهور كبير في حالتها الصحية، ومع ذلك ترفض سلطات الاحتلال الإفراج عنها أو توفير علاج حقيقي لها، وتستمر في سجنها بذريعة “التحريض”. وكأن الكتابة عن الوطن أصبحت جريمة تعاقب عليها النساء بالسرطان والإهمال والقيود.

حنين جابر، أمٌّ لاثنين من الشهداء، تصارع ورماً في الثدي خلف القضبان، بينما تتحلل إنسانيتها أمام أنظار سجّانة لا تعرف الرحمة، ولا تملك من أدواتها إلا الحرمان والتهديد. جابر، المعتقلة منذ ديسمبر 2024، لم تتلقَّ الحد الأدنى من الرعاية الطبية، رغم أن وضعها يتطلب علاجاً عاجلاً خارج السجن. لكنها ليست سوى رقم في ملف “أمني”، أو هدف جديد لسياسة التصفية البطيئة.

في أيار/مايو، لم تكن الهجمة على الأسيرات صحية فقط، بل عنيفة ومقصودة. ففي واحدة من أعنف عمليات القمع، اقتحمت قوات الاحتلال قسم الأسيرات، اقتادتهن إلى الساحة، فتّشت الزنازين بطريقة مهينة، واعتدت على الأسيرة كرمل الخواجا بالضرب، ثم فرضت عليها “محاكمة داخلية”، وعوقبت بالعزل، وحُرمت باقي الأسيرات من “الفورة” ووسائل التهوية.

التجويع لم يعد سياسة غير معلنة، بل أصبح أداة مباشرة من أدوات التعذيب. تقارير الأسيرات كشفت أن الطعام شحيح ورديء، والوجبات تُقدَّم بحدٍّ أدنى لا يكفي طفلة، ما تسبب في تدهور أوزانهن وظهور أعراض خطيرة على الجهاز الهضمي. الجوع هنا لا يضرب المعدة فقط، بل يحاول قمع الصوت وإسكات الوجع.

وإذا كان الجوع وسيلة لكسر العزيمة، فإن الإذلال لحظة الاعتقال يهدف إلى سحق الكرامة. إحدى الأسيرات، اكتفت بإيراد الحرفين (س. و)، روت تفاصيل مرعبة عن لحظة اعتقالها: الإهانة، التهديد بالقتل، منعها من دخول دورة المياه حتى الفجر، ثم إجبارها على أكل الخبز وهي معصوبة العينين، قبل أن تُنقل إلى سجن “هشارون”، وتُجبر على النوم على الحديد، ثم تُوزّع مجددًا في “الدامون” وسط القيود والإذلال، حيث يُطفأ النور عمدًا، ويُمنعن من التشمّس لأيام، لمجرد أن أحداهن رفعت صوتها.

بعد صفقة التبادل الأخيرة، انخفض عدد الأسيرات مؤقتًا، لكنه سرعان ما ارتفع مجددًا وسط تصعيد هستيري، خصوصًا ضد الصحفيات والمعلمات والطالبات الجامعيات. وتُشير الإحصاءات إلى أن الاحتلال اعتقل 545 امرأة منذ بداية حرب الإبادة، لا تشمل نساء غزة، اللواتي لا يزال عدد كبير منهن مجهول المصير. من بين الأسيرات اليوم: طفلة، وأسيرتان من غزة، و8 معتقلات إداريًا، إضافة إلى أسيرتين حامل، ومعلمات، وأمهات لأسرى وشهداء، بل وحتى شقيقات لمطاردين.

الاعتقال لم يعد فقط سلاحًا “أمنيًا”، بل صار وسيلة انتقام سياسي، إذ تُختطف النساء كرهائن للضغط على أزواجهن أو أقربائهن المطاردين. تُعتقل الصحفية لأنها نشرت، والطالبة لأنها كتبت، والمعلمة لأنها علّمت. أما التهمة الشائعة فهي “التحريض عبر مواقع التواصل”، والتهمة الحقيقية هي أنهم فلسطينيات.

الإفادات والتقارير الحقوقية، التي ترد من داخل السجون، توثق حفلات تعذيب وإذلال متواصل، وحرمان من الحقوق الأساسية، وعزل متكرر، وحرمان من الزيارات والعلاج والفورة، وحتى من الضوء والماء. إنها “سجون”، لكنها في الحقيقة مسالخ بطيئة لجسد وروح المرأة الفلسطينية.

وما يجعل المأساة أكثر اتساعًا هو صمت العالم، الذي لم يعد مجرد غفلة، بل صار تواطؤاً. المؤسسات الدولية تُصغي إلى رواية الجلاد، وتغلق ملفات التحقيق قبل أن تفتحها، بينما تتحول الأسيرات إلى جثث مؤجلة داخل الزنازين.

الاحتلال الذي تعوّد الإفلات من العقاب، يواصل جرائمه بتشجيع من الحصانة الدولية. أما الصوت الفلسطيني، فلا يزال ينادي، لا للاستغاثة فقط، بل للمحاسبة. هذه ليست نداءات إنسانية عابرة، بل شهادات على جرائم حرب موثّقة، تحتاج إلى عدالة حقيقية لا إلى “قلق” أممي موسمي.

ورغم كل ذلك، فإن الأسيرات صامدات. لا يطلبن صدقات إنسانية، بل حقّهن في الحرية والكرامة، وحق شعوبهن في أن تعرف، وتكتب، وتُحاسب.

سجون بلا رحمة.. شهادات من مقابر الاحتلال المفتوحة

تقرير خاص – إعلام الأسرى

لم تعد سجون الاحتلال الإسرائيلي سوى مسارح مفتوحة لجرائم يومية ترتكب بحق الأسرى الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، في ظل صمت دولي مريب وغياب رقابة إنسانية حقيقية. بين جدران الإسمنت البارد، وقيود العزل والتجويع والإهمال الطبي، تتجسد فصول من المعاناة لا يمكن وصفها إلا بأنها جريمة تعذيب ممنهجة ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب.

تعيش الأسيرات الفلسطينيات، وعددهن 49 حتى بداية يونيو الجاري، في ظروف احتجاز بالغة القسوة، وسط تصاعد غير مسبوق لسياسات الإذلال والتنكيل. شهادات موثقة جمعها “إعلام الأسرى” خلال النصف الثاني من أيار/مايو، كشفت عن تفتيشات عارية متكررة، وحرمان من الرعاية الصحية، وتجويع متعمد، وظروف اعتقال لا تليق بالبشر.

فداء عساف.. تُحاكم بـ”التحريض” وتصارع السرطان

من بين الحالات الحرجة، تبرز الأسيرة فداء عساف من قلقيلية، المعتقلة منذ 2015، والتي تعاني من سرطان الدم. نتائج فحوص أجريت لها مؤخرًا في مستشفى “رمبام” الإسرائيلي، أكدت تدهور حالتها بشكل خطير، وسط إهمال طبي واضح، رغم حاجتها إلى علاج خاص ورعاية مركزة.

حنين جابر.. أم لشهيدين ومريضة بسرطان الثدي

أما حنين جابر من طولكرم، والمعتقلة منذ ديسمبر 2024، فتواجه ورمًا في الثدي دون تلقي العلاج المناسب، ما يشكل تهديدًا مباشرًا على حياتها. جابر، أمّ لشهيدين، لا تزال تحتجز في ظروف صحية صعبة دون محاكمة عادلة.

كرمل الخواجا.. من القمع إلى العزل

وفي أيار/مايو، تعرضت الأسيرة كرمل الخواجا لاعتداء جسدي مباشر خلال اقتحام لقسم الأسيرات، تلاه عزلها وحرمان رفيقاتها من “الفورة”، في عقوبة جماعية تكشف مدى وحشية الاحتلال في التعامل مع النساء الفلسطينيات.

أطفال في الزنازين.. طفولة مسروقة في عوفر ومجدو

لا يختلف المشهد كثيرًا في سجنَي عوفر ومجدو، حيث يقبع مئات الأسرى في ظروف احتجاز قاسية، من بينهم عشرات الأطفال الذين يتعرضون للإذلال، والحرمان من العلاج، والتجويع، في انتهاك صريح لاتفاقية حقوق الطفل.

قيس شحادة وحمزة محيسن.. وجوه صغيرة في جحيم الاعتقال

الطفل قيس ناصر شحادة (15 عامًا) لا يزال موقوفًا دون محاكمة بعد تعرضه للضرب أثناء احتجازه، فيما حمزة محيسن (17 عامًا) من مخيم العروب، تعرض للضرب عند اعتقاله من منزله، ثم في سجن “مجدو”، حيث يُحتجز اليوم في ظروف تفتقر للحد الأدنى من الكرامة والحقوق.

عوفر: إذلال يومي وتجويع جماعي

الأسير حمزة جهاد حامد وصف أوضاع سجن عوفر بأنها “غير مسبوقة من حيث الإذلال المقصود”، إذ يجبر الأسرى على الركوع أرضًا أثناء التفتيش، في ظل تقليص “الفورة” إلى نصف ساعة، وتخيرهم بين التنفس أو الاستحمام. أما الطعام، فحدث ولا حرج؛ كميات لا تكفي للبقاء، ونوعية تهدد الصحة.

الأسير الطفل عمار محمد (14 عامًا) كشف عن حوادث حرمان من الطعام لعدة أيام، وشتائم مهينة، وغياب أي فحوص طبية.

مجدو: ساحة تعذيب مفتوحة

في سجن مجدو، الذي يضم أكثر من 650 أسيرًا، بينهم قرابة 200 طفل، تتزايد شكاوى التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي. الأسير فادي إبراهيم شامي فقد 22 كغم من وزنه بسبب سياسة التجويع الممنهج، فيما تنتشر أمراض مثل الجرب في صفوف الأشبال، دون استجابة طبية حقيقية.

جرائم حرب.. والمجتمع الدولي صامت

545 فلسطينية تم اعتقالهن منذ بدء الإبادة في غزة، وأُضيفت إليهن أرقام أخرى من المعتقلين الأطفال والأسرى الإداريين، دون أي محاكمات عادلة. الاحتلال يستخدم الاعتقال كأداة قمع، ووسيلة للضغط على عائلات المطاردين، وحتى وسيلة انتقام جماعي.

مطالبات بتحقيق دولي عاجل

وإزاء هذا الواقع المظلم، يوجه مكتب إعلام الأسرى نداءً عاجلًا إلى كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية، وفي مقدمتها:

اللجنة الدولية للصليب الأحمر

المفوضية السامية لحقوق الإنسان

منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”

مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

للتحرك الفوري من أجل فتح تحقيق دولي نزيه وشفاف في الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون، ولا سيما الأطفال والنساء، داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. كما يطالب المكتب بفرض عقوبات رادعة على سلطات الاحتلال، التي تواصل ممارساتها القمعية في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربع واتفاقية حقوق الطفل، بينما تتمتع بـ”حصانة قاتلة” من المحاسبة، بفضل تواطؤ القوى الكبرى وصمت المنظومة الدولية.

إن استمرار هذا الصمت الدولي لا يُعد فقط تخليًا عن الضحايا، بل تواطؤًا ضمنيًا مع الجلاد. وكل يوم يمر دون تدخل حقيقي يزيد من معاناة آلاف الأسرى، ويكشف زيف ادعاءات “العدالة الدولية” وازدواجية المعايير في حماية حقوق الإنسان. آن الأوان أن يتحول الضمير الإنساني إلى فعل، وأن يُرفع الصوت فوق جدران الزنازين، ليصل إلى من لا يزال يدّعي الحياد في زمن القهر والاستعمار.

بقلم: عبد الناصر عوني فروانة – أسير محرر وكاتب مختص بشؤون الأسرى والمحررين

الذكرى الـ 36 لاستشهاد الأسير المقدسي عمـر القاسم .. مانديلا فلسطين

الشهادة، هي الجود بالنفس، وهي أعظم أشكال التضحية، وليس هناك من تضحية بعدها، حيث ينال الشهيد وسام شرف وعزة، في الدنيا والآخرة. أما الشهادة خلف قضبان سجون الاحتلال، فيُضاف إليها من العظمة الكثير، بالتضحية خلف القيد والقضبان، بالحياة على طريق الأجل المحتوم. فللشهادة حينئذٍ معنى خاص. وكما أن من الكلمات أساطير، فكذلك هناك من الشهداء تيجان فوق الرؤوس، ونماذج اقتداء، وقناديل مستقبل. ذلك إنهم هم من ضحّوا بحياتهم من أجل تحرير وطننا، وتطهير مقدساتنا، ضمانًا لمستقبل أفضل لأبنائنا. إن مسيرة شعبنا حافلة بالشهداء، ولكل شهيد من هؤلاء حكاية، حكاية البطل الذي صنع التاريخ، وخط حروفه بالدم، فمات الناس، وبقي البطل خالدًا في أعماق الأحياء من بعده، وستظل حروف التاريخ محفورة في ذاكرة الأجيال، وعمر القاسم هو واحد من أولئك الشهداء، الذين سقطوا وراء قضبان سجون الاحتلال “الإسرائيلي”، ليلتحق بقافلة شهداء فلسطين وشهداء الحركة الوطنية الأسيرة. عمر القاسم، كان أول أسير يجاوز سجنه العقدين من الزمن. فانتفض رفضًا وانتفض معه رفاقه دعمًا، وطالب الجميع بالإفراج عن “مانديلا فلسطين”. كان رقم عشرين في ذلك التاريخ هو الأعلى، لكن مرت سنوات صار رقم عشرين رقمًا مكرورًا بين أرقام تجاوزته، فقد جاء وقت استحق فيه مئات الأسرى الفلسطينيين لقب “مانديلا فلسطين” بعد أن تجاوزت سنوات اعتقالهم العشرين عامًا، بل بعد أن تجاوزوا السنوات التي أمضاها الزعيم الإفريقي نفسه في سجون العزل العنصري في جنوب إفريقيا.

في الرابع من حزيران/يونيو 1989، شهد صدمة الأسرى جميعًا، إذ سقط زميلهم عمر شهيدًا في سجنه، قبل أن ينعم بالحرية، ليكشف بموته عمق همجية الجلاد وحقد سلطة الاحتلال على كل ما هو فلسطيني. فعاد عمر القاسم إلى مدينة القدس محمولًا على الأكتاف، ليدفن في مقابر المدينة المقدسة، ويبقى اسمه خالدًا في سجلات التاريخ وقلوب الملايين. عمر القاسم قائد وطني فذ، وعَلَم من أعلام القدس والحركة الوطنية الفلسطينية، ومناضل شرس قاوم الاحتلال ببسالة، فاعتُقل، وكان ندًّا للسجّان، وشكّل رمزًا من رموز الحركة الوطنية الأسيرة، وأحد بُناتها الأساسيين، وكان على الدوام عمادًا أساسيًّا من أعمدتها الراسخة، وبعد مماته تحوّل إلى شهيد خالد في الأعماق. يبدو أن القلم يعجز بالفعل عن وصف خصال عمر القاسم، إذ يجفّ المداد بعجز الكلمات، فلا تكفي لسرد سيرته. لست مضطرًّا لأن تنتمي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، كي تقرأ سيرة حياة مناضل كعمر القاسم، أو تقرأ رسائله وقصص بطولاته وأمجاده في وثائق الجبهة، وأدبياتها. فقد التحق بحركة القوميين العرب في مطلع شبابه، وكان مثقفًا ونشطًا وفعالًا ومؤثرًا بذات الوقت، وسافر إلى خارج الوطن، والتحق بمعسكرات الثورة الفلسطينية هناك، وحصل على العديد من الدورات العسكرية، ومن ثم التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ انطلاقتها عام 1967. ثم ساهم في تأسيس الجبهة الديمقراطية، في فبراير 1969، التاريخ الذي شهد انفصالها عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. حيث كان له الدور المؤسس في تصليب عودها، وتطوير بنيتها، وتعزيز وجودها، واتساع شعبيتها، وتثقيف رفاقها في السجون. كما أنك لن تكون مضطرًّا لأن تكون قد عايشت عمر القاسم داخل السجون “الإسرائيلية”، لتتعرّف على شخصيته وخصاله ومواقفه. إذ سيكفيك أن تكون عربيًّا مؤمنًا بفلسطين، حتى تتمكن من ذلك. وُلد عمر محمود القاسم في حارة السعدية بمدينة القدس، في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1941، وتعلّم ودرس في مدارسها، فدرس الابتدائية في المدرسة العمرية القريبة من المسجد الأقصى، وأنهى دراسته الثانوية في المدرسة الرشيدية الثانوية عام 1958، وعمل مدرسًا في مدارس القدس، وواصل تعليمه ليلتحق بعدها بالانتساب إلى كلية الآداب بجامعة دمشق، فتخرّج منها وقد حاز على شهادة الليسانس في الأدب الإنجليزي. لكنه اختار الثورة، وانحاز إليها، وناضل في صفوفها، فقاوم واستبسل من أجل فلسطين. وكان لا بد له من أن يُعتقل، فسجنوه لعقدين ونيف من الزمن، لكنه لم ينكسر. ففخرت به الحركة الوطنية الأسيرة، وحفرت اسمه بحروف من نور في سجلاتها، ومنحته لقب “عميد الأسرى” فكان أول فلسطيني ينال هذا الوسام. كان يواصل تدريبه العسكري في قواعد الثورة بالأردن، حين شعر القاسم أن موعده مع العودة قد حان. كان ذلك هو يوم الثامن والعشرين من أكتوبر 1968، حين عبر نهر الأردن على رأس خلية فدائية، تهدف إلى التمركز في رام الله، لتنطلق منها عملياتها العسكرية. في الطريق اصطدمت الخلية بكمين “إسرائيلي”، قرب قرية كفر مالك. فتبادل الفريقان إطلاق النار. وغني عن الذكر أن المعركة لم تكن متكافئة، فنفدت ذخيرة الخلية الفدائية، وتم أسر أفرادها وقائدها. ثم أُخضعوا جميعًا لتعذيب قاسٍ جدًّا، قبل أن تصدر المحكمة العسكرية حكمها عليهم بمدد طويلة كان المؤبد من نصيب قائدها عمر القاسم. وفي السجن مثل عمر القاسم قاسمًا مشتركًا بين كافة الأسرى، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية، وكرّس جهده لتحويل السجون إلى أكاديميات وطنية، فأقام دورات عديدة للكادر، واهتم بالمواهب الناشئة، وأسس لذلك في كافة المعتقلات، ودرّس الأسرى اللغة الإنجليزية، وقدم للحركة الأسيرة دراسات قيّمة لأوضاع المعتقلين، وتجارب حركات التحرر العالمية. ساهم في التعبئة والحشد المعنوي لإعداد الأسرى، لمواجهة إدارات القمع “الإسرائيلية”، بهدف تحسين ظروف الاعتقال. وشارك في العديد من الإضرابات عن الطعام، بل كان من أبرز قيادات الإضرابات ومن المحرّضين عليها، باعتبارها شكلًا من أشكال المقاومة. كما نسج مع الجميع علاقات قائمة على الاحترام، ففرض نفسه بقوة على الساحة الاعتقالية، بأخلاقه وسلوكه وحسن تعامله، فغدا قائدًا للحركة الوطنية الأسيرة، ونموذجًا لكل أطيافها.

زاد العبء على عاتق عمر، عقب صفقة التبادل عام 1985 التي تحرر بموجبها المئات من قيادات وكوادر الحركة الأسيرة، فظنّت إدارة السجون أن بإمكانها الانقضاض على الأسرى والاستفراد بهم والنَّيل من إرادتهم، بعد غياب الكثيرين من المؤثّرين. فتعرّضت الحركة الأسيرة في حينها، إلى هجمة شرسة تهدف لإذلالها. فتصدى عمر ورفاقه لكل ذلك، بحزم وبسالة، حفاظاً على إنجازات السابقين. تمتع عمر بمعنويات عالية، وتسلّح بإرادة قوية وعزيمة لا تلين، فنجح في المحافظة على ما حققه السابقون، ثم ناضل ـ مع إخوانه ورفاقه ـ من أجل انتزاع المزيد. كان دوماً يتطلع إلى الحرية، ويؤمن أن فجرها آتٍ لا محالة. لكن وجع المرض اللعين كان أقوى من جبروت الإنسان وقهر السجّان، يزيده الإهمال الطبي المتعمّد، فأعلنت مسيرة حياته توقّفها عن الاستمرار، فقضى شهيدنا نحبه ـ رحمه الله ـ في يونيو 1989، داخل أسوار سجن عسقلان، بعد واحد وعشرين عاماً من الاعتقال، فحُمل حُرّاً على الأكتاف في شوارع القدس، عائداً إلى مسقط رأسه. ودُفن في مقبرة الأسباط، في جنازة مهيبة شارك فيها الآلاف من الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه نُظّمت العديد من المسيرات والمظاهرات والجنازات الرمزية، تكريماً للمناضل الشهيد، في الوطن وخارج الوطن. لم يكن وحده عمر القاسم من دفع هذا الثمن، فمثله كثيرون، منهم من قضى نحبه داخل السجون، ومنهم من توفي بعد خروجه، بسبب الأمراض التي ورثها هناك. غيّب الموت عمر عن الدنيا، لكنه لم يغب عن قلوب من عرفه، جرّاء المحبة التي نشأت، والعلاقة التي توطّدت بينه وبينهم، بفعل ما خلفه من حضور دائم في النفس والفؤاد، وإرث نضالي عريق. بموته بُعث عمر من جديد، في عقول ووجدان ملايين من البشر الذين لم يعرفوه في حياته. أحبوه بعد مماته، وردّدوا اسمه على ألسنتهم. فحُفر اسمه في سجلات التاريخ، وكُتبت له القصائد والأشعار، وحملت العديد من العمليات العسكرية اسمه، وزُيّنت الشوارع بصوره، وتغنّى الأسرى والمحررون باسمه، الذي ما زال مبعث صمود وإلهام، وسنبقى نفخر بسيرته كفلسطينيين وأحرار. إنه عمر القاسم، الاسم الذي يصدح في الآذان سمفونية صمود فلسطيني.

بقلم / د. عماد مصباح مخيمر

الأسرى الفلسطينيون أقوى من صناعة الموت الصهيونية

تتعدّد أشكال صناعة الموت التي تضطلع بها الكيانات العنصرية الاستعمارية الاحتلالية الاقتلاعية، هذه الأشكال تتخذ وجوهاً متعددة ما بين القتل الهمجي والإعدام الفوري المباشر، والقتل البطيء بوسائل مختلفة، واستلاب مقوّمات الحياة بتقييد الحريات جسديًّا ومعنويًّا وعلى كافة المستويات، ويأتي الشكل الأخير ليندرج تحت سياسة الاعتقال لأفراد الشعب الرازح تحت نير الاحتلال، وهذا الاعتقال يشكّل أداة إجرامية في يد الاحتلال تُخالف كافة المواثيق والأعراف والمعاهدات الدولية. وإذا كان الاعتقال بحد ذاته هو جريمة، فكيف إذا اقترن بممارسات لا إنسانية ووحشية تستهدف الإعدام والقتل البطيء للأسرى المدافعين عن حرية وحقوق شعوبهم وفقًا للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية؟

ويأتي الكيان الصهيوني في مقدّمة المشاريع العنصرية الاحتلالية الاقتلاعية التي تمارس كافة أشكال صناعة الموت بحق الشعب الفلسطيني، سواء في ميدان المواجهة أو في أقبية معتقلاتهم وسجونهم الإجرامية، مخالفاً ومتخطياً ومتجاهلاً وضاربًا بعرض الحائط كافة القوانين والمواثيق الدولية والأخلاق الإنسانية. هي جرائم ضد الإنسانية يمارسها هذا الكيان – الفاقد للشرعية القانونية والإنسانية – بحق الشعب الفلسطيني، جرائم تُمارس بإصرار وعنجهية تحت أعين وأنظار المجتمع الدولي الذي يقف عاجزًا عن ردعه، في الوقت الذي يعلو صوت هذا المجتمع مدافعًا عن قيم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولكن في حالة الشعب الفلسطيني فإنّ الصمت وغضّ الطرف هو القانون المسيطر على هذا المجتمع العاجز طوعًا، أو في أفضل الأحوال يصدر صوت خافت خجول يأتي من هنا أو هناك ولا يشكّل أدنى تأثير أو رادع للكيان الصهيوني.

إنّ الشعب الفلسطيني يمارس حقّه في مقاومة الاحتلال، هذا الحق الذي كفلته الفقرة 2 من المادة 1 من الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة: “إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها…”. إنّ إقرار الحق لكل الشعوب في تقرير مصيرها يعني ضمناً حق هذه الشعوب في ممارسة المقاومة بكافة أشكالها انتزاعًا لهذا الحق، وطالما أنّ الشعب الفلسطيني يمارس حقّه وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، فإنّ كافة ممارسات الاحتلال المانعة لنيله حقه في تقرير المصير هي ممارسات مخالفة لميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي للقانون الدولي.

وقضية الأسرى الفلسطينيين من القضايا التي تعكس ممارسة الشعب الفلسطيني لحقّه في تقرير مصيره من جهة، وعن مدى إجرام الاحتلال وعدم احترامه للقانون الدولي من جهة أخرى. إنّ الشعب الفلسطيني يدافع عن وجوده وعن حقوقه الوطنية المكفولة بالقانون الدولي، وأسرى الشعب الفلسطيني لدى الاحتلال الصهيوني هم طليعة الشعب الفلسطيني في هذا الدفاع، وهم الخط الأمامي في الحفاظ على هوية ووجود الشعب الفلسطيني، في مقابل الكشف عن الجرائم ضد الإنسانية التي يمارسها الاحتلال الصهيوني.

وتأتي قضية الأسرى المرضى في المعتقلات الصهيونية من أبرز القضايا التي تكشف عن غياب الإنسانية وتغوّل الوحشية في سلوك وممارسات هذا الاحتلال، والذي لم يكتفِ بعدم شرعية ومشروعية وجوده، بل يقوم بممارسات لا إنسانية تعكس عنصرية وعقلية اقتلاعية كولونيالية إحلالية، معيارها القوّة الغاشمة لا القانون الدولي الذي من المفترض أن يشكّل إطارًا لتنظيم العلاقة بين شعوب وأمم العالم.

جاء في الفقرة 1 المادة 3 من الباب الأول (أحكام عامة) من اتفاقية جنيف الرابعة:

“والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأيّ سبب آخر، يُعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية… ولهذا الغرض، تُحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن: (أ) الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب. (ب) أخذ الرهائن. (ج) الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطّة بالكرامة”.

أمّا الفقرة (2) فقد تناولت التالي: “يُجمع الجرحى والمرضى ويُعتنى بهم”.

بالنظر إلى ما سبق في اتفاقية جنيف الرابعة والتي تناولت حماية المدنيين أثناء الحرب بين دول ذات سيادة، فكيف يكون الأمر في حالة شعب تعرّض لاحتلال أرضه ويُهدَّد وجوده وهويته؟ هل يجوز أخلاقيًّا وقانونيًّا وإنسانيًّا أن يتم عقابه لمجرّد بحثه عن حقوقه الشرعية والمشروعة؟

إنّ الاحتلال الصهيوني ينتهك ليس كل فقرة، بل كل كلمة، فيما يتعلق بالأسرى الفلسطينيين، فالأسرى الفلسطينيون يتعرضون لكافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والمعنوي، إضافة إلى ظروف العزل والإهمال الطبي والإنساني، الأمر الذي أدى لوقوع الكثير من الأسرى فريسة لمختلف الأمراض: أمراض خبيثة، قلب، كبد، كلى، بصر، عظام، وغيرها، وكلها أمراض تستلزم علاجاً فورياً ومتابعة طبية دقيقة ومتواصلة لا يمكن توافرها في معتقلات تعكس عقلية صهيونية عنصرية إجرامية.

إنّ الأعداد الكبيرة من الأسرى من ذوي الأمراض الخطيرة والمزمنة، والتي تتجاوز المئات، لهو مؤشر على قيام الاحتلال الصهيوني بالقتل البطيء والممنهج لأسرى الشعب الفلسطيني، مما أسفر عن استشهاد العديد من الأسرى البواسل في جريمة تُضاف لجرائم هذا الاحتلال، وانتهاك آخر للاتفاقيات الدولية. ولكن في المقابل، يظل الصمود الأسطوري للأسرى أمام الإجرام الصهيوني وممارساته غير الإنسانية، يمثل اختراقاً بطوليًّا وهزيمة لهذا الكيان.

إنّ تحدي السجّان والتصدّي لكافة أشكال الموت التي يحاول صناعتها نيلًا من عزيمة رجال كلٌّ منهم هو طودٌ شامخٌ في وجه العاصفة الصهيونية الهوجاء، لهو معلم آخر من معالم الهوية الفلسطينية التي ستظل عصيّة على المحاولات الصهيونية لطمسها، وسيظل الشعب الفلسطيني باقياً بقاء التاريخ والجغرافيا التي لا تتبدل تضاريسها مهما جابهت من عوامل التغيير والتعرية، وسيظل أسرى الشعب الفلسطيني البواسل بصمودهم وبطولاتهم أقوى وأبقى من بطش السجّان الصهيوني، وستظل أقدامهم أعلى من رأس هذا السجّان، وسينتصر الأسرى في مواجهة المرض وصناعة الموت الصهيونية.

بقلم: المتوكل طه

من الزنزانة إلى الغيوم

يستيقظُ، فيجدُ صورةَ ذاته المُعلّقة بين الجدار والفولاذ، وجسدهُ ينوءُ تحت حديد الليل الذي يُخدّرُ أطرافَه ورأسَه، لكنّ فؤاده مِرْجلٌ يفورُ بباقات البراعم الحمراء. وتأخذه أحلام اليقظة إلى رحلةٍ لا تنتهي؛ يركب قطارَ اللّيل، ويفتح نافذةَ الشجر، يتنسّمُ ريحَ القندول والليمون والزعرور، كأنّ الغصون تخرج من كُمّهِ أو أصابع يديه. يمدُّ نظرته إلى البعيد، فيرى الغيومَ تختالُ بخفّةٍ في السماء، فيحارُ في تشكّلها الأميبيّ السريع، ويطيب له أن يرى غزلاناً وحدائق وزفّات طيور، وينأى عن أن يرى الوحوش الداكنة الثقيلة التي تتهيّأُ للافتراس. ويفتح يديه، لعلّه يجمع فيهما ما يتساقط من رهامٍ خفيف هبّ على الدنيا. ويُغمضُ عينيه، ويفتح نافذتي أنفه، لتعبر إليه فرحةُ الماء والتراب وما ينبضُ فيهما من بذور وشهوات خضراء. ويهدأ في جلسته، كأنّه أغلق الشبابيك، وَرَدَّ يدَه على أُختها، وَعبر في أحلام يقظتهِ، يلتقي ذات الخطوة الزلزال، وينفذ أكثر ليشرب من عينيها قهوةَ القُرنفل. ويغفو، بلا رغبةٍ منه، ويَسْطو على وجهه الوَسَنُ، فتذبل ذراعاه، وتسرقه كائناتُ المغارة التي تأخذهُ إلى عتمتها، فلا يرى غير أجسادٍ متيبّسة بهيئتها التي انفطرت عليها، كأنّها تمثالٌ لحميّ، وجدوه منذ الأزل مشبوحاً إلى الجدار بجنازير وسلاسل وقيود…

ويستيقظ، فتحضر أمامه تلك المرأة التي انهالوا عليها بالضرب قبل أن يزجّوا بها في الأقبية، ويتوالى عليها ثمانية محقّقين على مدار خمسة أيام، لا يتركونها تنام لحظة. كانت مشبوحة على الكرسي المُثبّت بالأرض مُقيّدة اليدين والقدمين، يُطفئون السجائر في كل مكان، ويتركونها مع الصراصير والفئران والفضلات، والباب الصاج يُكثّف الرطوبة العالية، ويمنع الهواء من الدخول، قبل أن يدفعوا بها إلى غُرف السجينات اليهوديات الجنائيات من بنات الهوى والقاتلات الشاذّات اللواتي رُحن يمزّقنها، ويحرِقْنَ زهر جسدها بأعقاب السجائر والأظفار والأسنان.

ويستيقظ، فيرى ذلك الطفل الذي لطمَ الجنديَّ عندما رآه يضرب أمَّه ساعة اعتقالها، فطوّحهُ بقدمه كأنّه كرة، فانخلع كتفه، وانشقّ رأسه، وأخذوا والدته التي قالوا لها إنهم سيغتصبونها، وإنهم اعتقلوا زوجها، وإنهم سيأتون بشقيقتيها ويفعلون بهما الأعاجيب. كانت الرائحة مثل تلك الليلة مرعبة. والصراخ والأوجاع تتصادى في ممرّات الزنازين، كأنّ الجحيم بدأ عصره منذ الآن، وتكاد الشفاه تتشقّق عطشاً، والأمعاء تتقطّع جوعاً، والجميع هنا خارج الزمان والمكان، أو لعلّهم في كابوس لا ينتهي وراء أبوابٍ لا يذكرها أحدٌ من الخَلْق. ولتعلَم الآلهة أن بشراً وحوشاً يعيشون، هنا، معنا على الأرض.

وينام…

معطف الليل من هواء! يفرد جناحيه وسادةً لإعادة ترتيب الأشياء، أو ليأخذ العيونَ إلى رحلة الحرير، أو الغياب المؤقّت. والليل يبسط حريره البارد تحت رأس المُتعبين، فيمتصّ الغيظ والعرق المُتيبّس، ويُعرّي الغافي من كل حباله وقيوده، ويُطْلقه جناحاً يَغمس ريشه في الشهوات الممنوعة، أو ليتخطّى أسوار النهار، أو ليُخرج كل الرمل بصرخة كابوس حادّ، واهتزاز الماء المُتصبّب من الجبين. ويبدأ الليلُ مشدوداً… لينتهي بالركود الهادئ.

ويحلم؛

مَنْ هؤلاء الذين يُصاعدون بعباءاتهم البيضاء، ويخترقون سقف الزنزانة، كأنّهم ضوء أو هيولا؟ ومَنْ الذين يلفّون سماء الزنزانة بغلالات شفيفة كأنّها السحاب الخفيف، ويُدَوِّمون مع الهواء؟ ومَنْ ذاك الذي يقف في الفراغ، ويمدّ ذراعيه، فتتدلّى أكمامه الواسعة، لتلامس الأرض، كأنّه ينتظر مَنْ يعانقه؟ ومَنْ تلك التي تلبس على رأسها تاج النور، فتُضيء الزنزانةَ بهالتها الحليبية، وتدفّ منها الفراشات المضيئة كأزرار الثلج، وتتساقط منها أزهار الياسمين الذهبية؟ ومَنْ هذه التي تتهادى على فرس الفضّة في طريق الغابة المطيرة، ويُغطيها النَّوّار الأحمر؟ ومَنْ هذا الذي يُمسك ذراع العروس، ويخطو معها على ماء النغم الهُدهُد الرتيب، فتثور النوافير الملوّنة حولهما؟ ولمَنْ هذه الزفّة الصاخبة التي تُضوّع الشرفات بزغاريدها وصهيلها ورقصات مزاميرها؟

أيقظوه، إنه يحلم، كعادته!

كأنّي رأيته وهو يهبط من البدر المُكتمل المُوشّح بثيابه البيضاء، المُوشّاة ببقع الأرجوان المُقدّس، وقدميه الناعمتين اللتين مرَّرت المجدلية ضفائرها عليهما! كان شفيفاً، عملاقاً، وشَعره مُخضّلاً بالمياه، يُضفْضِف ويُضيء.. يفتح ذراعيه، فتنزل سحابتا أردانه حتى تلامسا الطريق.. يا سيدي البهيّ المخذول بقُبْلة الخيانة اللئيمة! عُدْ إلى أبراج السماوات، واهتف للعليّ المجيد، الذي يرانا.. ليمسحَ عن وجهك دموعَ المعتقلين البسطاء، واقرأ بشارتك النافذة، في هذه البراري القاسية؛ بأنك جئت لتلقي سيفاً في قلب العتمة.. لعلّ صغارنا يدخلون باب العامود، ويدلفون بأناشيدهم الصغيرة، إلى طريق الآلام.. فلا يُصعّرون خدودهم، بل يكسرون صليبهم، ويرمون تيجان الشوك.. وينظرون إلى الأعالي، التي تُسبّح لمجد أمواه القلوب، التي تغسل الطريق من غبار الجنود.. الذاهبين، وحدهم إلى الجلجلة.. ويعلو قُدّاس الحياة واليمام.. في كل الأزقّة والأجراس.. والنداءات الخاشعة.. ولن يتمكّنوا منك ثانيةً، فاذهب، على مهل.. إلى غبش الخشوع والملائك الساهرين.. وانتظرنا.. فإنا خارجون.

بقلم د. رأفت حمدونة

شهداء أحياء في مقابر الأعداء

إذا رحل الشهداء بأجسادهم، وعانقت أرواحهم عنان السماء في الجنان، فهنالك من هم شهداء لا زالوا أحياء مع وقف التنفيذ في زنازين وسجون الأعداء، آلاف ممن ضحّوا بزهرات شبابهم وحياتهم من أجل الحرية والسيادة والاستقلال. يمر العام بعد العام، وهنالك أكثر من 10000 أسير وأسيرة فلسطينية في السجون والمعتقلات “الإسرائيلية”، في قلب سلطة عسكرية تتغنّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والتسويق بالالتزام بالاتفاقيات والمواثيق دوليًا إعلامًا بغير واقع.

ومن واقع الخبرة والتجربة والمعايشة والمتابعة، فدولة الاحتلال تمسّ بكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني في كل مناحي حياة الأسرى، ولعلّ أكثر ما يؤرّق الأسرى وذويهم سياسة الاستهتار الطبي بحقّ ذوي الأمراض المزمنة، ولمن يحتاجون لعمليات جراحية، الأمر المخالف للمبادئ الأساسية لمعاملة الأسرى، وممارسة التعذيب النفسي والجسدي في أقبية التحقيق، والأحكام الردعية، والمنع من الزيارات، والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي لفترات غير معلومة، وتلفيق التهم والملفات السرية لتبرير الاعتقال الإداري بلا لائحة اتهام، وحملات التنقّل الواسعة في أوساطهم بهدف إعاقة استقرارهم، وانتشار الفئران والجرذان والحشرات السامة في عدد من السجون والمعتقلات، بالإضافة للاكتظاظ في الغرف، وانعدام التهوية، وعدم جمع شمل الإخوة والأقارب، ووضع الأجهزة المُضِرّة كالمراقبة والتشويش، وسوء الطعام كمًّا ونوعًا، والاقتحامات الليلية والتفتيشات العارية، والعقوبات والغرامات، والحرمان من زيارة المحامين، وعدم توفير أماكن للعبادة، وعدم التعاطي مع مطالب الأسرى، ومنع التعليم الجامعي وتقديم الثانوية العامة، وعدم إدخال الكتب، ومنع الأنشطة الذهنية والتعليمية والترفيهية والرياضية للمعتقلين.

الأمر الذي يتطلب موقفًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا للضغط على الاحتلال لإنقاذ حياة الأسرى قبل فوات الأوان.

تقرير: عزيزة ظاهر- رام الله

صالح حسونة.. جسد مُقعد بين فكيّ الرصاص والإهمال الطبي

لم تكن الجريمة الأولى ولن تكون الأخيرة، لكن تفاصيلها تقشعر لها الأبدان. في لحظة غدر ليلي، اغتالت رصاصات الاحتلال أمان منزل فلسطيني، لتصيب شابًا أعزل يحتضن طفلته النائمة، وتحول سريره إلى ساحة حرب باردة. منذ تلك اللحظة، لم يعد الأسير صالح محمد حسونة مجرد رقم خلف القضبان، بل أصبح رمزًا لجسد مشلول فوق كرسيّ متحرك، يدفع ثمن وحشية الاحتلال وإهمال منظومته الطبية القاتلة.

لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن في موقع اشتباك، ولم يشكل يوماً تهديداً لأمن الاحتلال، بل كان نائماً في سريره، يحتضن طفلته الرضيعة، حين اخترقت رصاصات الجنود جسده، لتغيّر مجرى حياته إلى الأبد. هكذا بدأت معاناة الشاب صالح محمد حسونة (29 عاماً) من مخيم الجلزون شمال رام الله والبيرة، بعد أن اقتحمت قوات الاحتلال منزله ليلة 29 شباط/فبراير من العام الماضي، وداهمت غرفة نومه، فحوّلت سريره الآمن إلى ساحة لإطلاق النار، وطفلته التي نامت بأمان على صدره إلى شاهدة على جريمة لا تُنسى. الصور الموثقة للحادثة تُظهر محاولات إعدام واضحة، آثار دماء قرب الرضيعة، وتطاير عظام ولحم صالح داخل غرفته.

6  عمليات جراحية

رغم جراحه، لم يُرحموه. انتزعوا طفلته من بين ذراعيه كما تُنتزع الروح من الجسد، وانهالوا عليه بالضرب والإهانات، ثم اقتادوه غارقًا بدمه النازف. نُقل إلى مستشفى “شعاري تصيدق” في القدس المحتلة، وخضع لست عمليات جراحية، منها زراعة أسياخ لتثبيت عظام ساقه اليمنى، وتنظيفات عميقة، إضافة إلى تركيب بلاتين في موضع الإصابة. في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، سُمح له بلقاء محامي نادي الأسير، مكبل القدمين رغم حالته الحرجة، وكان محتجزاً آنذاك في ما يسمى “عيادة سجن الرملة”، وسط ظروف صعبة وحرمان من العلاج.

إعاقة جسدية وإجراءات قاسية

اليوم، يقبع الأسير حسونة في سجن “عوفر”، مقعداً على كرسيّ متحرك، يتنقّل بصعوبة بالغة دون أدوات مساعدة أو بيئة ملائمة لحالته. تقول عائلته لـ”الحياة الجديدة” إن ابنهم يعاني من آلام عصبية مزمنة، وتقرّحات جلدية نتيجة الجلوس الطويل، إضافة إلى مضاعفات ناتجة عن غياب العلاج الطبيعي. ورغم وضعه الصحي المعقد، جدّدت سلطات الاحتلال اعتقاله الإداري للمرة الثالثة على التوالي، من دون لائحة اتهام أو محاكمة، ما دفع هيئة شؤون الأسرى إلى التحذير من خطورة استمرار احتجازه في ظل “الإهمال الطبي المتعمّد”. ووفق تقارير المحامين، يعيش حسونة في سجن مضاعف: الحديد والجسد، لا يستطيع الوقوف، ويعتمد كلياً على كرسيّ متحرّك، بينما ترفض إدارة السجن تزويده بعكازات، أو توفير جلسات علاج طبيعي أو عمليات لازمة، لم يتلقَّ منها شيئاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

مناشدة

هذا الإهمال الطبي المتعمد يترك آثاراً جسدية ونفسية قاتلة على الأسير وعائلته، ويعيد تسليط الضوء على سياسة الاحتلال تجاه الأسرى الجرحى، الذين يُتركون لمصيرهم في الزنازين من دون رعاية أو رقابة دولية. العائلة، التي تعيش في قلق دائم، لم تجد سوى مناشدة الجهات الحقوقية الفلسطينية والدولية لتشكيل لجنة طبية محايدة تُتابع حالة نجلهم وكافة الأسرى المرضى والجرحى، إلى جانب الدعوة لفتح ملف الاعتقال الإداري المتكرر، الذي يحرم الأسير من حق الدفاع عن نفسه أو حتى معرفة سبب احتجازه. في نهاية المطاف، يبقى صالح حسونة شاهداً حيًّا على الظلم المركب، إنساناً له الحق في العلاج، في الكرامة، وفي أن يحتضن طفلته مرة أخرى دون قيد أو وجع، في وقت يستصرخ فيه صمته الضمير الإنساني ليتحرك قبل فوات الأوان.

حبس منزلي لصوت لا يُقهر.. سناء دقة.. أسيرة الوفاء في قبضة الانتقام

لا تنتهي معركة الفلسطيني مع الاحتلال عند الأسر أو الاستشهاد، بل تبدأ فصولها الجديدة في ملاحقة من تبقى من العائلة، ممن حملوا الذاكرة وصانوا الكلمة. سناء سلامة دقة، زوجة الشهيد الأسير وليد دقة، تُواجه اليوم حلقة جديدة من الانتقام الإسرائيلي، لا لشيء سوى لأنها رفضت الصمت، وواصلت الدفاع عن قضية زوجها حتى بعد استشهاده، فكان نصيبها الحبس المنزلي والتهديد والتشهير، في مشهد يؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بسلب الأجساد، بل يطارد حتى ملامح الحب والوفاء.

في فصل جديد من فصول الاستهداف الممنهج لعائلات الأسرى والشهداء، قررت المحكمة الإسرائيلية الإفراج عن المعتقلة سناء سلامة دقة، زوجة الشهيد الأسير وليد دقة، الذي استشهد داخل معتقلات الاحتلال في مطلع نيسان/أبريل 2024 بعد أن أمضى 38 عاماً في الأسر، ولا يزال جثمانه محتجزاً حتى اليوم. وقد جاء اعتقالها على خلفية ما تسميه سلطات الاحتلال “التحريض”، لينتهي بقرار يفرض الحبس المنزلي عليها لمدة 10 أيام في منزل والدتها بمدينة الطيرة، مع كفلاء وغرامة مالية قدرها 20 ألف شيقل (نحو 6 آلاف دولار أمريكي)، إلى جانب منعها من السفر خارج البلاد.

هذا القرار لم يكن مفاجئاً في ظل تصاعد التحريض الرسمي والإعلامي ضد سناء، والذي بلغ ذروته بتصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي دعا علناً إلى ترحيلها وسحب جنسيتها، في محاولة واضحة لإسكات صوتها وكسر إرادتها. فلطالما كانت سلطات الاحتلال تتّبع سياسة ممنهجة في ملاحقة أهالي الأسرى والشهداء، بزعم “التحريض”، لتحويل هذا الاتهام الفضفاض إلى أداة قانونية لقمع الكلمة الحرة، ومعاقبة من يرفض الصمت أو الانكسار، خصوصاً في ظل اتساع العدوان الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.

سناء دقة، التي رافقت زوجها على مدار سنوات أسره، كانت شاهدة على وجعه ومعاناته وظلم السجن، واليوم تدفع ثمناً مضاعفاً لوفائها، كونها تمسكت بروايته، واستمرت بحمل صوته حتى بعد استشهاده، رغم أن 38 عاماً من الاعتقال لم تُضعف فيه روح الثورة، لكنها انتهت بحرمانه من العلاج واحتجاز جثمانه.

يرى حقوقيون أن ما تتعرض له سناء يعكس عقلية انتقام جماعي، تمتد من الجسد إلى الكلمة، ومن الصوت إلى الذاكرة، معتبرين أن الاحتلال لا يكتفي بسلب الأعمار، بل يلاحق من أحبّهم، ويعاقب كل من يجرؤ على تذكير العالم بأن هناك شعباً يرفض محو تاريخه. في هذا السياق، اعترضت الشرطة الإسرائيلية على قرار الإفراج عنها، وتدرس تقديم استئناف، ما يعكس نية مبيتة لإبقائها رهن القيد والإجراء التعسفي.

وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت سلامة، يوم الخميس الماضي، أثناء تواجدها مع ابنتها ميلاد في مدينة القدس المحتلة، وذلك عقب مطالبات مباشرة من الوزير بن غفير بترحيلها، بدعوى نشر “منشورات تحريضية” على وسائل التواصل الاجتماعي، في سياق حملة انتقامية لا تستهدف سوى الذاكرة والكرامة.

10 آلاف أسير فلسطيني.. الاحتلال يوسّع قبضة القمع بصمت دولي

حتى بداية حزيران/ يونيو 2025، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعتقال آلاف الفلسطينيين في سجونها ومراكز احتجازها، وسط ظروف قاهرة وواقع اعتقالي يتسم بالقمع والتنكيل والتجويع الممنهج. ووفق أحدث المعطيات، تجاوز عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال 10,400 أسير، وهو رقم لا يشمل المحتجزين في المعسكرات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، لا سيما من معتقلي قطاع غزة.

الأسيرات

تشير الإحصائيات حتى 4/6/2025 إلى أن عدد الأسيرات الفلسطينيات بلغ 49 أسيرة، بينهن 8 أسيرات رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

 الأطفال الأسرى

يواصل الاحتلال استهداف الطفولة الفلسطينية، حيث بلغ عدد الأطفال الأسرى حتى بداية حزيران أكثر من 440 طفلًا، يُحتجزون في ظروف قاسية ويتعرضون لشتى صنوف التعذيب النفسي والجسدي، في انتهاك فجّ لاتفاقية حقوق الطفل.

 المعتقلون الإداريون

لا يزال الاحتلال يستخدم الاعتقال الإداري كأداة للقمع الجماعي، إذ بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3562 معتقلًا، يُحتجزون بلا لوائح اتهام، ما يجعل السجن عقوبة مفتوحة بقرار من ضباط المخابرات وغطاء من المحكمة العسكرية.

 معتقلو غزة.. تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”

في تطور بالغ الخطورة، يواصل الاحتلال استخدام تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين” ضد آلاف من معتقلي غزة، ما يجرّدهم من حقوقهم القانونية كأسْرى حرب. ووفق البيانات، بلغ عدد المعتقلين الغزيين المصنفين تحت هذا الإطار حتى الآن 2214 معتقلًا، دون احتساب الآلاف المحتجزين في المعسكرات العسكرية، ما يرجّح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير.

 خلاصة

تكشف هذه الأرقام عن اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي للإنسان الفلسطيني، دون تمييز بين رجل وامرأة، بين طفل ومدني، بين مقاوم وأسير. ويؤكد الواقع أن الاحتلال يستخدم السجن كأداة مركزية في مشروعه الاستعماري، في ظل صمت دولي مخزٍ وتواطؤ يفاقم الانتهاكات المتواصلة لاتفاقيات جنيف والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

بقلم: سامي إبراهيم فودة

أرحام في الأسر.. من يكتب شهادة ميلاد في الزنزانة؟

في حضرة القامات الشامخة، عزيزات النفس، الماجدات الباسلات، الأسيرات الفلسطينيات، جنرالات الصبر والكبرياء في زنازين الاحتلال… تنحني الكلمات خجلاً، وتجفّ الأقلام رهبة، أمام حجم المعاناة التي تتكشّف يوماً بعد يوم خلف قضبان الظلم. نحن اليوم أمام مشهدٍ مفزع، تتجسّد فيه كل أشكال القهر والاستبداد، حيث تصرخ الأرحام من أعماق الزنازين، وتئن الأجنّة تحت وطأة المرض، في سجنٍ لا يعرف الرحمة، ولا يحفل بإنسانية البشر.

الأسيرتان الفلسطينيتان ريماء البلوى وزهراء الكوازبة، في شهرهما الخامس من الحمل، تواجهان خطرًا حقيقيًا يهدد حياتهما وحياة أجنّتهما، في ظروف صحية قاهرة داخل سجن “الدامون”، الذي تحوّل إلى مقصلة صامتة لأجساد الأسيرات وصرخاتهن الموءودة. الجريمة لا تقتصر على الأسر والحرمان، بل تتجاوزها إلى محاولة قتل الحياة قبل أن تبصر النور.

ريماء البلوى، ابنة كفر اللبد شرق طولكرم، تبلغ من العمر 31 عاماً، متزوجة وأم لطفلتين هما يافا (7 أعوام) ولمار (5 أعوام)، وتعاني من مرض الثلاسيميا، الذي يتطلب رعاية طبية دورية وتغذية صحية منتظمة. اعتقلها الاحتلال فجر الأحد 25 فبراير 2025، بعد محاصرة منزلها واقتحامه بطريقة همجية، بدعوى “التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي”. اقتادها الجنود وهي مقيّدة اليدين، معصوبة العينين، في مشهد لا تغفره ذاكرة طفلتَيها.

نُقلت ريماء إلى معسكر عسكري للتحقيق، حيث خضعت لأساليب ترهيب وتهديد نفسي رغم علم المحققين بأنها حامل ومريضة. تجاهل الاحتلال حالتها، ورفض في البداية إجراء أي فحوصات طبية، قبل أن تُنقل إلى مستشفى خارجي يثبت حملها رسميًا. بعدها أُعيدت إلى الزنازين، متنقلة بين “هشارون” و”الدامون”، في ظروف احتجاز قاسية تهدد سلامتها الجسدية والنفسية. موعد محاكمتها حُدِّد في 15 حزيران/يونيو، لكن أحدًا لا يعرف: هل ستبقى قادرة على الصمود حتى ذلك التاريخ؟ وهل ستخرج بوليدها حيًّا من بين أيدي الجلادين؟

أما زهراء الكوازبة، ابنة بيت لحم، البالغة من العمر 37 عامًا، فقد اعتُقلت في بداية أبريل 2025 على حاجز عسكري أثناء عودتها من أريحا مع عائلتها. اقتيدت إلى التحقيق وتعرّضت للاستجواب تحت الضغط، وتم تمديد اعتقالها عدة مرات دون محاكمة. زهراء تعاني من اضطرابات عصبية وتتطلب رعاية طبية خاصة لا تتوفر في سجون الاحتلال، حيث يُمارس بحقها إهمال طبي ممنهج، وسياسة تجويع ممنهجة، أشبه بعملية قتل بطيء. جلسة محاكمتها حُدِّدت في 18 مايو، لكنها لم تُعقد، ولا يزال مصيرها معلقًا وسط صمت مطبق من المؤسسات الحقوقية الدولية.

ما تتعرض له ريماء وزهراء، وغيرهما من الأسيرات الفلسطينيات، ليس مجرد انتهاك فردي، بل سياسة احتلالية ممنهجة تسعى لكسر إرادة المرأة الفلسطينية وسحق كرامتها. هي جريمة بحق الجسد الفلسطيني، بحق الطفولة التي لم تولد بعد، وبحق الإنسانية التي صارت عمياء وصمّاء أمام صرخات الحرائر.

أين هي منظمات حقوق الإنسان؟ أين هي لجان الأمم المتحدة التي تتغنى باتفاقيات جنيف؟ أين هو صوت الضمير العالمي أمام مشهد امرأة حامل تصرخ من الألم تحت التعذيب أو في زنزانة باردة؟

إن السكوت على ما يجري هو تواطؤ صريح مع الاحتلال. وإن الصمت عن آهات ريماء وزهراء هو قتل معنوي لكل أم فلسطينية تقبع خلف القضبان.

الحرية لأسيراتنا الماجدات… الحياة لأجنّتهن قبل أن تُقتل في الظلام.

بقلم: حسن عبّادي – حيفا

“أكيد يوسف” !

زرت سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب لألتقي بالأسيرة إيمان إبراهيم عبد الله الشوامرة (مواليد 01.03.1979)، من قرية جيت/ محافظة قلقيلية، مباشرة بعد لقائي بأبيها. بدأت اللقاء بسؤالها: احزري مَن يسلّم عليك؟ أخذت تبكي لدقيقتين وقالت: أكيد يوسف! ابنها الذي يشتاق إليها ويناجيها كلّ الوقت. حدّثتني عن زميلات الزنزانة رقم 11 وباقي الأسيرات. حدّثتني بتفاصيل الاعتقال؛ ليلة 04.05.2025، الساعة الثالثة وجه الصبح، “ما شفتهم ولّا هم فوق رأسي، 8 جنود وترافقهم مجنّدة، كلبشوني وغمّضوا عينيّ”، درب الآلام من البيت إلى حوّارة، ومنها إلى أريئيل، إلى سجن هشارون، سرحت فجأة، تنهّدت وقالت: “الله لا يورجي حتّى لعدوّ”، ومنها إلى الدامون. كلّها عشان صور على الفيس. ولا كلمة! الوضع في سجن الدامون صعب للغاية، كل اليوم مطارقة أبواب وأعصاب، الله يعين الحوامل (ريماء بلوي وزهراء كوازبة)، صراخ وسباب كلّ الوقت. وصفت لي وضع الأمهات المعتقلات وحنينهنّ لأبنائهنّ، وخاصّة في هذه الفترة “موجّهين على عيد”، وخلّي يوسف يطلع يلعب مع أولاد الحارة برّا، ما يحبسه بالدار. العيد بعيد عن لمّة العيلة حديث الساعة في الدامون. قلقة بالنسبة للمحكمة، الجلسة الجاية يوم 06 تموز. طلبت إيصال رسائل ومعايدات للعائلة، فردًا فردًا، وخصّت بالذكر والديها وأقاربها الخلايلة، حماها وسلفاتها كلّهن. وأهم شغلة؛ خلّي محمد يجيب ليوسف كل شيء بدّو إيّاه، يرتّبه ويزبّطه يوم العيد. حين افترقنا قالت: “سلّم على جوزي كثير وقلّه يا ريت ردّيت عليك”. لك عزيزتي إيمان أحلى التحيّات، والحرية لك ولجميع أسرى الحرية.

بنتكم قويّة وجدعة… تقلقوش

وزرت سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب لألتقي بالأسيرة إباء عامر معروف أغبر (مواليد 28.05.2002)، من رفيديا/ نابلس. حين أخبرتني بتاريخ ميلادها سألتها عن الاحتفال داخل السجن فأخبرتني بلهفة معجونة بحسرة عن كعكة العيد؛ خبز + لبن + تطلي (فراولة). حدّثتني بدايةً عن زميلات الزنزانة رقم 11 (ميسّر هديبات/ يطا/الخليل)، إيمان شوامرة/ الخليل/غيت، لين مِسك (الخليل)، ريماء بلوي (كفر لبد/ طولكرم)، 40 أسيرة (يشمل 4 موظّفات شركة مصرف الخليج). حدّثتني بتفاصيل الاعتقال؛ ليلة 16.03.2025، الساعة الثالثة والنصف فجرًا، داهم الجنود، برفقة مجنّدة، البيت، وبعد تفتيش دقيق اقتادوها مكلّبشة وضمّادة على عينيها، إلى حوّارة أو أريئيل، سباب وكبّ ماء كل الوقت، ومنه إلى سجن هشارون البغيض، وقاموا بتفتيش مُهين، ومنه إلى سجن الدامون. الوضع في سجن الدامون سيئ للغاية، وصفت لي قمعة 13 أيّار المشؤومة، الأكل سيئ للغاية، ووضع الحوامل زهراء وريماء صعب، صار فورتين، كل فورة ساعة، وممنوع الحكي خلال الفورة، واللي بتحكي بعزلوها. مشتاقة للجامعة (طالبة دكتوراه صيدلة، سنة خامسة، وراحت عليها تدريب سنة ثانية). طلبت إيصال رسائل مؤثّرة جدًا للعائلة، فردًا فردًا، وخصّت بالذكر والديها، وإخوتها، وعمّتها وخالاتها، أعمامها وأخوالها، والتيتا رجاء/ أم شادي وطبخاتها. كثير مشتاقة للكل “وكنت أتمنى العيد معهم، وبدّي ينبسطوا بالعيد، ويشربوا النيسكافيه اللي قطعوا من يوم الحبسة”. طلبت إيصال رسائل لأهل لين مِسك ولأهل ريماء وصديقاتها شيماء وتالا ونور. حين افترقنا قالت فجأة: “وحياتك أستاذ، خبّر أهلي: بنتكم قويّة وجدعة… تقلقوش”. لك عزيزتي إباء أحلى التحيّات، والحرية لك ولجميع أسرى الحرية.

رابط دائم
https://elayem.news/sviai