الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

يحيى زين الدين بن حمو لـ«الأيام نيوز»: الخشبة تبحث عن المجددين 

Author
هارون عمري 27 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يقف المسرح الجزائري المعاصر أمام تحولات جمالية وفكرية عميقة تتطلب رؤى متجددة قادرة على استيعاب إيقاع العصر، وهو ما يجسده الكاتب والممثل والمخرج المسرحي يحي زين الدين بن حمو عبر مسار فني يمزج بين الأصالة والتجريب. 
يحمل هذا المخرج الشاب مشروعاً مسرحياً يسعى لتجاوز النمطية، حيث يطرح مقاربات سوسيولوجية جريئة تستنطق الذاكرة الوطنية وتعالج قضايا المجتمع المعقدة،  نغوص في هذا الحوار الحصري في عوالم بن حمو الفنية، لنقف على رؤيته لواقع الممارسة الركحية، وتحديات الجيل الجديد في ظل التطور التكنولوجي الجارف.

يحيى زين الدين بن حمو

«الأيام نيوز»: أشرتَ مراراً في تحليلاتك النقدية إلى تأثرك البالغ بالكاريزما الركحية الاستثنائية للراحل “سيراط بومدين”، وقدرته العجيبة على تجاوز متطلبات المسرح الكلاسيكي. كفنان ومخرج ينتمي لحركة شبابية ولدت في عصر الصورة الرقمية، كيف يمكن لجيلك اليوم أن يستلهم من هذه القامات العظيمة دون الوقوع في فخ الاستنساخ، وكيف تبني هويتك المسرحية المستقلة فنياً وجمالياً؟
يحيى زين الدين: ونحن على أعتاب شهر مارس الذي انتقل فيه عبد القادر علولة، لا يسعني أولاً سوى الترحم على فقيد المسرح الجزائري قبل أن أشرع في الإجابة عن هذا السؤال الذي يفتح عديد النقاط الجوهرية للنقاش.
في الحقيقة كان الجدل، قبل جائحة كوفيد-19، قائماً بصدق بين ما يسمى بالرواد والمجددين في الجزائر، غير أن هذه الأزمة الصحية غيّرت معالم النقاش ولم يعد قائماً بالشكل ذاته، إذ اتسعت الأسئلة وتفاقمت ليس في الجزائر فحسب، بل في العالم بأسره.
نحن اليوم لا نبحث عن أسبقية بين الأجيال، ولا عن تجديد لمجرد التجديد، بل نعيش مرحلة انتقالية عالمية مقلقة، قد تقود حتى إلى طرح سؤال وجود المسرح ذاته، إن «السيدة الخشبة» تبحث اليوم عن جميع أبنائها؛ التراثيين والمجددين معاً، وتلفظ الدخلاء، أملاً في أن يستمر هذا الكيان المتجذر في عمق التاريخ الإنساني.
المسرح اليوم في حاجة إلى إعادة تعريف ماهيته ووظيفته، بما يتجاوز الفرجة لذاتها، ولذلك أرى أن الوقت قد حان للبحث عن مسرح جديد متجذر في عمق الأصالة المسرحية، وقادر في الوقت نفسه على استيعاب تحولات العصر.


«الأيام نيوز»: انطلاقاً من انخراطك الفعال في برنامج “المسرح في رحاب الجامعة” وتأسيسك لفرقة “المسرح الجديد”، كيف تقيّم واقع الممارسة المسرحية داخل الفضاءات الجامعية بوهران والجزائر عموماً؟ وهل يوفر لك هذا الإطار الأكاديمي مساحة حرية كافية للتجريب مقارنة بالضغوطات الإنتاجية والمحددات التي تفرضها المسارح الجهوية المحترفة؟ 
يحيى زين الدين: لديّ منظور خاص عندما نتحدث عن العلاقة بين المسرح والمؤسسات. فالمؤسسة في جوهرها قالب إداري يسهّل الجوانب التنظيمية والتقنية للفعل الدرامي، لكنها لا تمثل أساسه الأول.
يمكن للمؤسسات المحلية والوطنية أن توفر التسهيلات والدعم المادي والمعنوي عندما تتوفر الإرادة السياسية لذلك، غير أن المشكلة الجوهرية تكمن في سؤال آخر: من ندعم؟ فإذا افتقدت هذه المؤسسات إلى العنصر الفني القادر على حمل مشروع جمالي وفلسفي واضح، فإن كل تلك التسهيلات قد تضيع دون أثر حقيقي.
ومن هذا المنطلق تأسست فرقة «المسرح الجديد» على ثلاث ركائز أساسية، أولها الجامعة باعتبارها الخزان الفكري الذي يمد التجربة بالوعي النظري، وثانيها المدرسة، حيث فتحنا المجال للمسرح المدرسي وللمراهقين للانخراط في العمل المسرحي، وقد وصل بعضهم اليوم إلى مرحلة اجتياز شهادة البكالوريا، أما الركيزة الثالثة فهي الهواة، وهم الخزان الحقيقي للموهبة والإبداع.


«الأيام نيوز»: قدمتَ مقاربة جريئة في مسرحية “فيلوفوبيا”، حيث ربطتَ رهاب الحب والارتباط بظواهر اجتماعية خطيرة مثل التفكك الأسري وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي وحتى الهجرة غير الشرعية. هل تعتقد أن المخرج الشاب مطالب بتحويل المسرح إلى فضاء تشريح نفسي وسوسيولوجي لأمراض المجتمع؟ 
يحيى زين الدين: صدق الجاحظ حين قال إن «المعاني ملقاة في الطريق»، وهو ما ركّز عليه أيضاً ستانيسلافسكي في إعداد الممثل، أنا دائم البحث عن المعنى والفكرة من خلال الملاحظة والتركيز ثم الاستنتاج. ولهذا أحرص على التجوال في مدينتي والسفر بين المدن، لأن إنتاج معنى يصل إلى المجتمع لا يمكن أن يتحقق داخل أبراج نرجسية معزولة.
كسر بريخت الجدار الرابع في المسرح، غير أن بعض الكتّاب والمخرجين بعده أعادوا تشييد جدار آخر داخل عقولهم، ما نحتاجه اليوم هو تحطيم هذا الجدار الذهني، لأن الجمهور يمتلك وعياً وخبرة بالحياة قد تفوق أحياناً ما نتصوره نحن كصناع للعرض.
من هذا المنطلق جاءت مسرحية «فيلوفوبيا» من قلب المجتمع نفسه؛ من أحيائنا، من عواطفنا ومن تاريخنا القريب. وقد اعتمدت خطاباً لا يستخف بوعي المتلقي، بل يسعى إلى مقاربته بطرح تنويري جعل العمل قريباً من الجمهور الواسع.


«الأيام نيوز»: يلاحظ المتابع لأعمالك، خاصة في “فيلوفوبيا”، حضور الكوريغرافيا التعبيرية والسينوغرافيا المتحركة ودمج الرسوم التوضيحية مع الراوي. هل يمثل هذا التوجه نحو “مسرح الصورة المتعددة” خياراً جمالياً مرتبطاً بروح العصر، أم أنه نتيجة لاقتصاديات الإنتاج وضعف التمويل؟ 
يحيى زين الدين: إيقاع العصر عبارة أجدها مفتاحاً أساسياً لفهم التحولات الجمالية في المسرح المعاصر، فـ«روح العصر» تتطلب تطوراً جمالياً كبيراً للفعل الدرامي والمسرحي معاً، لأن كليهما يكمل الآخر.
لقد شهد القرن الماضي ظهور السينما والإذاعة ثم التلفزيون، وهو ثلاثي نافس المسرح بقوة. السينما استعارت من المسرح مبدأ المحاكاة وقدمت إمكانات بصرية واسعة قائمة على الإيهام والخيال، بينما أخذت الإذاعة من المسرح ثراء النبرة الصوتية، أما التلفزيون فقد ألغى عناء التنقل بالنسبة للمتلقي.
ومع ذلك واصل المسرح البحث عن مسارات جديدة لوجوده، عبر مناهج ركزت على أبعاد أخرى للإنسان مثل السيكولوجيا والميتافيزيقا والپاتافيزيقا، ومع بيسكاتور وبريخت وبيتر فايس اكتسب المسرح وظيفة اجتماعية واضحة أعادت الجمهور إلى القاعات.
اليوم تغيرت المعادلة؛ فالخصم الجديد دخل قاعات العرض نفسها واستقر في جيوب الجمهور عبر الهواتف الذكية. وبمجرد أن يفقد العرض إيقاعه أو حركيته، ينتقل انتباه المتلقي إلى شاشة أخرى قد تعرض «ريلاً» قصيراً، وربما يكون هذا المقطع ذاته مأخوذاً من العرض الذي يشاهده.


«الأيام نيوز»: في مسرحية “ما قبل النور” انتقلتَ إلى استنطاق الذاكرة التاريخية، مسلطاً الضوء على جريمة منظمة (OAS) بساحة الطحطاحة عام 1962. ما الذي يدفع مخرجاً شاباً لم يعاصر الثورة إلى نبش هذا الجرح؟ وكيف كان تفاعل الجمهور مع العمل؟
يحيى زين الدين: وصفك للحدث بأنه «جرح مكشوف» تعبير دقيق بالفعل؛ فهو جرح ما يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية ولن يندمل حتى يعود الحق إلى أصحابه، تُعد مسرحية «ما قبل النور» العمل الأول ضمن ثلاثية درامية اشتغلت عليها حول الجرائم اللاإنسانية التي ارتُكبت خلال ثورة التحرير. وعلى الرغم من اشتغالنا بمناهج ومدارس مسرحية عالمية، فإن الهوية الوطنية تظل عنصراً مركزياً في تجربتنا.
ما حدث في ساحة الطحطاحة كان جريمة مروعة استهدفت مدنيين عزل كانوا يحلمون بالحياة والحب والاستقرار. كانوا يستعدون لعيد الفطر حين تحولت لحظاتهم إلى مأساة دامية. وما تزال الذاكرة الشعبية في وهران تستعيد هذه الحادثة كما تستعيد أغاني البدوي ورقصات العلاوي في الطحطاحة.
اشتغلت في هذه الثلاثية على جرائم الاستعمار الفرنسي ضد المدنيين، في «ما قبل النور» ركزت على الحياة الشعبية في الغرب الجزائريي، وفي «بتوقيت النهاية» تناولت محاكاة جريمة اليربوع الأزرق في الجنوب،أما «سين» فتتناول مأساة الجزائريين في فرنسا وما حدث في نهر السين، هذا البعد الوجداني هو ما جعل الجمهور يتفاعل بقوة مع مسرحية «ما قبل النور».


«الأيام نيوز»: بوصفك جزءاً من الجيل الجديد، ما أبرز العوائق التي تواجه الفرق الشبابية المستقلة؟ وهل تؤدي المهرجانات الكبرى دورها الحقيقي في اكتشاف المواهب؟ 
يحيى زين الدين: قبل الإجابة ينبغي التوقف عند المصطلح نفسه، لأن الترجمة تخلق أحياناً التباساً بين «الفرقة الهاوية» و«الفرقة المحترفة»، فالهاوي في الحقيقة هو كل ممارس مسرحي مستقل، بينما المحترف هو الممارس الذي ينتمي إلى القطاع العام. وقد يشتغل المخرج نفسه في مشروع محترف وآخر هاوٍ خلال السنة نفسها، لأن التصنيف هنا مرتبط بإدارة الإنتاج لا بالإدارة الفنية.

يحيى زين الدين بن حمو

كثيراً ما تكون الأعمال الهاوية أكثر حيوية من الأعمال المحترفة، لأن الهواة ينتصرون للإلهام ولا يقيدهم سقف زمني صارم لإنهاء العمل، وهو ما يمنح التجريب مساحة أوسع داخل ما يشبه المختبر الفني، وأرى أن العمل مع المؤسسات العمومية ينبغي أن يكون المرحلة النهائية بعد اكتمال التجريب، لأن التجريب في حد ذاته يحتاج إلى فضاء حر بعيد عن ضغوط المال العام.
ومن هذا المنطلق يبقى المهرجان الوطني لمسرح الهواة بمستغانم حدثاً مفصلياً في الحياة المسرحية الجزائرية، وأنا شخصياً أحاول الحضور فيه كل سنة تكريماً للرواد الذين أسسوه، مثل فسي الجيلالي وعبد الحليم وعبد الرحمن كاكي، ونحن في فرقة «المسرح الجديد» نحج إلى مستغانم منذ ثلاث سنوات متتالية، حباً في المسرح ذاته.


«الأيام نيوز»: في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا الترفيهية والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن للمسرح الشاب أن يحافظ على جمهوره ويستعيد الشباب إلى القاعات؟ وما مشاريعك المستقبلية؟ 

يحيى زين الدين: هذا سؤال معقد، والإجابة عنه ما تزال قيد الكتابة. أعتقد أن مثل هذه الإشكالات الكبرى تحتاج إلى دراسات أكاديمية ومذكرات بحثية حتى تقدم تصوراً متكاملاً حول مستقبل المسرح في زمن التحولات الرقمية، ومع ذلك يمكنني القول إن مفتاح الحل قد يتلخص في ثلاث كلمات أساسية تشكل أفق التفكير بالنسبة إليّ اليوم: الإيقاع – الروح – الأنثروبولوجيا.

 

رابط دائم
https://elayem.news/9qo26
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"