الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

يموتون ولكن ليس تماما.. وجوه غزّة الباقية

Author
خالد عز الدين 23 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

الموت هو سيّد الألوان واللغات والأشياء في غزّة، لكن الحديث يجب أن يكون عن الحياة والمستقبل، لأن الذين ماتوا لم يموتوا تمامًا، بل غابوا ليعيدوا صياغة تشكيل حضورهم في عالمٍ لم يعترف بحقهم في الوجود، عالم يبحث عن إضفاء بعض الغموض على كل الوضوح الذي يتجلّى في غزّة.. فليس هناك ما هو أوضح من الموت في غزّة، حربُ إبادةٍ وإفناءٍ للشعب الفلسطيني لا تحتاج إلى أدلّة وبراهين لإثباتها فهي أكثر وضوحًا من الشمس ولكن العالَم الغربي يتعامى.. يريد تغطيتها ببعض الغموض تمامًا كمن يريد “تغطية الشمس بغربال” مثلما يقولون في المثل الشعبي.

الذين ماتوا ويموتون في غزّة لم يموتوا تمامًا، هم يَعْرُجون إلى سماوات الشهادة أطيافًا من نور، ويخلّفون دماءهم وأشلاءهم على أرضهم لتكون الشاهد على أخطر جريمةٍ يقترفها الضمير العالمي بحقّ الإنسانية جمعاء.. يومًا ما سيعودون ويُحدثون الانقلاب في كثيرٍ من المفاهيم الموهومة حول حقوق الإنسان والأخوّة الإنسانية والحرية والعادلة وغيرها من المفاهيم التي بشّر بها الغربُ على الجغرافية العربية، وآمن بها بعض المهوسين بتصديق الأكاذيب حتى ولو كان الأمر على حساب استقرار وأمن شعوبهم…!

نعم، الذين ماتوا ويموتون في غزّة لم يموتوا تمامًا، فلا يزال لهم دورٌ في حياة هذا العالَم الذي شيّع روحه في مواكب الماديّة والمصلحية على حساب الأخلاق والقيم، سيعلّمونه الدّرسَ الأخير بأن “الإقناع” ليس للأقوى كما تفيض به معاني الديمقراطية الأمريكية والأوروبية وكل القوى الداعمة للكيان الصهيوني، بل الإقناع هو للأقدر على التضحية والصمود والموت.. ولكنه موتٌ ليس تمامًا.

في هذا الملف، تفتح الأقلام الفلسطينية آفاقًا على أبعاد الجرح الذي أرّخ ويؤرّخ للعجز العربي الذي صار له تاريخٌ، وعلى “التبشير” الغربي بمفاهيم أبدعها من أجل مجتمعاته وليس من أجل المجتمعات العربية وشعوب العالم الثالث.. وكل قلمٍ يقول على طريقته في التعبير عن الموت الأكيد للكيان الصهيوني الذي أعلن ويُعلن الإبادة والإفناء لكل شيءٍ فلسطيني، وما حرب الإبادة التي سلّطها على الشعب الفلسطيني في غزّة إلا دليلٌ عن رهبته من نهايته التي يراها تقترب.. كما يقول القلم عن الفلسطينيين الذين لا يموتون تمامًا لأنهم واثقون حدّ اليقين بأنهم سيجدّدون بعثهم في الحياة على أرضهم الفلسطينية، فهم بعضٌ من نور الله الذي لن تُطفئه قوى الشرّ الشيطانية في العالم.

في هذه المجموعة المتنوعة من النصوص، تتقاطع القصيدة مع الدم، والريشة مع الغضب، والرواية مع الذاكرة، لتشكّل صورة بانورامية لوجع لا يُنسى ومقاومة لا تموت. إنها فلسطين حين تتكلم، لا بل حين تكتب نفسها بنفسها، بحبرٍ ممزوجٍ بالأمل والحداد معًا. هذه ليست مجرد نصوص… إنها أدلة وجود، وصرخات مكتوبة، ورسائل مفتوحة للعالم الذي يصر على أن يُغمض عينيه

بقلم: جواد العقاد – شاعر وكاتب وباحث فلسطيني يقيم في غزة

يوميات النزوح المُرّ والحرب الشرسة.. ماذا يفعل شاعر بلغة ممزقة؟

تسألُ ما الرحيلُ؟

وأنا من رحيلٍ إلى رحيل أمشي بلا خطيئة

خُطاي انكساري

وانكساري وطنٌ من تعب

أحزمُ أمتعةَ القلبِ:

الأيام القادمة وأحلامي الشظايا

أخوضُ غمارَ البؤس

أسقطُ دماءً وأنا عطشُ المعنى لرملِ الذاكرة!

“خان يونس”، ذلك القلب المثقل بالتاريخ والضربات، أيقظتني على غير عادتها فجرَ التاسع عشر من أيار/ مايو، ليس على صوت أذان الفجر أو نسمات البحر، بل على دوي طائرات الهليكوبتر التي غطت سماء المدينة كالكفن، فأزحتُ الغطاء عن جسدي بتردّد، وتوجهت نحو النافذة علّي أستنشق حياةً من هواء الصباح، فإذ بي أستنشق دخان الحرب. لا شيء في هذا الصباح يشبه الحياة؛ كل ما فيه صاخب، ومرعب، ومتربص.. الطائرات الحربية تطحن الهواء، ونارٌ تتقاطع من البر والبحر والجو، ومشهد لا يُكتب بقدر ما يُرتجف له.

تجمَّعنا في البيت كما تتجمع القرابين أمام الذبح، نبحث عن وجوه بعضنا في عتمة الخوف، ونعدّ ما تبقّى من الأشياء المهمة، وكأننا نحمل بيتًا بأكمله في كف اليد. نصف ساعة من جحيم مستمر، ثم قيل إنها وِحدَةٌ خاصة دخلت عمق “خان يونس” لأداء عملية. أيّ عملية؟ ولماذا تدفع مدينة بأكملها ثمن هذه الكلمات الباردة؟ منذ متى صار وجودنا قابلاً للإزاحة بكبسة زر على جهاز لاسلكي؟

في السابعة صباحًا، كان الصمت أخطر من كل الضجيج. حاولتُ العودة إلى النوم، لكن الخوف أقوى من الوسادة، والقلق أطول من أيّ حلم. هذا الصمت ليس هدوءًا، إنما هو خبث خفيٌّ يضمر كثيرًا من الألم والمعاناة. وفي الظهيرة، بدأ الأمر يتضح؛ إذ طلب الاحتلال من جميع سكان المدينة إخلاءها، وهكذا، وببرود، لا يرى فينا إلاّ فائضًا بشريًّا قابلاً للمحو.

نزلنا إلى الشوارع، فحملتْ “خان يونس” وجهها الحزين، ورحلتْ دفعةً واحدة. ورأيتُ الناس في قيامتهم يتهاوون نحو البحر، وكأنه آخر ما تبقّى من الله؛ فمَن ضلّ عن ذلك الدرب مات. وها هي المدينة تذوب أمام عينيك وأنت عاجز حتى عن البكاء. مشيتُ بين الناس أبحث عن وجهي، وضحكتي القديمة، ومدينةٍ تموت بصمت. “خان يونس” تنهار، ليس فقط مبانيها، بل أيضًا ذاكرتها، ودفاتر أبنائها، وأماكن اللعب، ونقوش الأبواب، والشتلات الصغيرة على الشرفات.

خرجنا من بيتنا عند الغروب.. ولم آخذ سوى قلبي وبعض الكتب وملابسَ قليلة، وتركتُ مكتبتي التي صنعتُها من بقايا خشب الاجتياح الأول قبل عام، وسريري الذي اعتاد أن يحلم نيابةً عني. تركتُ نوافذي ومفرداتي، وحملتُ كل ذلك في صدري، وسرتُ إلى المحافظة الوسطى حيث تقيم “راميا”، خطيبتي، وأمل حياتي، وهناك اقتسمنا الخوف، ورغيف الخبز، وفنجان القهوة، وبعض الشِعر الذي فَقَدَ دهشته أمام مشاهد الدم.

النزوح هو حالةٌ من الوجع، ومفردةٌ عالقةٌ في الذاكرة الفلسطينية. لم تعُد الكلمات كما كانت، وقد نزفتِ اللغة من أماكن البتر، والكلمات التي لطالما شكّلت خيمة عزاء لقلوبنا لم تعُد تسع هذا الحزن المتجدد.

أشلاء: لم تعد استعارة في القصائد، إنما صارت جسدًا بين يدينا، في أكفان أطفالنا، وعلى شاشات التلفزة.

نزوح: ليس انتقالاً، إنما هو اقتلاع من البيت، والملامح، والذاكرة.

خيمة: لم تعُد رمزاً للرحّالة، لكنْ عنواناً دائماً للشتات.

هدنة: العد التنازلي للمجزرة التالية.

مجزرة: موعد يومي.

معبر: باب في اتجاه المجهول، ربما لن تعود منه.

الصمت: لحظة ما قبل الانفجار.

تمزقتِ اللغة كقماشة بالية، فماذا يفعل شاعر بلغةٍ مثقوبة؟ نحن نحمّل الكلمات أكثر مما تحتمل، ونتكئ على الحروف كما يتكئ الجريح على عصا، ونحاول أن نكتب كي لا نموت بصمت، لكن اللغة تنزف، مثلنا. أمام البحر، حيث فرّ الجميع، جلستُ في جوار “راميا”، نقرأ الشعر ونفككه، ونحاول إعادة تركيب المعنى كما نشاء، لكن حتى القصيدة صارت هشّة. كيف يُكتبُ عن وطنٍ يحترق؟ وعن أمٍّ تحمل ابنها بلا رأس؟ وعن أبٍ يركض بجسد طفله في كيس؟ كيف يُكتب حين يكون الموت أقربَ من الحرف؟ وحين تصبح القصيدة جدارًا للصراخ؟ في دير البلح، أنصتُّ لصمت الناس، وصوت البطانيات وهي تُرفَع على وجوه الشهداء، ولرعشة الأمهات، وخطى الأطفال الحُفاة يركضون في اتجاه “التكيّات”. أنظر في عيون مَن حولي فأرى مدينة تمشي على قدمين، وأرى غزة، وخان يونس، ورفح، ومخيمًا وراء مخيم. وفي الطريق إلى المجهول، قابلتُ رجالاً يحملون منازلهم على ظهورهم، ونساءً يُخبِّئن صور الشهداء في حقائب مهترئة، وسمعتُ طفلاً يسأل أمّه: “هل الشجرة ستلحقنا إلى المكان الجديد؟”، فلم تعرف بماذا تجيب. نحن لا نأخذ الأشجار معنا، فقط نأخذ الغصّة.

أتابع الأخبار السياسية، وأتأمل الموقف الأوروبي المتأخر، فأقول في نفسي: “لا بأس، لعلّها بداية جيدة.” الحراك الشعبي هناك صنع تحولاً سياسيا، وقد آن الأوان لأن نحمل روايتنا نحن، لا رواية المساومة، بل رواية الدم، والحق، والرغيف المسروق. يجب أن نكثّف جهدنا الثقافي والإعلامي، ونصرخ بلغات العالم، ونقول لهم: “نحن لسنا ضحايا في نشرة الأخبار فقط، بل أيضًا بشر نحلم، ونكتب، ونحب، ونزرع، ونموت بعد حياةٍ عادية”. في المساء، نوقد النار بخشب الأمنيات، ونغني للصباح كي يضحك كالأطفال، لكنه يعبس. ونقرأ الشِعر بلا دهشة، ونعلم أن ما نراه في غزة تجاوَزَ الدهشة، حتى ضاقت اللغة بنا، وأصبحت الكلمات ضباباً، والقصيدة باهتة، والبيوت خراباً.

لكننا – على الرغم من كل شيء – نكتب.

نكتب لأن الكتابة فعل بقاء.

نكتب كي لا ينتصر العدم.

أنا الآن في “دير البلح”، وورائي مدينةٌ تتهاوى، وأمامي طريق طويل من الشتات. بين خطوتي وخطوتي ألف فَقْدٍ، وألف شهيد، وألف دمعة. ومع ذلك، أكتب؛ أكتب كي أُبقِي اسمي على هذه الأرض، واسم “راميا”، واسم أمي، واسم الشهداء الذين لم تكتمل أسماؤهم. أنا شاعر بلغة ممزقة، لكني أؤمن بأن اللغة تُولَد من الحطام، كما تُولَد الوردة من الرماد، وأن القصيدة، حتى لو نزفت، فستظل تحاول أن تقول: “نحن هنا”.

(نقلا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

بقلم: قمر عبد الرحمن

ألف وجه لهذه الأرض

يطفو الأطفال كظلالٍ في ذاكرة أمّهاتهم!

كم من كنعانيّةٍ ودّعت أقمارها

لعبور القيامة المتجدّدة؟!

كم مرّةً سيمــوت الحمام في بلادي؟

وكم مرّةً سنعيد زراعة النّعناع

لنرى لونه الحقيقيّ بلا رمــادٍ ولا دم؟

…..

ألف وجهٍ على هذه الأرض..

وجهٌ فوق البحر، ووجهٌ تحت البحر

وجهٌ فوق الأرض، ووجهٌ تحت الأرض

وجهٌ خلف الكاميرا، ووجهٌ أمام الكاميرا

وجهٌ بين الرّكــام، ووجهٌ خارج الرّكـام

ما قيمة الوجه، إن لم يكن واحدًا حقيقيًّا؟!

لا لشيء.. بل لأجل نـار الأمّهات

ولأجل بخار الأطفال المتصاعد!

…..

من المقلق حقًّا..

أن يقتنع أخٌ بعيدٌ خلف الشّاشات

أنّ قداسة هذه الأرض تعلو حين نمــوت جميعًا!

وما يثير الاستغراب.. أنّه يتمنّى المــوت معنا!

هل خلقت هذه البلاد للمــوت فقط؟

لقد أصبح المــوت سخريةً!

والكلّ بعيدٌ عن كلامه..

والأرض بعيدةٌ أيضًا عنّا!

والسّماء في دنوٍ مستمر!

بقلم: رائد اشنيورة

سقوطٌ بطيءٌ للسَّماء

يا أيّها الليلُ

خذْني كما يأخذُ البحرُ فتاته

كما تأخذُ الريحُ نُباحَ الكلابِ التائهةِ

في مدنٍ ماتتْ واقفة

…..

لستُ أُريدُ الخلاصَ

بل أريدُ انتهاءَ القصّة

كُنتُ أظنُّ الحياةَ تشبهُ الأغاني القديمة

لكنها تشبه

تجمُّعَ الجثثِ في ساحةِ انتظارٍ أمريكيٍّ

مقابلَ كيسِ دقيق

…..

في غزةَ

نأكلُ الملحَ كما يأكلُ العاشقُ فَقدَه

نجري وراءَ صدى المساعدات

كأننا في “لعبةِ الحَبَر”

ومَن يتعثّرْ

يُعدَمْ

…..

السماءُ

تجلسُ فوقَنا كملكةٍ مجنونة

ترى كُرْهَنا في الملاعقِ الفارغة

وفي الأمهاتِ اللواتي

يُرضعنَ أطفالَهُنَّ من ندى القبور

…..

يا سماءَنا

لماذا لا تسقطينَ؟

هلا تكرّمتِ وانهرتِ؟

هلا مددْتِ يدَكِ الرخاميةَ

لتكتمي هذا الصراخَ

مرةً، وإلى الأبد؟

…..

كأنَّا في مأتمٍ مفتوحٍ منذ قرون

نقفُ في الصفِّ

بانتظارِ “اللاشيء”

نكحُّ الترابَ عن أرغفةِ الذكريات

ونضعُ قليلاً من الوطنِ في جيوبِنا

لنحتمي من الجوعِ بذكرى

…..

أقسمُ

أنّي لم أعد أُطيقُ هذه الأرض

ولا هذا الهواء

كلّ شيءٍ مشبوه:

الدموع، الرغيف، ضوءُ الفجر

بل حتى اسمي

أشعرُ أنه صار ملكًا للحرب

…..

يا صديقي

الحياةُ في غزّةَ

استراحةٌ بين جنازتين

وكلّ عيدٍ

يشبهُ قبلةً على جبينِ ميت

وكلّ غروب

هو سكينٌ أخرى في الظهرِ

باسمِ الصبر

…..

فلتسقطِ السماءُ إذن

فليس لنا

ما نتمسّكُ به

سوى

العدم

بقلم: د. حسن حميد

قراءة في رواية “أخبار نصف جيدة” للكاتب “لمتوكل طه”.. لا شيء.. يتقدم الوعي!

أجل! إنني أُخرج رأسي من رواية “أخبار نصف جيدة” الكاتب الفلسطيني “المتوكل طه”، أخرجه مُدمّى، يشيل به طنين حشرات لم أعرفها، ولم أسمع بها من قبل، وأتودد إلى هواء نقي لا رائحة بارود فيه، أشعر أنّ ارتباكا وضجيجًا علوقان بالمجهول يلفانه، وتفتك به أسئلة ملعونة، أراه مثل قرص عسل النحل مثقّباً، لكن لا عسل فيه، ولا رهجة، فكل الثقوب مملوءة بالحيرة المطلقة.  أجل، هذه الرواية (أخبار نصف جيدة) تكتب الحدثَ في غزة، في سطر طويل عريض، عبر حوالي 192 صفحة من الحجم المتوسط، وهي صادرة عن “دار طباق للنشر” في مدينة “رام الله” للعام 2025، وهي مغموسة بدماء الناس، ورحيلهم، وأخبارهم، ومروياتهم، وقصصهم، وحكاياتهم، وأحزانهم، ورجاءاتهم، وتشوفاتهم، وانشدادهم إلى الأرض/ المكان، وإلى التاريخ/ المعاني، وإلى ذواكرهم/ أناشيد العافية الوطنية وقت انهمار العتمة الكثيفة المتشظية.

الرواية، وحين يشخّص القارئُ مكانَها، هي رواية غزّة، من بيت لاهيا، وبيت حانون، ومخيم جباليا، والعطاطرة في شمال القطاع إلى رفح، إلى آخر حبّة رمل فلسطينية تتقاسم أنفاس الهواء في سيناء المصرية جنوبًا، وعلى الرغم من أنّ الأحداث والحادثات تضيق ساحة المكان، بسبب الحرب، إلا أنّ المكان يتمدد ويتطاول، فيصير أوسع من الجغرافية المقاسة بالأمتار، يصير بوسع الحكايات والأخبار وأكثر، وتصير مجازًا فيأتي بالأمكنة الفلسطينية: (نابلس، جنين، قلقيلية، طولكرم، رام الله، القدس، بيت لحم، أريحا، الخليل) قُرى ومدنًا ومخيمات لترى حرائق المكان الغزّي الناشبة في كل شيء، من البيوت إلى الأشجار، إلى التراب، إلى الدروب، إلى المقابر، فالمكان الغزّي، وإن كان في الواقع ضيقاً على أهله، فهو رحب، وقابل للتمدد والاستطالة كيما يوازي امتدادات أفعال أهل غزة وحكاياتهم الدائرة حول الصبر، والثبات والمواجهة، و”الآبدات” من القناعات/ العقائد؛ إنه مكان لا يشبه الحرب الهائجة مثل الريح التي فرضت عليه، وألوانه لا تشبه لون الرماد الذي كسا كل شيء، وألفته لا تشبه غربة الحرب ووحشيته الراعبة، وأسئلته مختلفة إلى حد التناقض والهيمنة مع أسئلة الحرب، أما الحدث الذي يشيل به المكان فهو الوحشية التي لم يعرفها عالم البشر من قبل، فالبيوت، فجأة، تهبط في الليل والنهار فوق أهلها، تأخذهم جميعًا في إطباقة واحدة، ولا تتيح لأحد منهم أن يتألم أو يصرخ، أو ينادي، أو يسأل، أو يلتفت، أو يكمل كلامه، أو يبتلع لقمته، أو ينهي دخينته، أو حلمه؛ والمدارس، والمشافي، والمراكز، والحدائق، والأرصفة، وإسطبلات الخيول، والظلال الواهية لبيت مهدوم أو شجرة أخذت نصفها قنبلة.. صارت كلها معنى من معاني الإيواء، والناس فيها يعرفون أنهم سيقتلون، لأنهم مستهدفون، ومع ذلك يقولون: الموت مع الناس (وناس)!

المكان الغزي، رغم حمولته الباهظة من الركام، والموت، والدماء، والأنّات، وتعدد الضربات، وكثرة المحو، وشراسة النيران.. يظل في رواية “أخبار نصف جيدة” حيًّا، لا يخلو من الحنان، والترحيب، والابتسام في وجوه المشردين والمطرودين قسرًا من مكان لآخر، يظل مكاناً له ألفته، وما بقي فيه من البيوت والأشجار، والأرصفة، والأسوار، جميعها لا تخفي ظلالها، وإن تقاصرت أو تناقضت أو امتلأت بالرماد والغبار والموحشات، مكان سواء أكان تلاًّ، أو واديًّا، أو شاطئًا، أو دغلة أشجار أو كثبان رمل.. هو مكان مألوف يتحدث مع الناس، والناس يقصون عليه حكاياتهم، وأخبار الفقد، ومطولات الحزن، وأحلامهم التي ما بدلوها أو غيروها، أو حيّدوها، ورغم كثرة المفقودات، والفقد، والعبوس، فهو مكان لا يخلو من الطراوة، والوداعة والمؤانسة، ولاسيما أنه غدا معروفًا بعد تكاثر ترداد الناس عليه كما لو أنه غدير ماء، دروب كثيرة، بادية ومضمرة، معروفة ومجهولة أحاطت بالأمكنة التي عمَّها الناس: (المساجد، الكنائس، المشافي، الحدائق، الأرصفة، الخيام)، وهو مكان رغم فقره الشديد، وأحزانه العامة، يلتم أهله وسكانه فيه على الحكاية الفلسطينية، على سردية البقاء ومراوغة الحرب للافتكاك من سطوتها وشروطها وممكناته الظالمة.

أما الزمن في الرواية، فهو زمن عرفه أهل غزّة، حتى صار ولدًا من أولاد البيوت، ولكنه في هذه المرة، أكثر وضوحًا وصلابة وثباتًا لأن أحزانه ولود ومتكاثرات صباح مساء، ولأن أخباره عطشى لكل أليف ومؤنس؛ فالزمن زمن خراب غير مسبوق، وزمن تدمير لا صورة قبيحة له من قبل على هذا النحو، وزمن فقد تعاظم حتى طال النباتات والتراب والهدوء والهواء ورغيف الخبز وجرعة الماء وحبة الدواء؛ زمن يجول في دورة متغيّرات لم يعرفها الناس والمكان والتصورات من قبل، فالمدارس غدت مجموعة طلاب يقتعدون خيمة أو رصيفًا، طالب دكتوراه يناقش رسالته عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال أيام لأنّ شبكة التواصل تأتي، ولا تأتي، وحشود من الطوابير على الماء، وأمام الأفران، والمشافي، والمؤسسات الخيرية، وأسئلة حيرى تبحث عن الأمان مثل طيور الليل وهي تواجه الثعابين.

أما الناس في الرواية “أخبار نصف جيدة” فهم أبطالها. كل صاحب خبر، أو قصة، أو حكاية، أو فعل، أو مروية، هو بطل من أبطال الرواية، البيوت المهدومة، والمنتظرة للهدم هي من أبطال الرواية لأنها تتكلم وتقص، وتروي بأصوات عالية جدًّا، والشهداء هم أبطال الرواية، لأنهم وإن رحلوا تركوا سِيَرهم حديثًا للناس، والأسرى، هم أبطال الرواية أيضًا، لأنهم وإن غابوا، عادوا بأجساد ناحلة، وعيون يقظى، وذواكر حية ليقولوا تحملنا كل شيء من أجل (العشق الفلسطيني)، لقد عادوا، رغم ضعف الأجساد وكثرة الجروح، عشّاقًا يضيئون الخيام؛ وظلال أشجار الكينا والجميز، وأرصفة الليل المُضاء بشموع صنعتها أيدي أطفالهم، ومعلّبات الفول منتهية الصلاحية هي كذلك أبطال الرواية، لأن الأمهات قُلن لأطفالهن المُردّدين تذمّرًا: (فول، فول)، الفول لا تنتهي صلاحيته يَمَّا؛ والطائرات الورقية التي صنعها الأطفال من مناشير الطائرات “الإسرائيلية” التي تطلب من الأهالي إخلاء الأمكنة، والذهاب إلى أمكنة أخرى، هي من أبطال الرواية، لأن بعضها حين طار، طار وحلق في الأعالي، ولم يعد إلى الأرض؛ والحمّامات الملأى بالقاذورات والفضلات، بسبب غياب الماء، غدت من أبطال الرواية، لأنها باتت فسحةً لتوزيع الأخبار وتعدّدها في أوقات الانتظار؛ وقدور الشوربة الصارخة بأن لا حطب ولا قطع بلاستيك ولا ورق جرائد، ولا كُتب جامعية تتوافر عليه من أجل إنضاج الشوربة، باتت هي من أبطال الرواية أيضًا، وقد اجتمعت حولها الصحون والطناجر والدلاء والصواني؛ والأطفال، والحكايات، والأسئلة، ولا فرح للأطفال لحظتئذ إلا حين تنجو القدور من قصف الطائرات، وعودتهم بشيء يرتج داخل الأواني والمواعين.

رواية، لا تنفصل عن طبيعة الحرب، فهي رواية أخبار حقًّا، مثلما هي الحرب رواية أخبار وأرقام، وتعداد للجنازات، والطرق التي أغلقت، والدروب التي امَّحت، والبيوت التي ما عادت بيوتًا، والحقول التي ما عادت تتباهى بألوانها وتنوعها، والمشافي التي خلت من كل عافية ورجاء، إنها رواية تشبه الحرب في مكاثرة الأحزان والأهوال والخوف والكوارث والمفاجآت والتحوّلات، ومع ذلك يظلّ الموت هو عنوانها العريض، والمناداة بوقف الحرب هي المناداة الأعم، والفقد هو لسان حال الناس، فلا شيء حاضر أو موجود أو متوقع.. سوى الفقد.

وهي رواية ثنائيات عطشى لمحو حدٍّ من حدَّي المعادلة القائمة، الخوف والأمن، والموت والحياة، والسجن والحرية، والوطن والاحتلال، واليأس والأمل، والموات والنشور، والنصر والهزيمة.

رواية “أخبار نصف جيدة” للكاتب الفلسطيني “المتوكل طه”، رواية تقودها تقنية تيار الوعي، وعوالم المجاز لأن ما يفعله أهل غزّة للثبات والبقاء والحضور فاق ما عرفته عوالم الخيال، لأن ما ألقي عليهم من حديد… لم تعرفه حروب البشرية السابقة، وما أبداه “الإسرائيليون” من أحقاد لم تعرفها غابات الوحوش، ولا الدينوصورات، ولا أسماك القرش في البحار والمحيطات، أحقاد سود عمياء، حامضية، شائهة، أفعالها ناقصة، معيبة، يلفها التوحش والعار والبربرية.

تقنية تيار الوعي في الرواية جليّة، وخادمة للسرد، وذات حيوية تساهر الذات الغزية المدافعة عن البيت، والأرض، والطريق، والعقل، والأخلاق، والقيم النورانية، والأحلام؛ فأبطال الأخبار والحكايات والمرويات هم الناس، بعيدًا عن النمطية، والفئات، والشرائح الاجتماعية، والمسؤوليات.. لأن الوعي الوطني عمّ الجميع، وهو ثقافة من يبيع في السوق الشعبية، ومن يدرس الكيمياء في الجامعة، أو من يصيد السمك على شط غزة ليلاً لا رفيق له سوى قنديل يغطيه بقماش، أو الأسير الذي يُعذّب في “سديه تيمان”.

صحيح أنّ أبطال الرواية كُثرٌ ومُتعدّدون بأصواتهم واختلافاتهم، لكن الوعي هو رفيقهم الأوفر حضوراً حتى في المقابر، وفي المشافي الخالية من حبة دواء أو من قطعة لاصق طبي، وقرب قدور الشوربة التي تنتظر قدوم كيس عدس أو معكرونة، أو عربة كارو تحمل شيئًا من الورق أو الحطب أو الشوك، أو أغصان الأشجار أو الكتب المطبوعة لابن خلدون، والمتنبي، وغوته، وتشيخوف، أو شكسبير.. الوعي في الرواية هو من يماشيها كلمة كلمة، ليصير سطرًا جليلا من الاستهلال إلى الخاتمة.

رواية تحكي، وتصوّر، وتستبطن، وتلتفت، وتنقب، وتساهر، وتسمع، وتتقصى كل شيء تراه أو تسمع عنه.. لتجهر بحزن أهل غزّة المحمول على تاريخ سارٍ، ومجد لا يغيب، وثبات مُشتقٍّ من ديمومة العشب والشجر والتراب والبحار، ومستل، بهدوء رزين، من كتاب الفعل والكرامة والكبرياء.

بقلم: ناصر عطا الله

غزَّة

أرضٌ ككلِّ أرضٍ ترتدي وشاحَ الضَّوءِ كلَّ صباح، 360 كيلومترًا نعم، وعلى رمشِها الغربيِّ بحرٌ لا جزرَ فيه، سوى جزيرتين ناتئتين من غير سكَّان قبالةَ شاطئِ خان يونس، كنتُ أُحبُّ دومًا السباحةَ تجاههما للملاطفةِ المائيَّة المنجزة، واصطياد دهشةِ الآخرين. غزَّة لها غمازتان من زمرُّدٍ ورملٍ، كلُّ واحدةٍ منهما تدلُّ الناسَ على الحياة بطريقةٍ أجمل. لم تنسَ غزَّة نصيبَها من حناءِ الجبال، فكان “المنطار” من شرقِها يطلُّ على البلادِ المنهوبة قبل كلِّ غروب، سكانُ هذه المنطقة في حيِّ الشجاعيَّة يخبِّئون لنا أخبارَ بلادِنا فلسطين ليومِنا التالي، فنطمئنُّ على أشجارِنا البعيدة، والتِّلال.

غزَّة كان فيها الفرحُ غيرَ منقطعٍ، نجدُه في كلِّ مكان: في ثرثرةِ النساء مع شربِ القهوةِ في الصباح، مع مراهقٍ يكتبُ أولَ رسالةِ حبٍّ لابنةِ الجيران، مع رجلٍ زادت أرباحُه بنسبةٍ غير متوقَّعة، مع معلِّمةٍ قدَّرت في طالبتها التفوُّق فكان تقديرُها في محلِّه، مع سيِّدةٍ زرعت فُلَّةً لتغطِّي خربشةَ أولادِها على الجدار، فتعجَّلت الفلَّة وأصبحت قميصًا للجدار برائحةٍ لطيفةٍ مستدامة.

غزَّة كانت وديعةَ الله في قلوبِ مَن يسكنها، وكلُّ قلبٍ كان يفتحُ لها شبابيكه ليلًا لتمرَّ نسائمُها بهدوءِ الكمأة في الحِياض، وكان أهلُ النقب يسمعون ضحكاتِنا ويعلِّقونها فوانيسَ لأطفالهم كلَّ مساء. غزَّة الجميلة، كانت شوارعُها تمشي مع المشاة نحو المستقبل، وكلُّ يومٍ يُولَد شارعٌ أجمل في المطارح، ويأخذ العابرون حصَّتَهم من الخطواتِ المريحة.

رغم حصارِها الطويل، كانت غزَّة تزداد أناقةً، ولطافةً، وأملُها يكبر كحقلِ قمحٍ تنتظر طحينَه أفرانُ التَّنور. غزَّة بيتُ صديقِ الفلَّاح، والهدهد، والدُّوري، والصُّقور، والجَمَام، والحمام، والبَطّ، والحَبَش، والدجاج، والفِرّ، وغيرها من عابراتِ الطيور، وأهمُّها الطَّواويس، والخفَّاش. وفي بحرِها السَّردينة، والبوري، والغزلان، والجَمبري، والدِّينيس، والسُّلطان إبراهيم، وغيرها الكثير، وفي مقدِّمتها اللُّوكس والمليطة.

غزَّة تحبُّ الأراجيل أمام البحر كلَّ مساء، كما أنَّها لا تقطع فرضَ صلاة، وكنائسُها تقرع للعابدين كلَّما هزَّ الوقتُ المواعيد، فجاءت الرِّياح كجندٍ منضبط، لتُخرج الأصواتَ الشجيَّة من نُحاسٍ ويَدٍ بشريَّة. وغزَّة لا تنسى نصيبَها من المناسباتِ السعيدة، تنشر سعادتَها كابتساماتِ المواسم، وتُرخي الحبالَ لمراكبِها والموج، وتحتفل بأعياد ميلاد أولادِها بالكَيكا، والشموع، والمكسَّرات الطازجة، وتَرعى أغنامَها كما تُربِّي أطفالَها، وتدلِّل الجرارَ على نظافةٍ متقنة لتدخلَ البيوتَ بسلام، وتُحبُّ القططَ الأليفة وتُطلق عليها أسماءً كأسماء الفرسان القدماء، وحسب موضة أجيالِنا المعاصرة.

غزَّة كانت غنيَّةً بالمطاعم والمتنزَّهات والمقاهي، وكان لها نُصْبٌ للجنديِّ المجهول يذكِّرها بالفداء والوفاء للذين قاتلوا من أجلها. وفي غزَّة عمرانٌ مشهودٌ بالمعاصَرة، والقديمُ الأزليُّ منها كان في مناطقِها القديمة كغزَّة هاشم وحيِّ الدَّرج وفخَّارِها البديع. غزَّة كان كونَ الغزِّيِّين الذين حوَّلوها إلى جنَّةٍ مصغَّرة، فيها الياسمينُ الشامي، وجدَّةُ الأشجار: الجميزة، ودُرَّتُها الزيتون، وأجملُها البرتقال، وأكثرُها نضارةً الليمون. ومن فواكهها: التوت، والعنب، والبطيخ، والشمَّام، والفراولة، والمانجا، والتين، والتين الشوكي (الصبر)، واللوز الأخضر.

ومن خضارها: البندورة، والخيار، والكوسا، والفاصولياء، والبطاطا، والقلقاس، واللوبيا، والباذنجان، وغيرها الكثير، وأكثرُها النعناع، والبقدونس، والكزبرة. غزَّة كانت حياةً مكتملة، وبريدَ الله لعباده أنْ عيشوا آمنين، وأقلُّ الأماكن فيها كانت المقابر، وأوسعُها ضحكاتُ الناس. سلامٌ لغزَّة يوم كانت الحياةُ كلَّها.

بقلم: دانييل شي

مراجعة كتاب “الحزن والغضب” للشاعر “ناصر رباح”.. “غزة: القصيدة قالت كلمتها”

“وأنا أهذي: غزّة… غزّة”، يكتب الشاعر الفلسطيني “ناصر رباح”، وصدى الحزن يطغى على صرخات المتحدث. كتبت رواية رباح “غزة: القصيدة قالت كلمتها” (192 صفحة؛ دار نشر سيتي لايتس بوكس) وهو يتحمل الهجوم الإبادة الجماعية، وتردد أصداء الإنسانية المؤثرة، حيث تستحضر قصائده عن الحب والموت وتقييمه الشديد للحياة حقائق غالبًا ما تغيب عن الدعاية ووسائل الإعلام الجماهيرية.

مجموعة “رباح” الأولى المترجمة هي طبعة ثنائية اللغة ترجمها: أمييل ألكالاي وإمنا زغال وخالد الحلي، وتقدّم مقدمة قوية لأعماله الغنائية باللغة الإنجليزية. تتميز لغة الشاعر ببساطتها المنعشة وصراحتها التي تربط بين الصور المتباينة بصدقها: “… بينما في المنزل، لم يكن هناك طيور ولا أمهات”. ومع ذلك، تلاقي رباح مأساة لا معنى لها في كل زاوية: “الطفل النائم الذي تركنا في ساعة القصف/ لماذا نسي رائحة وجهه على الوسادة؟” يحزن على اختفاء وموت أصدقائه ورفاقه، ويلفت انتباهنا بيد رقيقة إلى “صور المفقودين”، “الموتى كالماء في سلة من القش”، بينما “المدن تتنفس البارود وتثاءب”، والدمار واضح.

من المناسب أن يخلط “رباح” هذه المراثي بفواصل صلاة – (المطر الأزرق يبلل ملابسنا في أغنية لا تنتهي، هل الحب يشبهك يا الله؟) – وتأملات في اللغة؛ بالنسبة للشاعر، يمكن أن تبدو اللغات والمفردات مثل “الحزن الذي يكتب”، أو قوى يجب التغلب عليها، تتميز بـ “أقبية مطاردة” و”متاهة” يجب الهروب منها. بينما “تتكرر أسماء الموتى كنشيد وطني”، تبرز التفاصيل الرقيقة في شعر رباح “نافذة الجيران”، ورائحة البرتقال المليئة بالذكريات، و”ياسمين صوتك” و”أنين في قصة غريب آخر”، لتخلق معجمًا لا يقتصر على القتل الوحشي، بل يشمل الإنسانية التي لا يمكن إنكارها لأولئك الذين يعانون.

يبلغ الحزن والغضب الناجمان عن الهجوم “الإسرائيلي” ذروتهما في المجموعة الأخيرة من قصائد المجموعة، حيث يندب رباح الطريقة التي “تركتني الحرب فيها فقط أولئك الذين ماتوا لأدعوهم أصدقاء… لم تترك لنا الحرب شيئًا/ سوى المسافة بين بائع الزهور والمقبرة”. تثير أبياته التعاطف مع أولئك المعرضين للخطر بسبب الهجمات، وتثير الدهشة إزاء قدرة الإنسان على إيجاد الجمال في أقل الأماكن توقعًا: “في الحرب، يختنق القلب، وتهرب الكلمات، وعلى حافته، تذوب الطيور في ندى أحمر. ترفرف على عمود طويل – زفير يُدعى الوطن”. هذا النهج المزدوج – الاستدعاء المتعمد لشخصية وروح الشعب الفلسطيني إلى جانب مشاهد مروعة للخسارة – يستمد قوته من وضوح رؤيته. يتم تذكيرنا بأن سكان غزّة لا يجب أن يُنسوا، حتى لو كان علينا أن نتصارع حتماً مع حقيقة أن “يمكنك أن ترى كل شيء ولا تبكي”.

بقلم: شوقية عروق منصور

 قتلة لكن فقراء

“قتلة لكن فقراء”، العنوان مصاب بمرض السرقة الفنية، حيث موسيقى الحروف تنطبق على شريط سينمائي، قد يشبه فيلم “لصوص لكن ظرفاء” للممثل “أحمد مظهر”، أو غيرها من الأفلام والمسلسلات العربية التي تحمل سوداوية الفجيعة مع رائحة الاستخفاف والاستهتار والمواقف الكوميدية.

 لكن أمام الفيلم الاحتلالي والعنصري لا نستطيع دخول العرض أو الخبر إلا ونحن بكامل رؤيتنا التاريخية والظلم وغياب العدالة في قاعات المحاكم “الإسرائيلية”.

في 2 تموز/ جويلية عام 2014، اختطف الطفل المقدسي “محمد حسين سعيد أبو خضير” وكان عمره آنذاك 15 عامًا، من حي شعفاط بمدينة القدس، وذلك أثناء خروجه من صلاة الفجر في شهر رمضان المبارك، وتبيّن بعد ذلك أنه تم اختطافه على يد ثلاثة مستوطنين، وقد قاموا بتعذيبه وحرقوه حيًّا، وألقوا بجسده الطفولي في أحراش قرية دير ياسين المهجرة غربي القدس.

 وقد وصفت وسائل الإعلام طريقة حرقه حيًّا وكان أشبه بفيلم رعب مخيف ينضح بالغرابة والحقد الأعمى والوحشية، وتفاصيل الحرق زعزعت الخيال للمشاهد والقارئ من بعيد، فكيف انطبعت الصورة القاسية الموجعة في خيال أسرته، لا نعرف كيف سرت نار الحسرة الكاوية، ولا نستطيع رسم حجم ومساحات هذا التصور الذي يصب حممًا بركانية في الروح كلما كانت الذكرى، خاصة روح والدته ووالده.

أمام هذه الجريمة البشعة، يصبح ميزان العدالة مائلاً، تختفي العدالة المتوقعة، وتركض لتحل محلها عدالة التخفي والتمييز والعنصرية ومسح رؤوس القتلة بزيوت الفخر والطبطبة، وما على عائلة أبو خضير إلا دفن أبنها والبكاء سرا.

لكن من باب المقارنة طالبت عائلة “أبو خضير” بهدم منازل الإرهابيين اليهود الذين قاموا بالاختطاف والحرق حيًّا، وهنا ترفض المحكمة هذا الالتماس، مع أن أي عمل يقوم به الفلسطيني حتى لو حمل سكينًا لتقشير تفاحة، يكون هدم بيته في مقدمة القرارات التي تسجلها المحاكم عقاباً ودرسًا لكل من تسول له نفسه حمل السكين وتفاح الرفض والمقاومة.

ثم تعاود عائلة “أبو خضير” وتتقدم بدعوى للمطالبة بتعويض مالي عن الضرر الذي لحق بهم، بهدف منع القتلة من الاستفادة من العفو الذي يحق لهم أن يطالبوا به من رئيس الدولة بعد خمس سنوات من فعلتهم الإجرامية، وقد يعفو عنهم رئيس الدولة ببساطة، خاصة أن تجربة عائلة “أبو خضير” في القانون والمحاكم قد رسمت فوق جلودهم ثقوباً سوداء، من الصعب ردمها وجعلها علامات عابرة في تاريخ من الاحتلال البغيض، فهي لم تنس تجربة أبنها الشهيد أيضاً “أمجد أبو خضير” حيث قام أحد المستوطنين بقتله بدم بارد وسط مدينة القدس القديمة، وحكم على القاتل بالسجن لسنوات طويلة، لكن خرج بعد سبع سنوات.

أنهم لا يريدون أن تتكرر المأساة مرة أخرى، لذلك قاموا بتقديم طلب تعويض عن معاناتهم، وذلك لمنع القتلة الخروج من السجن (ينص القانون “الإسرائيلي” على منع حصول من تسبب بضرر على إعفاء رئيس الدولة).

لكن المحكمة “الإسرائيلية” تلتف على القانون وتصرح بأسلوب مسكين أشبه بمتسوّل على عتبة معبد “يا حرام.. هؤلاء فقراء.. قتلة محمد أبو خضير فقراء لا يوجد لديهم أموال أو ممتلكات مسجلة باسمهم”.

لنتذكر أن المحكمة ذاتها، وتحت مجهر الإعلام تقوم بمد أصابعها إلى جيوب الفلسطينيين وتطالب بالملايين من الشواقل التي تفرضها على العائلات التي يرتكب أولادها بعض الأعمال، حتى عندما يستشهدون، وتبقى جثثهم في الشوارع الساعات الطويلة أو في الثلاجات أيامًا قد تصل لسنوات، يكون العقاب ضد العائلة التي لم تمنع ابنها الهدم والدفع، رغم أن الأبناء فقراء ولا يوجد ممتلكات بأسمائهم.

كثيرةٌ هي الرسومات والصور التي تشير إلى العدالة “بالميزان” لكن هناك بعض الصور التي تشير أيضًا الى المرأة التي تحمل الميزان معصوبة العينين لا تفرق، لأنها تحمل العدالة، لكن في هذا الزمن الذي سرق منا كل شيء، حتى الإحساس والشعور بأننا نعيش بين قبائل الظلم وأيدينا ملطخة بوجع الدق على الأبواب.

بقلم: توفيق العيسى

“خالد” في أثينا.. نشيد لا يُغتال

في ذكرى استشهاد المناضل الفلسطيني الرفيق “خالد نزال” (9 ‏حزيران/ جوان 1986، أثينا).

(تحضر المدينة مسرحا للجمال والخذلان، وللرموز التي ‏لا تموت ولو كُسرت أجسادها).

في أثينا

كان البحر يتلعثم

مثل شاعر نسي مطلع الموشح

والنورس

يُفتّش عن جناحه الثاني

بين زيتونة وطلقة

ويبكي..‏

في أثينا

تجلس الآلهة على رخام الوقت

تقرأ فصول الملاحم القديمة

وتسهو عن اسم

كُتب على جدار الأبدية

خالد…‏

كان يوقّع دفاتر الحلم

بحبر المنفى

ويعلّق خارطة الوطن

فوق أكتاف الغيم.‏

تقاطعت الرصاصات ‏

مع قلبه

فانشق التاريخ نصفين

نصف بقي هناك

في حواري جنين

ونصف

سافر في حقيبة قتيل

في أثينا

يُدخّن الشهداء سهراتهم بصمت

يتبادلون أسماءهم الأولى

ويضحكون‏

يضحك خالد كأنه لم يُقتل

كأن رصاصاتهم لم تكن

سوى مزحة مملة‏

في أثينا

يسافر النشيد وحيدا

لكن ظله

يبقى واقفاً في الساحة

يشير للذاهبين

كيف يُغتال الضوء

دون أن ينكسر‏

بقلم: د. عماد مصباح مخيمر

الفلسطينيون و”قيمة المذبح الفائضة”

جاء التكوين اللغوي الإبداعي لاصطلاح “قيمة المذبح الفائضة” في قصيدة شاعرنا الفلسطيني العبقري “محمود درويش” (تصبحون على وطن) كاختراق يتخذ القيم المتعالية من خصائص الجمال المفاهيمي كوسم يميزه. هذه القصيدة التي أصبحت وكأنها البيان الرسمي لشهداء فلسطين، ومكون مفصلي لهوية الشهداء التي تخترق الوجدان الفلسطيني والعربي وحتى أحرار العالم، لتشكل رمزية متعالية تعبر وبشدة عن الشعب الفلسطيني وتفرده النضالي بأدواته الملازمة لضحية تأبى القهر والاستلاب، وتحافظ على كينونتها وماهيتها الوجودية بابتداع مبررات بخصائص قوة الحق الذي لا يمكن له أن ينكسر أو يتراجع.

“قيمة المذبح الفائضة” هو الواقع الحالي لغزّة بشكل خاص ولفلسطين بشكل عام، فما يحدث في غزّة منذ أكثر من عشرين شهرًا من حرب إبادة جماعية يقوم بها الاحتلال الصهيوني، حرب إبادة يقتل فيها الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين بشكل لا يمكن إلا أن يؤشر إلى التعمد والمنهجية الموجهة للقيام بذلك. حرب هدم المباني السكنية للمدنيين، والمؤسسات التعليمية والصحية والخدماتية ودور العبادة والطرق والصرف الصحي والمياه والكهرباء، إلى آخر كل المنظومة المجتمعية المسؤولة عن ديمومة الحياة. هي حرب الحرمان من العلاج للمرضى والتجويع ومنع إدخال الطعام للمدنيين العزل المشمولين بحماية القانون الدولي وفق كل الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق الدولية وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة.

إنها حرب لا يمكن القبول بمبرّراتها بأيّ حال من الأحوال، سواء على مستوى القانون الدولي أو على المستوى الأخلاقي الإنساني، هي حرب قيمة المذبح الفائضة، بمعنى أن إحصائيات حرب الإبادة الجماعية هذه تؤشر وبشكل يقيني أنها حرب ممارسة القتل والمجازر والتجويع والهدم والتخريب والتهجير القسري لمجرد الرغبة في ذلك، خارج أي أهداف يحاول الاحتلال تبريرها، وهذا ما يفسّر مفهوم قيمة المذبح الفائضة، أي ما يحدث في غزة هو فعل إجرامي – كما أقرّته المحكمة الجنائية الدولي – نتائجه وصلت إلى مستويات لا يمكن للضمير العالمي والإنساني – إن وُجد بشكل مؤثر – أن يتحملها.

في مقابل أن الاحتلال الصهيوني يتمادى في هذا الفعل الإجرامي بمنهجية تتطور ونتائج تتعمق في إنتاج مأساة إنسانية للشعب الفلسطيني في غزّة، مأساة كل يوم تتخذ أبعادًا وأشكالا متجددة لآليات الموت التي تستهدف غزة، من قتل بالقصف بأشكاله كافة، ومنع علاج المرضى وتجويع وحرمان من بيئة تساعد على ممارسة تفاصيل الحياة. منهجية تتماهى وتعبّر عن الأيديولوجية العنصرية الصهيونية، من التعالي على الأجناس البشرية الأخرى، واعتبارهم دون الحقوق والخصائص المميزة لمن ينتمون للصهيونية، تعالي يجعل من الآخر وحقه في الحياة مسألة لا قيمة لها إذا ما تعارضت والأهداف العنصرية الصهيونية، وهذا ما يفسر اللامبالاة المصاحبة لمنهجية القتل وارتكاب المجازر وجرائم الإبادة الجماعية التي يقوم بها الاحتلال بحق الفلسطينيين في غزة وفي كل مكان من فلسطين.

“قيمة المذبح الفائضة” هي عنوان حرب إبادة جماعية التي آن لها أن تتوقف رغم الاحتلال، المجتمع الدولي مطالب اليوم أن يعبّر وبشكل حاسم عن إنسانيته وأن يدافع عن منظومته القيمية سواء على المستوى القانوني أو الأخلاقي أو الإنساني. غزّة ليست مجرد منطقة جغرافية لإجراء الاحتمالات والتوقعات والمخططات كما هو الحال في الدراسات الاقتصادية، فغزّة هي الإنسان الذي يواجه في كافة تفاصيل حياته اليومية المعاناة والتهديد بالموت بأشكاله كافة، من قصف جوي وبري وبحري وتجويع وتهجير قسري وحرمان من كل أسباب ومقومات الحياة الآدمية في أدنى متطلباتها.

إن العالم اليوم أمام اختبار مفصلي، اختبار قانوني وأخلاقي وإنساني، وعدم إجبار الاحتلال على وقف حرب الإبادة الجماعية وممارسة القتل اليومي المنهجي المتواصل في قطاع غزة، سيكون بمثابة التصريح له لمواصلة ذلك وتوسيعه والانتقال إلى الضفة الغربية، ليقوم بممارسات أعمق ومحاولة تحقيق توقعات أعلى من “قيمة المذبح الفائضة”، تحقيقًا لأهدافه العنصرية الاستعمارية التوسعية على كامل الأراضي الفلسطينية، من خلال اقتلاع السكان الفلسطينيين من أرضهم، وذلك بإنتاج بيئة طاردة ومعادية عنوانها القتل والمجازر والهدم والتهجير والتجويع.

لقد حان الوقت لتتوقف الحرب على غزّة، فالموت أصبح هو الوجه الآخر للحياة، أو هو اختراق مفاهيمي لمعنى وجود الإنسان الفلسطيني، إن معاناة الشعب الفلسطيني في غزّة تتخذ الشكل الكابوسي التي لا يمكن تصديقها أو تصورها إلا بمعايشتها واقعًا تشكل كل لحظة من لحظاته زمنًا قاتلًا في حالة صراعية تهدد البقاء الوجودي للإنسان الفلسطيني على ارض غزة. إن من حق الإنسان الفلسطيني أن يمارس نوعًا من الحياة الآدمية بعيدًا عن التهديدات المنفذة ممارسة بقتل يومي وتهجير قسري وتجويع، والتي تحرمه الدرجة الدنيا من الحاجات الإنسانية كالطعام والشعور بالأمان والآدمية.

إن الإحصائيات والأرقام الصادرة عن حجم الدمار والإفناء الذي يمارسه الاحتلال على المستوى الإنساني والعمراني والمادي ومحاولات فرض بشكل قسري واقع جغرافي منهجي يخدم الاحتلال، لتدلل أن هناك جريمة تتعالى أمام الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب، المجتمع الدولي مطالب – بل وملزم – بكل ما يمتلك من وسائل أن يوقف المذبحة بحق الفلسطينيين في غزة، وكذلك فإن المجتمع الدولي مجبر على محاسبة ومعاقبة كل مرتكبي هذه الجرائم وفقًا للقانون الدولي والقيم الأخلاقية والإنسانية.

إن التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني في غزة – كتجسيد واقعي لمفهوم “قيمة المذبح الفائضة” – تتجاوز بمراحل كبرى كل ما سيتمخض عن نتائج لهذه الحرب المجنونة،  حرب قيمة المذبح الفائضة يجب أن تنتهي آنيًا فهي حرب عبثية تتلاعب بالقانون الدولي والأخلاق الإنسانية، وصار حقًا للشعب الفلسطيني في غزّة وكل فلسطين أن يتخلص بشكل نهائي من مفهوم القيمة الفائضة للمجازر والمذابح المرتكبة بحقه، بحيث تتوقف المذبحة والمجزرة، والتعامل مع الفلسطينيين كقيمة في ذاتهم بمكوناتهم الوجودية التي تماثل مثيلهم من شعوب الأرض.

بقلم: د. عاهد حلس

طفولة تُدفن تحت القصف

كيف سأعلّم طفلي بعد الحرب

أنّ النجومَ ليست دموعًا

وأنّ صوتَ البحرِ في الليل

ليس أنفاسَ الحربِ حين تنام

وأنّ الليلَ

يسكنهُ القمرُ

لا الطائرات

وأنّ الفجرَ

ضوءٌ ناعم

يملأ البيوت برائحة النعناع

وشوارعٌ ندية

تبدأ يومَها باسم الله

وأمّهاتٌ يُلوّحن

لأطفالِ المدارس

وهم يصعدون الحافلات

كأقمارٍ ملوّنة

تدخل في الغيمات

كيف سأعلّمه

أنّ الله خلق لهم في الحياة

أسبابًا أُخرى للفرح

غيرَ رغيفِ الخبز

غيرَ النجاة

(اللوحة للفنانة ريم عرقان)

“جائزة نيوستاد للأدب” الأمريكية لعام 2026.. الأديب الفلسطيني “إبراهيم نصر الله” في القائمة النهائية

أعلنت جامعة “أوكلاهوما” و”مجلة عالم الأدب” عن القائمة النهائية المكونة من تسعة كُتّاب وكاتبات المرشحين لنيل “جائزة نيوستاد للأدب” العريقة، ومن بين المرشحين لها لعام 2026 الشاعر والروائي الفلسطيني “إبراهيم نصر الله”.

ضمت القائمة المكونة من تسعة كتّاب وكاتبات روائيين وشعراء من أمريكا وفرنسا والصين وتركيا وأوكرانيا، وتعتبر على المستوى العالمي الثانية بعد “نوبل”، حيث يُطلق عليها “جائزة نوبل الأمريكية”، فقد فاز بـ “نوبل” أكثر من ثلاثين كاتبا، وممن فازوا بـ “نيوستاد” أو رُشّحوا لها الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز والمكسيكي أوكتافيو باث والإيطالي جوزيبي أنغاريتي والجزائرية آسيا جبار والألباني إسماعيل كاداريه.

وتُمنح هذه الجائزة، التي يُختار المرشحين لها عددٌ من الكتاب والنقاد والأكاديميين في العالم مرّة كل عامين، لكاتب ترك أثرا بارزا في عالم الكتابة وقوة التأثير عن مجمل أعماله. وتشرف على هذه الجائزة جامعة “أوكلاهوما” ومجلة “عالم الأدب اليوم” التي تصدر منذ أكثر من 95 عاما.

يذكر أن “نصر الله” أصدر 16 ديوانا شعريا و26 رواية من بينها، مشروعه “الملهاة الفلسطينية” الذي يغطي أكثر من 250 سنة من تاريخ فلسطين، ومشروع “الشرفات”، وسبق أن فاز بعدد من الجوائز من بينها الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر”، وجائزة “كتارا” (مرتين)، وجائزة “عرار للشعر”، و”تيسير سبول للرواية”، و”جائزة فلسطين للآداب – أوهايو”، و”الجائزة العالمية للشعر” (تركيا) مطلع هذا العام.

كما صدرت أكثر من 45 ترجمة لأعماله الشعرية والروائية، بالإنكليزية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية، والدنماركية، والتركية، والفارسية وغيرها من اللغات، وقُدّمت حول أعماله أكثر من ثمانين رسالة دكتوراه وماجستير.

نص: محمود درويش

تُنسى كأنك لم تَكُن أبدا

تُنسى، كأنك لم تكن

تُنسى كمصرع طائر

ككنيسة مهجورة تُنسى

كحب عابر

وكوردة في الليل… تُنسى

…..

أنا للطريق… هناك من سبقت خُطاه خُطاي

من أملى رؤاه على رؤاي. هناك من

نثر الكلام على سجيّته ليدخل في الحكاية

أو يضيء لمن سيأتي بعده

أثراً غنائياً… وحدسا

…..

تُنسى، كأنك لم تكن

شخصاً، ولا نصاً… وتُنسى

…..

أمشي على هدي البصيرة، ربما

أعطي الحكاية سيرة شخصية. فالمفردات

تسوسني وأسوسها. أنا شكلها

وهي التجلّي الحر. لكن قيل ما سأقول

يسبقني غدٌ ماضٍ. أنا مَلِك الصدى

لا عرش لي إلا الهوامش. والطريق

هو الطريقة. ربما نسيَ الأوائل وصف

شيء ما، أُحرّك فيه ذاكرة وحسّا

…..

تُنسى، كأنك لم تكن

خبراً، ولا أثراً… وتُنسى

…..

أنا للطريق… هناك من تمشي خطاه

على خطاي، ومن سيتبعني إلى رؤيايَ

من سيقول شعراً في مديح حدائق المنفى

أمام البيت، حراً من عبارة أمس

حراً من كناياتي ومن لغتي، فأشهد

أنني حيّ

وحرّ

حين أُنسى

بقلم: فهيمة غنايم

جيل الأسئلة الكُبرى.. لماذا تُركنا وحدنا؟

من يملك القرار في حياتنا وموتنا؟

من هو العدو فعلًا؟

ومن هو الحليف الذي تواطأ بالصمت؟

أيّ جيل ذاك الذي سينشأ بعد هذه الحرب؟

حين تسكت المدافع، لا تسكت الأوجاع والندوب. فالحرب ليست فقط مشهدًا مدوّيًا من الدمار، بل حدثًا يؤسّس لتشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الذات والآخر، وبين الماضي والمستقبل. فالجيل الذي سينشأ بعد هذه الحرب على غزّة، لن يكون مجرّد استمرار لما قبله، بل سيكون كائنًا تشكّل في قلب العاصفة، وصيغ وعيه في شروط استثنائية، تفرض علينا تأمّلًا عميقًا في طبيعة ملامحه المرتقبة.

هذا الجيل لن يُعرّف النجاة كما عرفتها الأجيال السابقة، النجاة بالنسبة له ليست الخروج حيًا فحسب، بل الخروج بمعنى للحياة بعد أن فُقد من كل شيء. سيكبر وهو يحمل في ذاكرته وجوهًا مفقودة، وأصواتًا تحت الأنقاض، وأسئلة عن الغياب والخسارة لن تجيب عنها المناهج المدرسية، ولا كتب علم النفس، بل ستجيب عنها فداحة التجربة ومرارتها.

إنه جيل لن يُخدَع بالشعارات القومية الفضفاضة، ولا بالخطابات المتكلسة، بل سيطالب بالحقيقة والمعنى والكرامة، هو جيل قد يبدو متشظّيًا، لكنه في جوهره يبحث عن مركز ثقل جديد يربطه بوطنٍ لم يُمنح له، بل دفع ثمنه مِن جسده وأمعائه الخاوية وذكرياته وطفولته.

هذا الجيل سيحمل في وعيه الجماعي سردية حيّة للحرب، لا منقولة من كتب التاريخ، بل محفوظة في صور الأشقّاء الذين استشهدوا، في غرف النوم التي تحوّلت إلى قبور، وفي خيام النزوح التي أصبحت فصولًا دراسية.

لن يكون بحاجة إلى من يروي له النكبة، لأنه عاش نكبته الخاصة بصيغة أشد توحّشًا بالبث المباشر، وهذا سيمنحه شرعية سرد الرواية، وامتلاك الذاكرة بوصفها مقاومة بذاتها. لكنه أيضًا جيل يمكن أن يكون أكثر انتماءً للأرض، وأكثر إدراكًا لطبيعة الصراع، لأنه تربّى لا على الحياد، بل على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، بين الاحتلال والحرية، جيل وُلد في الكارثة، ويعيد تعريف مفهوم البطولة في البقاء على قيد الحلم رغم انحسار الهواء.

بقلم: تالا جودة

لا شيء

لا عناوين في الرسائل

ولا وجهة معلومة!

….

لا أذان يصدح في المساجد

ولا زائرين للكنيسة صبيحة الأحد!

…..

لا خطة واضحة لليوم

في عقل فتاة منظمة

…..

لا ذباب متجمهر حول بقية الطعام

في الحاوية!

…..

نامت الأمهات ولم تطعم صغارها!

توقفت القطط عن الشجار

وساد الصمت في أكثر الأماكن ضجة

في القهوة

وفي تجمع نسوي للنميمة!

…..

هنا ماتت الحياة

لا ضوضاء

لا صخب

لا انتظار

لا أحد يفتقد أحدًا

ولا شيء يدل على شيء!

حلم

يسلّم عليّ بكلتا اليدين

يفتش عن بسمتي

التي ظهرت بالتدريج

…..

يقرص خده ويديه

ليتأكد أنه لا يحلم

يرقص كالأطفال

ولا متسع لكل تلك الفرحة

في جيوبي!

…..

ثم يسألني عن رغيف خبز!

أنا لا أمزح!

…..

أعطيته رغيفين

وكوبًا من القهوة

ملأت معدته وعقله معًا!

…..

لم يستوعب كل تلك النعم

أنا، والخبز، والقهوة

فاستيقظ سريعًا!

بقلم: ناصر رباح

أصنام التاريخ

جاء النهار يتسوّل ضحكة واحدة، فلم يجد..

جاء الحطاب بفأس اليأس، وعاد بلا يدين..

جاءت امرأة في أواخر حملها..

وقالت: أين يشترون حليب الأمل؟

كنت أشاهدهم ومن عينيّ تسيل طيور التعب.

نحن غزاة شوارعنا، نحن المقتولين ونحن القتلة. إذ لبس العاديون ثياب العسكر، والعسكر لبسوا زي الساسة والساسة لبسوا زي الفقهاء والفقهاء صاروا الخلفاء وباعوا للعاديين صكوك الجنة، حتى جاء الله بسيل الغرباء، وانتثرت رمانة غزة.

نحن غزاة حقيقتنا، كانت تتفتت في أيدينا..

وجلسنا نتسمع صوت هشاشتنا، ونكابر، قلنا: محض زجاج يتكسر في عرس الجيران.

نحن أكلة لحم التاريخ المسموم، نعبد أصنام التاريخ، نشرب دمع التاريخ، ونغني أغنية التاريخ، وليس لدينا مستقبل.

بقلم: أحمد بشير العيلة

أرى الشهداء

أرى الشهداء في عرفات

بين حجيج هذا العام

يحتفلون بالبُشرى

غبار الرحلة الكونية العليا يميزهم

أنا وحدي أرى بسماتهم طيرًا يرافقهم

أنا وحدي أرى أفواجهم تأتي إلى عرفات من غزة

ترافقهم دماءُ الناسِ والصرخاتُ والآهاتُ والصلواتُ والأطفالُ والأهوال

يرافقهم ركامُ بيوتهم

قامت على عرفات تدعو الله (لبيكَ)

أنا وحدي أرى الشهداء قرب الله

رأيتُ بيوتهم نوراً على عرفات

رأيتُ الآهة العظمى ملائكة على عرفات

سمعت نداءهم يبكي على عرفات

رأيت رجاءهم نهراً على عرفات

حملت إليهم الأشواق من أهلٍ قضوا جوعى

لنا شوقٌ يفوق الجوع في الأذكار

وحبٌ طائفٌ فينا لموطننا

يفوق الموت باستكبار

إذا متنا

يجيءُ الحبُّ في عرفات بعد طلوعِ شمس الناس في غزة

يصلي باكياً عصريْن

يؤمُّ قوافلَ الشهداءِ عند المغرب الكوني

وبعد غروب ذاك اليوم

تعود الروحُ والشهداءُ والصلواتُ والأطفالُ والأهوالُ والآهاتُ قرب الله في غزة.

بقلم: د. آلاء القطراوي

القَدَر

هل نجت “مريم” من المجزرة أم قضت نحبها، هل استطاعت أن تخرج من البيت قبل قصفه؟ أتساءل وأنا أقرأ كتيّبًا صغيرًا باعني إياه طفلٌ في الطريق (يضع مجموعة من الكتب في كيس أبيض صار لونه رماديًّا، وبجانبه خليط من معلبات الفاصولياء والبازيلاء)

سألته (من أين حصلتَ على هذه الكتب؟) أجاب وهو مشغولٌ في نفض الغبار عن ثيابه وعن كيس كتبه ذاك: (من وسط مدينة غزّة، من تحت ركام أحد البيوت) ثمَّ مدَّ لي كتاباً بعنوان (القَدَر) وقال لي بـ (5 شواكل) لم أتردد في شرائه، وبينما أدفع له، جاءت امرأة تبدو في الستينات من عمرها، قالت له: يمّا بلاقي كتاب عندك عن الصبر؟ تألّمَ قلبي من سؤالها، أصبحت كل الأسئلة من حولي مثل خناجر تنسل في روحي، الأب الذي يسأل ابنه (هل جمعت الحطب؟)، الطفل الذي يسأل أمّه (هل تستطيعين أن تجلبي لي رغيف خبز)، المرأة التي تسأل الطبيب عن زوجها (هل هنالك أمل أن يعيش؟) أعيش في مدينةٍ مرهقة بالأسئلة، أسئلة كثيرة على مدار الساعة والدقيقة، بل على مدار الدمعة التي لا يتوقف سيلانها في كل قلبٍ من قلوبِ أهلها.

أغمضُ عين قلبي على دمعته، وأقبض على ذلك الكتاب الصغير.. أضعهُ أمامي، أحدّق فيه وهو يغوص أمامي مُثقلاً، مثلما أحدّق في حوض أسماك لم يعد موجوداً في زاوية البيت، لا أستطيع أن أضع له طعاماً لكي يطفو على السطح، يبدو مثقوباً من أكثر من جانب، أوراقه منتفخة ومتكسرة، كأنّه تبلل تحت المطر أكثر من مرّة وحيداً، كان يجفُّ وحده ويعود مرّة أخرى فيتبلل حتّى التقطته أصابع ذلك الصغير فباعه لي بـ (5 شواكل).

قررتُ أنْ أقرأه، ولأنّني أحبّ فكرة تصالحتُ معها منذ زمن (أنّ كل حدث يحدث معي فيه رسالة من الله لي)، فتحت أول صفحة فوجدت هذه الرسالة، بخطّ امرأة بدت لي طيّبة ومؤمنة، لأكتشف أنّها (أمها) في نهاية الرسالة، كَتَبَت فيها: (إلى حبيبتي الغالية/ مريم، التي أدعو الله لها الثبات والسداد على طريق الحق والخير والنور والهداية، جعلها الله من الصالحات المؤمنات الطيبات، كما أدعو الله عزوجل أن يجمعنا في جنته وهذا هو منتهى أملنا وغايتنا في هذه الحياة الفانية، أمّك الداعية لك بالخير والمحبّة).

تساقطت حجارة صغيرة من بين ورقات الكتيب، تشبه بقايا الأسمنت المطحون والمتبقي من نسف المنازل فوق أصحابها، اجتهدت أن أمسح ذرّات الرمال عنه وأن أجمع تلك القطع الصغيرة من الحجارة المفتتة، حاولت ذلك وأنا أقلب كل صفحة بيدي، لكنّ مريم وأمّها لم تفارقانني، في كل صفحة أتساءل، أين مريم الآن، هل أصابت دعوة أمّها في الصفحة الأولى آنذاك السماء، فأصبحتا الآن في الجنّة؟ هل نجتا؟ وهل وهل..

أصبحت أعاني من الأسئلة، تلك التي تنصب فخاخها لأجنحتي كلّما حاولت التحليق، إذا نجوت من فخٍ حاصرتني بندقية قنّاص، وإذا نجوت من رصاصته، رصدتني طائرة استطلاع، وإذا نجوت من قنبلتها، قتلتني رسالة أم لابنتها في الصفحة الأولى من كتابٍ صغير نجا وحيداً من تحت الركام.

بقلم: المتوكل طه

صديقي الشاعر.. من غزّة

الشّاعرُ يسكنُ بيتَ قصائدِه

ويؤثّثهُ بالماءِ وبالنارِ وبالرّيحِ

يؤوِّبُ فيه بأجنحةِ الياقوتِ، ولا يغفو

يبقى يَقِظاً، ولهذا يَحلمُ، ويُعبّرُ رؤيتَه للناسِ

ولكنَّ الناسَ رأت ملءَ العينِ الكابوسَ

فكيف له أنْ يشرحَ ما وَقَعَ لهم في الليلِ

وقد راحوا..

لا بدّ، إذًا، من لغةٍ أخرى، كي تعقلَ أفئدةُ الظَنِّ

وتهدأَ أطيارُ اللّاهين

لقد عبروا العتمةَ، أو أمسوا في ساحتِها

لم يبرحْ أحدٌ نجمتَها السوداءَ

فظلّوا خلفَ ستائرِها

واعتقدوا أنّ الضوءَ سيكشفُ خيمتَهم

فاجتمعوا، وأقاموا لهزيعِ الكُحلِ، صلاةَ الموتِ

وباتوا مع أشباحِ الأنقاضِ يدورون على ساقيةِ الذّبْحِ

ولم يتّخذوا تذكارًا، أعني

لم يقفوا صفّاً بينَ ركامِ الجدرانِ

ولم تُومِضْ في الليلِ العَينُ

ولم تأتِ الأطيارُ لتحملَ بعضَ الجرحى..

لم ينتبهوا أنَّ الطرقاتِ انغلقت

فأشارَ الغَوثُ لأنْ يلجوا أبوابَ القلبِ

ويغرسَ كلٌ نخلتَه في الصحراءِ

ويستلَّ من الأضلاعِ فسائلَ تمْرٍ نبويٍّ

ويفيضَ بأدمُعِه القَمريةِ حتى

تمتلئَ الواحةُ، ثانيةً، بالأغصانِ..

هنالكَ سيعدُّ النازحُ رحلتَه العشرين..

صديقي الشاعرُ؛ تركوه

 ليبقى تحتَ الأنقاضِ، ليحرسَها

أو غادرَ نحو حدودٍ مُبهمةٍ

لا تعرفُ معنى اللهِ تعالى!

وأرى أنّ الشاعرَ لم يبرحْ غزّةَ

ظلّ المصلوبَ على الحَنّونِ الشائكِ

يلمحُ في موقدةِ الكلماتِ ذِئابَاً تَجأرُ

أو قلبَ قَتادٍ يحتضنُ الأطفالَ التسعةَ

وأباً يجترُّ زَفيرَ الغضبِ المكتومِ، فيحتشدُ القلبُ

ويذوي..

يسمعُ مَن نادوا، خلفِ القضبانِ أو النيرانِ..

يقولُ؛ لعلَّ الأصداءَ تدقُّ النافذةَ، فينتبهُ العَرْشُ الخَشَبيُّ

ولكنَّ خليفتَنا المشغولَ؛ سيلهثُ خلفَ القاتلِ

كي يمنحَه المفتاحَ الذّهبيَ وينبوعَ الصوّانِ..

ومرآةُ صديقي الشاعرِ من غَبشٍ دمويٍّ، وشظايا..

والخَزَفُ رمادٌ، وغروبٌ وثنيٌ

وخُوانٌ مكسورٌ..

ولياليه حطامٌ يتفصّدُ من أرجلِه الداميتينِ

ومن فتحاتِ المطرِ الساقطِ

من سقفِ شتاءٍ يعقصهُ كالعقربِ..

هذا المسكينُ؛ قصائدُهُ يُطعِمُها للكانونِ

فَلا يعرفُها القُرّاءُ

ويكتبُ كي لا ينتحرُ العصفورُ، من الهجرانِ..

صديقي ينعفُ نثرَ اللغةِ المتوهّجِ، في وَجْهِ الشِعرِ

ويرسمُ أشلاءَ الحربِ على الجدرانِ

ويعرضُ فوقَ الرَّكْحِ روايَتَهُ المطعونةَ برِماحِ الضادِ

فلا يبقى في المسرحِ إلا مَن ماتوا

أو دُفنوا في مقبرةٍ لا تعرفُ أسماءَ لفائِفها التِسعين..

صديقي امرأةٌ تطوي نهدَيْها للنسيانِ

فقد ماتَ الأبناءُ، وراحَ البيتُ، وغابَ العِنّينُ..

وقد يبدو سيدةً عذراءَ افترعتْ كلَّ الأثمارِ

وظلَّ الحامضُ يتلمّظُ في الحَلْقِ الريّانِ..

وأعرفُ أنَّ صديقيَ وَعْلَ الأبدالِ، يُصلّي ويصومُ

ويعلمُ أنَّ الحربَ لها وجهان؛ فإمّا

إتمامُ الفَرْضِ، مع الشكرِ الوافرِ

أو يُسْقِطُ كلَّ تكاليفِ الحَقِّ..

وقد أذهَلُه حَرْقُ الحَلّاجِ

وكان سيبحثُ عن مفتاحٍ آخرَ

ليرى وجهاً مختلفاً، فيما بيَّنَهُ المشنوقُ

وقد يلقى ما برّرَ فِعلَ الشيطانِ

وما زالَ يُقَلِّبُ أوراقَ الطَوّاسين

صديقي شيخٌ يتكئ على النَسَماتِ البحريةِ

ويحاولُ أن يصطادَ الحوريّةَ، فتفرُّ، وتضحكُ

من شَيْبٍ يغزو فُودَيهِ، فيبكي مثلَ الرُبّانِ التائهِ

سيظلُّ بعَرْضِ البحرِ عقوداً حتى يدركَهُ الشاطئُ

والشاطئُ خلفَ كهوفٍ تسكنُها الغيلانُ، وأبناءُ التنّين..

سيذكرُ يومَ توحّشَ نعناعُ الكفّين، وكان شغوفا

فَابْتَلّ الحوضُ من الكأسِ

وأطلقَ نحلَتَهُ الحَجَريَّةَ، وانسدلَ غمامٌ فوق العينين..

لقد تركت خطواتِ العشْبِ على البَرِّ الظمآنِ

ولم تنظر لترى ما فعلَ السِّاحِرُ بالأفعى.. أو

كيف أذابَ الماءُ العسليُّ الصوّانَ..

سيحملُ، بعد الحربِ، السَّرْجَ

ويتركُ صومعةَ الباكين

سيبدأُ، من أوّلِ جُرحٍ، تدوينَ الخطواتِ على العوسجِ، أو

يحصي قطراتِ العَنْدمِ، وسيولَ الأوردةِ النضّاحةِ

ويعددُ أوتادَ الخيماتِ السوداءِ

وذلَّ الأيامِ، على مدِّ الجوعِ

ومذبحةَ الأخوةِ، في كلِّ مَرابعِ قايين..

صديقي نامَ، وما نامَ! فقد شربَ الرّملَ

وغطّى زَهرَ الجَدَّاتِ بلحمِ ضلوعِ المذبوحين..

وسارَ مع الأشباحِ، ليبلغَ صبّارَ الموتى

الباقين.. هنالكَ

حيثُ سياجُ العادِينَ..

وما من كفٍّ تسندُ شاهدَه المكسورَ..

سيبكي، أو يقتلهُ الشوقُ، وينفجرُ حَنينُ الرُمّانِ

وتبدأ أغنيةُ اللاجئِ داليةً، من سِفرِ التكوين

صديقي لا يعرفُ غيرَ عَجاجٍ أعْشى رؤيتَه

لم يلحظْ أيَّ زنابقَ تتبعهُ

وهو يغذُّ خطاهُ ليخرجَ من أسدافِ العتمةِ

فيكونُ على هضباتِ دخانٍ مسمومٍ

وتئزُّ عليه طيورٌ ساخطةٌ

والجِنُّ يدوّي في الوجهِ الزائغِ، في كلِّ متاهاتِ الويلِ

فكيف سيلقى الوردةَ، أو يجدُ خيالَ الثلجِ؟

سيجترحُ جهاتٍ، يرسمُها لتكونَ مدائنَه الآتيةَ

سيطلقُ فيها أجنحةَ النّورِ وأقلامَ التلوين..

ويعشقُ، ذاتَ الوجهِ الفوّاحِ بأعنابِ الخَفَرِ

ويكتبُ أجملَ ما كتبَ المجنونُ، ويلقى ليلاهُ

وقد يركبُ خطواتِ الهائمِ، إنْ لامسَ شُبَّاكَ الرّائين..

صديقي الشاعرُ من شمسٍ

ولدته الأشجارُ الناريةُ، قربَ خيامِ الرَّعدِ

وشبَّ على الأمواجِ الساخنةِ

وأرضعه الليمونُ لباءَ الغيمِ

وغسَّله الصيفُ بأضواءِ البَرقِ

ورنّق خدّيهِ بأزهارِ الغاوِين

صديقي الشاعر؛ من وَرد البحرِ، ونَشْرِ البيّاراتِ

وأوردةِ المطرِ، وحنّونِ الأعراسِ

وأحلامِ المقتولين..

صديقي الشاعرُ من حَبقٍ

وسيزهرُ مثلَ الحقلِ

ويحضنُ كلَّ مجرّاتِ الكونِ

ويكتبُ أجملَ ما كتبَ الشعراءُ..

صديقي أمهرُ مَن زرعَ النرجسَ

فوق شفاهِ الأنهارِ الظامئةِ،

وأحلى مَن أهدى نايَ الأحزانِ المُلتاعَ، فضاءاتِ الخسرانِ

وساهرَ بدرَ الباكينَ على الأطلالِ..

ولولا الصَحوُ لما ناموا في الكلماتِ

ولولا الذّوبُ لما عطشوا لشفاهٍ

ما ابتلت إلاّ بالكَشْفِ

فيا أوّلَ مَن أوجعَ قلبي، دونَك كلُّ الكلماتِ

ودوني كلُ قصائِدكَ اللاّهثةِ وراءَ السّاعين

إلى بيتٍ، قد يرجع يوما

أو يبقى حُلما يحملهُ الحبّارون

على الصفحاتِ المحروقةِ، دربا، ليدلّوا مَن تاهوا

في الأزمانِ، على البيتِ، وتبقى الأعشابُ على الثوبِ

لِيَنْدَهَ من خلفِ حدودٍ مغلقةٍ، أبوابَ الدارِ..

فَيوماً ما سنكون، هنالك، تحتَ الشرفاتِ

ونذكر هذي الأيامَ الصعبةَ

ونقولُ كما قالوا: لن نعبرَ ذاك الزمنَ، ضحايا

بل ناجون من المَعْفَرةِ المفتوحةِ

في عصرِ شُهودِ الزّورِ الضعفاءِ الهَشّين..

ونسقي وردتَكَ الباقيةَ بِوَقْعِ الميزانِ الرنّامِ

التوّاقِ إلى الأيام الأولى

حيثُ الدارُ هي العودةُ للموجِ الأوّلِ

في الأسماءِ الحُسنى للأرضِ،

وللحنّاءِ المجبولِ على الحيطانِ

وقمصانِ الزفّاتِ

وتاءِ التأنيثِ

وإغواءِ التنوين..

صديقي، سيعودُ قريبا، إذ يخرجُ من أوهامِ الغُربةِ

كي يدخلَ معراجَ العائدِ

ليس لأبوابِ مُخيّمهِ المُتعبِ

بل لبلادٍ تمتدُ من الماءِ إلى الماءِ

وقد يكتبُ آخرَ ما خطّ على الوجهِ الأسمرِ

من فَرَحٍ، كان سنابلَ قمحٍ في الحابونِ

وخُبزاً في كفِّ المِحراثِ

وطيراً من منديل البحرِ، يجنِّحُ مثلَ سحابِ النارِ

ويرهصُ أعشاباً في الطين

صديقي الشاعرُ عادَ إلى غزةَ..

هل عادَ؟

بلى!

نَصّاً مذبوحَ الأعناقِ

وقَلباً من نَصْلِ السِكّين

بقلم: عيسى قراقع

الكتابة بين الجثث.. قبلة على جبين غزة

إنها قوة الفعل مع قوة الكلمات، الحكايات التي ترويها الجثث في غزة، جثث الشهداء وقد ملأت الأرض والسماء والعقول، وهناك حيث لا سفينة ولا ملاذ، أعاصير النار والقذائف وعواصف الموت في كل مكان، وهناك تستخدم اللغة بديلاً عن الصراخ، تبحث عن الكلمات بديلاً للتوابيت، تكتب وسط الانفجارات والجثث المتفسخة، وسط الوحل والمقابر الجماعية، تكتب في زمن العار والانحطاط والحثالة، تكتب بحبر الشقاء والمجاعات والحصار الخانق، انقراض البشر والعائلات في العصر الصهيوني البشع، تعجز القصيدة عن لملمة الأجساد المتناثرة ليكون للإيقاع قواماً وقافية، وتعجز الجثة عن تذكر انهيار المنازل وتشقق الأرض، وخليط الغبار والتراب والدم ليكون للراوي في ذكرى النكبة ذاكرة تكتب عن ذاكرة يمسك القلم أصبع مبتور، قلم من فحم، رجفات، وشهقات وطلقات وسجل للحطام، وأنقاض الخراب، يبدأ بتسجيل سيرة الموت الأعلى بخط أسود على صفحات الرمل، القذيفة الأولى أصابتك في الرأس فسال حبر الوعي والدم، القذيفة الثانية أصابتك في السؤال الثقافي والإنساني وأنت ترتطم على حافة الهاوية بين الحضور والغياب، القذيفة الثالثة دمرت فيك الزمن القديم محاصراً بين محرقة ومنفى وسجن وقبر.

أدعو الكتاب الفلسطينيين إلى تدوين أدب الجثث قبل أن تذوب وتضيع تحت الركام وتجرفها الجرافات ولجان الإعمار وقبور الأرقام والثلاجات الباردة، أحفروا القبور الجماعية، أحفروا تحت الإسمنت والحديد، فكّوا قيود الموت عن جثة طفل صغير يحمل دميته القطنية وينام في السرير، فكوا قيود الموت عن امرأة تعدّ فطورها في المطبخ وما زال غاز الطبخ مشتعلاً ورائحة الملوخية، فكوا قيود الموت عن درس الحساب في المدرسة الابتدائية التي انهارت فوق طلابها في الحصة الثانية، فكوا قيود الموت عن أسير عذبوه مقيداً ومعصوباً وربطوه بحبل الموت والتعذيب في جحيم المعسكرات الدموية، فكوا قيود الموت عن جثث مبتسمة لهذه العائلة المبادة المطمورة تحت منزلها المدمر.

اكتبوا أدب الجثث ولا تنتظروا أن تقام المتاحف للموت في غزة، ولا تنتظروا أن يصير أدب الجثث نصوصًا ساحرة. نحن الفلسطينيين نكتب تحت تهديد الموت مترقبين مجيئه في أية لحظة، ولكننا نمارس الكتابة في الخراب للكف عن رهن الموت بالمستقبل، وقبوله دون جعله حاضرًا، ودون المثول له والتعرف عليه في النسيان الذي يخلفه بآثاره، عندما تأخذ الكتابة زمنًا من الموت وزمنًا من العيش معًا، لأن الكتابة عن الموت هو طرد الموت.

اتخذنا القرار المميت لنكتب، حتى يتساوى الحيّ مع الميّت، الناطق مع المنطوق، نكتب من غزة روايتها الطويلة لنقول للعالم أن الكتابة فعل موت عاجز عن الممات، نكتب عن حبّة تمرٍ تنمو خضراء في قبضة يد لجثة مدفونة تحت الأنقاض، لقد تفاعل الحبر مع الدم والتراب في ساعة الآذان في شهر رمضان، فلم يعد الموت تفريغ الحاضر والماضي من الحياة، وإنما في الموت تصل الحياة ذروتها، الكتابة في غزة ميلاد.

إن الموت يسيطر علينا، نراه معنا وفينا ليل نهار، يأخذنا إلى البعيد وينفجر فينا، لكن هيمنته تتأتى من خلال استحالته. نكتب فيتوقف الموت، يفيق الموتى قبل أن يموتوا، نسمعهم ونضمهم، نسمع حديث الصمت لأول مرة فيلتحم الوجود مع الفراغ. نكتب بين الجثث، الكتابة هي العين المحملة بكل ما رأته من كوارث. نكتب بعيوننا المستيقظة دوما، أنظروا في حدقات جثثنا، ترون غزة من الشمال إلى الجنوب، تروننا أحياء من الجليل إلى النقب كأننا ألف مستحيل.

الكتابة تمزق الغلاف الكئيب عن الميت والذكريات، تخرج من سرادق الدفن والنيران وطمس التاريخ. نخرج بالكتابة من العزلة وكآبة الرثاء ومن المدينة المتشظّية. نجترح بالكتابة كل مشتقات الموت حتى يذوب الموت ويتلاشى، لا نقبل أن ينتهي كل شيء، فالحياة تمضي، الحياة نحن الباقون الذين نواجه آلة الحرب برفض الهزيمة والفناء.

نكتب لأنه حقا نقوم من الموت، فكل الثورات والحضارات بدأت بكلمة في قصيدة أو بيان في مظاهرة، ونمضي إلى أقصى المخيلة، لنا سماء فوق السماء، وجدار بعد الجدار، نمضي الى الوجود الحر ومطلق الأشياء، نكتب لتصير الكتابة لباسنا الدافئ الواقي للكرامة والمقاومة. نكتب بين الجثث، وسط القهر والرعب، ولكن من يكتب لا يُهزم فالحرية الحقة لا تكون إلا في الموت، فبعض الموت حياة. نكتب كل يوم لنشطب الدمار والنكبات المتسارعة، نزرع الحدائق ونغني للأطفال، نسمعهم في ذواتنا كصوت البحر.

نكتب من غزة باللحم والدم والجوع والعظام الناشفة، قبلة على جبين غزة في الذكرى السادسة والسبعين للنكبة، ما ألذّ الكتابة عندما تكون غزّية المذاق. الكتابة في غزة تبني مكانًا في المكان، وزمناً في الزمان، الجثة هي الراوي، ومن أجدر بالموت من الحكي الآن، للموت لسان وعيون باهرة، وقد فاضت الكلمات بالفجيعة، تلك العيون التي تجيد التحديق في الكارثة، وتعري العالم من كافة الأقنعة.

نكتب بين الجثث لنرى صورتنا فيها، القارىء والكاتب، القاتل والمقتول، جميعهم يلتقون في نص غزة، القارىء عليه أن يعيش النص ليخلقه وينتجه من جديد وعياً وفكراً وممارسة، إنها فاعلية الكتابة وسط الجحيم والخراب في غزة. نكتب بالنيران المشتعلة في أصابعنا، نرفض الموت لهذا نكتب، نحرك الكلمات حتى لا يتحول النص الى تابوت، نحرك جثثنا في الكتابة كي يتحرك الهواء من حولنا، حينها نشعر بالحرية.

نحن الفلسطينيين نتحرر من الموت بالكتابة، ونحرر الموت من الموت، سواء تكلمنا أم صمتنا فقط تكلمنا، وصارت الكتابة هي البيت، نحن نتكلم باستمرار من غزة حتى لو لم ننطق بكلمة. نكتب غزة بيدنا، بجثثنا، بموتنا، لهذا أصبحت كتابتنا عالمية، اللغة الإنسانية تفوقت على الانفجارات المرعبة وهستيريا الفاشية، أنا أكتب لأني لا أزال حيًّا، الكتابة في الحرب جمال يعيد تأثيث ما شوهته هذه الحرب في نفوسنا. نكتب من غزّة، نسير بين الجثث، نخرج من بين الجثث، ننام مع الجثث، وكم تعاني الكتابة لتصل إلى قطعة خبز أو قنينة ماء أو كتاب أو ورق، كل شيء قد احترق، وكم تتكبد من المشاق لتلملم أشلاءها ولغتها المتفسخة لتصل إلى قبر أو خيمة أو شفق، وها نحن نتخلص من إعياء الجسد بالكتابة، لهذا نكتب بالأنفاس والأرواح ونكون وجهاً لوجه مع الحقيقة، نحن في غزة نمارس فن الموت ونتعلم كيف نموت بكبرياء.

نكتب بين الجثث عن الحب والعشق الصوفي في حنايا القلوب وعناق الجثث، تجتمع الأرض والسماء وتصبح غزة هي المعبد، نجري بين الغارات والصواريخ لنخطف قبلة عن جبين غزة هذا المساء، نعطيها فرصة أخرى لترتيب زفافها وسط طواحين الموت، تلبس أجمل الثياب وهي تستعد للحياة القادمة.

شعر: ملاك ريماوي

مزهريات متكسرة

في مدينتي

نطوف بين الأنقاض

نتيمم بثرى الوطن

مجبولا بالدماء!

في مدينتي

نموت كالتماثيل

ينكسر الهواء!!

في مدينتي

يركض القاتل

أطفال يغرقون

بأحلام من حجر

على صهوة الصدر

أكتب زهورا سقطت

قرب جدران المزهرية..

في مدينتي

لا مكان في المكان

لا نوافذ تنتظر

ولا أبواب يطرقها الجن

ولا جدران تبتسم

أما هذه القصيدة

كانت أشلاء… أشلاء

جمعتها

كأوراق مبعثرة في

غرف الرعب

في مدينتي

لا أحد يموت معك

لا أحد يكمل هذا

الوجع الآسن

تعالوا واجمعوا

ما تبقى من لحومنا

في مدينتي

يرحل الشعراء

وهذه الارض سوداء

أقطفها بقصيدة

أو أدفنها في الرحيل

ينبت الشهداء من جديد

وكل شهيد

زيتونة مباركة في

أرض الجليل…

بقلم: يسري الغول (روائي فلسطيني يقيم في غزة)

عن نضال حين تغيب

مضى أكثر من عام على غياب “محمد سعيد الغول” (38 عاما)، ابن خالتي الذي قضى نحبه من أجل إحضار جثة رفيق دربه “ماهر عمران الغول”، عندما نزحا إلى حي “الشيخ رضوان”، ومكثا مدة غير قصيرة في بيت جدي؛ إذ قرر ماهر (40 عاما) الذهاب إلى بيته القريب من مفترق الغزالي في الشارع الثالث في الحي، لتوفير مياه حلوة للأطفال الذين كانوا يريدون الشرب، فالمياه العادية في الصنابير مالحة كمياه البحر، والمنطقة محاصَرة من كل جانب، لكن ماهر المجنون أخذ على عاتقه الذهاب إلى بيته، وحمل غالون ماء لهم لينتهي حصار المكان، والبيت قريب، لكنه لم يكن يعلم أن دبابات الاحتلال تختبئ وراء شارع فرعي في جوار مدرسة حمامة الأساسية، القريبة جداً من البيتين.

خرج ماهر على الرغم من دعوات الجميع إياه إلى عدم المخاطرة بنفسه، وعند الباب وجد ابنته الصغرى، فحملها وقبّلها وقال لها مداعبًا: “لو متت يا بابا بتدفنيني إنتِ” وكأنه كان يعرف قَدَرَهُ المحتوم. ثم مشى بضع خطوات، ربما لا تتجاوز 300 متر، حتى طعنته قذيفة الدبابة كخنجر في الظهر، فغرق في دمه برفقة زوج أخته “محمد الطويل” (32 عاما) النازح معهم في بيت جدي. حدث ذلك في وقت قصير، وكأنه حُلُمٌ أو كابوس طارئ على متن الحياة، إذ عاد الأطفال الذين أبصروا المشهد في نهاية الشارع، والدخان، وسمعوا صوت القذيفة القوي، وهرعوا إلى الداخل ليخبروا الجميع بما جرى، فاصطدم الجميع بالمصيبة، لكنهم أحجموا عن الخروج من المنزل، إلاّ إن شابًّا آخر قرر السير متخفياً بين البيوت، فالشارع واسع لا يشبه شوارع المخيم الضيقة بأزقته التي تشبه الأحجية، وحين وصل إلى المكان، انهال الرصاص عليه، فولى هاربا، وأدرك أن إعادة جثتَي الشابين المقطعتَين معجزة لا يمكن حدوثها إلاّ برفع الحصار أو وقف إطلاق النار، لذلك قال خالي “عمران “يومها: “راح لقدره، الله يرحمه”. ثم واصل حديثه وهو يبكي كطفل صغير: “محدش يطلع، بدناش نفقد حد جديد”.

 لكن “محمد سعيد الغول”، رفيق العمر الذي لم يصدق كل ما يجري أمامه، لبس حذاءه الرياضي وخرج، على الرغم من صراخ جدّي رحمه الله، وكذلك طَلَب زوجته ومَن حوله بالتروي والانتظار، لكنه لم يأبه لكلامهم، وطار كالبرق يسابق المسافات القصيرة نحو حتفه، فيدخل في بيت ويصعد على شجرة ثم ينزل في باحة منزل آخر ليصل إلى نهاية الشارع، فَتَبِعَهُ “أنور عاشور” الغول (35 عاما)، الذي كان على بُعد خطوة فقط من الأخير، وحين وصلا إلى الجثة وحملاها، انطلقت طلقات من الوراء مرة أُخرى، وفي لحظة مجنونة، اختبأ “أنور” في جوار زاوية الجدار، الذي يحد المكان من الجهة الشرقية، بينما اخترقت الرصاصات جسد “أبو السعيد” حتى غرق في الدم، لكنه كان خلال ذلك يصرخ ويقول: “أنور، إبعت حدا ينقذني يا أنور”. وأنور يبكي عاجزاً عن فعل شيء لشهيد جديد يقضي نحبه أمام عينيه، حتى شخر ونام نومته الأبدية.

ما زلت أذكر كم أصابنا الحزن يومها؛ إذ كان هاذان الشابان رفيقَي كل شباب العائلة، وكنت يومها نازحا في مخيم جباليا، وقريبا من الحي المحاصَر، أكتب يوميات الحرب، وأبكي في عزلة عن العالم الغارق في صمته أمام الإبادة، ويرافقني “محمد عمران الغول”، الأخ الوحيد لماهر، من دون أن نفعل أي شيء سوى النحيب.

ثم مضت الأيام، وانشغل كل شخص منا بجرحه، إلى أن جاءت الهدنة التي تم خلالها سحب جثة ماهر ومحمد الغول، وكذلك محمد الطويل وجثث آخرين سقطوا في أصقاع قطاع غزة، وتم دفن الشهداء في عيادة حي الشيخ رضوان؛ تلك العيادة المهددة اليوم بالاستهداف، المغلقة في وجه المرضى بسبب حصارها من الطائرات، في الوقت الذي يتم فيه استهداف المشافي والمؤسسات الصحية الأُخرى.

لم تنتهِ قصة محمد سعيد الغول بموته، فهو رب أسرة كبيرة، أنجب من ابنة خالتي “نضال معين الغول” (37 عاما) سبعة من الأبناء، آخرهم زين (3 أعوام) الذي لحق بأبيه في قصة يفيض منها الوجع. وصار لزاما على نضال المناضلة أن تبحث عن طعام لأطفالها، وباتت تتردد إلى المؤسسات لجلب الطعام أو الحليب والبامبرز (حفّاضات الأطفال) للأطفال الذين باتوا بلا أب. وقد هاتفتني قبل استشهادها بأسبوع تطلب مني إغاثة أبنائها بالطرود التي تقوم المؤسسات بتوزيعها، وأعرف معظم مسؤوليها، فوعدتها خيراً، رحمها الله.

لا أذكر التاريخ بالضبط، لشدة المصاب الذي تتعرض له غزة، والجلل الذي جعل في كل بيت قصة وألف حكاية، فقد ذهبت نضال إلى عيادة التوبة في مخيم جباليا أكثر من مرة لتحديث بيانات الأطفال، ولم تكن تحضر جميع البيانات التي يطلبها العاملون هناك، ولم تذهب لأكثر من مرة لاحقاً، إلاّ إنها يوم الخميس 15 أيار/ مايو 2025، قررت الذهاب، وطلبت من جارتها الذهاب معها، لأن كلتيهما فقدتا زوجَيهما في هذه الإبادة، لكن الأخيرة رفضت وقالت إنها سئمت المؤسسات والبيانات، أمّا نضال، فقررت الذهاب إلى مركز كفالة الأيتام الموجود داخل مقر تلك العيادة، وبرفقتها ابنتها البِكر صفا وابنها الأصغر زين.

وتصف خالتي “صفا” كيف كانت حفيدتها “صفا” تلبس وتتزين أمام المرآة وكأنها ذاهبة إلى عرس، وتقوم بتصوير نفسها بصورة غير طبيعية، بينما تنادي عليها أمها أن تنتهي من التزين بسرعة، وليتها لم تتعجل بالخروج؛ فقد غادرت نضال برفقة صفا وزين ثم انقطع التواصل معهم، حتى عندما علمت العائلة بقصف عيادة التوبة، لكن حين جاء المساء ولم تعد الأم أو الأبناء، قام الجميع بالتواصل مع نضال، لكنها لم تردّ، فحاولوا التواصل مع صفا، لكن جوال الأخيرة مغلق أيضاً، فقاموا بالتواصل مع صديقاتها في مخيم جباليا لنسمع الإجابة نفسها: “ما أجت نضال علينا والله”. لذلك، تواصل أخي الأصغر بعد صلاة العشاء مع صديق له يعمل في المستشفى الإندونيسي، ليرد ذلك الطبيب: “هناك ثلاث جثث لم يتم التعرف على أصحابها، مقطعة إلى أشلاء، وهي تعود إلى سيدتين وطفل صغير”. وحين تم الاستعلام عن لون ونوعية الملابس، تأكد لنا أن نضال فارقت الحياة برفقة صفا وزين.

كانت ليلة صعبة على العائلة، على الرغم من القصف الذي يحاصرنا. كيف سيعيش الأطفال بلا أب ولا أم؟ مَن الذي سيعتني بأطفالها الصغار؟ مَن الذي سيقوم بتدريسهم أو غسل ملابسهم أو حتى إعداد الطعام؟ خالتي امرأة عجوز لا تستطيع المشي، ولا عائلة أُخرى لديها، سوى ابن أعزب.

في الصباح، ذهب إسماعيل، الأخ الأكبر لنضال، إلى المستشفى برفقة أخي عمر وبعض شبان العائلة، بينما قام شبان آخرون بحفر قبور قديمة تعود إلى شهداء وموتى سابقين من عائلتي لتجهيز القبر للجثث الجديدة، إذ كان اليقين باستشهادها مؤكدا، وعادوا بهما في كيس واحد، يُسمّى “كفن”، لكنه ليس سوى كيس تتواجد فيه أجساد مقطعة، وضعوها كما هي في قبر ضيق، بعد إزاحة العظام النخرة لميّتنا السابق على جانب القبر، وتم دفن نضال وصفا وزين، لتنتهي قصتها مع هذه الحياة الصدئة.

وهنا يجب أن أذكر كيف كنت أكتب عما يجري في غزّة داخل قصصي في مجموعة “الموتى يُبعثون في غزة” ومجموعة “جون كينيدي يهذي أحيانا” و”نساء الدانتيل” التي تطرح تساؤلات كثيرة بشأن البرزخ وما بعد الموت “الماورائيات”، التي صارت محط دهشتي ككاتب. كيف وصلت إلى استشراف الإبادة؟ كلما عدت إلى قراءة القصص، أُدهشت من كوني ذلك الأديب الذي كتب تلك القصص في مجموعاته، وهنا أتساءل: كيف يملك الأدباء هذا الاستشراف الغريب للمستقبل؟ وأيّ فراسة جعلتهم يبصرون الأشياء قبل حدوثها؟ وقد كان “غسان كنفاني” و”جبرا جبرا” وكذلك “سميرة عزام” و”محمود درويش” وغيرهم يكتبون المستقبل بهذا الشكل الغريب.

وقبل أن أغادر بيت العزاء، سألت إسماعيل ابن خالتي: “كيف عرفت الجثث؟”، فأجاب بهدوء غريب: “عرفت أختي من مرض الدوالي الذي يظهر بوضوح في قدميها، وعرفت ابنتها من خاتم في يدها كنت قد أهديتها إياه، أمّا الطفل، فمن ملابسه التي كان نادراً ما يقوم بتغييرها بسبب الدمار الذي لحق بخزانته وملابسه”. وفي هذا السياق، تخبرني أمي أن خالتي صفا رأت ابنها أبو السعيد في المنام قبيل استشهاد نضال بيومين يطلب منها إحضار القميص المخطط مع ابنته الكبيرة صفا، وقد استشهدت صفا برفقة أخيها زين وهو يلبس القميص المقلم والمخطط بألوان زاهية. فأيّ تخاطر هذا وأيّ توارد للمصائر؟!

(نقلا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

بقلم: علي البتّيري

خنساء فلسطين وشهداؤها التسعة

(إلى الأم الصابرة د. آلاء النجار)

قبل مغادرة البيت إلى المستشفى

ودعت الدكتورةُ آلاءُ الأبناءَ التسعة

قالت للابن الأكبر فيهم

خذ بالك من إخوتِكَ اليومَ كثيرا

يا ولدي..

لا أدري سببًا لتخوُّفِ قلبي اليومَ عليكم

قلبي مقبوضٌ وأنا

خائفةٌ يا أبنائي واللهِ عليكم

من دونِ الأيام

مع أنَّ قساوةَ هذي المأساةِ الفائضة الجمرِ

بنهر الآلام..

لم تُضعفْ قوَّةَ قلبي

أو تسرقْ من خطوي

نحوَ العمل الإنسانيِّ الهمَّةَ والإقدام

…..

قالَ الابنُ الأكبر

لا يُشغلْ بالَكِ شيءٌ يا أمي

عن مرضى المستشفى

لا تدَعي قلبَكِ عنهم يتأخّر

فالجرحى فوق أسرّتِهم

فيهم كم تشتاق إليك عيون

والأطفال الخُدَّجُ يبكون

وأهاليهم ينتظرون

لا تهتمّي يا أمّي

فأنا سأديرُ البالَ على الإخوةِ كالعادة

وأبي بعد قليلٍ يأتينا

بالشوق وبالحب نلاقيه هنا

ويلاقينا ليعانقَ أولاده

وهنا الدكتورة آلاء

بالقبلات الحائرة الوقعِ على شفتيها

ودَّعتِ الأبناء..

ومضت نحوَ المستشفى المكتظّةِ

بالجرحى المطروحين على الأرضِ

وبالشهداء..

حالَ وصول الدكتورةِ راحت

تتفجَّرُ في الأنحاء قذائف

والكلُّ بدا أكثر َمن خائف

بدأت سياراتُ الإسعاف

تنقلُ جثثا بقماشٍ أبيضَ ملفوفة

ليست للناظرِ معروفة

الأحجامُ بدت للعين صغيرة

وهنا الدكتورة وضعت يدها فوق الصدر

ومضت لله القادر تحتسبُ الأمر..

راحت في الباب تعدُّ الجثثَ الملفوفةَ

في الحال..

وهي تقولُ من القلب

كما قلب الأم المرتبك النبضة قال

شهداءُ اليوم منَ الأطفال

الدكتورة بدأ ت بالعَد

لكن النظرات المذهولةَ أخذت تحتَد

الأولُ فالثاني فالثالثُ فالرابع..

فالخامسُ فالسادسُ فالسابع

حتى الثامن والتاسع..

وهنا لعبَ الفأرّ بعبِّ الأم كما

عند الظنِّ يُقال

راحت تتذكّرُ في الحال

عند الصبح وداعَ التسعة أولاد

 لما وعدتهم بالماء وبالزاد..

والخوف عليهم..

وعلى غير العادة يزداد

راحت تستبعدُ ما القلبُ توقَّع

ومضت تتفقّدُ أوضاعَ الشهداء التسعة

وبعين واجفةٍ تتطلّع

كشفت عن وجه الأوّل

فانهمرَ الدمعُ ولونُ الوجه تحوَّل

راحت تخفي الدمعَ بكفَّيها

ويصبر الخنساءِ بدتْ تتجمّل

لكن..

حين رأت بسمةَ ثغرٍ دامعةً للابن الأصغر

راحت تحتضنُ الشهداءَ التسعة

والدمعة في عينيها تحتضنُ الدمعة

المأساةُ هنا فاقت حدَّ الروعة

فالموقف لا يوصفُ بالكلمات

تاريخ اللغة العربية من هول الصَّدمةِ مات

هل أفظعُ من هذا جرمٌ مشهود

يتباهى بفظاعتِهِ في القتلِ صهاينةٌ ويهود؟

كم عائلةً بسجلِّ الأنفسِ شطبوا!

كم بيتًا نسفوا أو نهبوا!

هل تدري يا عالمُ بمجازرِ ذبحٍ ودمار

كم عائلةّ مسحوا

كم طفلاً ذبحوا

قبلَ القصف لأبناء الدكتورة آلاء النجار؟

تدري أو لا تدري سيّان

ما دامَ أمامَ مجازرِنا

نصفُكَ طُرشانٌ والنصفُ الآخرُ عميان.

بقلم: نعمة حسن (غزة)

ثمّ تموت بلا ندم

أكثر ما أندم عليه أن أموت وهذا الحزن، القلق، الخوف والغضب داخلي. كل الذين سبقونا في هذه المدينة أكلهم الموت على مراحل.. ثم نجوا بموت أخير..

 لم نر الحياة كما كان ينبغي لنا أن نراها من جانب الصورة المليئة بالورود، الجانب الذي تجلسون في حدائقه ولا يطل على خيامنا التي نحترق داخلها كرغيف خبز نُسي داخل التنّور لا حيلة له إلا أن يحترق.

دائمًا كانت غزة عالما خارج العالم.. الآن هي نقطة غير معرفة.. لا مدن ولا أسماء شوارع ولا حتى بيوت تبكي داخلها غضبك أو تركن وجعك لجدرانها ثم تموت بلا ندم.

بقلم: سماء زعانين (غــزّة)

يا سمائي.. يا مدَى الروحِ

هذه الأضلعُ التي تسكنُ صدري، نوافذٌ صغيرةٌ على رحبكِ، ينبعُ منها الأملُ، ويضجُّ العشقُ في الخفاء.

وأنا..

 العالقةُ بينَ الأرضِ والنجم، أتسلقُ بأحلامِي، سُلَّمًا من الدعواتِ والنّدى،

حتى يصلَ قلبي إلى عتباتِ العرشِ فيكِ.

سماكِ.. ليست بعيدة..

بل في داخلي، في نظرتِي، في رجفَاتِي،

وأنتِ.. صعودٌ في مدارج الروح، حتى تتحد الأضداد في نظرةٍ واحدة.

هكذا.. في حبّكِ..

ينبعُ الخلودُ في لحظةٍ، وتسقطُ الجاذبية، وأرتفعُ أنا، خفيفةً، ممتلئةً بعشقٍ أبديٍّ.

ألا يصل العاشقُ إلى الحقيقة بعينِ السماءِ التي في داخله؟

بقلم: سامي عوض الله (البيتجالي)

شرقٌ آخر

جاءوا من الصحراء

كانت خيولُهمُ اندفاعَ الحلمِ في الآتي

وكان الصخرُ يشبههم

وكانوا أقوياءَ وأنبياء

بسطوا اخضراراً في الزمانِ

وعلّموا الأسماء

كانوا يحبّون السماءَ

ويهبطونَ على طريقِ مجرَّةٍ لَبَنيّةٍ

كي يكتبوا الأشعار

كانت تُحبهم النساء

كانوا إذا ما أطلقوا مِزْمارَهم للريحِ

تألفهمْ أفاعي الليلِ والفَلَواتُ

إنْ غنّوا

كانوا يجيدونَ الفَراسَةَ والغناء

كانوا يحبّونَ الحياةَ

ولم يحبّوا الموتَ

إلا في هزيمتهِ إذا ماتوا

وهزيمةَ الموتِ البقاء

تركوا لنا إرثّ الخلودِ

على تضاريسِ المكان

وشيدوِا فيه الزمانَ

لكن أحفادًا لهم

جاءت لتدفن كنزَ ماضيها

وفد كفرت بما تركوا من الآلاء

وتقلّدتْ ذَهَبَ الفناء

…..

ذهبوا وما عادوا

وقد نفضوا أياديهم

من الأحفاد.. وابتعدوا

وألقوا نظرة النزع الأخيرِ

مودّعينَ وما رأوا إلا هباء:

عربٌ تنامُ على أسِرّتِها ونُسوتِها

وتُكْثِرُ بالصلاةِ على النبيّ وبالدعاء

…..

لن يرجعوا

لكنهم ذهبوا

الى الشرق البعيد

وقد رأوا فيه الخوارزميَّ

والعجميَّ

والكرديَّ

والفرسيَّ

والوثنيَّ

يحملُ رايةَ الأنسانِ

بين البحرِ والنهرِ المعمّدِ بالنبيِّ

ولم يصلوا ركعةً

 لكنهم كتبوا دروسَ الأنبياء!

نص: شروق محمد دغمش

إلى متى؟!

بعد منتصف الليل، بينما أصوات القصف تهز أرجاء المدينة، فتسمع رجال يصرخون في الشارع، لم يخرجوا من أجل إنقاذ مَن تبقى من عائلة قد قُصِفت للتو، ففي ليلة مرعبة كهذه لا شيء يُخرِج الناس من بيوتها وخيامها إلا خبر عبور شاحنات محمّلة بالطحين..

الناس في الشوارع تركض نحو جنوب المدينة، فالشاحنات التي ستمر بعد ساعات طويلة من انتظارها هناك في عتمة الليل والخوف واحتمالات الموت الكثيرة لن تمر إلا على جثثهم. هؤلاء الجوعى، لا يحتملوا فكرة أن ينتظروا مجيء دورهم في استلام الطحين إن عبر بشكل عادي، هؤلاء الجوعى لا يضمنوا أن يحصلوا على حفنة طحين إن عبر بشكل عادي، هؤلاء الجوعى عددهم أكثر من عدد الطحين الذي عبر، وقد يُغلَق المعبر في الغد، هؤلاء الجوعى لا يثقوا بأن الطحين سيعبر بشكل عادي، لا بد من أن يُسرَق، فلا بد من أن يكونوا مع السارقين، ليأكلوا.

حتى بعض النسوة صرن يذهبن نحو الجنوب ليلًا، ليرجعن إلى أطفالهن النائمين من التعب بكيس طحين على ظهورهن وأكتافهن، وتفرح الواحدة منهن إن تظاهر اللصوص بأنهم لا يرونها عندما انتزعوا أكياس الطحين من أيدي الشبان والمراهقين… وتبكي كأنها ترملت قبل لحظات إن أجبروها على رميه أرضًا وجعلوها تعود حاملة حزنها وخيبتها على ظهر مقوّس.

تحوّم الطائرات فوق رؤوسهم، وهم يتقاتلون بالسلاح والسكين واللكمات، والأقوى يحصل على الطحين، أو ينتزعه من يد الأضعف منه، فتقنص العشرات منهم، لأنها لا تفوّت فرصة في أن تقتل غزيًا قبل أن يمل الجندي الذي يتحكم بها من بعيد ويعيدها.

اللصوص هناك يسرقون النصيب الأكبر، ليبيعونه عند الصباح بأسعار خيالية للضعفاء، وللذين خاطروا بحياتهم وسرقوا الطحين من فم الموت ثم سُرَق منهم قبل أن يصلوا إلى بيوتهم، وللذين لا زالوا يتمسكون بأخلاقهم، ولم تشوههم الحرب بعد…

لكن إلى متى؟!

لي.. ليس لي!

لي قدمان، لأمشي في الشوارع، وعلى شاطئ البحر، لأركض ساعة جنون مع أصدقائي، وإلى حضن حبيبي حين نلتقي، لا لأهرب من الموت.. كل يوم.

لي أصابع، لأحس بالرعشة التي وصفتها لي صديقتي حين قبّلها حبيبها إصبعا إصبعا، لا لأمسح دموع ابن أختي الذي أكل الالتهاب صدره في الخيمة.

لي يدان لأكتب، لأعانق، لألوح مع أغاني الست، وأشرب الشاي، لأحقق حلمي بقيادة سيارة، لا لأرفع الحجارة وأبحث عمَن تبقى من أهلي وأشيائي.

لي قلب، ليخفق بشدة من كلمة حب، لا من حزن جديد.

لي فم، لأقرأ القصص والشعر بصوتي الهادئ، وأقبّل الأطفال وصور حبيبي البعيد، لا ليرتجف من البكاء، أو يصرخ من الوجع.

لي أنف، لأستنشق ورود التوليب، والروائح التي تهب فجأة فتذكرني بإنسان عزيز أو موقف ما، لا لأشم الفسفور والكبريت والدماء وقمصان الغائبين.

لي عينان، لأراقب فيهما العشاق، ونمو شجرتي التي زرعتها في حوش الدار، لا لأرى أشلاء متناثرة، وكبد ينبض.

لي رأس، لأميل به على كتف حبيبي عند الحزن وعند الفرح، لأفكر بكل شيء، وبكل ما سيأتي، ولأحلم، لا لأن يصير مثقلا وأعجز عن حمله، وكل ما يستطيع فعله: أن يتذكر

بقلم: صباح بشير

آباء على ثرى الوجع

في غمرة واقع يعتصر القلوب، وتثقل فيه المحن كاهل الأرواح، وبينما ترخي سحائب الحرب الثّقال بظلالها الكئيبة على أرجاء أوطاننا، يأتي يوم الأب العالميّ ليبرز لنا قيمة آبائنا الأماجد، فهم أعمدة الصّمود الرّاسخة التي لا تهن، وقناديل الأمل الوضّاءة التي تبدّد ظلمات اليأس، فالأب هو السّند المتين الذي لا يميل، والحضن الدّافئ الذي يضمّنا في غمرات الشّدّة، واليد الحانية الّتي تمتدّ لترفعنا كلّما تعثّرت خطانا.

نبعث بأصدق الأمنيات وأرقّ الدّعوات بالخير والسّلامة للجميع، وللآباء الأجلّاء أينما حلّوا وارتحلوا، مُتمنّين لهم دوام القوّة وعظيم الصّبر، ليظلّوا ينبوعًا فيّاضا بالإلهام، يروي ظمأ عائلاتهم، وليبقوا نجوما ساطعة في سماء أُسَرِهم، مضيئين بيوتهم بنور المحبّة وعمق الحكمة.

وبينما نفيض تقديرا للآباء الذين ما زالوا بيننا، لا تملك أرواحنا إلّا أن تستذكر أرواحًا عزيزة فارقتنا، لكنّها أبقت حضورها الخالد في حنايا أرواحنا، فوالدي الذي رحل عن دنيانا قبل ما يزيد عن ثلاثة أعوام، ما زال يسكن أعماق قلبي، نبضًا لا يهدأ وذكرى لا تضمحلّ، روحه ما برحت تحلّق حولي، وابتسامته الطيّبة محفورة في ذاكرتي كوشمٍ لا يمحى.

وليشهد العالم أجمع، أنّني قد حططتُ رحالي في كنف أعظم أبٍ؛ رجل فاق الوصف جودا وعطاء، وعلّم الحياة كيف تكون معاني السّند والعشق.

فسلام على روحه الطّاهرة، وخلّد الدّهر ذكراه في صحائف الذّاكرة، وليبقَ أنشودة تتجدّد، أردّدها ما بقي بي من نبض.

رحم الله كلّ أب غاب عن دنيانا، وجعل ذكراه العطرة باقية، تذكّرنا دوما بقوّة الأبوّة الّتي لا يطويها الفراق، فقد خلّفوا وراءهم إرثا من العطاء، يتجاوز حدود الزّمان، محفورا في صحائف الأيّام بمدادٍ من نور.

على أريج هذه الذّكريات التي تتجلّى في أرواحنا كنجوم لا يأفل نورها، نحلم بأبصار القلب إلى فجر وشيك، يحمل بين طيّاته وعدا بسلام ينسج خيوطه من وشوشة الأماني الصّادقة، يُسكَبُ على الأرض كالمطر؛ ليروي ظمأ القلوب، فيُزهِر الأمن في كلّ درب، وتتعانق الأرواح تحت ظلال الوئام، وتشرق شمس الطّمأنينة على هذا الكون؛ لننعم جميعا بفيض من السّكينة الأبديّة.

هذه الصّورة هي ما خطّته يدي إهداءً لأبي في مؤلّفي “شذرات نقديّة”.

أجرى اللقاء: بن معمر الحاج عيسى

الفنان الفلسطيني “فهد محمد شهاب” لجريدة “الأيام نيوز”.. حافظوا على الحلم حيًّا.. لا تهربوا من الفشل فهو المُعلّم

في زمنٍ تحاصَر فيه الذاكرة الفلسطينية من كل الجهات، وتشتد فيه عواصف الغربة والنزوح، يبرز الفن كملاذٍ أخير، وكحارسٍ وفيٍّ للهوية والكرامة. من غزة المحاصرة إلى ساحات المعارض الدولية، ومن الألم إلى الأمل، اختار الفنان الفلسطيني “فهد محمد شهاب” أن يحمل حلمه معه أينما ارتحل، رافضًا أن يترك موهبته خلفه، أو أن يساوم على جوهر رسالته الإنسانية.

عشر سنوات من التجربة والبحث والتأمل، تحوّلت خلالها ريشته إلى وسيلة مقاومة ناعمة، وإلى جسرٍ يربط بينه وبين وطنه حتى وهو على بعد آلاف الأميال. “فهد”، الذي غادر غزة قبل شهرين من الحرب، لم يغادرها من قلبه ولا من لوحاته، بل حملها في تفاصيل مشروعٍ فنيّ طموح يوثق الذاكرة الفلسطينية من خلال الطوابع البريدية، في محاولة نبيلة للحفاظ على ما يتلاشى.

في هذا الحوار الخاص، يفتح لنا الفنان “فهد محمد شهاب” أبواب تجربته، ويروي كيف شكّل الفن خلاصًا من ضيق المنفى، وسلاحًا لمواجهة التهميش، وجسرًا لإيصال صوته الفلسطيني إلى العالم، مُؤمنًا أن الأحلام لا تموت طالما هناك من يصرّ على حملها، حتى في أحلك الظروف.

سؤال: كيف بدأت رحلتك مع الفن؟ وما الذي دفعك لاختياره كوسيلة تعبير عن الذات؟

جواب: بدأت رحلتي الفنية منذ أكثر من 10 سنوات، حين اكتشفت أن الرسم يتجاوز كونه موهبة، ليصبح أداة لفهم الحياة. من خلال مراحل تعلّمي المدارسَ الفنية والتعرف على فنانين، طورت أسلوبي وشعرت بالقوة التي يمنحها الفن للتفاعل مع الواقع.

سؤال: عند مغادرتك غزّة قبل الحرب، ما المشاعر التي رافقتك؟ وهل شعرت أن الفن كان عبئًا أم ملاذًا؟

جواب: غادرت غزة قبل شهرين من الحرب محمَّلاً بمشاعر القلق والتردّد، لكن الفن شكّل ملاذًا آمنًا لي. لم يكن عبئًا، بل أداة للتكيّف، وفّرت لي الثبات النفسي رغم فقدان المكان، محيِّدةً عني الشعور بالانتماء الجغرافي وصانعةً ولادة مواجهة جديدة للواقع عبر الفن.

سؤال: تقول إنك حملت تجربتك الفنية معك ولم تتركها خلفك، كيف تجسد ذلك في واقعك الجديد؟

جواب: لم أتوقف عن التفكير بالفن حتى عندما لم أمسك بريشتي. واصل خيالي العمل وابتكرت مشاريع جديدة تعتمد على الطابع الثقافي الفلسطيني كوسيلة للتعبير عن الهوية والذاكرة، وأقمت معارض ومشاركات دولية حتى في بلاد المنفى مثل مصر وبريطانيا.

سؤال: تحدثت عن أن “كونك فنانًا لا يتعلق فقط بالرسم”، كيف ترى الفن كوسيلة للتعامل مع تقلبات الحياة؟

جواب: ترى أن الفن تجربة كاملة، تضيف أبعادًا للتعامل مع الظروف الضاغطة. حين “تشعر” بالأشياء، لا تكتفي بمشاهدتها فحسب، بل تُحولها بإحساسك الشخصي إلى أعمال تحاكي جمهورك، وتخلق مساحة للتعاطف والتفاعل تشكّل وسيلة للحياة وليس مجرد إنتاج.

سؤال: كيف طورت أسلوبك الفني؟ وما هي المحطات التي أثّرت عليك أكثر من غيرها؟

جواب: تطوّر أسلوبي عبر سنوات من التعلّم والممارسة التي شملت التجوال بين مدارس الفن والتفاعل مع فنانين محليين وأجانب. أبرز محطاتي هي الجوائز التي حصلت عليها: المركز الأول في مسابقة “سيدة الإنسانية” في براغ عام 2016، كونها أكّدت أنني أمضي في الطريق الصحيح.

سؤال: ما الفرق بين مشاهدة الواقع وتجربته؟ وكيف انعكس ذلك على أعمالك الفنية؟

جواب: المشاهدة هي مجرد نقل بصري، أما التجربة فهي الانغماس العاطفي والإنساني في الواقع. أنت تجسّد أعمالك من قلب التجربة، فتتنفّس تفاصيلها الصغيرة الكبيرة، وتحوّلها إلى رموز تتحدث عن الهوية، المقاومة، والانتماء.

سؤال: ما أهمية مشاركتك في معارض دولية ومحلية؟ وكيف أثّرت هذه المشاركات على نظرتك إلى هويّتك الفنية؟

جواب: مشاركاتي كانت جسرا للتواصل الثقافي والعالمي، ونقلت قضيتي إلى الفضاءات الدولية وهو ما جعل هويتي الفنية محمّلة بقيم إنسانية ومجتمعية وقضائية، أكثر عمقًا وتأثيرًا.

سؤال: حدّثنا عن شعورك عند فوزك بجائزة “سيدة الإنسانية” في “براغ”؟ وكيف أثّرت هذه اللحظة على مسيرتك؟

جواب: فوزي بالمركز الأول في “براغ” عام 2016 منحني اسـمًا عالميًا، وأكّد أن الفن يمكنه التأثير بغض النظر عن الأصل أو اللغة، وشكّل تحفيزًا كبيرًا للاستمرار في ربط المضامين الإنسانية والقضية الفلسطينية.

الفنان الفلسطيني فهد محمد شهاب

الفنان الفلسطيني فهد محمد شهاب

سؤال: كيف كانت تجربتك في المنتدى الثقافي الفلسطيني ببيروت؟ وما الذي حملته معك من هذه المشاركة؟

جواب: شاركت في الدورة العاشرة من الملتقى الثقافي الفلسطيني في بيروت عام 2022، وكانت محطة ثريّة للتبادل الثقافي. شاركت بورش عمل وعروض عرضها أمين عام شؤون اللاجئين وممثّلون من اللجان الرسمية، ما عزز تمثيلي الفني لدى الجمهور الفلسطيني في الشتات.

سؤال: كيف ساعدك الفن في التغلب على التحديات النفسية والمادية في عامك الأول خارج فلسطين؟

جواب: في مصر، واجهت انفصالًا عن الأهل وصعوبات مالية، لكن الفن منحني قدرة على التعبير عن القلق والألم، وحوّل كلاًّ منهما إلى أعمال موثّقة في مجلّات أميركية وكندية وأسترالية، مما شق طريقًا فنيًا لدعم ذاتي وأصدقائي المحتاجين ماليًّا.

سؤال: شاركت بأعمالك في مزادات ومعارض دولية خلال الحرب، هل شعرت أن الفن كان نوعًا من المقاومة أو النجاة؟

جواب: نعم، لقد تحوّل الفن في وقت الحرب إلى منصّة مقاومة وصمود. من خلال مشاركاتي في مزاد بنسخته البريطانية، وفّرت دعمًا لي ولزملائي الطلبة المنقطعين عن الدعم المالي، فكان الفن وسيلة عمليّة للنجاة والدعم.

سؤال: كيف دعمت أصدقاءك من خلال فنك؟ وما الذي علمتك إياه هذه التجربة الإنسانية؟

جواب: ساعدت أصدقائي الذين كانوا في ظروف مالية صعبة عبر أنشطتي الفنية ومبيعاتي. هذه التجربة علّمتني أن الفن أداة لتمكين الآخرين، وأن هدفه لا يقف عند التعبير بل ينتهي إلى تأمين حياة كريمة لمن حولي.

سؤال: تعمل حاليًّا على مشروع فني يوثق الذاكرة الفلسطينية من خلال الطوابع، كيف وُلدت هذه الفكرة؟ وما الرسالة التي تحاول إيصالها؟

جواب: ولد مشروعي من إدراكٍ بأهمية الطوابع البريدية كوثائق تاريخية وثقافية؛ كل طابع يحكي قصة، يوثّق حدثًا أو ذكرى فلسطينية امتدت لأكثر من 100 عام. رسالتي هي إحياء الذاكرة، إظهار أن الفن قادر على رعاية الماضي للحفاظ على الهوية.

سؤال: ما أهمية الطوابع البريدية في حفظ الذاكرة الثقافية الفلسطينية من وجهة نظرك الفنية؟

جواب: الطوابع تمثل صورًا صغيرة لكنها قوية، تحمل رموز الوعي والتاريخ وتربط الناس بقضيتهم من خلال رسوماتها وشعاراتها وتواريخها، ما يجعلها وثائق ثقافية فنية تحتاج للحراسة والتوثيق.

سؤال: كيف كان عرض نتائج مشروعك في المتحف الفلسطيني؟ وما مدى تفاعلك مع الجمهور في ظل الحرب الجارية؟

جواب: عرضت بعض النتائج الأولية من المشروع في المتحف الفلسطيني في “رام الله”، الذي تأسس مطلع الحرب على غزّة، ولاقى تفاعلًا من الجمهور الفلسطيني والدولي، إذ ساهم في تحريك تعاطف الناس مع القضية والذاكرة، رغم ظروف الحرب.

سؤال: في ظل كل ما عشته، ما الرسالة التي توجّهها إلى الفنانين الفلسطينيين الشباب في الداخل والخارج؟ وكيف تحافظ على حلمك حيًا رغم كل شيء؟

جواب: رسالتي واضحة: تجاربكم – حتى الصعبة – هي ذخيرة للفن والحياة. جرّبوا دائمًا، فالتجربة نفسها فوز. لا تهربوا من الفشل، فهو المُعلّم. حافظوا على الحلم حيًّا لأن الإيمان بالذات هو مفتاح الاستمرار، والفن هو الأسلوب لنقل قوتكم إلى العالم، مهما كانت الظروف.

رابط دائم
https://elayem.news/5vjwi