الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

يوم إسلامي عظيم.. يا لنعمة الفرح “المقدّس”

X Facebook TikTok Instagram

عيد الفطر المبارك، فرصة إلهية يمنحنها الله للناس، حتى يجدّدوا المعاني السامية في أنفسهم، ويرسّخوا قيم المحبّة والتواصل الإنساني و”الشراكة”، في تقاسم الفرح “المقدّس”، مهما كانت الظروف عسيرة وصعبة. وفي الوقت نفسه، يُبشّرهم بأن أفراحهم لن تنقطع، ويوقظ فيهم المشاعر “المُحرّضة” على التلاحم والوحدة، رغم اختلاف انتماءاتهم الجغرافية. غير أن بعض الأصوات الناشزة تصحو، في مثل هذه المناسبة الدينية، لتشكّك في جدوى الاحتفال بهذا اليوم الإسلامي العظيم..

يتجاوز التشكيك إلى الطعن في المعاني السامية لعيد الفطر المبارك، لا سيما في ظل الظروف القاسية التي تجتاح خارطة العرب والمسلمين، إضافة إلى الجرح الفلسطيني النازف منذ أكثر من سبعة عقود.. فهل ما يزال العيد يحتفظ بمعانيه السامية، أم أن “المشككين” استطاعوا أن يتسللوا إلى القلب العربي ويزرعوا فيه “اليأس” بأنه صار غير قادر على الفرح.. حتى الفرح “المقدّس”؟

تتساءل الكاتبة غدير حميدان الزبون: “فهل العيد هو عودة ما كان من تكرار الوجع في هيئة يوم ملوّن؟ أم يحمل في طيّاته قدرة على التجديد، وعلى خلخلة الرتابة، وعلى فتح ثغرة في جدار الأيام الثقيلة؟ هذا السؤال لم يفقد راهنيّته، فقد بات يتردّد صداه كل عام في وجدان الفرد العربي، خصوصا في الأزمنة المثقلة بالقلق”. وتضيف: “وثمّة من يرى أنّ العيد فقد جمالياته تحت ضغط الاستهلاك وتسارع الحياة، غير أنّ هذا الحكم يتجاهل حقيقة أساسية: القيم لا تذبل تلقائيا، إنّها تضعف حين يغيب الوعي الحارس لها. الفرح يحتاج إلى ثقافة تحميه، إلى خطاب يعمّقه، إلى مؤسسات اجتماعية تُفعّله. هنا يبدأ دور المثقف..”.

أما الكاتب شريف إبراهيم أحمد فيرى: “لكن ما دام في قلوبنا متّسعٌ لابتسامة، وفي بيوتنا مكانٌ لزائر، وفي أقلام مثقفينا رغبةٌ في إشاعة الضوء، فإن العيد سيبقى أكثر من يوم عابر. سيبقى طقسا إنسانيا يعيدنا إلى أصلنا: كائنات تبحث عن المعنى، وتحتاج إلى الفرح كما تحتاج إلى الهواء”.

وحول معنى العيد، يرى الكاتب ثامر سباعنة: “العيد في جوهره ليس طقسا خارجيا، بل حالة معنوية. هو إعلان جماعي بأن الإنسان قادر على الفرح رغم كل شيء. هو تمرين سنوي على التفاؤل، وعلى تذكّر أن للحياة وجها آخر غير التعب اليومي. ومن هنا، يصبح الحديث عن العيد حديثا عن (صناعة الفرح) لا عن انتظاره فقط”.

من جهتها، ترى الكاتبة منى أبو حمدية: “إن الحديث عن العيد هو في جوهره حديثٌ عن صناعة الفرح. والمجتمعات العربية، رغم ما مرّت وتمرّ به من تحديات قاسية، لا تزال تمتلك قدرة فطرية على خلق الفرح وصناعته من التفاصيل الصغيرة. فطبق الحلوى البسيط، وزيارة الأقارب، وابتسامة الأطفال في صباح العيد، كلها طقوس تصنع لحظة إنسانية دافئة تعيد التوازن إلى الروح.

ويقدّم الكاتب والفنان التشكيلي عامر الخطيب معنى آخر للعيد، يقول: “كُثرٌ هم الذين شبّهوا العيد بألوان قوس قزح، والألوان في جوهرها، ليست مجرد أصباغ، بل هي ذبذبات ضوئية شفافة، وأطياف تحمل في طياتها معاني نفسية وروحية عميقة. فالعيد بهذا المعنى هو احتفال بتلك الألوان الكونية، التي نرتديها في صباحه الباكر، وتُحيط بنا من كل الجهات، مشكّلة قوام وجودنا الإنساني وتنوّعه الطبيعي. هو دعوة للتأمل في العلاقة بين هذه الألوان، وكيف تتفاعل لتُنتج مشهدا بصريا وذوقيا ومعنى وجوديا يتجاوز اللغات والكلمات”.

ولعل أقدر الناس على تقديم “تعريف” للعيد هو الإنسان الفلسطيني الذي يعيش مآسي يومية تتجاوز قدرة العقل على التخيل، في ظروف الاحتلال الصهيوني الذي تجاوز كل توحّش في التقتيل والتعذيب والتدمير.. قالت الكاتبة وصال أبو عليا: “فالفلسطيني حين يحتفل بالعيد لا يفعل ذلك هروبا من الواقع، بل تأكيدا على أن الحياة، مهما تعرضت للضغط، قادرة على أن تجد طريقها. وكأن الفرح هنا يتحوّل إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا تقوم على الصخب، بل على الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يبتسم”. وتضيف قائلة: “ولذلك فإن العيد في فلسطين ليس مجرد مناسبة، بل حالة وجدانية تختلط فيها الذاكرة بالأمل. قد تغيب بعض الوجوه عن المائدة، وقد تترك الأحداث في القلب مساحات من الحزن، لكن الفرح يبقى حاضرا في الإصرار على استمرار الحياة”.

من جانبه قال الشاعر الفلسطيني سماحة حسون: “سيظل العيد، مهما تغيرت مظاهره، نافذة صغيرة تطل منها الطفولة على القلب، وتجعل الإنسان يتنفس أملا، ويتذكر بساطة الأشياء الجميلة. وكل عام، في هذا اليوم، نحن ندرك أن الإنسان كائنٌ محتاج للفرح، وأن المجتمعات العربية قادرة على الاحتفاظ بهذه القدرة، مهما اشتدت الصعوبات”.

في مدار هذه الأفكار، توجهت “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكتّاب بهذه الرسالة: هل فقد العيد معانيه النبيلة وتحوّل إلى مجرد يوم مثل باقي أيام العام الأخرى؟ هل فقد جمالياته وأبعاده الروحانية والاجتماعية والإنسانية، أم أنه لا يزال يحتفظ بجوهره وروحه ويحقق أهدافه في النفسية الفردية والمجتمعية على حدّ السواء؟

الحديث عن العيد هو حديث عن “صناعة الفرح” والتأكيد أن المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح مهما كانت الظروف صعبة وقاسية.. فهل يتحمّل المثقف مسؤوليةً في صناعة الفرح وزراعته في مجتمعه وأمّته؟ وما هي ذكرياتكم عن العيد خلال طفولتكم؟ وكيف ترون العيد خلال الأعوام القليلة الماضية والقادمة؟ وهل تعتقدون بأن المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح؟

عزيزي القارئ، لا ندعوك إلى المقارنة بين طقوس الاحتفال بعيد الفطر بين الأمس واليوم، ولكننا ندعوك أن تبحث عن معاني العيد في أعماقك، وهل أنت قادر على المساهمة في “صناعة” الفرح الدائم؟ وهل ترى بأن الفرح بالعيد هو بُشرى ربّانية بأن الإنسان المؤمن على موعد يتجدّد مع الفرح، على الأقل مرّتين في العام، وهذه البُشرى تعني بأن القادم دوما يحمل الجميل والأجمل مهما علت أصوات المشككين والعاملين على زراعة اليأس في القلوب؟

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

ما أزال طفلا يفرح كلما رأى غيره سعيدا

ككلّ الأطفال الذين يركضون من أجل أن يُخفوا أشياءهم تحت الوسائد بانتظار الصباح كنت. ولكنّ أحلامي مثلي، كبُرت، وصارت وسائدي ملأى بالكلمات.

في “القجّة” الخشبية خبّأت ورقاتٍ نقديّة بحجم حلم، كانت أحلامنا أكبر منّا، ومن يدري ربّما لم تزل هكذا، لكنّ شيئًا ما بتنا نفقده، هو شيءٌ ليس بالملموس، لكنّنا نحسّه، كلّما نظرنا في وجهٍ مجعّد كان فتيًّا منذ سنوات، ووجهٍ معلّقٍ على جدار بيتنا، ثابتٍ ثبات الجدار نفسه، ننظر إليه كلما وقفنا أمام سجّادة الصلاة لكي ندعو له.

بين الأمس واليوم، بقي العيد عيدًا، لكنّ معتقداتنا عن أنّ العيد للأطفال فقط جرّدنا من ملامح الفرح، ربّما لأنّنا الأمّة التي تعتنق الموروثات ولا تحاول أن تغيّرها قيد أنملة.

ما الذي نريده من العيد؟ وما هو العيد؟ وكيف نفرح؟ أسئلةٌ لطالما راودتني منذ صغري وإلى اليوم، وأجوبتها مشرّعةٌ على كلّ ما يحيط بنا، فأن نفكّر بأنّ واجبنا أن نفرح لكي ننسى كلّ ما يجري حولنا لهو تفكيرٌ ساذج وأناني، وأن ندّعي أنّنا مسرورون وفي القلب نيران لهو فصامٌ سيُكتشف عاجلًا أم آجلًا، إذن، فلنفكّر على صوتٍ عالٍ: كيف نفرح؟

دعوني أحقّق بعض أمنياتي هنا على الورق، ونطلق العنان لخيالنا، ففي الخيال حياة ولا بأس.

في فلسطين يركض طفلٌ حافٍ، يحمل بيده مقلاعًا، يختبئ وراء جدار، يطلق قذيفته الطفولية فيُدمي بها وجه صهيوني لعين، فتنتشر الزغاريد في الحيّ، وينشد الباقون “صهيوني بقلع عينو وما بعمرو يقلع أرضي”. أليس هذا عيدًا يفرح به الشرفاء؟

في أرضي تلتفّ أسرةٌ حول مائدةٍ رمضانيّة، فيكملون الطعام مع الملائكة في الفردوس الأعلى، ثمّ ترى من صلبها رجلًا يرمي الملاعين القتلة برشّاشٍ فيرديهم، فيصيح الباقون: “أرضنا وحقّنا والعدوّ لن يبقى بيننا”، أليست هذه الكلمات عيدًا؟

العيد حقّ وشعيرةٌ دينيّة علينا أن نقدّسها، وأن نعلّم أبناءنا أن يفرحوا بها، وأن يعلموا أنّ الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأنّ المغتصب لا أرض تضمّه. هذا هو العيد الذي علينا أن نعلمه ونعلّمه ونفرح حين نذلّ عدوّنا.

في “القجّة” الخشبيّة وضعت ورقاتٍ نقديّة، خبّأتها لكي أحقّق حلمًا طفوليًّا، وما أزال طفلًا، يفرح كلما رأى غيره سعيدًا، ما زلت طفلًا تُرضيه كلمة وتُرديه كلمة، ولا زال في الحياة شيءٌ نفرح لأجله، نحيا لأجله، نسعى لأجله.

افرحوا، رغم كلّ المآسي افرحوا وارفعوا أياديكم إلى السماء، فالله يرى كلّ شيء ونحن السعداء أوّلًا وأخيرا.

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

“الحب في زمن الكوليرا” والعيد في زمن الحرب!

نموت نموت ويحيا الحب، ألم تكن نموت ونموت ويحيا الوطن؟ وهل للوطن حياة من دون حب؟ نحن في زمن يموت حب العشرين ويحيا حب السّبعين.. كلّ شيء يتغيّر وفق الظروف التي نمرّ بها، وتبقى الثّوابت على حالها، الليل والنّهار، الحياة والموت، العيد والأيام الأخرى.

لست أدري إن كان “فلورينتينو” يجسّد الثّوابت في الحب، أو إن صح التّعبير المنطق في الحب؟ فهل من الممكن أن يخزّن الإنسان المشاعر عمرًا كاملًا في زمن الموت، الحرب، الدّمار؟

لست أدري لماذا شعرت فجأة أنّ الحبّ يشبه العيد، حين كنّا صغارًا كنّا ننتظر كلّ شيء جديد، نعيش التّجربة ونقتنع أنّها أيّام لا شبيه لها من أيّام السّنة، كالحب ننتظره، جنون المشاعر، شغف اللقاء، وتوتر الموعد الأوّل. ننام والملابس الجديدة على جانب السّرير صغارًا، وصورة الحبيب ورسائله نقرأها مرارًا وتكرارًا شبابًا.

كلّ شيء متشابه، ونكبر وتشيخ معنا المشاعر، وتظهر التّجاعيد على فرحة العيد، ويتسلّل الرّوتين ليُبهت الصّورة. لم أصدّق ذلك العاشق الأرعن، لم أصدّق أنّه هدر حياته في انتظار موت زوج حبيبته ليعود إليها، لست أدري إن كان قد قتل حياته أم أنّ الظّروف هي التي أقنعته بذلك، أم أنّه حقًّا يمكن للحبّ أن يتخطّى التّوقعات، ويبرّر لصاحبه واجب الإخلاص الأبديّ. في الوقت الذي نرى فيه الأزواج يمرّون بحالة من الملل، الرّوتين، كلّ شيء يصبح عاديًّا، المشاعر عاديّة، العيد عادي، حتى الموت يفقد هيبته، فأيّ الفريقين نحن؟

سبعون عامًا من العمر لم يدرك كيف مرّت بالانتظار، في الوقت الذي أبناء العشرين يمارسون دورهم في الحب والحياة. تمامًا كما نحن اليوم، لم نعد ندري كيف يمرّ العيد في الوقت الذي ينتظر أطفالنا خوض تجربتهم، وننظر نحن لمعة الفرح في عيونهم، وينتظر السّبعيني شقاوة حفيده. فهل تركت لنا ظروف الحرب المجال لخوض التّجارب؟

ما يحصل اليوم في العالم العربي يعيد ترتيب الأولويّات في حياة كلّ فرد منّا، وكما استمرّ الحبّ في زمن الموت، سيستمرّ العيد في زمن القذائف، والحياة تجري، والمشاعر متاحة، والملل قائم، والصرّاع قائم، والثّوابت ستبقى.

أشرف قاسم (كاتب من مصر)

العيد في قصائد الشعراء..

تأتي الأعياد في حياة الشعوب للترويح عن النفس والتسرية وتجديد النشاط ليستطيع الإنسان بعدها أن يواصل رحلته في الحياة. وقد جعل الله الأعياد فرصة للتزاور والتراحم وصلة الأرحام والتقارب الإنساني الذي وهن نسيجه نتيجة سرعة عجلة الحياة ولهاث الإنسان خلف لقمة العيش.

وقد عبّر الشعراء في أشعارهم عن بهجة العيد، وأثره في النفس، وما يسبقه وما يلحق به من مشاعر الفرح والسعادة، ومن أشهر ما قيل في هذا الغرض قصيدة “أبي الطيب المتنبي” التي مطلعها:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ — فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

ويقول “ابن الرومي” عن ليلة الرؤية وفرحة قدوم العيد:

ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله — تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ

كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه — يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ

ويقول “ابن المعتز”:

أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه — فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ

وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ — قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ

ويقول الشاعر الكبير “أحمد زكى أبو شادي” معبّرا عن فرحة قدوم عيد الفطر، وختام الشهر الكريم في مناسبة روحانية مليئة بالبهجة تجمع القلوب والأرواح:

الفطر جاء بآمال نجددها — إن الحياة لآمال وتجديدُ

لولا التعلق بالآمال نعبدها — لم يكرم العيد بل لم يعرف العيدُ

صلى مع الفجر من صلوا فقبلهم — وقبّلتني بنجواها الأناشيدُ

يا ليتني كنت مثل الفجر عافية — فلا يرد صلاتي فيه تقييدُ

وانشق العطر في الأحلام وارفة — كأنها من رضاء الله تأييدُ

والعيد مناسبة مهمة بالنسبة للشعراء الذين هم أصوات بيئاتهم المعبّرة عن أفراحها وأحزانها لنشر الفرح والسرور ووصف مظاهر هذا الفرح الذي يعم الجميع، ومن ذلك ما قاله الشاعر العباسي “أشجع”:

ما زلتَ تَنشُر أعيادًا وتَطْوِيها — تَمْضِي بها لكَ أيام وتَثْنِيها

مُستَقبِلاً زِينةَ الدُّنيا وبَهْجَتها — أيامنا لك لا تَفْنَى وتُفْنِيها

ولا تَقضَّت بك الدُّنيا ولا بَرِحَتْ — يَطْوِي لك الدَّهرُ أياماً وتَطوِيها

ولْيَهْنِكَ الفتحُ والأيّام مُقبِلةٌ — إليكَ بالنصر مَعقوداً نواصِيها

ويقول “ابن عبد ربه” الأندلسي:

بدا الهِلالُ جَديدًا — والمُلكُ غَضٌّ جديدُ

يا نِعْمَةَ اللّهِ زِيدِي — إنْ كانَ فيكِ مَزيدُ

إنْ كانَ للصَّومِ فِطْرٌ — فَأنتَ لِلدَّهْرِ عِيدُ

إمامُ عدلٍ عليهِ — تاجانِ: بأسٌ وجودُ

والعيد رمز لبهجة النفس وسرور القلب، يعبر كل شاعر فيه عن شعوره بطريقته الخاصّة، ومادّة خصبةٌ للإبداع منذ العصر الإسلامي حتّى يومنا هذا، ولكل شاعر طريقته الخاصة في التعبير عن هذا الحدث العظيم، وقد عبر أمير الشعراء “أحمد شوقي” عن فرحته بهلال العيد قائلاً:

العيد هلّل في ذُراك وكبّرا — وسعى إليك يزف تهنئة الورى

وافى بعزك يا عزيز مهنئا — بدوام نعمتك العبادَ مبشِّرا

نظم المنى لك كالقلادة بعدما — نشر السعود حيال عرشك جوهرا

وقد كانت جائحة (كوفيد 19) التي اجتاحت العالم منذ سنوات مناسبة للتعبير عن فرحة العيد الذي جاء عقب تلك الجائحة وهذا هو ما عبر عنه الشاعر الإماراتي الكبير “محمد البريكي” في قصيدته التي يقول فيها:

حَلَلْتَ أهْلاً وسَهْلاً طِبْتَ يا عِيدُ — فادْخُلْ فَقدْ غادَرَ الأنْحاءَ “كوفيدُ”

واجْلِسْ معَ الأهْلِ والأطفالِ، إنَّ لَهُمْ — عامَيْنِ ما عيَّدوا والعيدُ تَغْريدُ

واخْرُجْ إلى شارعٍ عَاشَ السَّوادُ بِهِ — وقُلْ لَهُ: انصرفَتْ أيّامُنا السودُ

قُمْنا مِنَ الْخَوْفِ كالعَنْقاءِ يوقِظُنا — مَوْجُ البِحارِ وطَيْرُ الحَقلِ والبيدُ

والعيد مناسبة روحانية تجمع أبناء الأمة الإسلامية على مشاعر الود والتسامح والتآخي ونبذ الفرقة ومد يد العون للفقراء والمحتاجين، إذ تكمن فرحة العيد في التزاور وصلة الرحم وإدخال السرور على اليتامى والمساكين، ولعل تلك هي العبرة الأسمى من الأعياد.

نهى عودة (كاتبة وشاعرة فلسطينية)

العيد “الفلسطيني” الذي لم يصل بعد!

العيد، كلمة تحمل في حروفها الكثير من التساؤلات، والكثير من الأمور التي تثير الجدل بين الدعوة إلى الفرح والابتهال، وبين مقابر الموت والمبتوري الأعضاء والأطفال الذين يموتون من شدة البرد. فهل هناك فرح يمكنه أن يحلّ فجأة في خضم عيدٍ لا معالم له، ولا فرح فيه، ولا نور في آخر نفق الصيام؟

لسنوات طويلة فإن الأمة العربية تعاني العديد من المآسي والوجع والفقد، فكيف حال من يأتي عيده فاقدًا ومفقودًا في آن؟ وأنا، كفلسطينية لاجئة، ما أزال منذ أربعة عقود أتمنى بأن يأتيني عيد أكون فيه على أرض بلادي، فأنا لا أعلم الزينة التي تعلو الشوارع، والأضواء التي تضج بنورها لتأتي رصاصة فتفقدها الضوء فجأة. لا أعلم، قبل البدء بمراسم العيد، صوت المسحراتي الذي يجول في الأزقة مناديًا على الناس، فلا اسمي هناك ولا اسمي هنا، ولا شارع أعرفه، فكيف يُطلب مني أن أُهلّل بكل ما أوتيت من فرح وشريعة الفقد تعلو قلبي؟

إن الفلسطيني، وعلى مدار سبعة عقود – وهذا ظاهرها فقط – فقبل الاحتلال الصهيوني كان هناك احتلال بريطاني نهش ما نهش، وقتل ما قتل، ويتّم، وأعدّ العدة لبيع وتقديم فلسطين على طبق من جثث الفلسطينيين وقهرهم وتشردهم ولجوئهم.

منذ ذلك الحين وحتى زماننا هذا سترى بأن الفلسطيني لم تكتمل يومًا فرحته، فلكلٍ قصته التي يرويها بحرقة، وفي كل عيد هناك شهيد ما قبل أو خلال أو مع تكبيرات صباح العيد. كيف لشعب يريدونه أن يخلع كل عباءات حزنه ويرقص فرحًا وابتهالًا بأي عيد؟

الطامة الأكبر، الإبادة الجماعية التي حدثت في غزة هاشم، واللجوء والتشرد من جديد، التي فتكت بالناس وسلبت منهم كل فرحة. حتى أسقف المنازل لن تشهد عيدًا، فليس هناك شيء يشي بالفرح. لم تزل جثث الشهداء تحت الركام، ولم تزل النساء يبحثن عن المفقودين، ولم يزل الرجال يجوبون الشوارع بحثا عن لقمة عيش تسد رمق القهر قبل الجوع.

لم يزل الكثير من الأسرى خلف سجون الاحتلال على أرض وطنهم، ولم يزل الكثير من الثكالى لم يزغردن للشهيد المنتظر. إن شعب فلسطين العظيم، والذي يعاني أيضًا التهجير القسري من المخيمات في الضفة الغربية وبشكل تعسفي، يُرمى بالعوائل هنا وهناك دون رادع يفي بغرض الانتصار.

لم تزل القدس منكوبة، وأهلها يعانون القهر، وغيرهم الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى المسجد الأقصى حتى لإقامة شعائر صلاة العيد. الفلسطيني اللاجئ لم تزل الحواجز موجودة على مداخل ومخارج مخيماته، ولم يزل محرومًا من أبسط حقوقه، ولم يزل يخاف الموت دون العودة إلى دياره، ولم يزل يخشى أن تكون هناك عودة وتبقى رفاته في الغربة.

إن شعب فلسطين العظيم هو شعب لديه عيد واحد، هو عيد العودة والتحرير. طالما هناك احتلال ينهش أرواح من فيها ومن خارجها، فالعيد سيظل ناقصًا، حتى وإن رأيت جميع مظاهر العيد قائمة. فنحن شعب لا نستسلم ولن نفعل، وإن كانت قلوبنا تعتصر ألمًا وفقدًا وحزنًا.

العيد له طقوسه التي سوف نمارس جميع معالمها عندما نستطيع أن نفرح من خلجات قلوبنا وأرواحنا، دون أن نبكي على فقيدنا. فأنا لا أطلب من الموت أن يتوقف، فهو لم ولن يفعل، لكني أطلب من الله العزيز القدير أن يمنحني وشعبي الفرح بالانتصار والعودة إلى قرانا وبلداتنا، وأن نحيا العيد كما تفعل جميع شعوب الأرض تحت سماء أوطانهم وفي ربوع ديارهم. فسُنّة الحياة قائمة لا محالة، لكننا شعب الاستثناء بكل شيء، حتى الألم.

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)

هل أتى العيد حقا؟

إنها الرابعةُ فجرا.. موعدُ السحور. همسَ لي: قومي، أريد أن أُحدِّثك… الوضعُ متوتر، علينا أن نغادر صباحا. كانت الكلماتُ تتعثّر في فمي كما يتعثّر الضوءُ في آخر الليل، كأن الفجرَ نفسه يخشى أن يولد.

لم تمضِ دقائق حتى انهمرت رسائلُ الإنذارات، تُحدِّدُ الأمكنة التي ستُضرَب، كأنها خرائطُ موتٍ تُرسَل ببرودٍ من قوةٍ عظمى… مستشرسة… لا ترى في المدن سوى أهداف، ولا في البيوت سوى نقاطٍ على شاشة.

تركنا الطعام على المائدة، كما يُترك الرجاءُ فجأةً في منتصف الدعاء. حملنا أطفالنا وهم نيام، رؤوسهم تتدلّى على أكتافنا، لا يعلمون أن النومَ صار امتيازاً مهدَّدا. تصاعدت طلقاتُ النار، لتوقظ مدينةً كاملةً على فزعها.

– اخرجوا من البيوت!”.

صارت الهتافات سياطا في الهواء، والبيوتُ صدوراً تضيق. لا أدري ماذا أخذتُ معي.

قبضتُ على دوائي كأنني أتشبّثُ بمهلٍ إضافية للحياة، وأمسكتُ بمحفظة طفلتي الصغيرة، كأنني أحملُ بقايا مستقبلٍ مطويٍّ في جلدٍ رقيق.

تركنا كلَّ شيءٍ كما هو: الأكواب، الوسائد، الصور، وحتى الضحكة الأخيرة… وخرجنا. العالمُ في ذهول: بعضهم يركض كأن الأرضَ تحته نار، وبعضهم يقف حائرا، يسأل الطريقَ إلى أين، والطريقُ لا يجيب.

وفي اليوم التالي، اغتنمنا الفرصة، فرصة الهدوء الحذر، تركنا الأولاد في عهدة ابنة عمي وذهبنا لنجلب بعض الملابس والحاجيات، ونحن لا نعلم إن كنا سنعود أم لا، وصلنا إلى البيت، دخلنا خلسة كمن يريد السرقة، حملت ما استطعت معي من صور وكأني أحمل ذكرياتي التي لا أريدها أن تبارحني، أخذت أوراقي الثبوتية وشهاداتي وبعضًا من الثياب لي ولأطفالي، وجمعت بعض الحاجيات، وبسبب التوتر والأحمال الثقيلة سقط على الدرج، أُسقِط جنيني وأنا بعدُ في أشهري الأولى من حملي. بكيت واعتصر قلبي قهرًا في البداية، إذ كنت أودّ ان يكون لابنتي أخت تكون لها عونًا على مصاعب الحياة وألّا تكون وحيدة مثلي، خاصّة حينما تنتهي أيامي من هذه الحياة، فهو أمرٌ جدّ مرٌّ وصعب على الفتاة أن تفقد أمّها ولا أخت لها تخفف عنها وتتقاسم الهموم والحِمل معها، لكن وبعد أن بدأت إمارات الخذلان والتآمر، وبعد القرارات التي أُصدرت وبعدما شاهدت من أخبار على شاشات التلفزة، حمدت الله، وقلت في نفسي لعلّه خير، فلماذا أبكي، وهل عليّ أن أجني بعد على طفلٍ آخر في هكذا بقعةٍ جغرافيةٍ تعتبرنا عبئًا عليها لأننا أصحاب كرامة ونأبى الضيم والخنوع؟؟ لا بأس هكذا أفضل.

نعم، هذا هو العيدُ، هذا هو العيد في بلدي. عيدُ كلِّ من يرفع رأسه ليقول: لا… في وجه الطاغية.

فـ”دراكولا” العيد لم يشبع بعد من الدماء؛ إنّه يعيش ويتنفس على دماءِ الأبرياء، يرتشفها كما تُرتشف نشوةُ نصرٍ زائف، وتنتفض فيه رعشةُ اللذة كلما تذوّق طعمَ دمائنا، ويسأل: هل من مزيد؟

– نعم… كلَّ يومٍ هناك مزيد، وكلَّ ساعةٍ هناك مزيد.

ولِمَ لا؟ وقد بلغ الانبطاحُ ذروته عند أولئك الأشدِّ كفرا ونفاقا؛ لم يكتفوا بالصمت، بل شاركوا وساندوا، وصفّقوا للمذبحة كأنها عرضٌ عابر.

أيُّ عيدٍ تُحدِّثونني عنه؟ حدّثوني عن الزينة… أُحدّثكم عن الثوب الذي صار كفنا، وعن الخرابِ الذي صار زينةَ الجدران. حدّثوني عن البراءةِ والفرح… أُحدّثكم عن طفولةٍ تُبادُ بالمئات، عن دمىً تُدفن قبل أن تتّسخ بالتراب. حدّثوني عن الإفطار… أُحدّثكم عمّن حُرِم منه، لأنه ينتمي لجماعة من قالوا لا! حدّثوني عن الفرح… أُحدّثكم عمّن بات بلا مأوى، عن أمٍّ تفترش الأرض وتلتحف الدعاء، عن أبٍ يعدُّ أبناءه في العتمة كما يُعدّ الناجون من الغرق.

عمَّ أُحدِّثكم وأنتم تتساءلون؟ في بلدٍ أضاعنا وخذلنا، وتكالب فيه الجميع علينا، حتى صار الجرحُ يتيمًا بلا كتف. أيُّ عيدٍ هذا ودماءُ الأبرياء تُستباح؟ أيُّ عيدٍ هذا والأطفالُ والنساءُ يُهجَّرون، والشبابُ يُقتَّلون، والسماءُ شاهدةٌ لا تغمضُ..

حدّثوني عن العيد… عن الموائدِ العامرة، عن الضحكاتِ التي تتعانق فوق فناجين القهوة، عن الأيادي التي تتشابك في دفء اللقاء… أُحدّثكم أنا عن الخذلان!

حدّثوني عن الاجتماعاتِ المفرحة، عن العناقِ الطويل، عن الصورِ التي تُلتقط لتوثّق لحظةَ سعادة… أُحدّثكم عن لحظةٍ قلنا فيها: لا. لا للاستسلام. لا للخنوع. لا لنكون ظلًّا في موكبِ الطغيان.

فانفضّ الجمع، وتفرّقت الوجوه، وصار الصوتُ الذي كان يملأ المكان وحيدًا كمنارةٍ في بحرٍ هائج. أيُّ جرمٍ ارتكبناه؟ أننا لم نحنِ رؤوسنا؟ أننا لم نصفّق للهاوية؟ أننا رفضنا أن نستبدل الكرامةَ بسلامٍ زائفٍ هشّ؟ هكذا إذن يكون العيد… للبعض فرحٌ مُعلن، وللبعض امتحانُ عزلة.

الخذلانُ ليس أن يخالفك الناس، لا، الخذلان هو أن يتخلّوا عنك فقط لأنك اخترتَ الكرامة. أن تصبح فجأةً عبئًا لأنك لم تُساوم، وأن يُعاد تعريفك لا بما فعلت، بل بما رفضت.

حدّثوني عن العيد كما تشاؤون… عن الضحكاتِ المعلّقة على الأبواب، وأُحدّثكم عن القلوبِ التي أُغلقت لأن أصحابها أبوا الإنحناء.

أذكر في مثلِ هذا الموعد من العامِ الفائت، كتبتُ عن العيد… عن ذكرياتي معه، عن جماله وتحضيراته، عن تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع بهجته، وعن كيف تغيّر مفهومه بين الأمس واليوم، وكيف بهتت ألوانه في زحمة السنين.

وكيف يعيش أطفال غزة عيدهم تحت القصف والتشتت والقتل اليومي والإبادة الجماعية، كيف يعيش البعض التخمة في عيدهم وعلى بُعد أمتارٍ منهم يموت الآخرون جوعًا وقتلًا وقمعًا وقهرًا، ثمنًا لحرّيتهم.

واليوم… اسمحوا لي أن أكتب عمّا يسبق هذا العيد. عمّا يحدث لنا قبل أن تُطرق أبوابنا باسمه. أيُّ طعمٍ سيكون للعيد، وبعضُ الناسِ صاروا أشلاءً ممزّقة؟ أيُّ فرحٍ يُرتجى، وبعضُهم نزح إلى المدارس، يفترش الأرض وينتظر لقمةَ إفطارٍ من فاعلِ خير؟ كيف تُعلَّق الزينة، وأطفالٌ يصرخون طلبًا للأمان؟ أيُّ عيدٍ هذا الذي يجيء مثقلاً برائحة الدخان، وتسبقه دموعٌ لم تجفّ، وصرخاتٌ ما زالت معلّقةً في الهواء؟

أيّها العيد مهلًا، خفّف الخُطى على من أيتمتهم أيادي الغطرسة، خفّف الخُطى على من تآمرت الدُّنا عليهم لأنهم أصحاب حقّ، أيّها العيد عذرًا لن نحتفي بك هذا العام، لن نحضّر الزينة والأضواء والكعك المحلّى ، فلقد خسرنا أعظم ما لدينا في هذا الشهر الفضيل المبارك، لم يراعوا حرمة لهذا الشهر ولا لقدسيته ولا لكرامته ، قتلوا الإمامة وأيتموا الملايين منّا، أرادوا قتل الحقّ، أرادوا إطفاء الشعلة، لكن يأبى الله ذلك، يكفيك يا سيّدي ويا قائدي أنك لم تهن، ولم تنكل، ولم ترضخ وتنحن كما فعل الجميع، بقيت شامخا مجاهدًا حتى آخر نفس، حتّى أنك لم تقبل بتحصين نفسك ولا قادتك، هنيئًا لك ما نلت من الفوز العظيم ، هنيئًا لك الجنان ولقبك الجديد، لقد فزتَ وربّ الكعبة.

أيّها العيد، أقول لك في نهاية الكلام… والكلام لو أردنا يطول ويطول، ليست هذه السنون كسابقاتها، تغيّرت وتبدّلت كلّ المظاهر، حتّى أنّنا نحن تغيّرنا، نعم، أجبرونا أن نتغيّر.

علّك أيّها العيد تحمل في القادم من السنين خيرًا، علّنا إن بقينا على قيد الحياة قد نعود لاستقبالك والاحتفاء بك مثلما كنا نفعل حين كنّا صغارًا ببراءةٍ وحبّ ودفء.. علّنا!

إيمان مصاروة (كاتبة من الجليل – الناصرة – فلسطين)

العيد.. حين يكون الفرح قدرا أخلاقيا!

ليس العيد يومًا يضاف إلى التقويم الهجري، هو ذلك الانعطاف الخفي في مجرى الأيام، حيث تنزل الحياة من ثقلها، وتستعيد اللغة نبرتها الأولى، ويصافح الإنسان ذاته كأنّه يلتقيها بعد غياب!! فالعيد صمتًا مشبعًا بالطمأنينة.

ويكثر القول إن العيد فقد بهاءه في الآونة الأخيرة، وتحوّل إلى عادة استهلاكية لا تختلف كثيرًا عن سائر الأيام!!، إلا أنني أعتقد أن العيد لا يفقد معناه، بل نحن الذين نخذله حين نفرغه من عمقه ومحتواه! فالعيد تجديدٍ للإنسان وعلاقته بالله، وبالناس، ولحظة تصالح كبرى يخرج فيها القلب من ضيق العادة إلى فسحة الجمال والعطاء والفرح!

كان العيد، وكما أذكر في طفولتي، أشبه بلقاء مختلف بين السماء والأرض، تخرج فيه رائحة الكعك، وتتصاعد كدعاء تقليدي جميل ينتظره الناس عامة، وصوت التكبيرات تنساب في الأزقة كنبض جماعي، فلم يكن الفرح آنذاك وليد وفرة، بل وليد مشاركة صادقة فيها من الشعور الصادق رغم امتلاكنا للقليل كنا نستطيع التكيف والابتهاج بكل دقيقة فيه وهذا كان كفيلًا ليكون عيدًا يحمل ذكريات الفرح والمحبة والسلام!!

والعيد الحقيقي لا يقاس بمظاهر الاحتفال، بل بقدرته على إعادة الناس إلى مركز إنسانيتهم، خاصة أن الفرح ليس رفاهية من الممكن أن تؤجَّل، بل ضرورة أخلاقية. يقول جبران خليل جبران: “إنما الفرح والحزن وجهان لعملة واحدة”، وكأنّه يشير إلى أن الفرح ليس نقيض الألم، بل وجهه الآخر حين يفهم ويحتوي!

ويبرز هنا سؤال المثقف، لا بوصفه شاهدًا على تحوّلات المجتمع والعصر، بل بوصفه مسؤولًا عن تشكيل وعيه!! فالمثقف الحقيقي لا يكتفي برصد الخلل إنما يسهم في ترميم الروح، خاصة أن الكلمة طاقة قادرة على بثّ المعنى في زمنٍ يتآكل فيه، وحين يكتب الشاعر قصيدةً تعيد للإنسان ثقته بذاته، وحين يخطّ المفكر مقالًا يوقظ في القارئ حسّ الأمل، وكذلك حين يشارك المثقف في فعاليةً ثقافيةً فهو يمارس واجبًا عليه.

إذًا نستطيع القول إن صناعة الفرح ليست تزييفا للواقع، بل فعل مقاومة جمالية، تصرّ على أن الإنسان أكبر من أزماته التي يعاني منها في هذا الزمن!! والمثقف بالتأكيد ليس صانع ابتسامات عابرة، بل صانع رؤى تمنح الحياة قابليةً للاستمرار

والمجتمعات العربية، رغم كلّ ما مرت به، لم تفقد قدرتها على الفرح إنما تغير شكله، وخفّت ملامحه رغم أنه ظلّ في عمق الذاكرة الجمعية! ويكفي أن نرى الأطفال وهم يركضون في صباح العيد، وأن نلمح الأمهات وهنّ يعددن بيوتهن لاستقبال الضيوف، وأن نشهد إصرار الناس على صلة الرحم، لندرك أن الفرح لم ولن يمت هو يخفت أحيانًا لكنه أبدًا لا ينطفئ! فالعيد إذًا حالة داخلية ننمّيها بالكلمة الصادقة والعمل الجاد، وبذلك نسهم في صناعة الفرح بمعناه الأسمى.

العيد

أطَلَّ العِيدُ واعْتنَقَ اليَتامى — كأجْمَلِ زائِرٍ يُبْدي ابْتسامَا

تَجَلّى في النواظِرِ مِثلَ بَدرٍ — وَدِدْناهُ أطالَ بنا المقاما

وكَمْ نَحْتاجُ في زَمَنِ المآسي — إلى نُورٍ بِهِ نُمْحِي الظَّلامَا

وَوَجْهٍ كَالمَلاكِ إذا تَبَدّى — يَطِيرُ الحُبُّ في الدنيا حَمَامَا

حَنوناً في مَطالِعِهِ طبيبا — يُبَلْسِمُ جُرْحَنا يَنْفي السّقاما

فِلسطينُ اشْتكتْ أسْراً طويلاً — وغُولُ الموتِ يفترِسُ الشآما

وفي دُوَلِ الرَّبيعِ ـ ولا رَبيعٌ — مَدائِنُ كُلّها أضْحَتْ حُطامَا

وشَعْبي بَيْنَ طائِفتَيْنِ عانَى — خِلافاً واحْتِراباً وانقسامَا

فيا عِيدَ المَحَبَّةِ قِفْ مَليًّا — وأرْشِدْنا وعَلِّمْنا الوِئاما

بَديعَ المُلْتقى أهْلاً وسهْلاً — مُحَيّا السَّعْدِ يا عِطْرَ الخَزامى

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)

بأي حال نستقبلك أيها العيد؟

“عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”، هي عبارة لطالما رددها الكبار أمامنا حين كنا صغارا، لكن كنا نرفضها، فالعيد هو فرحة لم يتمكن أحد من سرقتها منا، طبعا عندما كنا صغارا، أما حين بتنا نحن كبارا، فقد غدونا أولئك الكبار الذين يرددون: “عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”.

لا أريد لنصّي أن يكون كئيبا، ففي الدنيا ما يكفي ليدخل الكآبة إلى أنفسنا، لذلك أجدني مضطرة للرجوع سنوات عديدة إلى الماضي السعيد، حين كنت طفلة تبتسم عندما تعلم أن العيد سيأتينا بعد يومين أو ثلاثة، فألقي نظرة سريعة على ملابسي الجديدة التي اشتريناها، ومن ثم أنتظر قدوم الضيف العزيز.

فيأتي العيد وتأتي معه الحلوى والمعايدات والزيارات ورؤية الأحباب، وهنا أجد دمعة فرت من عيني، أعلم أنني قلت إن عودتي بالزمن إلى الوراء هدفها ألا أسبب الحزن لمن يقرأ، لكنني هنا وحين ذكرت كلمة “أحباب” حضر إلى ذاكرتي من لم يتمكن من الغياب عنها يوما واحدا “جدي وجدتي”، فالعيد لم يكن يحلو إلا بوجودهما وبالاستماع إلى أحاديثهما، لقد كان عناقهما عيدا بحد ذاته، لكنهما الآن قد غادرا دنيتنا الفانية، رحمة الله عليهما.

غريبة هي هذه الدنيا، فقد تعيش فيها لحظات بسعادة دون أن تعلم أنك لن تكون بعدها سعيدا إلى هذا الحد، لا تدرك حينها أن الفرح الذي تعيشه هو فرح لا يعوض وأنك لن تشعر بمثله لاحقا.

وأنا كنت طفلة سعيدة جدا في تلك اللقاءات التي كان يزينها حضور جدي وجدتي، فيزيدان على بهجتنا بهجة، وقد تركا مكانهما منزلا فارغا وأعيادا لن تشبه الأعياد التي كانا فيها حاضرين بيننا.

أنا آسفة لأنني لم أتمكن من منع نفسي من التكلم عن هذا الأمر، لكن الحياة هكذا، اليوم يكون بيننا من يحبوننا ونحبهم وغدا قد يسرقهم منا الموت، ومن هنا دعوني أوصيكم أن تتمسكوا بكل دقيقة ترون فيها أحبابكم أمامكم، اقضوا برفقتهم الوقت، عبروا لهم عن مدى حبكم لهم واستمعوا إلى أحاديثهم الممتعة وأصغوا إلى الحكم التي تنطلق من أفواههم إلى آذانكم فعقولكم، ولا تنسوا أن تقضوا برفقتهم العيد، فهم عيدكم وأنتم عيدهم والأعياد لا تكتمل إلا بلقاء الأحباب.

وبين العيد الأمس والعيد اليوم، نجد فروقات واضحة لا يمكن إخفاؤها مهما حاولنا وبذلنا من جهود حثيثة في سبيل ذلك، فاللقاءات العائلية قد تم اختزالها قدر الإمكان، ولعلنا قد بتنا نتلقى أغلب التهاني بالعيد على مواقع التواصل الاجتماعي وأبرزها واتساب.

فبمجرد قدوم العيد، نغرق بين مئات الرسائل التي تهنّئُنا بقدومه، فيشعر الشخص منا في لحظة من اللحظات بأنه غير قادر على الرد على كل هذه الرسائل وأنه بحاجة إلى الكثير من الوقت للقيام بذلك.

وفي الطرف المقابل، لا نجد باب المنزل يدق بكثرة، فليس هنالك الكثير من الزوار، وهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية: الكثير من الرسائل على واتساب وإنستغرام وفيسبوك، مقابل عدد ضئيل من الزوار!

وهذا الفارق الشاسع، يجعلنا نقف مذهولين، غير قادرين على معرفة إن كنا محبوبين أو غارقين في عزلة اجتماعية.

أين ذهب ذلك المنزل الذي يجتمع بين جدرانه الكثير من الناس الذين يحتفلون سويا بالعيد؟! أين ذلك الباب الذي لا يكاد يغلق، حتى يفتح من جديد أمام زائر أتى ليشاركنا فرحة العيد بزيارة قصيرة أو طويلة؟! أين تجمع الناس وضحكهم وأحاديثهم التي لا تعرف إلى النهاية طريق؟! وكيف وصلنا إلى هنا؟!

لقد أصبحت مراسم العيد تتم على الشكل التالي: نرتدي ملابسنا ومن ثم نلتقط صورة لأنفسنا، وبعد ذلك نضعها على صفحتنا الخاصة على فيسبوك ونرفقها بعبارة (Happy Eid)، وننشرها فنجلس بانتظار اللايكات والكومنتات.

فهل نحن حقا (happy)، أم نضحك على أنفسنا أو نكذب على الآخرين؟!

نحن لم نعد سعداء كما كنا سابقا، فالسعادة لا تختزل في صورة، واللايك والكومنت لا يمتان إلى العيد بصلة.

في الأمس، كان العيد يتمثل في عناق صادق ومعايدة مباشرة، أما اليوم فقد اختزله الناس بعدة كلمات تكتب عبر تطبيق على الهاتف، وبين الأمس واليوم ضاع معنى العيد.

أضف إلى ذلك، الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت عيدنا أشبه بيوم عادي أو أقل من عادي، ويا للأسف علينا، إذ يأتينا العيد لنفرح فنغلق الباب في وجهه!

فالتكنولوجيا قد دمرت أعيادنا الجميلة وشوهت صورتها من جهة، والحروب والأزمات قضت على ما تبقى منها من جهة أخرى.

فكيف نفرح بالعيد ونحن اللبنانيون مثلا، لا نكاد نخرج من حرب حتى ندخل في حرب جديدة؟! وكيف يحتفل بالعيد من يخاف من سقوط صاروخ عليه بين دقيقة وأخرى؟!

وهل الحروب تعترف بالأعياد فتعطينا هدنة مثل “عيدية” لنستريح قليلا من ضغط الحرب ونتمكن من معانقة العيد بأيد اشتاقت لمعانقته؟! وفي ظل كل ما يجري، بأي حال سنستقبل العيد؟ بعد أن فقد العيد نسبة كبيرة من جماليته وحقيقته، كيف لنا أن نحتفل به كما لو أن شيئا لم يحصل؟!

مما لا شك فيه أن العيد لم يعد يحقق أهدافه النفسية والاجتماعية كما كان يحصل في السابق، وذلك ليس ذنب العيد، فالعيد هو نفسه، لكنه ذنبنا نحن البشر، فنحن الذين تغيرنا حتى بتنا نشعر بأن العيد هو الذي تغير. فنحن قد تركنا أنفسنا واستسلمنا أمام كل ما يجري، فتخلينا عن كل أسباب الفرح ورميناها في أقرب سلة مهملات لنا.

صحيح أن الأوضاع برمتها ليست سهلة، والمصائب ليست بقصة بسيطة، ولكن الفرح قد يولد من بين الركام، والعيد هو تذكرة لنا تخبرنا بأن بعد كل مر هنالك حلو وبعد كل حزن هنالك فرح وبعد كل ألم هنالك أمل. إن العيد يكمن في أصغر التفاصيل، مثل ضحكة طفل ونكتة عجوز وقطعة حلوى وفستان جديد وكزدورة.

وهنا لا يجب علينا أن ننسى أنه هنالك علاقة قوية بين المثقف والعيد، وأنه ينبغي على كل مثقف من مثقفينا أن يساهم في صناعة فرح العيد، وعليه أن يقوم بتوعية الناس لضرورة التمسك بالفرح وعدم قتل الأعياد، فمن يتخلى بنفسه عن الفرح لن يتمكن من الشعور به مرة أخرى.

والمثقف هو أحد أعمدة المجتمع الأساسية، وهو ركيزة من ركائز المجتمع، من هنا لا يجب أن يأتينا العيد فنرى مثقفينا من أوائل الأشخاص الذين يرددون “عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”.

أخيرا وليس آخرا، لا تنسوا أن العيد هو مناسبة دينية وله رمزية مهمة جدا، فلن ينفعنا التشاؤم وبث الأحزان في القلوب، لذلك علينا أن نتفاءل رغم كل ما يحصل وإن بدا التفاؤل في بعض الظروف ضربا من الجنون، ففي أحيان كثيرة يكون الجنون من أعلى درجات الوعي، وكل عيد وأنتم بخير.

شريف إبراهيم أحمد (أديب من فلسطين)

العيد.. حين يصبح الفرح مسؤولية ثقافية!

حين يطلّ العيد، لا يطرق أبوابنا بقبضته وحدها، بل بذاكرةٍ كاملة. رائحة الكعك المتصاعد من أفران الأمهات، تكبيرات الفجر التي تتسلّل من المآذن كنسيمٍ دافئ، ملابس جديدة تُعلّق على حبال الانتظار، وقلوب صغيرة تخفق كطبولٍ خفيفة فرحًا بالعيدية. العيد ليس يومًا في التقويم، بل حالةٌ إنسانية تتكرّر لتذكّرنا بأن الحياة – مهما أثقلتها المواسم – قادرة على أن تبتسم.

في طفولتي، كان العيد يبدأ قبل موعده بأيام. كانت البيوت تتحوّل إلى ورشات حبّ، تُغسل الستائر، تُلمّع النوافذ، ويُعاد ترتيب الأثاث كأننا نستقبل ضيفًا جليلًا. في صباحه، نمشي إلى الصلاة بثيابٍ تفوح منها رائحة النشا والصابون، نسمع التكبيرات تعلو في الساحات، فنشعر أن الكون كله يردّد معنا: “الله أكبر”. بعد الصلاة، تتعانق الأكتاف، وتذوب الخلافات الصغيرة في حرارة المصافحة. لم يكن الفرح آنذاك ترفًا، بل كان حقًا جماعيًا نتقاسمه كما نتقاسم قطع الحلوى.

لكن، هل فقد العيد معانيه اليوم؟ هل تحوّل إلى يومٍ عابر بين خصومات العمل وضجيج الهواتف؟ ربما تغيّرت المظاهر، وربما تسلّل الاستهلاك إلى بعض تفاصيله، لكن جوهر العيد لا يشيخ. لا يزال العيد فرصةً نادرة لإعادة ترميم العلاقات، ولمداواة ما تصدّع في الروح. لا يزال يحمل في أعماقه وعدًا بالصفح، وإشارةً خفية بأن الإنسان أكبر من همومه.

وهنا يبرز دور المثقف.. فالمثقف ليس شاهدًا محايدًا على تبدّل المواسم، بل صانعُ معنى. وإذا كان العيد “صناعة فرح”، فإن للمثقف نصيبًا من هذه الصناعة. ليس مطلوبًا منه أن يوزّع البهجة كمنشوراتٍ ورقية، بل أن يذكّر الناس بأن الفرح فعلُ مقاومةٍ للجفاف الروحي، وأن الضحكة في وجه العتمة موقفٌ ثقافي بامتياز.

المثقف الذي يكتب قصةً عن أمٍّ تُخبّئ العيديّة في وسادة طفلها، أو قصيدةً عن يدٍ تمتدّ بالصفح، أو مقالًا يستعيد طقوس الحيّ القديم، إنما يزرع بذور الفرح في تربة الوعي. الثقافة ليست ترفًا فكريًّا، بل هي القدرة على إعادة اكتشاف الجمال في تفاصيلٍ نظنها عادية. حين يسلّط المثقف الضوء على المعاني الإنسانية للعيد – التكافل، صلة الرحم، العطاء، التسامح – فهو يعيد للعيد بهاءه الذي قد تبهت ألوانه تحت ضغط الحياة.

في السنوات الأخيرة، عرفت مجتمعاتنا العربية تحدياتٍ كثيرة؛ ضيقًا اقتصاديًّا، وتغيّرات اجتماعية، وانشغالاتٍ يومية لا تنتهي. ومع ذلك، ما إن يهلّ العيد حتى نرى الشرفات تتزيّن، والأطفال يركضون بملابسهم الجديدة، والعائلات تجتمع حول مائدةٍ متواضعة لكن عامرة بالمحبة. هذا المشهد وحده دليلٌ على أن القدرة على الفرح لم تمت. ربما أصبحت أكثر هدوءًا، أقل صخبًا، لكنها لا تزال حيّة.

العيد في الغد لن يكون نسخةً مطابقة لعيد الأمس، فالأزمنة تتبدّل. لكن ما دام في قلوبنا متّسعٌ لابتسامة، وفي بيوتنا مكانٌ لزائر، وفي أقلام مثقفينا رغبةٌ في إشاعة الضوء، فإن العيد سيبقى أكثر من يومٍ عابر. سيبقى طقسًا إنسانيًّا يعيدنا إلى أصلنا: كائناتٍ تبحث عن المعنى، وتحتاج إلى الفرح كما تحتاج إلى الهواء.

إن صناعة الفرح ليست مهمة فردٍ واحد، لكنها تبدأ بفكرة، بكلمة، بلمسة. والمثقف – بما يملك من وعيٍ وأدوات – قادرٌ على أن يكون شرارة هذا الفرح. فحين يكتب، أو يبدع، أو يذكّرنا بجمال البدايات، فإنه يقول لنا بلغةٍ غير مباشرة: ما زال في العيد ما يستحق الاحتفاء.

وهكذا، يبقى العيد مرآةً لقلوبنا؛ إن صفَت، أضاءت أيامنا كلها.. لا يومًا واحدًا فقط.

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية باتحاد كتاب مصر)

ملامح الفرح في وجدان الشعوب.. العيد.. أحاديث من الذاكرة وأخرى لرؤية المستقبل

يأتي عيد الفطر هذا العام في ظل ظروف عالمية تنتزع الفرح والسرور من نفوس المسلمين، وتزرع مكانه الكآبة والأحزان، فهل فقد العيد معانيه النبيلة وتحول إلى مجرد يوم مثل باقي أيام العام الأخرى؟ وهل فقد جمالياته وأبعاده الروحانية والاجتماعية والإنسانية، أم أنه لا يزال يحتفظ بجوهره وروحه ويحقق أهدافه في النفسية الفردية والمجتمعية على حدّ سواء؟

هذه أسئلة تطرح نفسها بقوة في محيط أمتنا العربية والإسلامية لأنَّ الحديث عن العيد هو حديث عن “صناعة الفرح” ولا شك أنَّ المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح مهما كانت الظروف صعبة وقاسية، ويتحمّل المثقف مسؤوليةً في صناعة الفرح أو زراعته وتسويقه في مجتمعه وأمّته.

ولطالما كان العيد في الثقافة العربية والإسلامية أكثر من مجرد تاريخ على التقويم؛ إنه محطة روحية واجتماعية تكسر رتابة الأيام وتجدد دماء المودة في عروق المجتمع، ولكن مع تسارع عجلة الزمن وتغير أنماط الحياة، يبرز التساؤل: ألا يزال العيد هو “العيد” الذي نعرفه، أم أنَّ ملامحه قد ذابتْ في صخب الحداثة؟ وبعبارة أخرى هل فقد العيد جوهره؟

يرى البعض أنَّ العيد فقد بريقه وتحول إلى يوم “عادي” يغلب عليه النوم أو الانعزال خلف الشاشات، ولكن الحقيقة أنَّ العيد لم يفقد معانيه النبيلة، بل تغيرتْ وسيلة التعبير عنها.

الأبعاد الروحانية: لا تزال صلاة العيد وتكبيراته تملأ النفوس بطمأنينة لا تضاهى، مما يؤكد أنَّ الجانب الروحي لا يزال حياً

الأبعاد الاجتماعية: رغم غزو وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنَّ العيد يظل المناسبة الوحيدة التي تجبر العائلات على “اللمة” الحقيقية، حتى وإنْ قصرتْ مدتها.

جوهر الفرح: العيد لم يفقد جمالياته، بل انتقل من “الفرح الفطري البسيط” إلى “الفرح المنظم”؛ فبينما كانت فرحتنا قديماً بثوب جديد، أصبحتْ اليوم بالسفر أو الفعاليات الترفيهية.

صناعة الفرح: مسؤولية المثقف والمجتمع

ولما كان الحديث عن العيد هو بالضرورة حديث عن “صناعة الفرح”، فإننا نؤكد أنَّ المجتمعات العربية تمتلك قدرة أسطورية على ابتكار البهجة حتى في أحلك الظروف السياسية والاقتصادية، فالفرح في بلادنا هو نوع من “المقاومة” بالحياة.

دور المثقف: لا ينتهي دور المثقف عند تحليل الأزمات، بل يمتد ليكون “مهندسا للبهجة”، فعليه أنْ يزرع الأمل، ويحارب ثقافة اليأس، ويؤصل لقيم التراحم والاحتفاء بالحياة كجزء من الهوية العربية.

العيد: رحلة عبر الزمن

كان العيد في الأمس (الطفولة): فرحا بملابس العيد بجانب الوسادة، وترقبا للعيديّة الورقية الجديدة برائحتها المميزة، واللعب في الحارة مع أبناء الجيران.

والعيد اليوم (الواقع): التهنئة عبر “واتساب” والرسائل الجاهزة، والتحويلات البنكية والمحافظ الإلكترونية، والسفر والسياحة أو المقاهي والمجمعات.

أما العيد في الغد (المستقبل): فستكون الأعياد رقمية (واقع افتراضي ومعزز)، وتجارب ترفيهية ذكية وفردية، واحتفالات عابرة للحدود عبر التكنولوجيا.

ذكرياتنا وتطلعاتنا

في طفولتنا، كان العيد يعني تلك التفاصيل الصغيرة: رائحة كعك العيد التي تفوح من البيوت، وصوت الألعاب النارية البسيطة، والانتظار الطويل لصباح العيد، فكانت الفرحة “جماعية” بامتياز.

أما في الأعوام القليلة الماضية، فقد طغتْ المسافات وازداد الانشغال، لكن العيد ظل يثبت في كل مرة أنَّ المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح، فنحن شعب يعرف كيف يضحك وسط الدموع، وكيف يفتح بيوته للغرباء قبل الأقرباء في يوم العيد.

رؤية للمستقبل

العيد القادم لن يكون بالضرورة أقل جمالاً، بل سيكون مختلفا، قد تتغير الأدوات، وتتطور طرق الاحتفال، لكن الحاجة الإنسانية للتواصل والشعور بالانتماء ستظل هي المحرك الأساسي، وسيبقى العيد فرصة لترميم ما أفسدته الأيام في نفوسنا.

وإحياء الماضي بلمسة عصرية لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، بل يعني تسخيرها لخدمة “الدفء الإنساني” الذي ميز أعياد زمان.

وهذه بعض الأفكار العملية لدمج طقوس الأمس بأسلوب اليوم:

ركن الضيافة التفاعلي: قديما كان “طبق العيد” يتنقل بين الأيدي، اليوم يمكنك تصميم ركن خاص في المنزل، فبدلاً من تقديم الكعك والحلويات بشكل تقليدي، صمم “منصة للضيافة” تحتوي على أنواع الكعك التقليدي بجانب خيارات حديثة (مثل الكعك المحشو باللوتس أو الشوكولاتة).

العيدية.. من الظرف الورقي إلى “تغليف التجربة”: لما كانت العيدية هي روح العيد للأطفال، فيمكن تحديث طريقة تقديمها، فبدلاً من إعطاء المال يداً بيد، استخدم “صناديق المفاجآت”، أو ضع العيدية داخل بالونات هيليوم، أو داخل صناديق خشبية صغيرة تتطلب حل “لغز” بسيط لفتحها.

اللمسة العصرية: يمكنك استخدام “البطاقات البنكية مسبقة الدفع” للأطفال الأكبر سنا، مغلفة داخل ظرف ورقي مصمم يدويا بعبارات تراثية، لدمج التقنية باللمسة الشخصية.

سينما العيد المنزلية

قديما كان العيد مرتبطا بمسرحيات معينة أو أفلام كلاسيكية على التلفاز، ويمكن تخصيص سهرة عائلية لمشاهدة مسرحية كوميدية قديمة أو فيلم مرتبط بالذاكرة الجماعية.

اللمسة العصرية: استخدم جهاز العرض الضوئي (Projector) لتحويل جدار الغرفة إلى شاشة سينما كبيرة، مع توفير “ركن الفشار” المنزلي، مما يعيد خلق أجواء البهجة الجماعية بعيداً عن الشاشات الصغيرة الفردية.

توثيق اللمة

الصور العائلية هي كنز العيد، واليوم يمكننا جعلها طقساً ممتعاً، وذلك بتخصيص زاوية في المنزل للصور، مزينة بستائر من القماش التراثي أو “الفوانيس” و”الأهلّة”.

اللمسة العصرية: استخدم كاميرات “الفوري” التي تخرج الصور فورا لتعطي شعور صور السبعينيات والثمانينيات، أو استخدم تطبيقات الهاتف التي تضيف تأثير “الفيلم القديم” على الفيديوهات العائلية لمشاركتها فورا.

إعادة إحياء تجهيز الكعك

كانت رائحة خبيز العيد هي الإعلان الرسمي عن قدومه، فلا تشترِ كل شيء جاهزا؛ بل خصص يوماً لصنع “صنف واحد” من حلويات العيد في المنزل بمشاركة الأطفال.

اللمسة العصرية: استخدم القوالب الحديثة التي تطبع عبارات مخصصة مثل “عيد عائلة (اسم العائلة)”، وشارك النتائج في “بث مباشر” أو “ستوري” مع الأقارب المغتربين لتشعروا بأنكم في مكان واحد.

نصيحة ذهبية: السر في إحياء طقوس العيد يكمن في “المشاركة لا المشاهدة”، فاجعل كل فرد في العائلة مسؤولاً عن مهمة (تزيين، أو تنسيق موسيقى، أو تحضير ضيافة)، فهذا هو جوهر العيد الحقيقي.

أغاني العيد

كلاسيكيات “صباح العيد” (الطقوس الروحية والبهجة الأولى): هذه الأغاني لا يكتمل العيد بدونها، فهي بمثابة “الإعلان الرسمي” عن الفرح:

– تلبية العيد (لبيك اللهم لبيك): بأصوات جماعية مؤدية بخشوع، وهي الأنسب للحظات الفجر الأولى.

– يا ليلة العيد (أم كلثوم): الأيقونة الخالدة التي تجعلنا نشعر بجمال “الليلة” التي تسبق يوم الزينة.

– أهلاً بالعيد (صفاء أبو السعود): الأغنية التي لا تكبر أبداً، وهي المحرك الأول لبهجة الأطفال وحركتهم في الصباح.

أغانٍ حديثة بلمسات شبابية (للطاقة والنشاط): هناك أغانٍ صدرت في السنوات الأخيرة وتميزت بإيقاعات سريعة وتوزيع موسيقي عصري:

– العيد أهو (تامر حسني): تتميز بروح التفاؤل والبهجة وتناسب التجمعات الشبابية.

– جاء العيد (بالعربي) – (حمود الخضر): أغنية مبهجة جداً تركز على قيمة التواصل والابتسامة، وتوزيعها الموسيقي عالمي وحديث.

– عيدنا (مشاري راشد العفاسي): تمزج بين الكلمات الراقية والإيقاع الخليجي المودرن الذي يبعث على السرور.

“تراث متجدد” (أغنيات قديمة بتوزيع حديث): هذه الأغنيات أعاد مطربون حاليون غناءها بأسلوب “الريمكس” أو بتوزيع موسيقي جديد:

– من العايدين (محمد عبده – نسخة الحفلات الحديثة): تعطي شعوراً بالفخامة والترحاب الضخم بالضيوف.

– يا ليلة العيد (بصوت هيثم شاكر أو ريهام عبد الحكيم): إعادة إحياء للأغنية الأصلية بآلات موسيقية حديثة وصوت نقي جدا يناسب أجهزة الصوت المنزلية المتطورة.

– أهلاً أهلاً بالعيد (فرقة طيور الجنة أو سبيستون): نسخ مطورة للأطفال تجعلهم يتفاعلون مع الكلمات القديمة بإيقاع يناسب جيلهم.

أغانٍ من “زمن الفن الجميل” (لجلسات السمر والهدوء):

– الليلة عيد (ياسمين الخيام): صوت دافئ جداً يناسب جلسات شاي العصر مع الأهل.

– أيام العيد (فيروز): لمسة من الرقي والهدوء النفسي، مثالية للحظات الاسترخاء في العيد.

ولأدبائنا الكبار مع العيد وقفات نذكر منها وقفة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، فقد كان عيد الفطر يحتل مكانةً خاصة في وجدانه، إذ لم يكن العيد عنده مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، أو طقسًا من طقوس الفرح الظاهري، بل كان حدثًا روحيًّا وإنسانيًّا عميق الدلالة، تتجلى فيه معاني الإيمان، وتتفتح فيه مشاعر الرحمة، وتشرق فيه القيم الأخلاقية التي يُراد للمجتمع أنْ يعيشها ويستبقيها.

وقد عالج الرافعي فكرة العيد في عدد من مقالاته الأدبية، ولا سيما في كتابه الشهير “وحي القلم”، حيث قدّم رؤية فلسفية وروحية للعيد، تجعل منه لحظة صفاء للنفس الإنسانية بعد مجاهدة طويلة في شهر رمضان، فالإنسان – في نظره – يخرج من مدرسة الصوم وقد تهذّبت غرائزه، ورقَّت مشاعره، فيأتي العيد إعلانًا لنجاح هذه التجربة الروحية.

العيد عند الرافعي: فرح الروح لا فرح المظاهر

لم يكن الرافعي من أنصار الفرح السطحي الذي يقتصر على الملابس الجديدة أو مظاهر الزينة، بل كان يرى أن العيد الحقيقي هو عيد القلب، فالعيد عنده هو اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه انتصر على نفسه، وأنه استطاع أنْ يسمو بروحه فوق الشهوات والعادات.

ولهذا نجده يقول في أحد تأملاته إنَّ العيد ليس يومًا يلبس فيه الناس الجديد فحسب، بل هو يوم “تلبس فيه القلوب معاني الرحمة والمحبة”.

فالرافعي يحوّل العيد من مناسبة اجتماعية إلى تجربة أخلاقية وروحية، تتجدد فيها إنسانية الإنسان.

البعد الاجتماعي للعيد

يرى الرافعي أنَّ من أعظم حكم العيد أنه يعيد بناء العلاقات الإنسانية في المجتمع. ففي العيد يتزاور الناس، وتتصافى القلوب، وتُغلق أبواب الخصومات، وكأن المجتمع يبدأ صفحة جديدة من الصفاء.

ولهذا كان يؤكد أنَّ العيد ليس فرحًا فرديًّا، بل هو فرح جماعي، وأن قيمته الحقيقية تظهر حين يشعر الفقير كما يشعر الغني ببهجة العيد، ومن هنا تتجلى حكمة زكاة الفطر التي تجعل المجتمع كله شريكًا في الفرح، فلا يبقى فيه محروم أو حزين.

فالرافعي يرى أنَّ العيد يحقق نوعًا من العدالة العاطفية والاجتماعية؛ إذ يذكّر الأغنياء بحقوق الفقراء، ويوقظ في النفوس معنى التضامن الإنساني.

العيد وتربية الوجدان

ومن أجمل ما يميز رؤية الرافعي أنه يربط العيد بتربية الوجدان، فالطفل – في نظره – يتعلم من العيد معنى الفرح البريء، ويتعلم من مظاهره قيم العطاء والمشاركة. ولذلك كان يرى أن العيد مدرسة تربوية، تنقش في ذاكرة الطفولة أجمل صور الرحمة والإنسانية.

فالطفل الذي يرى الكبار يتبادلون التهاني، ويتصدقون على الفقراء، ويجتمعون في جو من المحبة، ينشأ وفي نفسه تقديس لهذه القيم.

العيد في الأسلوب الرافعي

ولا يمكن الحديث عن العيد عند الرافعي دون الإشارة إلى أسلوبه الأدبي الفريد، فقد كان الرافعي يكتب عن العيد بلغة شاعرية عالية، تمتزج فيها الفكرة الفلسفية باللمسة الوجدانية، فعباراته تتدفق بالموسيقى والخيال، وتتحول المناسبة الدينية في قلمه إلى لوحة أدبية نابضة بالحياة.

إنَّ العيد في أدب الرافعي ليس مجرد وصف لحدث اجتماعي، بل هو تأمل في طبيعة الإنسان، وفي قدرة الإيمان على تجديد الحياة في القلوب.

وهكذا يظهر عيد الفطر في أدب مصطفى صادق الرافعي بوصفه عيدًا للروح قبل أنْ يكون عيدًا للمظاهر، وعيدًا للمجتمع قبل أن يكون عيدًا للفرد. إنه لحظة إنسانية كبرى تتلاقى فيها القيم الدينية مع المعاني الأخلاقية والاجتماعية، فيتحول العيد إلى رسالة رحمة، وإلى دعوة دائمة لأن يكون الإنسان أكثر صفاءً ومحبةً وعدلاً.

ولو قُدّر للرافعي أنْ يخاطب إنسان هذا العصر لقال له إنَّ العيد الحقيقي لا يصنعه الضجيج ولا الاستهلاك، وإنما تصنعه القلوب التي تعلّمت في رمضان كيف تنتصر على أنانيتها، وكيف تفتح أبوابها للنور والإنسان.

عيد الفطر عند الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي

يُعَدّ مصطفى لطفي المنفلوطي من أبرز أدباء العربية في مطلع القرن العشرين، وقد تميز أسلوبه الأدبي بالجمع بين العاطفة الصادقة واللغة الرفيعة والنزعة الإنسانية العميقة، ولم يكن حديثه عن الأعياد حديثًا عن مظاهرها الخارجية فحسب، بل كان ينفذ إلى ما وراءها من معانٍ أخلاقية واجتماعية وروحية، ومن هنا جاءت رؤيته لعيد الفطر رؤية إنسانية أخلاقية تتجاوز الزينة والاحتفال إلى قيم الرحمة والتكافل.

يرى المنفلوطي أنَّ عيد الفطر ليس يومًا للمرح العابر أو للزينة الظاهرة وحدها، وإنما هو ثمرة عبادة طويلة عاشها المسلم في شهر رمضان، فالعيد في نظره هو يوم الجزاء المعنوي بعد مجاهدة النفس بالصيام والقيام، وهو إعلان لفرح الروح قبل فرح الجسد.

ولذلك فإن العيد الحقيقي عنده هو فرحة الضمير بالطاعة، وابتهاج القلب بالقرب من الله، لا مجرد لبس الثياب الجديدة أو إعداد الموائد العامرة.

وكان المنفلوطي شديد الحساسية تجاه الفوارق الاجتماعية التي تظهر في أيام العيد، فقد كان يرى أنَّ العيد لا يكتمل معناه إذا بقي الفقير حزينًا أو محرومًا، ومن هنا دعا إلى أنْ يكون العيد مناسبة للتراحم الإنساني، وأنْ يشعر الغني بواجباته تجاه الفقير، وأنْ تمتد الأيدي بالعطاء حتى لا يبقى في المجتمع قلب منكسر أو نفس محزونة، فالابتسامة التي ترتسم على وجه طفل فقير يوم العيد ـ في نظره ـ أصدق تعبير عن روح العيد من كل مظاهر الترف.

ولعل هذا البعد الإنساني في رؤية المنفلوطي للأعياد يتصل بطبيعته الأدبية التي تميل إلى تصوير آلام الناس البسطاء ومعاناتهم، فقد كان يرى أنَّ الأدب رسالة أخلاقية قبل أنْ يكون صناعة لفظية، وأنَّ واجب الأديب أنْ يوقظ في المجتمع ضميره الإنساني، ولذلك لم يكن حديثه عن العيد وصفًا للمواكب والاحتفالات، بل كان دعوة إلى إحياء معاني المودة والرحمة بين الناس.

كما أنَّ المنفلوطي كان يربط بين العيد وصفاء النفس؛ فبعد شهر من الصيام والعبادة ينبغي للإنسان أنْ يخرج من رمضان بروح جديدة، نقية من الضغائن والأحقاد، ومن هنا يصبح العيد مناسبة للمصالحة والتسامح وتجديد العلاقات الإنسانية على أساس من الصفح والمحبة.

ومن خلال هذه الرؤية يتضح أنَّ عيد الفطر عند مصطفى لطفي المنفلوطي عيدٌ للروح قبل أنْ يكون عيدًا للمظاهر، وعيدٌ للمجتمع قبل أنْ يكون عيدًا للفرد، إنه يوم تتجلى فيه القيم التي ربّى عليها رمضان النفوس: الرحمة، والعطاء، والتسامح، والتكافل.

وهكذا يتحول العيد في أدبه من مناسبة زمنية عابرة إلى رسالة إنسانية عميقة تعيد للإنسان إنسانيته، وتذكّره بأنَّ الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا عمَّ الجميع.

وإذا كان الأدب مرآةً لوجدان الأمة، فإنَّ حديث المنفلوطي عن العيد يكشف عن ضميرٍ حيٍّ كان يرى في الأعياد فرصة لإحياء الفضائل، وبعث الأمل في القلوب، وترسيخ المعاني الإنسانية النبيلة التي يقوم عليها المجتمع السليم.

عيد الفطر عند الأديب الكبير أحمد حسن الزيات

يُعَدّ أحمد حسن الزيات واحدًا من كبار أدباء العربية في العصر الحديث، ومن ألمع كتاب المقالة الأدبية في القرن العشرين، وقد عُرف بأسلوبه البياني الرفيع، ونزعته الإصلاحية التي تجمع بين جمال العبارة وعمق الفكرة، وكان حديثه عن الأعياد – ومنها عيد الفطر – حديث الأديب الذي ينظر إلى المناسبة نظرة روحية وإنسانية، لا تقتصر على المظاهر الاجتماعية وحدها.

يرى الزيات أنَّ العيد في جوهره محطة من محطات التجديد الروحي في حياة الإنسان؛ فهو يأتي بعد شهر كامل من الصيام والعبادة، فيكون إعلانًا عن انتصار الإرادة على الشهوة، واحتفاءً بصفاء النفس بعد رياضتها في مدرسة رمضان، ولذلك فإنَّ العيد عنده ليس مجرد يوم للفرح الظاهري، بل هو فرح معنوي عميق، يتجلى في إحساس المؤمن بأنه خرج من رمضان وقد تزكّت روحه وتهذبت أخلاقه.

وكان الزيات – بطبيعته الأدبية الرقيقة – شديد الحسّ بما يحيط بالعيد من مشاعر إنسانية، فهو يصور صباح العيد تصويرًا مفعمًا بالجمال: الناس يخرجون إلى الصلاة بقلوب مشرقة، والوجوه تشرق بالابتسامة، والأطفال يلبسون الجديد في مرح وبراءة، فتغدو المدينة كأنها قد اغتسلت من عناء الأيام واستقبلت فجرًا جديدًا من الأمل.

غير أنَّ الزيات، مثل كثير من أدباء جيله، لم يكن يكتفي بوصف مظاهر العيد، بل كان يقف عند معانيه الاجتماعية والأخلاقية، فهو يرى أنَّ العيد مناسبة لإحياء روح التضامن بين الناس، وأنَّ المجتمع الذي لا يشعر فيه الغني بحاجة الفقير لا يفهم حقيقة العيد، ومن هنا كان يربط بين فرحة العيد وواجب التكافل الاجتماعي، مؤكدًا أنَّ سعادة العيد لا تكتمل إلا إذا شارك فيها الجميع.

كما كان الزيات يلحّ على معنى التسامح في أيام العيد؛ فالعيد في نظره فرصة لمحو الضغائن وتجديد روابط المودة بين الناس، وإذا كان رمضان قد علّم النفس الصبر والتقوى، فإنَّ العيد ينبغي أنْ يكون بداية حياة أخلاقية جديدة، يسود فيها الصفح والرحمة.

ويمتاز حديث الزيات عن العيد كذلك بطابعه الحضاري؛ فقد كان يرى أنَّ الأعياد في حياة الأمم ليست مجرد طقوس اجتماعية، بل هي علامات على حيوية الأمة وقدرتها على الاحتفاظ بقيمها الروحية، ولذلك كان يحرص في كتاباته على إبراز ما في الأعياد الإسلامية من معانٍ سامية تجمع بين العبادة والفرح، وبين الروحانية والحياة الاجتماعية.

وهكذا يظهر العيد في أدب أحمد حسن الزيات عيدًا للروح والمجتمع معًا؛ عيدًا تتجدد فيه القلوب بعد العبادة، وتتقارب فيه النفوس بعد التباعد، وتشرق فيه معاني الرحمة والتكافل، ومن خلال لغته الرفيعة وتصويره العاطفي العميق، استطاع الزيات أنْ يجعل من العيد في مقالاته صورة أدبية مشرقة، تعكس جمال القيم الإسلامية وسموها في حياة الإنسان والمجتمع.

أما عن ذكرياتنا مع العيد فقد تطورتْ باختلاف أطوار الحياة من الطفولة المبكرة إلى اليفاعة ثم الشباب، ثم الرجولة، ومرحلة الأبوة ثم مرحلة الشيخوخة التي اقترنت بالأحفاد، ولكل مرحلة ذكرياتها الجميلة التي نسعد بها في حينها، أو نسعد بها لدى استرجاعها، وقد نتمنى استعادتها ولكن هيهات.

كما أنَّ العيد يختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية والنفسية التي يمر بها الإنسان، وقديما كتب المتنبي عن العيد فقال:

عيد بأية حال عدت يا عيد — بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالبيداء بينهم — فليت دونك بيدا دونها بيد

وقد حاكيت المتنبي وعارضته في قصيدتي “خنساء مكة” المهداة إلى أختنا الفاضلة الشاعرة المبدعة والناقدة القديرة أم مرافئ الدكتورة “إنصاف علي بخاري” مع خالص مودتي في الله وتقديري، وذلك ردا على تهنئتها الشعرية الرقيقة لنا في عيد الأضحى المبارك عام1427 هـ والتي مطلعها:

يا عيد وجهك أفراح وتغريـد — واليوم كالأمس ما في الأمر تجديد

فقلت فيها متمنيا لأمة الإسلام نهوضا من كبوتها، وما ذلك على الله بعزيز.

خنساء مكة من أخلاقها الجــــــــود — حيت وخير تحاياها الأناشيـــــــد

أرسلت بيتا فريــــــدا في تحيتهــــا — لسيد الشعر كم غنت به البيــــــــد

ما زال يصدق في وصف انتكاستنا –” عيد بأية حال عدت يا عيـد ”

يا أيها المتنبي تلك حالــتنـــــــــــــا — عبر القرون، فما في الأمر تجديـد

أوضاع أمتنا تغتــــال بهـجـتـنــــــا  — فأين يا سيــدي أبطالنا الصيـــــــد

في كل زاوية تلقاك جائحــــــــــــة  — قتل وأســر وتجويع وتشريـــــــــد

لكن خنساءنا راحت تبشــــــــــرنا  — أنْ ســوف يحصل للإسلام منشـود

” ما دام لله في أعماقنا وهــــــــــج منـه سان فؤاد الكون تحمـيــــــد

أم المرافئ أنت الــــود أجمعــــــــه — ” من وقعه صار للأعماق تنشيد”

يا بنت مكة يا صنو الصفـــــاء لكم — منا الوفــــــــاء، وحبل الود ممدود

أختاه شعرك بالآمال يغـمـــــــــرنا  — فالعيد عندك أفراح وتغريـــــــــــد

من قلب مكة تمتاحين أخيلـــــــــــة — تغزو القلوب بسحر ثم موجــــــود

فيها رحيق الهدى والنور مكتنــــــز        ماذا، أشعرا أرى أم ذاك عنقـــــود

بوركت يا أختنا والله يحفظــــــــكم  — فنبع أشعاركم صاف ومـــــــورود

وقد كتبتُ عن العيد أثناء وجودي للعمل في السعودية وكنتُ قد قضيتُ العيد في المدينة المنورة بعيدا عن الأسرة فقلت بعنوان “يا ليلة العيد”: وكتبت بالمدينة المنورة ليلة عيد الفطر المبارك 1428هـ، وكتب نصفها الأخير على الصفة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد عصر يوم العيد.

يا ليلة العيــد أين الأهـــل والـــــــدار — يا ليتــهـــــم معـــــنا للبيــــت عـــمــار

يا ليتهم معنـا نحظى بصحبتـــهــــــم — في حضرة المصطفى إذ نحـــن زوار

لم ننسهم بالدعا في المسجـــدين وفي — شهــر الصيــام، ففي البيتين أنـــــــوار

وفي الصيام دعاء العبـــــد يقبـلــــــه — رب كريـــــم له في الصـــوم أســـرار

نرجو تفضله بالعتـــــــــق في كـــرم — عنا وعنكم، فلا تمسســــكم النــــــــار

أنتم أحبتنا يا طـيب معــــــــدنـــكــــم — من حبنا لكم أهل الهـــــوى غـــــاروا

وكيف لا وصميم القلـــب منزلــــــكم — لولا محبتــــــكم لم تـعـــــمــــر الـــدار

يا رب بارك لنا فيكم وفي وطــــــــن — يهفو فؤادي له والعـــقــل يحتـــــــــار

لولا مشقة عيش فيه ما نزحــــــــــت — منه العقول، ولا للأصعــب اختــاروا

لله هجرتنا في الأرض واســــعـــــــة — نرجو رضاه، فهل في هجـــرنا عــار

ما دام في موطني قوم له حـــكمــــوا — إنا إلى ربنا منــــهـــــم لــفـــــــــــــرار

لم يرقبوا فيــــــــــه لا إلا ولا ذممـــا — فحسـبنــــــــا الله، إن الله قــــهـــــــــار

يا رب هيء لنا من أمـــــرنا رشــــدا — واهد العصاة ومن في موطني جـاروا

وهب لنا رحمة في هذه ولهـــــــــــم — يــــا رب إنك وهـــــــاب وغفـــــــــار

واحقن دماء جرت من أمتي هــــدرا — في كل فـــــج دماء القــــوم أنهــــــــار

خـلــوا جهاد العدا فالذل لازمـــهــــم — قد جاءهم مــــن رسول الله إنـــــــــذار

إليك أشكو رسول الله شــــرذمـــــــة — والوا ” يهود ” فهــــم للكفر أصهـــــار

واستنصروا بالنصارى ضد إخوتهم — من هول خزيهم أهل الحجــــا حــاروا

الله حذرهم من سوء صنعهــــــــــــم — يا بئس ما صنعوا، منهـــم إذا صـاروا

أين الأولى ركزوا أعلام عزتنـــــــا — في الخافقــــــــين، وجنـــد الله كـــــرار

هذا صلاح وذا سيف العلا قطـــــــز — بل أين خالــــد سيــف الله بتــــــــــــــار

أين الرشيد ومأمون ومعتصــــــــــم — أين الخلائف من للعرض قــــد ثــاروا

فمن لنا اليوم حيث العرض منتهــك — فأين معتصـــم، والجـيــــش جـــــــرار

وأين من هدموا الأصنام في ثقــــــة — من عزهم دخلـــت في الـدين أمصـــار

وأين من صلبوا لم يثنـهـــــم رهـــب — أو يلههم رغب، للجنـــة اختـــــــــاروا

خباب يا فارسا ما مثلـه أحـــــــــــــد — يا آل ياسر صبــــرا، فـــاز عمــــــــار

بل أين “حيدرة” صهر الرسول لــه — بين الصفــوف أهــــــازيـج وأشعــــار

مهما أعدد ليس العد يحصرهــــــــم — منهم مهـــاجـــــرة فـــازوا وأنـصــــار

يا من له خضعت منا الجبــــاه ويــا — رب العبـــــاد، أغـــفــــــار وقـهـــــــار

أكرم وفادتنا يا رب وامنحـنــــــــــا — أعلى الجنـــان بها حـــــــــور وأنهـــــار

وقد يتأثر الشاعر بالظروف السياسية التي يمر بها وطنه، فيكتب عن العيد انطلاقا من مسؤوليته الثقافية، وقد قلتُ عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير مخاطبا العيد قصيدة “يا عيد”، وذلك في الثالث من شوال 1432 هـ، الموافق للفاتح من سبتمبر 2011م، قلت فيها:

يا عيد فطر أتى والقلب مفطـور — والنفس في حسرة والعقل مأسـور

في كل زاوية من أمتي خطــــر — يــا رب لطفك فالإسلام مقهـــور

أدرك شعوبا تعاني من جبابـــرة — عاثوا فسادا فعم القوم ديجـــــور

لم يرقبوا إلا فيهم ولا ذممـــــــا — فاخسف بهم ربنا، وليشرق النــــور

وصن بفضلك يا الله أمتنــــــــــــا — من التشرذم، أمر الله ميســــــــور

واحقن دماء جرت في كل ناحية — تشكو فراعنة أحكامهـــــــم زور

وهب لنا رحمة نحيا بها أبـــــــدا — فمن رحمت إلهي فهو منصـــــور

ولعلنا نكتفي بما ذكرنا داعين الله أنْ يأتي العيد بالسلام والأمن على أمتنا العربية والإسلامية المستهدفة من الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية، والله المستعان.

عبد السلام عابد (أديب من فلسطين)

طفل العيد..

خلال أيام العيد الماضي، رأيت طفلا لا يتجاوز عمره ثلاثة عشر عاما، يرتدي ملابسَ رثّة، وينتعل حذاء ممزقا، ويجلس على حجر وسط ركام المنازل. كان ينظر بعينين حزينتين إلى مجموعة من البنات والصبيان في مثل عمره، الذاهبين إلى أرجوحة بدائيّة، كي يرفّهوا عن أنفسهم وسط هذا الدمار الرهيب… بعد أن تأمل لمشهد، شبّك يديه فوق ساقيه النحيلتين، وانخرط في حزن وبكاء شديدين…

هزّني مشهد الطفل الباكي من الأعماق، وتساءلت: ما الذي تذكّره هذا الفتى الوحيد؟ وماذا حلّ بأسرته؟ وما الأهوال التي ينوء تحت ثقلها؛ بسبب هذه الحروب الشنيعة، ونتائجها المريعة؟ هل فقد أمّه وأباه وأخواتِه وإخوتَه؟! هل هو جائع أم عطشان؟ هل هو وحيد وخائف؟! هل يتذكّر أيام العيد البهيجة، مع الأهل والأسرة والأقارب والجيران في حيّهم الذي كان عامرا بأهله، ويقارنها بواقعهم البائس الذي يعيشون فيه، دون طعام أو شراب أو أمن وأمان واطمئنان؟!…

أسئلة كثيرة دارت في ذهني، وأنا أراه في هذا المشهد الإنساني الموجع… إلى أن قلت: ماذا تنتظر البشرية؟! وإلى متى تتواصل فصول هذه الأهوال بشدائدها ومآسيها التي تَتعَبُ الجبالُ من حملها؟!

غدير حميدان الزبون (كاتبة من فلسطين)

في مسؤولية المثقف عن ترميم الروح الجماعية!.. العيد تكبيرٌ يشقّ العتمة ويصنع الفرح

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

منذ أن أطلق “المتنبي” سؤاله المعلّق بين الحسرة والترقّب صار العيد موضوع مساءلةٍ كبرى لا مجرّد مناسبة احتفالية. إذ يتجاوز الشاعر في بيته الشهير وصف الحالة إلى تفكيكها، فهل العيد عودةُ ما كان من تكرار الوجع في هيئة يومٍ ملوّن؟ أم يحمل في طيّاته قدرةً على التجديد، وعلى خلخلة الرتابة، وعلى فتح ثغرةٍ في جدار الأيام الثقيلة؟ هذا السؤال لم يفقد راهنيّته، فقد بات يتردّد صداه كلّ عامٍ في وجدان الفرد العربي، خصوصا في الأزمنة المثقلة بالقلق.

فالعيد لا يدخل فراغا، إنّه يطرق أبوابا تعرف الفقد، ويصافح قلوبا اختبرت الانكسار، ويجلس إلى موائد تختلف فيها درجات الوفرة، لذلك لا يمكن النظر إلى العيد بوصفه طقسا معزولاً عن السياق، ولا اعتباره استراحةً قصيرةً من التاريخ. العيد اختبارٌ لعلاقتنا بالزمن، فهل نستسلم لتكرار ما مضى، أم نمتلك شجاعة التجديد؟

إنّ سؤال “المتنبي” يحمل في داخله حجاجا ضمنيًّا، فالتجديد ليس معطى جاهزا يأتي مع العيد، هو فعلٌ يصنعه الناس. وإن عاد العيد كما مضى، فذلك لأنّنا عُدنا إليه بالوعي ذاته، وبالعادات الخاوية ذاتها، والعلاقات المتعبة نفسها، أمّا إن جاء بأمرٍ فيه تجديد، فالمسؤولية تقع على عاتق المجتمع في أن يضخّ في المناسبة روحا حيّة، وأن يُعيد تعريف الفرح خارج منطق الاستهلاك والتكرار.

إنّ التكرار سمة الزمن، أمّا المعنى فينشأ من الوعي، والأعياد تتكرّر بحكم التقويم، غير أنّ قيمتها لا تُقاس بعدد مرّاتها، إنما بقدرتها على إحداث أثرٍ داخلي. والعيد مساحةٌ لإعادة ترتيب الأولويات بأن يتقدّم الصفح على العتاب، والوصال على القطيعة، والإنصات على الضجيج.

وثمّة من يرى أنّ العيد فقد جمالياته تحت ضغط الاستهلاك وتسارع الحياة، غير أنّ هذا الحكم يتجاهل حقيقةً أساسية: القيم لا تذبل تلقائيا، إنّها تضعف حين يغيب الوعي الحارس لها. الفرح يحتاج إلى ثقافةٍ تحميه، إلى خطابٍ يعمّقه، إلى مؤسساتٍ اجتماعية تُفعّله. هنا يبدأ دور المثقف.

مع الخيط الأول للفجر يرتفع التكبير من المآذن كأنّه نداءُ روحٍ تستيقظ من تعبها الطويل، فيتسرّب الصوت إلى الأزقة الضيّقة ليلامس النوافذ، ويوقظ في القلوب معنىً يتجاوز حدود اليوم العابر. العيد يخرج عن الاعتقاد بكونه تاريخاً يُشطب من الرزنامة بعد انقضائه، أو عادةً اجتماعيةً تتكرّر بدافع الألفة.

إنّه لحظةُ امتحانٍ للإنسان تسأله: هل ما زال قادراً على أن يفتح نافذةً للضوء في جدار القلق؟ وهل يستطيع أن يحفظ في داخله فسحةً للصفاء وسط صخب العالم؟

كلُّ مجتمعٍ يُقاس بقدرته على الفرح كما يُقاس بقدرته على الاحتمال؛ لأنّ الفرح ليس ترفا عاطفيًّا، ولا فائضَ وقتٍ بعد إنجاز الضرورات، إنما الفرح حاجةٌ نفسية وأخلاقية تحفظ التوازن الداخلي، وتُعيد للناس ثقتهم ببعضهم.

إنّ الأعياد في جوهرها إعلانٌ دوريٌّ عن انتصار المعنى على الرتابة، وعن أولوية الإنسان على التفاصيل اليومية التي تبتلع أيامه. ومن هنا، يغدو السؤال عن العيد سؤالاً عن الوعي الجمعي، فكيف نفهمه؟ وكيف نعيشه؟ وكيف نصونه من الاختزال في مظهرٍ عابر؟

العيد بين الطقس والجوهر

الطقوس إطارٌ يُنظّم المشاعر، والجوهر هو الروح التي تمنح الإطار حياته.  قد تتبدّل أشكال الاحتفال من جيلٍ إلى آخر، فتتغيّر الوسائط، وتدخل التكنولوجيا إلى تفاصيل المعايدة، غير أنّ القيم الكبرى تبقى راسخة بدءًا من الصفح، فصلة الرحم، فالتكافل، وانتهاءً باستعادة دفء الجماعة.

العيد لحظةُ مراجعةٍ أخلاقية تُعيد ترتيب العلاقات، وتُخفّف ما تراكم من سوء فهمٍ أو فتور. وعندما نقول إنّ العيد فقد معناه نختزل التجربة الإنسانية في مظاهرها السطحية، فما يتعرّض للتغيّر هو الشكل، أما الجوهر فيحتاج إلى وعيٍ يحفظه. وهنا تتقدّم الثقافة لتؤدّي دورها المتمثّل في إعادة تعريف الفرح خارج منطق الاستهلاك، وتأكيد أنّ البهجة مسؤولية اجتماعية، وأنّ قيمة العيد تقاس بقدر ما يتركه من أثرٍ في النفوس.

ذاكرة الطفولة: التأسيس الأول للفرح

في الطفولة، كان العيد يبدأ قبل أن يُعلن عنه التقويم، فرائحة الكعك تُخبر بأنّ الأيام المقبلة تحمل وعدا خاصا، وصوت التكبير يمنح الليل مهابةً مختلفة، أمّا الثياب الجديدة فكانت رمزا لبدايةٍ نقيّة، والعيديّة درساً عملياً في الكرم، والزيارات تدريباً على التواصل والاحترام.

في تلك التفاصيل الصغيرة تشكّل وعيٌ مبكّر بأنّ الفرح فعلٌ جماعي، وأنّ السعادة تتضاعف عندما نتقاسمها مع الآخرين.. هذه الذاكرة لا تندرج في خانة الحنين المجرد، إنّها دليلٌ على أنّ المجتمعات التي تُحسن صناعة الفرح لأطفالها تزرع فيهم قدرةً على الصمود أمام تقلّبات الحياة، فذلك الطفل الذي تعلّم انتظار العيد بصبر يتدرّب على الأمل، ويكتسب مهارة الثقة بأنّ للغد وجهاً أجمل.

العيد في زمن القلق

في السنوات الأخيرة أثقلت الأزماتُ كاهل كثيرٍ من المجتمعات العربية، من ضغوطٌ اقتصادية، وتوتّرات اجتماعية، وفقدانٌ وألم. ففي مثل هذه السياقات تتراجع بعض مظاهر الاحتفال، غير أنّ الروح لا تختفي بسهولة.

ومن تلك المظاهر: طبقٌ بسيط يُعدّ في بيتٍ متواضع، ومكالمةُ تهنئة تُعيد وصل ما انقطع، وزيارةٌ قصيرة تُرمّم علاقةً قديمة، وكلّ هذه التفاصيل تؤكّد أنّ الفرح لا يحتاج إلى وفرةٍ مادية بقدر ما يحتاج إلى إرادة.

والقدرة على الاحتفال وسط الشدّة علامةُ عافيةٍ أخلاقية؛ لأنّ المجتمع الذي يُصرّ على إحياء العيد يعلن تمسّكه بقيم الحياة، ويرفض أن يُختزل في صورة المعاناة.

المثقف وصناعة الفرح

إنّ دور المثقف يتجاوز التعليق على الظواهر إلى المشاركة في تشكيلها، فالكلمة تُعيد توجيه البوصلة، والفنّ يفتح مساحاتٍ للتأمل، والمبادرات الثقافية تُحوّل الفرح إلى ممارسةٍ واعية عبر المقالة، والمسرح، والسينما، والأنشطة المجتمعية، وبهذه الممارسات الواعية يستطيع المثقف أن يُعيد للعيد أبعاده الروحية والاجتماعية، وأن يرسّخ خطاباً يربط الاحتفال بالتكافل والتضامن.

إنّ صناعة الفرح تعني إنتاج سرديةٍ ترى في العيد فرصةً لترميم النسيج الاجتماعي. فعندما تُنظّم فعالياتٌ للأطفال، وتُخصّص مساحاتٌ لزيارة كبار السن، وتُطلق مبادراتٌ لدعم الأسر المحتاجة يتحوّل العيد إلى مشروعٍ ثقافي متكامل، فالمثقف عبر حضوره الفاعل يزرع وعياً بأنّ الفرح قيمةٌ تُبنى ولا تُستورد.

فلسطين: العيد تحت سماء مثقلة

في فلسطين، اختبر الناس أشكالاً قاسية من الألم، ولا يزال العيد يحتفظ بخصوصيةٍ عميقة، فالبيوت التي فقدت أحبةً تستقبل العيد بدمعةٍ وابتسامة، والأطفال يلبسون جديدهم إن تيسّر، والناس يتبادلون التهاني بإصرارٍ يحمل معنى الصمود. فالعيد هناك إعلانٌ عن التمسّك بالحياة، وعن رفض اختزال الإنسان في صورة الضحية.

في هذا السياق، تتعاظم مسؤولية المثقف الفلسطيني والعربي انطلاقا من أنّ الكلمة تحمي الذاكرة من التآكل، والفنّ يُعيد رسم صورة الإنسان بعيداً عن الاختزال، والحديث عن الفرح يصبح دفاعاً عن الحق في الحياة الكريمة، فالاحتفال حتى في أبسط صوره يحمل رسالةً أخلاقية مفادها أنّ الكرامة الإنسانية لا تُلغى بوطأة الظروف.

القدرة العربية على الفرح

التراث العربي زاخرٌ بمواسم الاحتفال، من الأعياد الدينية إلى الأعراس والمهرجانات الشعبية، فالأغنية، والحكاية، والشعر كلّها تشهد على حضور الفرح في الوجدان الجمعي. هذه الجذور الثقافية تمنح المجتمعات العربية رصيداً معنوياً يُعينها على تجاوز الأزمات.

فالفرح في ثقافتنا ليس إنكارا للألم، إنّه اعترافٌ بقدرة الإنسان على تجاوزه. والمجتمع الذي يحتفظ بطقوس العيد، ويحافظ على روح التكافل يبرهن أنّ الأمل ما زال ممكناً.

العيد وعدٌ متجدّد، ودعوةٌ سنوية لإعادة ترتيب الداخل، ومراجعة العلاقات، وتجديد العهد مع القيم الكبرى، ومسؤولية المثقف أن يحرس هذا المعنى، وأن يُسهم في تحويل الفرح إلى ثقافةٍ يومية، لا مناسبةٍ عابرة عبر الوعي، والإبداع، والمبادرة. ويمكن للعيد أن يظلّ مساحةً للنقاء الإنساني، وجسراً يعبر به المجتمع نحو مستقبلٍ أكثر تماسكاً.

في عالمٍ تتكاثر فيه أسباب القلق يبقى العيد شاهداً على أنّ الروح قادرةٌ على النهوض، وأنّ الفرح خيارٌ أخلاقي يتجدّد كلّما ارتفع التكبير في الفجر، وكلّما صافح إنسانٌ أخاه بقلبٍ مفتوح.

يبقى سؤال “المتنبي” مفتوحا، لأنّ الإجابة لا تُكتب في بيت شعر، إنما في سلوك مجتمع. فالعيد يعود كما نصنعه نحن، إن حمل تجديدا فبفضل وعيٍ قرّر أن يُعلي من شأن القيم، وأن يحوّل الفرح إلى مسؤولية، وإن بدا شبيهاً بما مضى، فذلك لأنّنا اكتفينا بتكرار الطقوس دون النفاذ إلى روحها.

العيد فرصةٌ سنوية لمراجعة الذات، وتجديد العهد مع المعنى، وترميم الروابط التي تآكلت تحت ضغط الأيام.

والمثقف في قلب هذه العملية شريكٌ في صناعة الجواب، فهو يكتب، ويُبدع، ويُبادر، ويذكّر بأنّ الفرح حقٌّ إنساني، وأنّ القدرة على الاحتفال رغم الصعاب علامةُ حياةٍ متجدّدة.. هكذا فقط يعود العيد بأمرٍ فيه تجديد.

ثامر سباعنة (مركز “كن بلسما” للتدريب والأبحاث، فلسطين)

العيد ودور المثقف في صناعة الفرح

هل فقد العيد معانيه، أم أننا نحن الذين أثقلتنا التفاصيل حتى لم نعد نراه كما كان؟ سؤال يتكرر كل عام، خصوصا في ظل واقع عربي مثقل بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ومع ذلك، يبقى العيد مناسبة استثنائية؛ ليس لأنه يوم مختلف في التقويم فحسب، بل لأنه طقس جماعي لصناعة الفرح، وتجديد الأمل، وترميم الروح.

في طفولتنا، كان العيد حدثا يُنتظر بشغف طويل. كانت رائحة الكعك، وصوت التكبيرات، وملابس العيد الجديدة، وزيارات الأقارب، تشكل عالما صغيرا متكاملاً من البهجة. لم يكن الفرح آنذاك معقدا؛ كان بسيطا، لكنه عميق. كنا نفرح لأن الجميع يفرح، ولأن البيوت تفتح أبوابها، ولأن القلوب تتسع. كان العيد مدرسة اجتماعية نتعلم فيها معنى المشاركة، وصلة الرحم، والعطاء.

اليوم، تغيّر الكثير. تسارعت الحياة، وازدادت الضغوط، وأصبح البعض يتعامل مع العيد بوصفه يوما إجازيًّا عابرا، أو مناسبة استهلاكية مرتبطة بالتسوق والمظاهر. لكن السؤال الأهم: هل فقد العيد جوهره فعلاً؟ أم أن جوهره لا يزال موجودا، ينتظر من يعيد اكتشافه؟

العيد في جوهره ليس طقسا خارجيًّا، بل حالة معنوية. هو إعلان جماعي بأن الإنسان قادر على الفرح رغم كل شيء. هو تمرين سنوي على التفاؤل، وعلى تذكّر أن للحياة وجهًا آخر غير التعب اليومي. ومن هنا، يصبح الحديث عن العيد حديثا عن “صناعة الفرح” لا عن انتظاره فقط.

وهنا يبرز دور المثقف والمؤثر في المجتمع. فالمثقف ليس مجرد ناقل للمعرفة، ولا مجرد محلل للظواهر، بل هو صانع معنى. وفي زمن تكثر فيه الأخبار الثقيلة، وتتزاحم فيه الشكوى، يصبح من مسؤولية المثقف أن يوازن المشهد، وألا يكتفي بسرد الأوجاع، بل يسهم في البحث عن البلسم.

فكرة “كن بلسما” يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي حقيقي. مشروع يدعو المثقفين والمؤثرين إلى أن يكونوا جزءا من علاج الجراح المعنوية، لا مجرد توصيف لها. أن يكتبوا عن الأمل كما يكتبون عن الألم، وأن يضيئوا النوافذ كما يكشفون العتمة. ليس المطلوب تزييف الواقع أو تجاهل الصعوبات، بل تقديم رؤية متوازنة تقول للناس: نعم، هناك تحديات، لكن هناك أيضاً قدرة على التجاوز.

في سياق العيد، يمكن للمثقف أن يعيد تسليط الضوء على معاني التكافل، وعلى قصص النجاح الصغيرة، وعلى مبادرات الخير التي تنتشر في الأحياء والقرى والمدن. يمكنه أن يذكّر الناس بأن الفرح فعل مقاومة للحزن، وأن الابتسامة في وجه طفل، أو زيارة مريض، أو صلة رحم منقطعة، هي أفعال ثقافية بامتياز.

أما عن المجتمعات العربية، فأعتقد أنها لا تزال تحتفظ بقدرتها العميقة على الفرح. قد يتوارى الفرح أحيانا خلف الضغوط، لكنه لا يموت. نراه في التجمعات العائلية، وفي المبادرات التطوعية، وفي إصرار الناس على تبادل التهاني مهما كانت الظروف. الفرح هنا ليس ترفا، بل حاجة نفسية وجماعية.

في الأعوام القادمة، قد تتغير أشكال الاحتفال، لكن يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على روح العيد: روح اللقاء، والعطاء، والتسامح، والبداية الجديدة. وهنا، يتأكد دور المثقف في ترسيخ هذه الروح، وفي تحويل العيد من مناسبة عابرة إلى فرصة لإعادة بناء المعنى.

العيد ليس مجرد يوم؛ إنه رسالة. رسالة تقول إن الإنسان، مهما أثقلته الأيام، قادر على أن ينهض، وأن يزرع وردة في طريقه، وأن يكون بلسمًا لغيره. وحين يدرك المثقف هذه الرسالة، يصبح شريكا في صناعة الفرح، لا مجرد شاهدا عليه.

بقلم: د. جمال سلسع (كاتب من فلسطين)

العيد.. بجمالياته الروحية والإنسانية

ما يزال العيد بمعانيه الروحية ينقش قداسة الصيام بأبعادها الدينية وسيبقى يوما له دلالاته العظيمة في النفس والقلب والضمير. وسيبقى دوما بجمالياته الدينية والوجدانية والإنسانية يحتفظ بروحانية تجمع القلوب أمام مائدة الرحمان، وهي تردد الشكر والعرفان لرب السماء الذي وهبها الاقتراب منه من خلال هذا الصيام، فتتحقق أهداف العيد ومعانيه في الإنسان والمجتمع.

أما من ناحية أخرى، فإن العيد يحمل في طياته لون الفرح والسرور رغم ما نمرّ من صعاب وظروف قاسية خاصة، وأن المثقف يحمل مسؤولية صناعة هذا الفرح بكتاباته ودوره في نشر الوعي الديني ومعانيه الروحية في قلب الإنسان.

في طفولتي، كنت أشارك أصدقائي أفراحهم ونذهب معا إلى شراء الحلويات والألعاب، وأنا أرى أهلي فرحين وهم يقدمون تهاني العيد لجيراننا المسلمين ويتسامرون معا بحكايات المحبة والتراحم.

ما يزال العيد كأيام زمان يحمل قدسية الدلالات ومعاني الفرح في الاقتراب من الله، والسرور بغسل الذنوب، وإن كان مغموسا بدماء الشهداء والجرحى والاقتحامات لأنه مغروس في وجدان الإنسان بإبعاده الروحية والدينية والتاريخية والإنسانية.

سماحة حسون (كاتب وشاعر من فلسطين)

العيد.. لحظة الفرح وصناعة الإنسان

العيد ليس مجرد يومٍ في التقويم، ولا هو فسحة زمنية بين ضغط الحياة اليومية؛ إنه لحظة تستيقظ فيها الروح، ويشعر فيها القلب بأن الحياة لا تزال قادرة على الإشراق. العيد هو مساحة للفرح الجماعي، تلتقي فيها النفوس على البسمة، وتستعيد الذاكرة شيئًا من الطفولة التي خبأتها الأيام في زوايا العمر.

أتذكر طفولتي في العيد: صباحاته كانت تفوح برائحة الخبز الحلو والحلوى الطازجة، وثياب جديدة تنتظر على المقعد، ونقود صغيرة في يدي كنت أظنها ثروة هائلة. كان العيد بالنسبة لي تجربةً حسيةً كاملة: أصوات الجيران تتداخل بالتهاني، وروائح الطعام تعبق في البيوت، وضحكات الأطفال تتردد في الأزقة وكأنها موسيقى سحرية تجعل كل شيء أكثر دفئًا وإنسانية. لم تكن الفرحة تحتاج إلى الكثير كي تولد، بل كانت تكبر بمجرد تلاقينا، بمجرد أن نتشاركها.

اليوم تغيّر المشهد، وربما أصبح العيد أكثر انشغالًا وسرعة، لكن جوهره لم يتبدل. بل ربما أصبح أكثر حاجةً للإنسان؛ فالضغط، والقلق، وروتين الحياة اليومية.. جعلوا لحظة الفرح النقية قيمة لا تُقدّر بثمن. هنا يظهر دور المثقف: ليس مجرد ناقل أفكار، بل صانع معنى ورافد من روافد الفرح الجماعي. المثقف مسؤول عن تذكير الناس بما هو إنساني وجميل، عن الحفاظ على البهجة التي تمنح الحياة طعمًا ودفئا.

الفرح الذي يصنعه المثقف ليس سطحيًّا ولا استهلاكيًّا؛ إنه فرحٌ واعٍ ينبع من إدراك المعنى الحقيقي للعلاقات، وللقاء، وللتواصل. حين يكتب عن العيد، أو يتذكر طفولته فيه، أو يسلط الضوء على قيمه من تواصل وتكافل ومحبة، فإنه يزرع بذرة فرح في المجتمع. وهكذا يصبح العيد ليس مجرد يومٍ للزينة أو الحلوى، بل فعلًا ثقافيًّا وإنسانيًّا، يتصل بالذاكرة والوجدان والجمال.

المجتمعات العربية، رغم صعوباتها وتحدياتها، لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح. الفرح فيها ليس ترفًا، بل مقاومة؛ مقاومة للرتابة، وللقسوة، وللظروف الصعبة. العيد هو تجلٍ لهذه المقاومة، لحظة يتذكر فيها الإنسان أنه لا يزال قادرًا على اللقاء، على التسامح، على المحبة، على الضحك الذي يخفف ثقل الأيام.

إن الاحتفاء بالعيد، وإعطاء الفرح حقه، هو فعل إنساني حضاري بامتياز. المثقف، بقلمه أو بكلماته أو بمبادراته، قادر على إعادة ربط الناس بهذا المعنى، على تذكيرهم بأن الحياة لا تزال تستحق البسمة، وأن الفرح يمكن أن يكون تجربة جماعية تتجاوز الزمان والمكان.

سيظل العيد، مهما تغيرت مظاهره، نافذة صغيرة تطل منها الطفولة على القلب، وتجعل الإنسان يتنفس أملًا، ويتذكر بساطة الأشياء الجميلة. وكل عام، في هذا اليوم، نحن ندرك أن الإنسان كائنٌ محتاج للفرح، وأن المجتمعات العربية قادرة على الاحتفاظ بهذه القدرة، مهما اشتدت الصعوبات.

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)

أمِّي التي تعدُّ حلوى لم تجد طحينا لهذا العيد!

والدي الذي يعمل منذ أن يعلن الفجر استيقاظهِ، قرر ألا “عيديّة” هذا العيد. فنحن نعيشُ كل يومٍ بيومِهِ وتوفير “القرش” فرصة ذهبية لغدٍ لا نعرف حتمًا إن كنَّا سنحياه.

لا أحد يعلم هذا العام مِن أيٍّ نافذةٍ سيطلُّ علينا العيد. ربَّما هذا العام سيطلُّ علينا من نافذة السَّيارة – إن لم نمت بعدُ بقصفٍ باليستي – فهي دار مؤقتة لنا قبل لحظةِ الوفاةِ الأخيرة.

يقول لي والدي: “قبل العيد سوف نرحلُ إلى جبلٍ لبنان ومن بعدها ننتقل إلى الشَّمالِ، وهناك نبحث عن مأوى لجوء لنا إلى أن تنتهي الحرب ونعود”… أبي ساذجٌ متمسكٌ بأرضِه يأملُ دائمًا بالعودةِ، والعودة مشروطةٌ بسجلِّ وفاةٍ.

أنا لا أحبُّ الموت رغمَ أنَّهُ قدرٌ لكلِّ إنسان، ولكن صعب أن تتخيَّلَ نفسكَ ضحيَّة تأكلها النِّيرانِ في إحدى القرى المجهولة.

نحن شعبٌ يوقد النَّار ويهرب وينسى أنَّ ثيابَه تتلطّخ بالوقودِ، ثمَّ نسألُ عن العيدِ وننسى أطفالاً ماتوا أبرياء جوعى بانتظارِ موعدِ الإفطارِ. أقول لقلمي: “أكتبْ عن العيد ما شئتَ”. وأنسى أنا أيضًا أنَّهُ ما اعتادَ الفرح في كتاباتهِ.

نعودُ إلى موضوعنا الأساسي “العيد”. ما يزال هنالك متَّسعٌ للفرحِ، هذه المرَّة إن لم تكن قطعة الحلوى والثوب الجديد، فبالتَّأكيد عندما توزّع الحلوى على أرواحنا شهداء باسمِ الوطنِ.

فراس عطية الطيراوي (ناشط سياسي وكاتب عربي فلسطيني، عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام – شيكاغو)

العيد.. حين نصنع الفرح!

العيد ليس يومًا عاديًّا في رزنامة العام، بل هو محطة إنسانية وروحية تتجدد فيها المعاني وتصفو فيها النفوس. في العيد تتخفّف القلوب من أعبائها، وتتسع البيوت للزائرين، وتتعانق الأرواح قبل الأيدي. قد تتبدّل المظاهر مع تغيّر الزمن، لكن السؤال يبقى حاضرًا: هل فقد العيد معناه الحقيقي، أم أنّه ما يزال يحتفظ بروحه القادرة على صناعة الفرح في الفرد والمجتمع؟

العيد في جوهره إعلانٌ جماعي عن الحاجة إلى البهجة. هو مساحة للقاء بعد انشغال، وللمسامحة بعد خلاف، ولإحياء روابط كادت تبهت تحت ضغط الحياة اليومية. قد يرى البعض أن العيد أصبح أقرب إلى مناسبة استهلاكية، تتكدس فيها المشتريات وتُختزل في المظاهر. غير أنّ هذا التصور لا يلغي حقيقته العميقة؛ فالعيد لا يُقاس بما يُشترى، بل بما يُشعر به. ابتسامة طفل، زيارة صديق، دعوة صادقة، طبق حلوى أُعدّ بمحبة.. تلك هي التفاصيل التي تمنح العيد معناه الأصيل.

في طفولتنا، كان العيد عالما من الدهشة. كانت الثياب الجديدة، وأصوات التكبير، ورائحة الكعك، كفيلة بأن تصنع في قلوبنا فرحًا كبيرًا بأشياء صغيرة. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نمتلك الشغف والانتظار واللهفة. هذه الذكريات ليست مجرد حنين، بل دليل على أن الفرح يُصنع من البساطة والصدق، لا من الوفرة وحدها. وربما نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح.

أما في السنوات الأخيرة، فقد تغيّرت أنماط الحياة وتسارعت وتيرتها، وأصبحت اللقاءات أقصر، والتواصل أكثر رقمية. ومع ذلك، ما يزال العيد قادرًا على أن يجمع العائلات حول مائدة واحدة، وأن يفتح بابًا للصلح، وأن يوقظ في الناس رغبة المشاركة. المجتمعات العربية، رغم ما تواجهه من صعوبات، لم تفقد قدرتها على الفرح؛ فما إن يطلّ العيد حتى تتزيّن الشوارع، وتعلو الضحكات، ويُولد إحساس جماعي بأن الحياة تستحق الاحتفاء.

هنا يبرز دور المثقف في صناعة الفرح. فالمثقف ليس مراقبًا من بعيد، بل هو فاعلٌ في محيطه. يستطيع بكلمة صادقة، أو مبادرة ثقافية، أو نشاط فني للأطفال، أن يرسّخ معنى العيد كقيمة إنسانية تتجاوز المظاهر. مسؤوليته أن يُذكّر بأن العيد فرصة لإحياء قيم التكافل، وأن الفرح ليس ترفًا بل حاجة نفسية واجتماعية تعيد التوازن إلى الإنسان. حين يكتب المثقف عن الأمل، ويحتفي بالجمال، ويُعلي من شأن الروابط الإنسانية، فإنه يشارك فعليًا في صناعة عيدٍ أعمق وأصدق.

ختاما؛ سيظل العيد حيًّا ما دامت القلوب قادرة على أن تفرح. قد تتغير التفاصيل، لكن جوهره يبقى دعوة مفتوحة للمحبة والتسامح والبهجة. وصناعة الفرح مسؤولية مشتركة، تبدأ من البيت وتمتد إلى المجتمع، ويكون للمثقف فيها دور الريادة والتذكير. فالعيد ليس مجرد يوم… بل حالة إنسانية نصنعها معًا، كلما اخترنا أن نمنح للحياة وجهها الأجمل.

د. منى أبو حمدية (أكاديمية وباحثة من فلسطين)

العيد.. بهجة الروح وذاكرة الأحبة

ليس العيد مجرّد يومٍ في الروزنامة، ولا مناسبةً عابرة تمرّ بين الأيام ثم تنقضي. إنّه حالةٌ روحية وإنسانية تتجدّد في الوجدان، وتنهض في القلب كلما أقبلت أيامه المباركة. فالعيد إيمانٌ وفرحة، ومهما كثرت الأحزان وتراكمت الهموم في حياة الإنسان، يبقى العيد نافذةً يطلّ منها الضوء على الروح، ليذكّرنا بأن الفرح ليس ترفاً، بل حاجة إنسانية عميقة.

كثيراً ما يُطرح السؤال: هل فقد العيد معانيه النبيلة وتحول إلى يومٍ عادي مثل باقي أيام العام؟ الحقيقة أن العيد لا يفقد معناه، بل نحن من قد نغفل احيانا عن جوهره وسط ضجيج الحياة وتسارعها. فالعيد في جوهره طقسٌ من طقوس الإيمان والطمأنينة، تتجلى فيه معاني الشكر والامتنان والرحمة، ويعود فيه الإنسان إلى بساطته الأولى. لذلك يبقى العيد قادراً على استعادة معناه الحقيقي كلما استعدناه بقلوبٍ صادقة.

كما أن العيد، رغم ما قد يرافقه من فقدٍ وحنين، لا يزال يحتفظ بجمالياته وأبعاده الروحانية والاجتماعية والإنسانية. فكم من عيدٍ يأتي ونحن نفتقد وجوهًا عزيزة كانت تشاركنا أفراحه ذات يوم. غير أن هذه الذكريات لا تُطفئ نور العيد، بل تضفي عليه بُعدا وجدانيًّا عميقا؛ إذ نستحضر أحباءنا الذين غادروا هذا العالم، ونوقن في قلوبنا أنهم في رحمة الله فرحون بما آتاهم. وهكذا يمتزج الفرح بالحنين، وتصبح الفرحة أكثر رقة وصدقا، لأنها تحمل في طياتها وفاءً للذاكرة ومحبةً لا تنقطع.

إن الحديث عن العيد هو في جوهره حديثٌ عن “صناعة الفرح”. والمجتمعات العربية، رغم ما مرّت وتمرّ به من تحديات قاسية، لا تزال تمتلك قدرةً فطرية على خلق الفرح وصناعته من التفاصيل الصغيرة. فطبق الحلوى البسيط، وزيارة الأقارب، وابتسامة الأطفال في صباح العيد، كلها طقوس تصنع لحظة إنسانية دافئة تعيد التوازن إلى الروح.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المثقف في صناعة هذا الفرح. فالمثقف ليس حامل معرفة فحسب، بل هو أيضًا حامل معنى. ومن مسؤوليته أن يسهم في بثّ روح البهجة والأمل في مجتمعه، وأن يقدّم أنموذجًا إنسانيًّا راقيًّا في التعامل مع الناس واستقبال المناسبات. فحين يستقبل المثقف العيد ببهجةٍ هادئة ورقيٍّ إنساني، وحين يزرع كلمات الطمأنينة والمحبة بين الناس، فإنه يشارك في ترسيخ ثقافة الفرح كقيمةٍ حضارية وأخلاقية.

إن لحظات العيد ليست طارئة على ثقافتنا، بل هي لحظات إيمانية متوارثة عبر الأجيال، تتعهدها الذاكرة الجمعية وتعيد إنتاجها في كل عام. ومن هنا يأتي دور المثقف في تعزيز روح المحبة والتكافل، وفي تذكير المجتمع بأن الفرح ليس نقيض الألم، بل هو قدرة الإنسان على الاستمرار رغم الألم.

أما ذكريات العيد في الطفولة، فهي من أجمل ما تحتفظ به الذاكرة. فعيد الطفولة لا يُنسى؛ لأن البراءة فيه كانت سيدة الموقف. كانت الفرحة بسيطة وصافية، لا تعرف معنى الفقد ولا ثقل الهموم. كانت الملابس الجديدة، وصوت التكبيرات، وزيارات الأقارب، وألعاب الأطفال في الأزقة، تشكّل عالمًا صغيرًا من البهجة الصادقة. تلك البساطة اللطيفة بين الأهل والأصدقاء كانت كفيلة بأن تجعل العيد حدثا استثنائيًّا ينتظره القلب قبل الأيام.

أما في السنوات الأخيرة، فكثيرًا ما يعود الإنسان بذاكرته إلى الماضي متمنيًا لو عاد العيد إلى بساطته الأولى. فالحنين إلى تلك الأيام الجميلة شعور إنساني طبيعي، لكنه لا ينبغي أن يحجب عنا جمال الحاضر وإمكاناته. فالمستقبل أيضا يحمل فرصا جديدة لصناعة الفرح، ويبقى التمني جزءًا من طبيعة الإنسان، لأن التفاؤل بالقادم شعورٌ نبيل ولطيف يمنح الحياة معناها.

ورغم تغير الأزمنة وتبدّل الأجيال، فإن المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها العميقة على الفرح. فالحياة تمضي، والإنسان بطبيعته يبحث عن الضوء حتى في أكثر اللحظات عتمة. ومن حق الجميع أن يفرحوا، وأن يصنعوا لحظاتهم الجميلة مهما كانت الظروف.

لقد عهدنا مجتمعاتنا العربية، حتى في أصعب الأوقات، قادرةً على خلق الفرح من أجل أطفالها وفلذات أكبادها. فابتسامة طفل في صباح العيد كفيلة بأن تعيد إلى الكبار شيئا من إيمانهم بالحياة. وهكذا يبقى العيد وعدا متجددًا بأن الفرح ممكن، وأن الإنسان قادر دائمًا على أن يصنع ضوءه الخاص في قلب العتمة.

وصال أبو عليا (كاتبة من فلسطين)

العيد وصناعة الفرح.. حين يصبح الأمل فعل ثقافة!

ليس العيد مجرد تاريخٍ في التقويم، ولا طقسًا اجتماعيًّا يتكرر كل عام، بل لحظةٌ إنسانية عميقة تعود فيها الروح إلى أصلها الأول: الفرح. ذلك الفرح الذي لا يُقاس بكثرة الزينة أو وفرة الموائد، بل بقدرة الإنسان على أن يفتح نافذةً للضوء داخل قلبه، مهما اشتدت العتمة من حوله.

في الفلسفة الإنسانية، لا يُنظر إلى الفرح بوصفه حالة عابرة، بل كفعلٍ وجوديّ؛ اختيار واعٍ للحياة في مواجهة القسوة. ولذلك فإن العيد، في جوهره، ليس مناسبة للفرح فقط، بل هو إعلان رمزي بأن الإنسان ما يزال قادرًا على الانتصار لمعناه الإنساني، حتى حين تضيق به الظروف.

في طفولتنا، كان العيد بسيطًا إلى حدّ البراءة. كان يكفي ثوبٌ جديد، أو قطعة حلوى، أو صوت تكبيرات الفجر وهي تتسلل إلى الأزقة، ليشعر الطفل أن العالم أكثر رحمةً مما يبدو. لم نكن نفكر كثيرًا في معنى العيد، لأننا كنّا نعيشه بكل جوارحنا: في ضحكاتنا، في خطواتنا الصغيرة نحو بيوت الأقارب، وفي تلك اللحظة التي كنا نفتح فيها أيدينا لنعدّ “العيدية” كأنها كنزٌ صغير.

لكن مع السنوات، تتبدل الأشياء. يكبر الإنسان، وتكبر معه الأسئلة، وتثقل الذاكرة بما شهدته من خساراتٍ وأوجاع. وهنا يبرز السؤال الذي يتردد كثيرًا في زمننا: هل فقد العيد معانيه؟

ربما لم يفقد العيد معانيه بقدر ما تغيرت قدرتنا على رؤيته. فالإنسان حين يثقل قلبه بالهموم، يصبح أقل قدرةً على التقاط لحظات الضوء الصغيرة التي يمنحها العيد. ومع ذلك، يبقى جوهر العيد حيًّا، لأن الفرح الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من تلك القدرة الداخلية على استعادة المعنى.

وهنا يبرز دور المثقف، فالمثقف ليس مجرد ناقلٍ للمعرفة أو محللٍ للأحداث، بل هو ـ في جوهر رسالته ـ حارسٌ للمعنى الإنساني في المجتمع. وحين تشتد القسوة في العالم، تصبح مهمته أعمق: أن يذكّر الناس بأن الفرح ليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية للحياة.

إن صناعة الفرح لا تعني إنكار الألم، بل القدرة على تجاوزه دون أن يفقد الإنسان إنسانيته. فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على الفرح تفقد في الوقت ذاته قدرتها على الحلم، ومن دون الحلم لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر.

من هنا، يصبح العيد مساحةً ثقافية بقدر ما هو مناسبة اجتماعية. فالكلمة الجميلة، والقصيدة، والحكاية، وحتى الذاكرة المشتركة، كلها أدوات يستطيع المثقف من خلالها أن يزرع بذور الفرح في الوعي الجمعي. وحين نربط هذا المعنى بفلسطين، يكتسب العيد بُعدًا إنسانيًّا أكثر عمقًا.

في فلسطين، لا يأتي العيد دائمًا في ظروفٍ سهلة. قد يمرّ على بيوتٍ فقدت أحبّةً، أو على مدنٍ تعرف جيدًا معنى الحصار والخوف. ومع ذلك، يظل العيد حاضرًا في تفاصيل الحياة الصغيرة: في كعكٍ يُخبَز رغم التعب، في ملابس جديدة يصرّ الآباء على شرائها لأطفالهم، وفي تكبيرات العيد التي ترتفع من المساجد كأنها إعلانٌ جماعي بأن الحياة ما زالت أقوى من الألم.. هذا الإصرار على الفرح هو في ذاته فعل ثقافي عميق.

فالفلسطيني حين يحتفل بالعيد لا يفعل ذلك هروبًا من الواقع، بل تأكيدًا على أن الحياة، مهما تعرضت للضغط، قادرة على أن تجد طريقها. وكأن الفرح هنا يتحوّل إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا تقوم على الصخب، بل على الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يبتسم.

ولذلك فإن العيد في فلسطين ليس مجرد مناسبة، بل حالة وجدانية تختلط فيها الذاكرة بالأمل. قد تغيب بعض الوجوه عن المائدة، وقد تترك الأحداث في القلب مساحاتٍ من الحزن، لكن الفرح يبقى حاضرًا في الإصرار على استمرار الحياة.

وهنا تتجلى مسؤولية المثقف مرة أخرى، ففي زمنٍ تمتلئ فيه الشاشات بالأخبار القاسية، يصبح على المثقف أن يفتح نافذةً أخرى يرى منها الناس العالم. أن يكتب عن الأمل دون أن ينكر الألم، وأن يذكّر المجتمع بأن الفرح ليس ضعفًا، بل قوةٌ روحية تحفظ للإنسان توازنه.

فالفرح، كما يقول الفيلسوف “سبينوزا”، ليس مجرد شعورٍ عابر، بل هو انتقال الإنسان من حالة نقصٍ إلى حالة اكتمال. وربما لهذا السبب يبقى العيد قادرًا على لمس القلوب، لأنه يمنح الإنسان لحظة يشعر فيها أن الحياة ما زالت ممكنة.

وهكذا، بين الذاكرة والواقع، بين الألم والأمل، يظل العيد واحدًا من أجمل اختراعات الروح الإنسانية؛ لحظةً قصيرة يقول فيها الإنسان للعالم كله: رغم كل شيء.. ما زلنا قادرين على الفرح.

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)

.. ويقولون: “ما في هيبة عيد”!

يأتي عيد الفطر أو عيد الأضحى كلّ عام، متخفّفًا من أعباء الفلسفة الثقيلة، محمّلًا ببساطة الطقس، ووضوح المعنى: فرحٌ مشروع، واحتفالٌ له جذوره في العبادة قبل أن يكون ترفًا اجتماعيا. ومع ذلك، ما إن يطلّ العيد حتى نرى طابورًا طويلًا من الوجوه العابسة، كأنّها استيقظت فجأة على كارثة كونية، لا على مناسبة دينية يفترض أن تُدخل السرور إلى القلوب. وكأنّ هؤلاء كانوا طوال العام يعيشون في زهدٍ صوفي، لا يعرفون الضحك ولا الفرح، فإذا بالعيد يفضحهم ويطالبهم بشيءٍ لم يتدرّبوا عليه: أن يفرحوا بصدق.

المشهد يثير السخرية أكثر مما يثير التعاطف. فهؤلاء أنفسهم الذين يعلنون الحداد المعنوي عند قدوم العيد، هم ذاتهم الذين ملأوا العام صخبًا وضحكًا وسهراتٍ لا تنتهي، واحتفالاتٍ لكلّ تفصيلٍ عابر: نجاحٌ عادي يتحوّل إلى مهرجان، عيد ميلاد يمتدّ أسبوعًا، وصورة على وسائل التواصل تُستقبل بزفّةٍ افتراضية. لكن حين يأتي العيد، ذلك الضيف الذي لا يطلب أكثر من قلبٍ خفيف وظلّ ابتسامة، ينقلب الحال فجأة إلى نحيب جماعي، وتُرفع اللافتة الشهيرة: “ما في هيبة عيد”. يا للعجب، كأنّ “هيبة العيد” كائنٌ أسطوري قرّر الهجرة دون إذن، أو كأنّها كانت وظيفة حكومية أُلغيت بقرار إداري.

الحقيقة أبسط من كلّ هذا الادعاء المأساوي: المشكلة ليست في العيد، بل فينا. في تلك القدرة العجيبة على تحويل أبسط مظاهر الفرح إلى مناسبة للتذمّر، وفي ذلك الإصرار المرضي على تصدير الكآبة بوصفها موقفًا عميقًا، وكأنّ العبوس أصبح علامة على الوعي، بينما الفرح سذاجة لا تليق بالمثقفين. وهنا تحديدًا يبرز دور المثقّف، فهو ليس بواعظٍ يوزّع النصائح، إنّه شاهدٌ على هذا الخلل، ومشاركٌ أوّل في تصحيحه.

المثقّف الحقيقي لا يقف على هامش العيد ليعدّد أسباب الحزن، ولا يختبئ خلف خطابٍ متخمٍ بالتحليل ليفسّر لماذا لا ينبغي أن نفرح. إنما على العكس، هو الذي يعيد للفرح معناه، ويذكّر بأنّ الاحتفال ليس خيانةً للواقع، بل مقاومة له. أن تفرح في زمنٍ مثقلٍ بالأزمات ليس إنكارًا للمعاناة، بل إعلانٌ عن قدرة الإنسان على الاستمرار. وأن تبتسم في العيد لا يعني أنّك غافل عمّا يحدث، بل يعني أنّك ترفض أن يتحوّل الألم إلى هوية دائمة.

أما أولئك الذين يمارسون طقوس الحزن الموسمي، فهم بحاجة إلى مراجعة بسيطة: كيف استطاعوا أن يفرحوا بكلّ شيءٍ طوال العام، ثم عجزوا عن الفرح بشيءٍ له هذا الثقل الرمزي والديني؟ كيف صار الضحك متاحًا في كلّ وقت، إلا في الوقت الذي يُطلب فيه تحديدًا؟ المسألة لا تحتاج إلى تنظير طويل، بل إلى قدرٍ من الصدق مع النفس. فالذي لا يجد في العيد ما يفرحه، لن يجد في غيره، مهما ادّعى العكس.

العيد ليس مناسبةً مثالية، ولا زمنًا خاليًّا من الهموم، لكنه مساحة رمزية نُعيد فيها ترتيب علاقتنا بالحياة، ونمنح أنفسنا إذنًا بالفرح، ولو مؤقتًا. والمثقّف، إن كان صادقًا مع دوره، لا يساهم في تكريس النكد، بل في فضحه، ولا يبرّر الانسحاب من الفرح، بل يدعو إليه بوعيٍ ومسؤولية. أما الذين ينتظرون “هيبة العيد” لتطرق أبوابهم، فربما يجدر بهم أن يسألوا أنفسهم أولًا: هل تركوا لها بابًا مفتوحًا أصلًا؟

عامر الخطيب (كاتب وفنان تشكيلي من سوريا)

العيد.. سيمفونية الألوان وروح الوجود

“كل عام وأنتم بألف خير”.. حين يتهادى العيد إلى عتباتنا، لا يطرق أبوابا صماء، بل يلامس شغاف الروح، مستدعيا ذاكرةً تضجّ بعبق الهيل ورائحة القهوة المرة، والعجين المحلّى بقطع السكر، وصدى ضحكات الأطفال التي تتسلل كخيوط شمسٍ صفراء دافئة، لتوقظ فينا بهجةً أصيلة وانتماءً عميقاً. إنه لحظة تجلٍّ، تتشابك فيها الأبعاد الدينية والروحية والاجتماعية والفلسفية، لتنسج لوحةً كونيةً تلامس وجدان الناس وخلجات عواطفهم، ونكهة موروثهم المزركش بعطر الألوان ولمعة الأواني العتيقة.

أتذكر، كما لو كانت الأمس، طفولتي في قرية “شعف”، الواقعة على أحد تلال السويداء السمراء (سوريا)، حيث كان العيد يبدو كأنه حدثا كونيًّا لا يُضاهى. كانت القرية ترتدي حلةً من الألوان الحارة، تماما كلوحةٍ تنتظر لمسة فنان. أمي وهي تعجن خبز العيد فجرا، كانت تعجن الفرح نفسه، وتُضفي على العجين روحا من القدسية والعطاء. وأبي وهو يرتل ما تيسر من الذكر الحكيم، بثوبه الأنيق وعمامته البيضاء الناصعة، كان يرتدي الضوء على كتفيه، رمزا للنقاء والصفاء، وأخوتي بألوان ملابسهم الحارة، ولهوهم على شرفات النهار، والزوار المتبادلين “كمْشات اللوز والزبيب والقضامة المنفخة…”. كان العيد لوحةً تعجّ بالألوان من صفرة الشمس الصادقة الواعية؛ إلى زرقة السماء المرتاحة، الراقية السامية؛ وأحمر الطاقة الدافق في عروق الشباب والصبايا، وما بين ألوان العيد هذه، تتجلى تدرجات لا حصر لها من المباهج والمسرات، هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل معاني العيد وجوهر جماله الحقيقي، وتُعيد للأرواح تعريف معنى الوجود.

كُثرٌ هم الذين شبهوا العيد بألوان قوس قزح، والألوان في جوهرها، ليست مجرد أصباغ، بل هي ذبذبات ضوئية شفافة، وأطياف تحمل في طياتها معاني نفسية وروحية عميقة. فالعيد بهذا المعنى هو احتفال بتلك الألوان الكونية، التي نرتديها في صباحه الباكر، وتُحيط بنا من كل الجهات، مشكّلة قوام وجودنا الإنساني وتنوعه الطبيعي. هو دعوة للتأمل في العلاقة بين هذه الألوان، وكيف تتفاعل لتُنتج مشهدا بصريًّا وذوقيًّا ومعنى وجوديًّا يتجاوز اللغات والكلمات. اللون البنفسجي، على سبيل المثال، “وهو اللون الذي يحتوي كافة ألوان قوس قزح” يتسع عميقا في دلالته على القدسية والسمو، متماهيًّا مع درجات الأزرق السامي، ما يجعل من الفضاء الرئة التي يتنفس منها العيد، بينما يمتزج الأصفر الحار ببريق لامع وجذاب، يبعث الطاقة الواعية، ويُشعل جذوة الإبداع. والإبداع هو جذوة العيد التي طالما كانت حلماً وتخيلاً لأفكار الناس التي تمنوا استيقاظها مع فجر ذلك اليوم، دون انشغالهم بمعرفة أسبابها ومعانيها..

في زمننا هذا، قد يبدو العيد وكأنه فقد بعضا من بريقه وخفتت ألوانه، محاصرا في بطاقات إلكترونية وشاشات باردة، سلبت منه حرارة التلامس الإنساني. لكن الحقيقة أن العيد لم يفقد جوهره، بل هو يبحث عن مبدعيه وشعرائه وفنّانيه الذين يُعيدون إليه منطقه وألوانه، ويُضيئون روحه. هنا يكمن دور المثقف والفنان والمبدع، في صناعة الفرح كرسالة حضارية، لا كترفٍ أو تزيين أو أشياء استهلاكية. فالمجتمع، كلوحة فنية، لا يكتمل بلون واحد، ولا ينهض بالجدية وحدها أو بالحزن وحده. الفرح فعلٌ ثقافي راقٍ، وزراعته في وجدان الناس هي من أشرف وأنبل ما يمكن أن يُقدمه المثقف لأمته.

المثقف الحقيقي هو من يرى في عيون الأطفال لوحةً لم تكتمل بعد، وفي وجه الجدة المتجعد قصيدةً تستحق أن تُقرأ بصوتٍ عالٍ، وفي رائحة القهوة في صباح العيد سيمفونيةً لا تحتاج إلى ترجمة. إنه من يُعيد توصيل الناس بجذورهم، حين تُحاول قوى الاستهلاك وثقافة الفراغ اقتلاعهم منها.

إن المجتمعات العربية، التي صمدت في وجه أشد العواصف، لم تفقد قدرتها على الفرح، لأن الفرح هنا ليس هروبا من الواقع، بل مقاومةٌ له بأجمل الوسائل.

العيد، إذًا، ليس مجرد يوم في التقويم، أو ورقة عابرة في رزنامة متروكة على الجدران، بل هو قرارٌ روحي جماعي بأن الجمال يستحق أن يُحتفى به، وأن الجمال باجتماع الألوان وغناها، والإنسان يستحق أن يفرح ويبتهج، مهما كانت الظروف، ومهما اشتدت الرياح. إنه دعوة للتأمل في قيم الخير والحق والجمال، التي هي جوهر الفن والإبداع والمعاني السامية. وكما يقول الحكماء: “من فقد الفرح فقد كثيرا، ومن وهبه لغيره ربح الدنيا والآخرة”. فليكن العيد لوحتنا المشتركة، التي نرسمها بألوان الروح، ونُضيئها بوهج الإنسانية، لتظل سيمفونية الفرح تعزف في أعماقنا.. كل عام وأنتم بألف خير.

علاء عاشور (أديب من فلسطين)

العيد بين ذاكرة الماضي وقلق الجيل المعاصر

ها هو شهر رمضان يمضي مسرعًا، وكأنّه سريع الخطى، فنحزن على قرب فراقه، إذ يحمل في أيامه صفاءً روحيًا لا يتكرر. غير أنّ العيد يطلّ بوصفه بوابةً لفرح الأطفال، وزيارات الأقارب، والعيديّات التي تكتنزها النساء والصغار، في مشهدٍ من ترابطٍ اجتماعيٍّ رائع، يعبّر عن التآخي والإحسان وصلة الأرحام. إنّه انتقالٌ من روح العبادة إلى روح المشاركة، ومن الصوم إلى الفرح الجماعي الذي يُعيد دفء العلاقات بين الناس.

الماضي الجميل

في سابق الأجيال، كان للعيد طعمٌ آخر. كانت بساطة الناس تمنحه نكهته الخاصة، وكان الوضع الاقتصادي أفضل وأكثر استقرارًا، ولم يكن هناك تضخم عالمي يرهق البيوت ويستنزف الفرح. كانت الحلويات تُعدّ في المنازل بعفوية ومن غير استعراضٍ للكرم أو تباهٍ بحسن الضيافة، إذ لم تكن المناسبة ساحةً للمقارنات الاجتماعية.

أمّا اليوم، فكثيرًا ما تحوّل الأمر إلى ما يشبه سوق نخاسة للمظاهر، حيث يتقدّم الشكل على الجوهر، والاستعراض على المعنى. والحقيقة أنّ الكلمة الطيبة، والروح الجميلة، تساوي كل الأموال، وتفوق كل تلك المظاهر السخيفة التي لا تعكس القيمة الحقيقية لمناسبة عظيمة كالعيد، تلك الفرحة الأممية التي تأتي بعد شهرٍ من العبادة والصوم.

مأساة جيلنا

أنا وجيلي من أبناء التسعينيات وما بعدها، يمرّ علينا العيد ونحن نعيش وضعًا اقتصاديًّا صعبًا، في ظل حروبٍ هنا وهناك، ودمارٍ وفقر، وركودٍ تضخّميٍّ غير مسبوق. تتراكم الأزمات حتى تكاد تطغى على بهجة المناسبة.

ولا نشعر بفرحة العيد كاملةً إلا عندما نسمع تكبيراته تتعالى في المساجد، فنؤدي صلاة العيد بخشوعٍ يلامس القلب، ثم نزور أحبّاءنا الذين فقدناهم في المقابر. ولعلّي أرى في المقابر مكانًا جميلًا على نحوٍ خاص، إذ هناك الأبدية الحقيقية، والوجود المطلق للروح، حيث يسكن المعنى بعيدًا عن صخب الحياة.

الثقافة وصناعة الوعي بفرحة العيد

على المثقّف أن يكون إيجابيًّا، رغم ما يمرّ به من مآسٍ وتحدّيات. فالعيد هو فرحة الأطفال أولًا، ولا يجوز أن نحرمهم من هذه اللحظات السعيدة التي ستبقى في ذاكرتهم طوال حياتهم. كما ينبغي العمل على الدعوة إلى مشاركة الفرح مع جميع مكوّنات المجتمع، على اختلاف الطوائف والأديان، لأننا جميعًا من بني الإنسان، والفرحة قيمة مشتركة.

إنّ فكرة “الدين لله والوطن للجميع” تجد في العيد تجلّيًا عمليًّا، فالفرحة جزء من وجودية الوطن ذاته، الوطن الذي يحمي أبناءه ويفرح قلوب أطفاله، ويجعل من المناسبة مساحةً جامعةً لا تقصي أحدًا.

تجربتي الشخصية

بطبيعتي أميل إلى الوحدة والعزلة، وأحبّ أن أقضي العيد مع كتبي. أقرأ الشعر الرومانسي، وأكتب نصوصًا شعرية مترعةً بمشاعر الحب والتعبير عن سعادةٍ مطلقة تولد من هذه المناسبة التي تفرح قلوب البسطاء. كما أنّ المدينة تصبح أقل ازدحامًا في العيد، فيخيّم عليها هدوءٌ خاص، يمنحني إحساسًا بالسكينة، وكأنها دعوة مفتوحة للتأمّل والسفر إلى دنيا الأحلام السعيدة.

خاتمة

وأختم بهذه الكلمات التي تعبّر عن رؤيتي للعيد في أفقٍ رمزيٍّ وتأمّلي:

في تجلّيات المستحيل

تنبثق لويحات من النرجس

يفوح بالأرجاء

ونخيل يزين قلاعًا أبدية

في عالم مبتهج

يلعبون بأراجيح التاريخ

يحطمون أصنام الجهل

وينثرون إيمانًا على الأرض

مرتدية ثوب النسيان

تغمرها سعادة بقبلة

من إله جميل صنع

إنسًا وجانًّا بحلول

في الأغصان

وبعثة الطيور في الصحراء

وتغريبة الملوك في مرآة

الألق المستحيل

ببسمة من ليس لهم

أسنان ولا دراهم

البروز فوق دهرية

الحرمان

رابط دائم
https://elayem.news/t5f0z