الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

قبيلة مرسي الإثيوبية..أسرار لوحات الشفاه وطقوس النضوج الفريدة

Author
ربيعة خطاب 13 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في بقاع نائية من العالم، ما تزال مجتمعات تعيش وفق تقاليد قديمة حافظت عليها عبر قرون طويلة، بعيدا عن صخب الحداثة وتسارع التطور، وكأن الزمن اختار أن يتوقف عندها، لتظل شاهدة على تنوع التجارب الإنسانية واختلاف إيقاع الحياة بين الشعوب.

في أقاصي جنوب غرب إثيوبيا وبأعماق وادي أومو، تعيش قبيلة مرسي، وهي إحدى الجماعات الإثنية التي حافظت على تقاليد ثقافية مميزة، جعلتها محط اهتمام الباحثين في الأنثروبولوجيا والزوار على حد سواء. ومن بين أكثر هذه التقاليد إثارة للانتباه “عادة لوحات الشفاه”، التي ترتديها بعض نساء القبيلة، وهي ممارسة ثقافية عميقة الجذور تعكس مفاهيم الهوية والجمال والانتماء داخل المجتمع المحلي.

تنتشر قبيلة مرسي في منطقة نائية قرب وادي أومو، وهي منطقة تُعد واحدة من أكثر المناطق تنوعا ثقافيا في القارة الإفريقية. وقد ظلّت هذه القبيلة، لسنوات طويلة، تعيش حياة شبه معزولة تعتمد على الرعي والزراعة التقليدية، ما ساعدها على الحفاظ على عدد من الطقوس والعادات القديمة التي اندثرت في أماكن أخرى.

تبدأ عادة لوحات الشفاه عندما تبلغ الفتاة نحو الخامسة عشرة من عمرها، وهو العمر الذي يمثل، في تقاليد مرسي، مرحلة الانتقال من الطفولة إلى النضج الاجتماعي. في هذه المرحلة، تقوم الأم أو امرأة مسنّة في القبيلة بعمل شق صغير في الشفة السفلى للفتاة، ثم يتم إدخال قطعة خشبية صغيرة أو قرص فخاري للحفاظ على الفتحة. ومع مرور الوقت، يتم استبدال القطعة الأولى بأخرى أكبر تدريجيا، بحيث تتمدد الشفة السفلى لتصبح قادرة على حمل لوحة أكبر حجما. وقد تستغرق هذه العملية عدة أشهر، أو حتى سنوات، بحسب رغبة الفتاة وقدرتها على تحمّل التمدد، بينما تُصنع هذه اللوحات غالبا من الطين المشوي أو الخشب، وتقوم النساء أحيانا بتزيينها بنقوش بسيطة.

بالنسبة لمجتمع مرسي، لا تُعد لوحة الشفاه مجرد زينة جسدية، بل تحمل معاني رمزية تتعلق بالمكانة الاجتماعية والهوية الثقافية. ففي بعض التفسيرات المحلية، يُنظر إلى حجم اللوحة بوصفه مؤشرا على النضج والقدرة على تحمّل المسؤولية، كما يُعد علامة على انتماء المرأة إلى تقاليد القبيلة. ويرى بعض الباحثين أن هذه الممارسة قد تكون مرتبطة أيضا بعادات الزواج، إذ كانت العائلات في الماضي تستخدم حجم اللوحة كعامل يعكس مكانة المرأة وقيمتها داخل المجتمع، غير أن هذه الفكرة ليست محل إجماع؛ إذ يعتقد آخرون أن العادة تحمل بُعدا رمزيا أكثر من كونها معيارا اجتماعيا صارما.

ورغم استمرار هذه الممارسة في بعض مناطق مرسي، فإنها لم تعد شائعة كما كانت في الماضي. فالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة، إضافة إلى زيادة التواصل مع العالم الخارجي، أدّت إلى تراجع تدريجي في انتشارها بين الأجيال الجديدة. كما أن توسّع السياحة في منطقة وادي أومو جعل هذه العادة محط اهتمام المصورين والباحثين، الأمر الذي أثار نقاشًا حول كيفية تقديمها للعالم الخارجي؛ فبينما يرى البعض أنها تعبير أصيل عن التنوع الثقافي، يعتبرها آخرون ممارسة قديمة ينبغي تركها تتلاشى مع تطور المجتمع.

وعلى الرغم من الجدل الدائر حولها، تظل لوحات الشفاه لدى نساء مرسي جزءا من تراث ثقافي غني يعكس تاريخا طويلا من التقاليد والعادات المحلية. وهي تذكير حي بمدى التنوع الثقافي الذي تتميز به القارة الإفريقية، حيث لا تزال بعض المجتمعات تحتفظ بطقوسها القديمة في مواجهة التحولات الحديثة. وفي نهاية المطاف، تعكس هذه الممارسة أكثر من مجرد مظهر خارجي؛ فهي قصة مجتمع يسعى إلى الحفاظ على هويته في عالم سريع التغير، حيث تتقاطع التقاليد القديمة مع واقع جديد يفرض أسئلته على الأجيال القادمة.

رابط دائم
https://elayem.news/qovox