الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

توظيف التراث الجزائري في الدراما التلفزيونية الرمضانية.. حين يثبّت الفن ملامح الهوية

Author
هارون عمري 17 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل الدراما التلفزيونية في المجتمعات المعاصرة إحدى أهم الركائز الاستراتيجية في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة صياغة الهوية الثقافية، من خلال تحولها إلى مؤسسة تنشئة اجتماعية موازية تمتلك سلطة ناعمة قادرة على توجيه الرأي العام، وترسيخ القيم، وبناء المتخيل الوطني، لتتجاوز بذلك وظيفتها الترفيهية العابرة.

يكتسب الإنتاج الدرامي في السياق الجزائري أهمية استثنائية تبلغ ذروتها خلال شهر رمضان المبارك، حيث يتحول الفضاء السمعي البصري إلى طقس اجتماعي يومي تلتف حوله العائلة الجزائرية بمختلف أجيالها وشرائحها، بحثا عن مضامين تتناغم مع الوجدان المشترك للمشاهدين، وتساهم في تمرير الرسائل الإيديولوجية والجمالية والثقافية العميقة.

وقد ركز كتاب السيناريو والمخرجون والمنتجون الجزائريون خلال هذه السنة بشكل بارز على استنطاق التراث الشعبي في أعمالهم ، واستدعاء الموروث الثقافي الوطني كاستراتيجية دفاعية تهدف إلى تحصين الذات الجزائرية، والمحافظة على الهوية الوطنية من آليات الطمس والمسخ والتغريب الثقافي التي تفرضها العولمة الزاحفة.

التطور الكرونولوجي للإنتاج التلفزيوني واستنطاق الموروث الثقافي

شهدت الخارطة الدرامية التلفزيونية في الجزائر تطورا كرونولوجيا متسارعا، ليصل الإنتاج في موسم رمضان 2026 إلى مرحلة متقدمة من النضج الفني، عبر التركيز المكثف والحصري على الموروث الثقافي الأصيل، وإدماجه ضمن قوالب درامية متنوعة تتراوح بين التشويق، والإثارة، والكوميديا، والدراما الاجتماعية المعاصرة.

وتتجسد هذه التحولات بوضوح في مسلسلات الجريمة والإثارة، على غرار الجزء الثاني من مسلسل “البراني” للمخرج يحيى مزاحم وبطولة مصطفى لعريبي ونوميديا لزول، والذي يغوص في عمق العلاقات الاجتماعية المتشابكة للعائلة الجزائرية، وتأثير الأوضاع الاقتصادية على مصائر الأفراد داخل عالم الجريمة المنظمة.

تبرز أعمال أخرى مبرمجة في هذا الموسم مثل مسلسل “كية” للمخرج أسامة قبي، والذي يتناول واقع حياة الهامش في الأحياء القصديرية، مسلطا الضوء على التكافل والتضامن الشعبي كثيمة للبقاء في بيئة قاسية تعج بالصراعات الإنسانية والظروف المعيشية المعقدة، لتشكل هذه الأعمال مرآة عاكسة للصمود المجتمعي.

وتتوسع دائرة التوظيف التراثي لتشمل الأعمال الاجتماعية الغامضة مثل مسلسل “دار السد” للمخرج بن عبد الله محمد، حيث تتحول الهندسة المعمارية للقصور العتيقة والمنازل التقليدية إلى مسرح يعج بالأسرار المخفية، ليعكس بذلك عمق الروابط الأسرية وتعقيداتها داخل الفضاء المكاني الجزائري العريق.

إحياء التراث المادي واللامادي في السرد البصري الرمضاني

يستلزم التحليل المنهجي لتوظيف التراث في التلفزيون تفكيك هذه الممارسة الإبداعية إلى قسميها الرئيسيين المتمثلين في التراث المادي الملموس والتراث اللامادي الروحي، لدراسة كيفية دمج هذه العناصر وصهرها دراميا، لإضفاء شرعية ثقافية وتاريخية على العمل الفني.

يشهد السرد البصري الرمضاني تركيزا ملحوظا على إبراز اللباس التقليدي الذي يمثل الواجهة البصرية الأولى للهوية الجزائرية، حيث يطفو “الحايك المرمة” كأيقونة خالدة للمرأة العاصمية تعبر عن الحشمة والأناقة المتجذرة، ويترافق دائما مع “البرنوس” الذي يجسد سلطة كبير العائلة، ويرمز للشهامة والوقار والرجولة الأصيلة في المخيال الشعبي.

يمتد الاهتمام بتفاصيل التراث المادي ليشمل المعمار العتيق كأزقة القصبة والأحياء القديمة والمنازل العائلية التقليدية، التي تحولت إلى فضاءات تنبض بالحياة، وتشهد على صراعات الأجيال المتلاحقة وتكاتفها في مواجهة المحن والصعاب المتعددة.

يتطعم الحوار الدرامي بشكل مكثف بالأمثال الشعبية العميقة والحكم البليغة التي تشكل خلاصة تجارب الأجداد، وتتزين الأعمال التلفزيونية باستخدام اللهجات المحلية الدقيقة التي تمثل درعا لغويا متينا، يحمي اللسان الجزائري من الذوبان في اللغات الأجنبية ويحافظ على طراوة الثقافة المحلية.

تستحضر الدراما الحديثة الأشكال الفنية والموسيقية الأصيلة كالموسيقى الأندلسية العريقة والغناء البدوي الصحراوي، لتدمجها بوعي وحرفية في نسيج الحبكة الدرامية، وتجعل منها صوتا حيا للهوية يقاوم الانمحاء، ويوثق الارتباط الروحي للمشاهد بذاكرته السمعية التاريخية.

الأبعاد السيميولوجية للأكلات والأزياء في السلسلة الكوميدية الرباعة

تتربع سلسلة “الرباعة” في جزئها الثاني المبرمج ضمن السباق الرمضاني لهذا العام على عرش الإنتاجات التلفزيونية، التي أحدثت توازنا دقيقا بين الكوميديا الخفيفة الساخرة والاحتفاء العميق والجاد بالتراث الثقافي، تحت إدارة المخرج حاج علي مناد وبمشاركة فناني الكوميديا البارزين نبيل عسلي ونسيم حدوش وحكيم زلوم وعديلة وناصر سوداني وعادل شيخ، إلى جانب الفنانة القديرة نوال زعتر.

يبرز هذا العمل تنوعا مذهلا في استعراض الهوية المحلية، من خلال إدراج الأكلات الشعبية الأصيلة ضمن النسيج الدرامي، لتتصدرها الحوارات اللفظية الشيقة حول أكلة “الزفيطي” الحارة وتفاصيل تقديمها مع كؤوس اللبن الطازج، واعتماد الوصف السردي المشوق لترافق طقوس صينية “الشاي بالنعناع” مشاهد استعراض اللباس العاصمي الرجالي العريق المعروف باسم “التشونغاي” وحايك مرمة في لوحات بصرية متكاملة تعكس عراقة العاصمة.

تنوع الأزياء والحلويات التقليدية في الدراما الكوميدية الهادفة

يمتد الإبهار في هذا المسلسل الكوميدي الناجح ليشمل تشكيلة واسعة وثرية من الأزياء التقليدية التي تعكس الجغرافيا الثقافية الممتدة للجزائر، حيث يظهر “اللباس النايلي” بأناقته وفخامته المعهودة، جنبا إلى جنب مع التوظيف الذكي والمستمر للألبسة الأمازيغية كالجبة القبائلية والملحفة الشاوية، واللباس السطايفي والصحراوي وغيرها من ملامح كل منطقة.

يترافق هذا الزخم المادي البديع مع احتفاء استثنائي بالتراث اللامادي والحلويات التقليدية، يتجلى في تخصيص حلقة كاملة ومستقلة للحديث عن حلوى “قلب اللوز” وتبيان مكانتها الجوهرية في المائدة الجزائرية الرمضانية، إلى جانب الاستحضار الممنهج لروح أيقونة الأغنية البدوية الصحراوية الفنان الراحل “خليفي أحمد” أو بعض المطربين الشعبيين، لربط الأجيال الشابة بالرواد المؤسسين للثقافة الغنائية الوطنية.

يكتمل هذا المشهد الفسيفسائي بالاعتماد على تركيبة لغوية حقيقية تستعرض اللهجات المحلية لمختلف المناطق بلكناتها الصافية، ضمن حوارات ثرية تعج بالأمثال والحكم الشعبية لتكريس الكوميديا كحامل جاد ومحترم للرموز التراثية، متجاوزة بذلك الجمود الأكاديمي والخطابية المباشرة المملة.

تجليات المقاومة الثقافية في مسلسل فاطمة التلفزيوني التاريخي

يقدم المخرج المتميز جعفر قاسم في مسلسله الروائي التاريخي الضخم “فاطمة” وجبة بصرية تراثية من الطراز الرفيع، تفتح نافذة مشرعة على منتصف القرن التاسع عشر لتدخل المشاهد إلى قلب أزقة القصبة العتيقة النابضة بالحياة، تحت وطأة البدايات القاسية للاستعمار الفرنسي.

تروي الحبكة الدرامية قصة شابة موهوبة تؤدي دورها الممثلة ريتاج عبد الله، تعشق العزف على آلة الكمان وتستلهم طموحها من شخصية المطربة الأسطورية العائدة من المنفى “الزهراء”، لتحاول تكسير القيود الاجتماعية وتحدي النظام الاستعماري القائم، من خلال صناعة صوت وطني قوي يرفض الصمت والاستسلام.

يتميز هذا العمل بتوظيف احترافي وعميق لموسيقى النوبة الأندلسية وفن الحوزي كأدوات مقاومة ناعمة وفعالة، تعبر عن رقي المجتمع الجزائري العاصمي وتنسف الدعاية الكولونيالية المروجة لمفاهيم الرسالة الحضارية، وسط شعب يمتلك جذورا ثقافية ضاربة في عمق التاريخ الإنساني.

يتجلى التركيز البصري المبهر في هذا الإنتاج من خلال العناية الفائقة بالمورفولوجية الخاصة بسكان العاصمة في تلك الحقبة، عبر تصميم ديكورات تنطق بعبق التاريخ وتوظيف أزياء تقليدية دقيقة مثل الحايك المرمة والبرنوس والقطيفة، لتصبح هذه العناصر المادية الفاخرة أبطالا صامتة داخل الكادر التلفزيوني.

تعكس هذه الخيارات الإخراجية الدقيقة الانتماء الطبقي والمكانة الاجتماعية، وتغوص في صميم الصراع الهوياتي لتثبت قدرة الدراما الجزائرية على العودة القوية إلى الأعمال الحقبوية الجادة، القادرة على بناء الوعي واستعادة الذاكرة المجتمعية.

د.رياض بوبسيط

د. رياض بوبسيط: مسلسل «فاطمة» أعاد إحياء التراث الجزائري وربطه بالحاضر

في هذا السياق، يقول د. رياض بوبسيط، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، إن من أبرز القيم الفنية والجمالية لمسلسل «فاطمة» الذي عُرض عبر قناة سميرة تيفي، احتكاكه بالتراث الجزائري الأصيل وإعادة إحيائه ضمن سرد درامي يستحضر مرحلة من تاريخ الجزائر العاصمة، خاصة القصبة، خلال فترة الاستعمار الفرنسي. ويشير إلى أن العمل قدّم هذه المرحلة وفق رؤية جزائرية استلهمت من أصالة المجتمع الجزائري وعمق تاريخه الممتد عبر قرون.

وأوضح أن هذا التوظيف تجلّى في حضور موسيقى النوبة العاصمية التقليدية، حيث أعاد المسلسل إحياء الذاكرة الموسيقية الجزائرية من خلال أغانٍ تمثل تاريخنا الفني، إلى جانب مشاهد “القعدات” التي تعكس أصالة المرأة الجزائرية.

كما برزت عناصر التراث في الأزياء التقليدية والرقصات والعادات الاجتماعية المرتبطة بالأفراح، ما جعل المشاهد يستحضر حقبة تاريخية تعبّر عن كينونة الجزائر الثقافية والفنية.

وأضاف بوبسيط أن هذا التوظيف لم يكن مجرد عنصر بصري لاستقطاب المشاهدات، بل جاء بوصفه رمزًا للهوية الجزائرية التي أعاد المسلسل تأويلها وربطها بالحاضر، كما أسهم العمل في تفكيك السردية الكولونيالية التي طالما صورت الجزائر وكأنها بلا ماضٍ غني بثقافاته وتقاليده.

وأكد أن دراما «فاطمة» لم تكن درسًا تاريخيًا أو برنامجًا وثائقيًا، بل لوحة فنية أعادت إلى الذاكرة الجماعية تراث الجزائر وهويتها العميقة، ويتجلى ذلك أيضًا في اعتماد اللهجة العاصمية القديمة في الحوار، بعيدًا عن أي لهجة مبتذلة، في إشارة إلى ثراء اللهجات الجزائرية وتنوعها.

الأثر السيكولوجي والتلقي الجماهيري للأعمال الدرامية المعاصرة

يقاس نجاح الاستراتيجية التراثية المتبعة في الدراما الرمضانية الجزائرية لعام ألفين وستة وعشرين بمدى نجاح مخرجات التلقي الجماهيري، واستجابة المشاهدين للرسائل الثقافية والتاريخية المشفرة بعناية داخل الأعمال الدرامية المتنوعة.

تثير رؤية الفرد للأزياء التراثية الأصيلة والاستماع إلى الألحان البدوية أو الأندلسية مشاعر الحنين الجارف لدى الجيل الأكبر سنا، وتؤدي دور الحاضنة المعرفية والمنصة التعليمية الناعمة لجيل الشباب والمراهقين الذين يتعرفون على مفردات ثقافية وشخصيات تاريخية وفنية، تمثل جذور هويتهم العميقة.

تثبت ردود الأفعال الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي ومقاييس نسب المشاهدة التلفزيونية المرتفعة لمسلسلات هذا الموسم تعطش المواطن الجزائري الدائم للإنتاجات المحلية التي تحترم ذائقته الفنية، وتغطي حقبا تاريخية مهمة ومشبعة بالقصص الجميلة والأصيلة التي تشبهه وتنبثق من بيئته الاجتماعية الثقافية.

تبرهن الصناعة الدرامية الجزائرية من خلال استنطاقها المستمر لتراثها الخصب على امتلاكها البوصلة الثقافية التي تهدي الأجيال المتعاقبة في زحام التغريب، والدرع الواقي الذي يحمي الكينونة الوطنية من التآكل البطيء، لتجعل من الشاشة الرمضانية لوحة فنية ترسم ملامح الخلود للوطن.

 

رابط دائم
https://elayem.news/23bie
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"