الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

الحياة “لعبة” صراع بين الخير والشر.. هل آن لـ “عَبَدة الشيطان” أن يحكموا العالم؟

Author
محمد ياسين رحمة 26 ديسمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

يُقال في المثل الشعبي: “الخير امرأة والشرّ امرأة”! فكيف استطاعت المرأة أن تجمع بين متناقضين يتصارعان منذ قامت الحياة على كوكب الأرض وسيبقيان في صراعهما اليومي إلى أن تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها؟ ربّما أن مَن أطلق المثل أوّل مرّة أراد القول بأنّ المرأة هي الحياة ذاتها، فلا حياة بدون خيرٍ وشرٍّ! وليت قائل المثل يُطلّ علينا من زمنه ويشاهد الشّرور التي غزت العالم وسيطرت عليه إلى درجة أنّ هناك مَن لم يعد يؤمن بوجود الخير.. ليته يُطلّ علينا ويقول لنا إن كانت المرأة هي التي أودت بالعالم إلى حافّة الجنون ونشرت فيه كل هذه الحروب والمآسي والأزمات والشّرور؟ وهل الحل لإنقاذ العالم سيأتي من المرأة؟

نعتذر للمرأة على هذا المثل البائس، فقد أوردناه للتأكيد بأنّ الحياة عندما تكون بسيطة فإنّ شرورها تكون “بسيطة” أيضًا، والخير يبدو فيها مُشرقًا وضّاحا.. وكلّما تعقّدَت الحياة وتطوّرت وازدادت فيها المنتجات والمُبتكرات فإنّ الشرّ فيها يتغوَّل ويتوسّع، وفي المقابل ينكمش الخير وينزوي حتى يغدو وكأنّه ناسكٌ أو راهبٌ في قلوب الخيّرين.. وحياتنا العصرية – فيما يُسمّى عصر التكنولوجيا والمعلومات – صارت يومياتها عنوانًا للشرّ العالمي، فقد أمسى الإنسان مُحاصَرًا بأخبار الحروب والدمار والتخريب وانتهاك حُرمة الحياة ذاتها، وحتى أعمال الخير فيما يُسمّى مساعدات إنسانية وإغاثة للمنكوبين.. صارت مشروطةً وتخدم الغايات الشرّيرة!

وإذًا، قائل ذلك المثل عن المرأة، لعله كان يعيش حياة بسيطة لم يبلغ فيها الشر ما بلغه اليوم من القوة والتجبّر، ولم ينكمش فيها الخير إلى الحدّ الذي لم نعد نسمع له صوتًا أو نرى له وجهًا كما هو الحال الآن.. وربما يجب الاعتراف بأنّنا دخلنا في عصر “حضارة الشرّ” الذي أعلن فيه “عبدة الشيطان” عن أنفسهم بشكل سافرٍ وهم ماضون في طريق السيطرة وحُكم العالم!

اختلف المفكّرون والعلماء والكُتّاب في مسألة: الخير والشرّ، واعتقادنا أنّ البشرية كلّما توغّلت في الماديّة، وابتعدَت عن جوهرها الروحي، ازدادَت الشرّور في الحياة وانتشرت فيها الفظائع التي تُغيّب الضمير الإنساني أو تحجر عليه.. وتمكّنت قوى الشرّ العالمية من السيطرة على الإنسانيّة والعبث بقيم الخير فيها. كما نعتقد بأنّ الرسالة الأولى للأديان السماوية هي التحصين الروحي للإنسان حتى لا تخترقه قوى الشرّ فتلوّث طاقة الخير فيه وتحوّل ذاته إلى مُستعمرَةٍ للشرّ!

ولو أنّنا تتبّعنا “تاريخ” الشرّ خلال القرون العشرة الأخيرة من عُمر البشرية سنجد أنّه توحَّش وتَغوَّل منذ عصر النهضة الأوروبية وشيوع الفكر المادي على حساب انكماش الدين “الصحيح” وانحصار القيم! ففي هذا العصر انتعشت حركات استعمار الشعوب واستعبادها ونهب ثرواتها.. فهناك علاقة وطيدة بين الفكر المادي والشرّ، ولعل هذا الأمر يفسّر الحربَ على الإسلام باعتباره دين القيم الروحية والفضائل الأخلاقية التي تُحصّن الإنسان من أن يكون عبدًا للمادة ومِن “عبدة الشيطان”، وأيضًا لأن الإسلام هو القوة الوحيدة التي يُمكنها إنقاذ البشرية من قوى الشرّ العالمية.. وعندما نقول الإسلام فإننا نقصد الدين “الصحيح” وليس الدين الذي حاولت وتحاول قوى الشرّ أن تُكيّفه لتحقيق أهدافها الشرّيرة الهدّامة للإسلام والإنسان والأوطان!

من المُجدي أن نعرّف الخير والشرّ، ونوصّف أشكالهما ومظاهرهما، ونستشرف آفاق الصراع بينهما.. ولكننا نكتفي بما قاله الدكتور “بسيم عبد العظيم عبد القادر”: “في عالم اليوم، يتّخذ الصراع بين الخير والشر أشكالًا أكثر تعقيدًا، فقد يظهر الشر في صور جديدة مثل الحروب التكنولوجية، والفساد، وتدمير البيئة.. بينما يبقى الخير حاضرًا في جهود الإغاثة، والتعليم، ونشر العدالة.. ومع ذلك، فإنَّ وسائل الإعلام الحديثة قد زادت من تعقيد الصورة، حيث أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الخير والشر، بسبب التلاعب بالمعلومات والدعاية”.

توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب بهذه التساؤلات: تقوم الحياة على الثنائيات مثل: الحق والباطل، النور والظلام، الموجب والسالب، الإيمان والكفر، القوة والضعف.. وأبرز هذه الثنائيات هي ثنائية: الخير والشر. فما الذي نعنيه بهاتين الكلمتين؟ وهل نحن نفهمهما حقّ الفهم؟ وهل لهما وجود وامتداد في تراثنا الأدبي والثقافي؟

يُقال بأن الأخلاق هي نظرية الخير والشر، ويُقال أيضًا بأنّ القيم تعني الخير والانتصار له على حساب الشّر.. ويبدو الموضوع فلسفيًّا أكثر منه أدبيا، غير أنّ الأدب هو الأكثر ارتباطا بالناس وحياتهم، ومن المُجدي أن نُدرك الخير والشر في الأدب والتراث والثقافة الشعبية. فكيف ترون ثنائية (الخير والشر) من خلال رؤيتكم وقراءاتكم وكتاباتكم وتجاربكم في الحياة؟ ثم إنّ موجةً انتابَت المجتمعات العربية وربما العالمية بأنّ الخير صار خجولا يتخفّى عن الناس إلى درجة أنّ من يقوم بأفعال الخير قد يُساء فهمه ويُتّهم بأن له أغراضا شرّيرة من وراء تلك الأفعال، بينما الشر صار أكثر انتشارا بين الناس من خلال مظاهره (القولية والفعلية).. فما هو دور الكاتب والأديب في مناصرة الخير من خلال نشر قيمه، ومحاربة الشر من خلال الدعوة إلى المحبة والتآخي وإسقاط نظرية: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”؟ وربما السؤال الأجدى: ما علاقة الكاتب بالخير والشر؟

عزيزي القارئ أنت أيضًا معنيٌّ بقضية الخير والشرّ ففي كلّ إنسان نفسٌ أمَّارة بالسوء تحرّضه على الشرّ بالقول والفعل.. إن كانت نائمة فلا تُوقظها فالعالم ليس بحاجة إلى مزيد من الشرّ! ولعلّك تقول بأنّ الشرّ له أسلحة فتّاكة يُمكنها أن تدمّر العالم بأسره في دقائق، فكيف يُمكن للخير أن يواجه تلك الأسلحة بالقيم والأخلاق والحبّ؟ سأصارحك عزيزي القارئ بأنني لا أملك جوابا عن سؤالك، ولكن يقيني بأنّ الصراع بين الخير والشر سيبقى قائما إلى يوم القيامة، ومصير البشرية بيد الله وحده وهو الخير المطلق كله، وأما “عبدة الشيطان” فسينكسرون كما انكسروا في مراحل تاريخية سابقة، ولعلّ الشر الذي يعتنقونه في طيّاته بعض الخير، فليس هناك شرٌّ مطلق، لأن الشرّ ابن “النفس الأمّارة” بالسوء فهو ناقص بالضرورة.. والكمال لله وحده.

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

غريندايزر” و”فيغا”.. صراع لا ينتهي!

 علِّي علِّي بطل فليد هيا طر يا غريندايزر

بعزم علِّي، حممًا أرسل، افتك بالأعداء

كافح شرًّا، أبطل مكرًا بحزم وإباء

امنع طمعًا، اردع جشعًا فالخطر كبير

هادي الأرض يا غريندايزر كوكب صغير

خيرها يزهو حبّها يسمو للعدل الفسيح

دافعوا حتى تفوزوا بالحبّ العظيم فالخير عميم

من منّا لا يستذكر غريندايزر، البطل المغوار الذي قاده “دوق فليد” من أجل الدّفاع عن الأرض وحمايتها من الغزو المخطّط له من قِبَل شعب “فيغا”؟

هذا المسلسل اليابانيّ الذي تُرجِم إلى العربيّة الفصحى، ليكون خارطة طريق لكلّ العرب، اختصر برسالته الصّراع المستمرّ بين الخير والشرّ، بمختلف الأوجه التي يمثّلانها: العلاقات الإنسانيّة، الصّداقة، العداوة، الخيانة، المواطنة، الاحتلال، القتل، المواجهة والدّفاع… كلّ شيء في الحياة يحمل معه ميزان، كفّة الخير وكفّة الشّر، فأيّ الكفّتين تحمل الثّقل؟

كنّا قد عرضنا في مقالة سابقة موضوع “الحرب في الأدب”، فهل الحرب شرّ؟ كيف تكون شرًّا وهي تحمل معها كفّتي الميزان: المعتدي والمدافع. فهل يتساوى “غريندايزر” مع جيش “فيغا”؟! هل تتساوى عبارتا: “لا للظّلم” و”نعم للعدوان”؟  لا يمكن لراية الحقّ أن تتوازن مع راية الباطل، فكما الحلال بيّن والحرام بيّن، كذلك الخير والشّر، رغم محاولات الطّرف الأسود تقديم جميع التّبريرات التي يظنّ أنّها تغطّي له جشعه وطغيانه، ولكنّ راية الحقّ واحدة، هي التي ينصرها الله دون سواها، ومهما طمسها الشّر، فالله أعلم بالنّفوس، وما السّياسات العظمى إلّا نفوس مريضة بحبّ السّيطرة، الحياة تعمي القلوب، والمناصب غرّارة.

إنّ الخير والشّر بالمفهوم العريض الذي تحمله الحروب، وتشكّله السّياسات في الواقع المُعاش، لا يشكّل المعنى الكلّي للحياة، فلطالما حاوطتنا هذه المفاهيم منذ طفولتنا، بين ما نشاهده، وما نقرأه، وما نعيشه من واقع مباشر يحفر تفاصيله في فكرنا وشخصيّتنا. فكيف تعاملنا مع مفهوم الخير والشّر؟ ونحن الذين أخبرنا الله في قرآنه الكريم: ” فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” (سورة: الزلزلة، الآية: 7 و8)، هذه الآية التي تؤكّد على ما يجب أن تحمله الأعمال التي نقدّمها، فليس هناك من حجّة نعبّر عنها بمصطلح: “وإذا”، أو “ما كان قصدي”. خصوصًا أنّ محور الشّر يتربّص بنا من كلّ جانب من جوانب الحياة. ولا أقصد بذلك الحياة الخارجيّة فقط، فالشّر في داخلنا دائمًا ما يحاول مهاجمتنا. حربٌ ضروس تعيشها النّفس الإنسانيّة، فالشّيطان شاطر، والنّفس أمّارة بالسّوء؛ أكذب أم أقول الحقيقة؟ أعمل بجدّ أم أنصب على النّاس؟ أسئلة يوميّة نرميها كالنّرد على طاولة خياراتنا، لنكتشف ذاتنا لأيّ من الطّائفتين ننتمي؟

نعم الشّيطان شاطر، ولكنّه ليس الأذكى، وليس الأقوى، وكلّ القصص التي قصّها علينا القرآن، وكلّ النّصوص الأدبيّة التي صقلت مشاعرنا، وكلّ الحكايا التّي سردها علينا آباؤنا قبل النّوم، جميعها تؤكّد انتصار الخير في المعركة الأخيرة، معارك عديدة يحاول فيها الشّر أن يثبت حقّه وقيمته، ولكنّه زائل لا محالة، إذ يقول الإمام الشّافعيّ في هذا الصّدد:

الخير يبقى وإن طال الزّمان به — والشّر أخبث ما أوعيت من زاد

فكم يواجه الإنسان من أفكار متناقضة بين ما يصحّ وما لا يصحّ، كم يواجه من علاقات تطعن بالظّهر، وكم يواجه من حروب بين الحق والباطل، بين الوطن والعدوّ، بين الظّلم والعدالة؟

كلّ هذه الصّراعات، نهايتها واحدة، ولا يحين وقتها إلّا بعد أن تزول الغمامة عن البصيرة، ليتبيّن لنا الحقُّ حقًّا والباطل باطلًا، فالوسط لا مكان له في الحياة، وكلام الله واضح: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ” (سورة: إبراهيم، الآية: 42)، ولنعلم أنّ الحساب قادم، والنّور سيقول حينها كلمته الأخيرة.

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد وأكاديمي من مصر. رئيس لجنة العلاقات العربية باتِّحاد كُتَّاب مصر)

الخير فلسطيني والشر صهيوني.. قراءة في أوراق الخير والشرّ

تقوم الحياة على الثنائيات مثل: النور والظلام، الموجب والسالب، الإيمان والكفر، الضعف والقوة.. وأبرز هذه الثنائيات هي ثنائية: الخير والشر.

ثنائية الخير والشر في القرآن الكريم

يُعدّ القرآن الكريم دستورًا إلهيًّا جامعًا يحوي مبادئ الهداية للبشرية، ومن أبرز القضايا التي تناولها القرآن الكريم قضية ثنائية الخير والشر، باعتبارها أساسًا لصراع الإنسان في حياته الدنيا واختبارًا لإرادته وحريته، وتتجلّى هذه الثنائية في آيات كثيرة، حيث يوضح الله سبحانه وتعالى طبيعة كلٍّ من الخير والشر، وأثرهما على الفرد والمجتمع، ويدعو الإنسان إلى اتباع الخير واجتناب الشر.

تعريف الخير والشر في القرآن الكريم

الخير في القرآن الكريم هو كل ما يتوافق مع إرادة الله ومقاصد الشريعة، وهو ما يجلب النفع للفرد والمجتمع، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو الآخرة، وقد وردت كلمة خير نكرة مرفوعة في القرآن الكريم تسعا وثلاثين ومائة مرة، كما وردت نكرة منصوبة سبعا وثلاثين مرة، ووردت كلمة الأخيار مرتين وصفًا للأنبياء، كما وردت الخيرات عشر مرات. يقول تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (الزلزلة: 7).

أما الشر، فهو كل ما يُخالف منهج الله ويؤدي إلى الإفساد في الأرض والضرر بالإنسانية، وقد وردت كلمة الشر مُعرّفة ستا وعشرين مرة، ووردت شرًّا نكرة منصوبة مرة واحدة، ووردت كلمة الأشرار مرة واحدة. يقول تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 8).

الجذور النفسية لصراع الخير والشر

يشير القرآن إلى أن الإنسان يحمل في داخله نزعتين متضادتين: نزعة الخير ونزعة الشر. ففي قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: 7-10)، ويتبين أن الله أودع في النفس البشرية القدرة على الاختيار بين الخير والشر، وجعل الفلاح والنجاح مرتبطين بتزكية النفس واتباع الخير.

ثنائية الخير والشر في الكون والمجتمع

عالم الكون والطبيعة يشهد على وجود التوازن بين الخير والشر كجزء من حكمة الله في الخلق. فالليل والنهار، والحياة والموت، والفرح والحزن، كلها ثنائيات تعكس تكامل الحياة واختبار الإنسان. كذلك، في المجتمع، يشير القرآن إلى أنَّ الصراع بين أهل الخير وأهل الشر سُنّة كونية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ} (الفرقان: 31).

الخير والشر والجزاء الأخروي

يربط القرآن بين العمل بالخير والشر وبين الجزاء الأخروي، فالخير طريق إلى الجنة، كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133). أما الشر فهو سبب للعذاب في الدنيا والآخرة، كما يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} (النساء: 168).

دعوة القرآن للخير وتحذيره من الشر

حضّ القرآن الكريم على الخير، وجعل من أعظم الأعمال دعوة الناس إليه، كما في قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} (آل عمران: 104). كما حذّر من الشر، ودعا إلى اجتناب وساوس الشيطان، الذي يعد مصدر الشر الأول، كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر: 6).

وهكذا يتبيّن لنا إن ثنائية الخير والشر في القرآن الكريم تمثل جوهر الحياة الإنسانية، فهي امتحان للإنسان في الدنيا، وميزانٌ لجزائه في الآخرة. ومن خلال فهم هذه الثنائية والعمل بما يدعو إليه القرآن من اتباع الخير وتجنب الشر، يستطيع الإنسان تحقيق سعادته ورضا الله، والإسهام في بناء مجتمعٍ تسوده القيم والفضيلة.

ثنائية الخير والشر في السنة النبوية المشرفة

السنة النبوية الشريفة، بما تحمله من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، جاءت لتكمل وتفسر ما ورد في القرآن الكريم، وتوضح للإنسان طريق الهداية والابتعاد عن الضلال. ومن القضايا المحورية التي تناولتها السنة قضية ثنائية الخير والشر، حيث قُدّمت هذه الثنائية بشكل عملي يعكس طبيعة حياة الإنسان وصراعه الداخلي والخارجي.

تعريف الخير والشر في السنة النبوية

الخير في السنّة هو كل ما يحقق رضا الله وينفع الإنسان في دينه ودنياه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس” (رواه الطبراني)، مما يبرز أهمية الإحسان للآخرين كجوهر للخير. أما الشر، فهو ما يجلب الضرر على النفس أو الغير، ويبعد الإنسان عن طريق الله، كما جاء في الحديث: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه ابن ماجه).

الجذور النفسية للخير والشر في السنّة

تناولت السنّة النبويّة قضية نزعات الخير والشر في النفس البشرية، مؤكدة أن الإنسان مزيج من ميول متعارضة، لكنه مسؤول عن اختيار الطريق الذي يسلكه، وفي الحديث: “كُلُّ بَني آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ” (رواه الترمذي). فالحديث يعكس طبيعة الإنسان التي قد تميل إلى الشر أحيانًا، لكنه يمتلك الإرادة للرجوع إلى الخير بالتوبة.

ثنائية الخير والشر في المجتمع

ركزت السنّة النبوية على الصراع المجتمعي بين الخير والشر، ودعت إلى نصرة الحق ومواجهة الباطل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” (رواه مسلم). فالحديث يوضح أنَّ مقاومة الشر واجب على كل فرد، وأنَّ الخير هو العامل الذي يضمن استقرار المجتمع وسلامته.

الخير والشر والجزاء الأخروي

ربطت السنّة النبوية المُطهّرة بين أفعال الخير والشر وبين الجزاء في الآخرة، فأكدت أنَّ أعمال الخير هي مفتاح الجنة، كما جاء في الحديث: “اتقوا النار ولو بشقّ تمرة” (رواه البخاري). أما أعمال الشر فهي سببٌ للهلاك والعقاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين” (رواه البخاري ومسلم).

دعوة السنة النبوية المشرفة إلى الخير وتحذيرها من الشر

حضّت السنّة النبوية المُشرَّفة على فعل الخير وترك الشر بأسلوب يشمل الترغيب والترهيب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء” (رواه مسلم)، ممّا يبيّن أهمية الإحسان كقيمة عليا.

وفي الوقت نفسه، حذّرت السنّة من التهاون في فعل الشر، كما في الحديث: “إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه” (رواه أحمد).

نماذج تطبيقية من السنة لثنائية الخير والشر

-1 الخير في السلوك العملي: كان النبي صلى الله عليه وسلم أنموذجاً للخير في أفعاله، حيث كان يساعد الفقراء، ويزور المرضى، ويعفو عن المسيئين.

-2 التحذير من الشر: أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أثر الشر في هدم المجتمعات، فقال: “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة…” (رواه البخاري)، مُشبِّهًا التساهل مع الشر بترك السفينة تغرق.

وهكذا أظهرت السنّة النبوية الشريفة ثنائية الخير والشر باعتبارها جوهر الصراع الإنساني ومسار الحياة، ومن خلال التوجيه النبوي، يُدرك الإنسان أنَّ الخير هو السبيل لرضا الله وسعادة الدنيا والآخرة، بينما الشر هو طريق الهلاك والدمار. وتظل السنة النبوية دليلاً عملياً للمسلم في رحلته لاختيار الخير واجتناب الشر في حياته اليومية.

الخير والشر في تراثنا: من قابيل وهابيل حتى اليوم

الخير والشر مفهومان متجذّران في التراث الإنساني، يُمثّلان الصراع الأزلي الذي بدأ مع قصة قابيل وهابيل، أول حادثة قتل عرفها التاريخ البشري، حيث جسّدَت تلك الحادثة صراع القيم بين الخير، المتمثل في الطاعة والتقوى، والشر المتمثل في الحسد والجشع.

قابيل وهابيل: البداية الأولى للصراع

في التراث الإسلامي واليهودي والمسيحي، تُعتبر قصة قابيل وهابيل رمزًا للصراع البشري الداخلي بين الفضائل والرذائل، فقُدّمت القصة لتُظهر كيف أنَّ الشر ينبع من داخل الإنسان عندما يترك نفسه فريسة للرغبات السلبية مثل الحسد والطمع، فقابيل قتل أخاه هابيل ليس لأنه كان مضطرا، بل لأنه لم يتحمّل أن يُفضَّل عليه. وهكذا تحوَّل الحسد إلى عمل شرّير أدى إلى سفك الدماء.

الخير والشر في الحضارات القديمة

عبر التاريخ، حاولَت الحضارات تفسير هذا الصراع بين الخير والشر من خلال الأساطير والأديان. وفي الحضارة المصرية القديمة، ارتبط الخير بالإله “ماعت” (إلهة الحق والعدل)، بينما ارتبط الشر بالفوضى والدمار الذي يجلبه “ست”.

وفي الفلسفة اليونانية، ناقش أفلاطون وأرسطو الفضائل والرذائل، مؤكدين أنَّ الخير هو الهدف الأسمى الذي يسعى إليه الإنسان، بينما الشر هو انحراف عن هذا الهدف.

في التراث الإسلامي

في الإسلام، يُعتبر الخير والشر جزءًا من طبيعة البشر، حيث يُختبر الإنسان في هذه الحياة ليختار بينهما، يقول الله تعالى: “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البلد: 10)، أي طريق الخير وطريق الشر. ويُظهر القرآن أنَّ الصراع بينهما ليس فقط على مستوى الأفراد، بل يمتد إلى المجتمعات والدول، كما في قصص الأنبياء الذين واجهوا الشر في صور الطغيان والظلم.

في الأدب العربي

انعكس هذا الصراع في الأدب العربي على مرّ العصور، حيث جسّدت القصص والشعر هذا التناقض الأبدي. وفي “ألف ليلة وليلة”، يظهر الخير والشر في شخصيات مثل الملك “شهريار” والمرأة “شهرزاد”، حيث يتمحور الصراع حول الانتقام والحكمة. كما نجد في شعر “المتنبي” إشارات إلى النفس البشرية التي تتأرجح بين الفضائل والرذائل.

الخير والشر في العصر الحديث

في عالم اليوم، يتّخذ الصراع بين الخير والشر أشكالًا أكثر تعقيدًا، فقد يظهر الشر في صور جديدة مثل الحروب التكنولوجية، والفساد، وتدمير البيئة، بينما يبقى الخير حاضرًا في جهود الإغاثة، والتعليم، ونشر العدالة. ومع ذلك، فإنَّ وسائل الإعلام الحديثة قد زادت من تعقيد الصورة، حيث أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الخير والشر، بسبب التلاعب بالمعلومات والدعاية.

دروس مستفادة من التراث

يُعلّمنا التراث أن الخير والشر ليسا فقط صراعًا خارجيًا، بل معركة داخلية يعيشها كل إنسان يوميًا، فالنجاح في هذه المعركة يعتمد على قوة الإرادة، التربية، والإيمان، وفي النهاية، يبقى الخير هو الغاية التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، كما قال الشاعر:

إذا الخيرُ لم يُؤمر به والشرُّ لم يُزجرْ — فما فضلُنا عن باقي البهائمِ يُذكرُ

منذ قابيل وهابيل حتى اليوم، يستمر الصراع بين الخير والشر بأشكال وصور متعددة، لكنه يبقى أساسًا في طبيعة الإنسان ومجتمعه. التراث يعلمنا أن هذا الصراع ضروري لتطوير البشرية ودفعها نحو الأفضل، فالخير والشر هما وجهان لقصة الإنسان التي لن تنتهي إلا بانتصار الخير.

الخير والشر في الأدب العربي

تُعد قضية الخير والشر من القضايا الإنسانية الكبرى التي تناولها الأدب العربي عبر عصوره المختلفة، حيث عكس الأدب الصراع الدائم بين القيم الفاضلة والرذائل. وفي الشعر والنثر، ظهرت هذه الثنائية بشكل بارز، مما يعكس اهتمام الأدباء والشعراء بإبراز طبيعة النفس البشرية والتحديات الأخلاقية التي تواجهها.

الخير والشر في العصر الجاهلي

كان العصر الجاهلي غنيًّا بالشعر الذي صوّر الحياة القبلية والصراعات القيمية بين الخير والشر.

تناول الشعراء الجاهليون الأخلاق والفضائل كالكرم والشجاعة، مقابل الرذائل كالجبن والبخل. ومن أبرز الأمثلة قول “عنترة بن شداد”:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي — حتى يواري جارتي مأواها

وهنا يظهر الخير ممثلًا في القيم الأخلاقية كالعفة والاحترام. أما الشر فكان يظهر في أشعار الفخر بالحروب والانتقام، مثلما جاء في معلقة “عمرو بن كلثوم”:

إذا بلغ الفطام لنا صبيٌّ — تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

ونشرب إن وردنا الماء صفوا — ويشرب غيرنا كدرا وطينا

وكانت الحكم والأمثال الجاهلية تجسيدًا للصراع بين الخير والشر، مثل قولهم: “الخير بالخير والبادي أكرم، والشر بالشر والبادي أظلم”، حيث يظهر التكافؤ الأخلاقي بين الخير والشر في المجتمع الجاهلي.

في العصر الإسلامي

مع ظهور الإسلام، تغيّرت نظرة الأدب إلى الخير والشر، حيث أصبحت مستمدة من القيم الإسلامية التي تركز على الحق والعدل والتسامح. فظهر الخير في مدح الرسول والصحابة والدعوة إلى مكارم الأخلاق، مثل قول “حسان بن ثابت”:

وأحسن منك لم ترَ قط عيني — وأجمل منك لم تلد النساءُ

خلقت مبرأ من كل عيب — كأنك قد خلقت كما تشاء

بينما صوّر الشر في الهجاء والذم، كأشعار “دعبل الخزاعي” في انتقاد الظلم والجور:

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ — ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرصاتِ

وقد برزت الكتابات التي تمجّد الخير وتحذر من الشر في النصوص الدينية والخطب، مثل خطب “علي بن أبي طالب” التي تحمل في طيّاتها فلسفة عميقة عن الصراع بين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة.

في العصر العباسي

شهد العصر العباسي تطورًا كبيرًا في تناول الخير والشر، حيث دخلت القضايا الفلسفية والاجتماعية في الأدب. فتناول الشعراء الخير والشر من منظور فلسفي وأخلاقي، ومن أبرزهم “أبو العلاء المعري”، الذي قال:

إذا ما رأيتَ الشرَّ أفشى عُقُولَهُ — على الناسِ فانظرْ أينَ يَسري حَبَالُهُ

كما انتقد “المعري” الشر في شكل الحروب والطغيان والفساد.

وظهرت في مؤلفات “الجاحظ” و”ابن المقفع” مقارنات بين الخير والشر، كما في كتاب “كليلة ودمنة”، حيث قُدمت الحكايات الرمزية التي تُبرز الخير منتصرًا على الشر.

في العصر الأندلسي

في الأدب الأندلسي، برزت قضية الخير والشر في إطار الجمال والحضارة، فصوّر الشعراء الخير في الحب والسلام والطبيعة، كما في أشعار “ابن زيدون”:

أضْحى التّنائي بَديلاً منْ تَدانينا — ونابَ عن طيبِ لُقيانا تجافينا

بينما تناول الشر في أشكال الفراق والخيانات، مما يعكس الأزمات الإنسانية. وكان لرسائل الأدباء مثل “ابن حزم الأندلسي” في كتابه “طوق الحمامة” نصيب في تصوير الخير كقيمة سامية للحب النبيل، مقابل الشر الذي يظهر في الجفاء والخيانة.

في العصر الحديث

مع تطوّر المجتمع العربي في العصر الحديث، اتّخذ الخير والشر أشكالًا جديدة تعكس تحديات العصر. فقد تناول الشعراء المعاصرون الشر في صوره الاستعمارية والاجتماعية، كما في أشعار “محمود درويش”:

يا دامي العينين والكفين! إن الليل زائل

لا غرفةَ التوقيفِ باقيةٌ ولا زَرَدُ السلاسل

بينما يُبرز الخير في النضال لأجل الحرية والكرامة.

ونجحت روايات “نجيب محفوظ” في تصوير الخير والشر من خلال شخصيات معقدة تعيش صراعات أخلاقية، كما في رواية “اللص والكلاب”، حيث يظهر الصراع الداخلي للبطل بين الخير المفقود والشر المحيط به.

وهكذا فقد عكس الأدب العربي عبر العصور الصراع الأزلي بين الخير والشر، سواء في صورته الفردية أو الاجتماعية، وقدّم الأدباء رؤية عميقة للطبيعة البشرية، مؤكدين أنَّ الخير والشر قوتان متضادتان لكنهما ضروريتان لفهم الإنسان وحقيقته. وهذا الصراع ما زال مستمرًا، مما يجعل الأدب العربي شاهدًا على تطور القيم الإنسانية عبر الزمن.

الخير والشر في حياتنا: صراع دائم ومستمر

منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، كان الصراع بين الخير والشر حاضرًا في حياته اليومية، فهو صراع أزلي يعكس طبيعة النفس البشرية وما تحمله من تناقضات، فالخير والشر ليسا مجرد مفاهيم فلسفية أو دينية، بل هما قوتان متضادتان تُشكّلان أفعالنا وقراراتنا، وتحدّدان مسار المجتمعات والأفراد على مرّ الزمن.

معنى الخير والشر

الخير يُمثل كل ما يهدف إلى البناء، والعطاء، والحب، والعدالة، أو هو العمل الذي يحقق النفع للإنسانية ويُعلي القيم الأخلاقية. أما الشر، فهو كل ما يؤدي إلى الهدم، والظلم، والأنانية، ويُسبب الأذى للآخرين. يقول الفيلسوف “أرسطو”: “الخير غاية كل الأشياء”، ويُعزز هذا المفهوم أنَّ الخير يسعى لتحقيق توازن في حياة الإنسان، بينما يُعتبر الشر قوة معرقلة تدفع الإنسان نحو الانحراف عن المبادئ والقيم.

الخير والشر في النفس البشرية

يتعايش الخير والشر داخل النفس البشرية، حيث تتصارع نوازع الخير كالعطف والتسامح مع دوافع الشر كالأنانية والكراهية. وقد وصف القرآن هذا الصراع الداخلي بقوله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” (الشمس: 7-8).

هذا الصراع الداخلي هو ما يجعل الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، حيث يمتلك حرية الاختيار بين الخير والشر. وقد ينتصر الخير في بعض الأحيان بفضل التربية الصالحة والإيمان، وقد يطغى الشر عندما تُترك النفس للهوى والرغبات.

الخير والشر في المجتمع

لا يقتصر الصراع بين الخير والشر على الفرد وحده، بل يتجلى بوضوح في المجتمعات. فالخير يظهر في العدالة، والسلام، ونشر العلم، بينما يظهر الشر في الظلم، والحروب، والفساد. وعندما تسود القيم الإنسانية وتُحترم حقوق الآخرين، يزدهر المجتمع وتتحقق التنمية. أما عندما يُهيمن الشر في صورة الاستبداد والطغيان، فإن المجتمعات تُصبح ضعيفة وتنهار قيمها الأخلاقية.

على مرّ التاريخ، شهد العالم صراعات كبرى بين قوى الخير والشر، مثل الحروب العالمية التي أزهقت أرواح الملايين، لكنها أثمرت في النهاية عن وعي أكبر بأهمية السلام والتعاون.

الخير والشر في الحياة اليومية

يتجلى الخير والشر في حياتنا اليومية في كل لحظة وفي كل قرار نتخذه: فعندما يساعد الإنسان محتاجًا، يختار الخير، وعندما يغشّ أو يؤذي الآخرين، ينحاز للشر.

وفي مجالات العمل، والدراسة، وحتى في العلاقات الشخصية، تتصارع القيم الإيجابية كالصداقة والإخلاص مع المشاعر السلبية كالغيرة والحسد.

والخير ليس دائمًا الطريق السهل، ولكنه الطريق الذي يمنح الإنسان شعورًا بالرضا والسلام الداخلي، أما الشر فقد يبدو أحيانًا مغريًا وسريع النتائج، لكنه يترك وراءه الندم والآثار السلبية.

الصراع بين الخير والشر في العصر الحديث

مع تقدّم التكنولوجيا والعولمة، أخذ الصراع بين الخير والشر أبعادًا جديدة:

الخير: ظهر في المبادرات الإنسانية، والتكنولوجيا التي تخدم البشرية، وحملات الحفاظ على البيئة.

الشر: تجلى في الحروب الإلكترونية، استغلال التكنولوجيا لنشر الكراهية، والإضرار بالبيئة لتحقيق مكاسب مادية.

وسائل الإعلام الحديثة لعبت دورًا مزدوجًا؛ فهي تسهم في نشر الوعي والخير، لكنها أحيانًا تكون أداة لتعزيز الشر من خلال التضليل الإعلامي ونشر ثقافة الاستهلاك والأنانية.

كيف نُعزز الخير ونُحارب الشر؟

-1 التربية الأخلاقية: غرس القيم منذ الصغر يساعد في بناء شخصية متوازنة.

-2 الوعي والتعليم: نشر المعرفة يُعزز من قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر.

-3 القوانين العادلة: تطبيق قوانين تحمي حقوق الأفراد وتردع الممارسات الشريرة.

-4 القدوة الصالحة: الاقتداء بالنماذج الإيجابية في المجتمع يُلهم الآخرين الخير.

وخلاصة القول فإنَّ الخير والشر قوّتان متضادتان تشكلان حياة الإنسان والمجتمعات، وهما جزء لا يتجزأ من تجربتنا الإنسانية، والصراع بينهما هو ما يمنح حياتنا معنى، حيث نتعلم من خلاله قيم العدل، والتسامح، والمثابرة. وانتصار الخير على الشر ليس مجرد هدف، بل هو رحلة مستمرة تتطلب إرادة قوية وإيمانًا بالإنسانية وقدرتها على تحقيق التوازن والانسجام.

وهناك موجة انتابت المجتمعات العربية وربما العالمية بأنَّ الخير صار خجولا يتخفّى عن الناس إلى درجة أنّ من يقوم بأفعال الخير قد يُساء فهمه ويُتّهم بأنَّ له أغراض شرّيرة وراء تلك الأفعال، بينما الشر صار أكثر انتشارا بين الناس من خلال مظاهره (القولية والفعلية)، فما دور الكاتب والأديب والشاعر في مناصرة الخير ومحاربة الشر؟

الأدب هو صوت الإنسان الذي يعبّر عن قضاياه وتطلعاته، ويلعب الكاتب والأديب والشاعر دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمعات، وفي إطار ثنائية الخير والشر، يمكن القول إنَّ الكاتب الحقيقي هو الذي ينحاز إلى قيم الخير والعدل، ويناهض الشر والظلم، مستخدمًا قلمه كأداة للتغيير والإصلاح.

فالكاتب يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، ويكون شاهدًا على الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، والخير والشر هما موضوعان أساسيان ينعكسان في أعماله الأدبية، حيث يحمل الأدب رسالة أخلاقية وإنسانية توجه القارئ نحو الفضيلة وتحذره من الرذيلة. ومن خلال قصصه أو شعره أو مقالاته، يصبح الأديب منارة تنير الطريق أمام الناس، إما بنشر قيم الخير أو بمواجهة الشر وتحذير المجتمع من مخاطره.

كيف ينصر الكاتب الخير؟

-1 نشر القيم الإيجابية: الكاتب ينقل عبر أعماله قيم الحب، والتسامح، والعدالة، والرحمة، وعلى سبيل المثال، الروايات التي تسلط الضوء على الأبطال الذين ينتصرون للحق، أو القصائد التي تمجّد التضحية والإيثار، وتلهم القرّاء بالتمسك بهذه القيم.

-2 تصوير معاناة المظلومين: الأدباء والشعراء يستطيعون تسليط الضوء على قضايا الفقراء والمحرومين، ممّا يوقظ الضمير الجمعي ويحفز الناس على التحرك لنصرة المظلومين.

-3 تعزيز الهوية الثقافية: ينشر الأديب قيم الخير من خلال الحفاظ على تراث الأمة وقيمها النبيلة، مما يجعل المجتمع أكثر صلابة في مواجهة الشر.

كيف يحارب الكاتب الشر؟

-1 فضح الظلم والفساد: يستخدم الأديب قلمه لكشف ممارسات الظلم والقهر، كما يفعل الصحفيون والمفكرون الذين ينتقدون الأنظمة الاستبدادية أو يسلطون الضوء على مظاهر الفساد.

-2 التحذير من الانحرافات: الأدب الهادف ينبّه الناس من مخاطر الانحرافات الأخلاقية والسلوكية، ويعكس الشرور التي قد تقع إذا استمر التهاون.

-3 تحفيز التغيير: الأدباء يلهمون الشعوب لمواجهة الطغيان، كما فعل كثير من الشعراء في أزمنة الاحتلال والاستعمار حين كانوا يحرضون الناس على المقاومة.

نماذج أدبية في مناصرة الخير ومحاربة الشر

الرواية: استخدم العديد من الروائيين أقلامهم لمحاربة الظلم، مثل روايات “البؤساء” لـ “فيكتور هوجو” التي تسلط الضوء على الفقر والظلم الاجتماعي.

الشعر: الشعراء مثل “أحمد شوقي” و”محمود درويش” وقفوا بجانب قضايا الخير مثل الحرية والعدالة، بينما واجهوا الاستعمار والظلم بكلماتهم القوية.

المقالات: الكتاب مثل “مصطفى أمين” و”مالك بن نبي” استخدموا مقالاتهم لتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية ونقد الشرور التي تواجه المجتمعات.

فالكاتب والأديب والشاعر ليسوا مجرد صانعي كلمات، بل هم قادة فكر يقفون في الخط الأمامي للدفاع عن الخير ومواجهة الشر، وأعمالهم الأدبية ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة لزرع القيم النبيلة وتوعية الناس بخطر الانحراف عن الحق. فعلاقة الكاتب بالخير والشر علاقة مسؤولية، فهو مرآة المجتمع وضميره الذي يوجهه نحو مستقبل أفضل.

ولا ينبغي أن ننتهي من هذا المقال بغير التعريج على ثنائية الخير والشر في قضية القضايا في العصر الحديث وهي قضية الحق الفلسطيني الذي تغتاله قوى الشر العالمية ممثلة في الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين منذ خمسة وسبعين عاما أو يزيد، حتى نضرب مثلا بدور الكاتب في مناصرة الخير ومنابذة الشر.

فالصراع الفلسطيني الصهيوني هو أحد أبرز القضايا التي تجسد ثنائية الخير والشر في العصر الحديث، ويمثل هذا الصراع مواجهة مستمرة بين الحق الفلسطيني في الأرض والحرية والكرامة، وبين العدوان الصهيوني الذي يرتكز على الاحتلال، والاستيطان، وتهجير الشعب الفلسطيني، وفي هذه المواجهة، يلعب الأدب بشقيه الشعري والنثري دورًا جوهريًّا في توثيق المعاناة، وإبراز قيم الخير والمقاومة ضد شر الاحتلال.

ثنائية الخير والشر في الصراع الفلسطيني الصهيوني

فالخير في هذا الصراع يتمثل في الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حقوقه المشروعة، ويكافح من أجل استرداد أرضه وحريته، ويظهر الخير في صمود الفلسطينيين في وجه الاحتلال، وفي تمسّكهم بقيمهم الوطنية والإنسانية، بالرغم من المحاولات المستمرة لطمس هويتهم وتاريخهم.

والشر يتمثل في سياسات الاحتلال الصهيوني من التهجير القسري، وهدم المنازل، والاستيطان، والاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين، ويمثل المشروع الصهيوني أنموذجًا صارخًا للاستعمار الاستيطاني الذي يسعى لإبادة هوية شعب بأكمله.

دور الأدب في مناصرة الخير ومواجهة الشر

كان الأدب الفلسطيني والعربي جزءًا أساسيًّا من النضال ضد الاحتلال الصهيوني، واستخدم الأدباء والشعراء أقلامهم كأدوات مقاومة تعكس الواقع الفلسطيني، وتنقل صوت المظلومين إلى العالم.

الشعر: صوت المقاومة وصدى المعاناة

كان الشعر الفلسطيني والعربي وسيلة قوية لتصوير معاناة الشعب الفلسطيني ونضاله ضد الاحتلال. و”محمود درويش”، شاعر فلسطين الأبرز، جسّد في قصائده الصراع بين الخير والشر، حيث كتب: “نحن أحياء وباقون، وللحلم بقية”. وفي قصائده، نرى صورة الفلسطيني الصامد الذي يتشبث بحقه في وجه آلة الاحتلال الغاشمة.

و”فدوى طوقان”، عبّرَت عن الألم الفلسطيني بلغة شعرية غنية بالرموز التي تعكس النضال من أجل الحرية، كما في قصيدتها “لن أبكي”، حيث تتحدى الاحتلال وتبرز الأمل.

الرواية والقصة: توثيق المأساة ودعوة للمقاومة

الروايات الفلسطينية كانت شاهدة على جرائم الاحتلال، مثل أعمال “غسان كنفاني” الذي فضح عبر رواياته مثل “رجال في الشمس” و”عائد إلى حيفا” ممارسات الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين. وعبر الأدب الروائي، تظهر معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، وتنعكس صورة الاحتلال كقوة شريرة تسعى لاقتلاع الفلسطينيين من جذورهم.

المقالة والخطاب الأدبي: التأثير السياسي والاجتماعي

لعبت المقالات الأدبية والكتابات النقدية دورًا مهمًّا في تشكيل وعي الشعوب العربية والعالمية حول عدالة القضية الفلسطينية. وأسهم الأدباء العرب أمثال “إدوارد سعيد” في توضيح جذور الصراع وإبراز مظلومية الفلسطينيين بأسلوب أكاديمي وأدبي عميق.

الأدب كوسيلة لنشر قيم الخير

-1 تعزيز الهوية الوطنية: الأدب الفلسطيني يعكس الهوية الفلسطينية ويعززها في وجه محاولات الاحتلال لطمسها. وتصبح الكلمات أداة للحفاظ على التراث والثقافة، ما يمثل خيرًا مقاومًا للشر الذي يسعى إلى تدمير هذه الهوية.

-2 بث الأمل والمقاومة: الأدب يبث الأمل بين الفلسطينيين، ويحضّهم على التمسك بحقوقهم، كما يقول “محمود درويش”: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة.”

-3 إيصال الصوت الفلسطيني للعالم: الأعمال الأدبية والشعرية الفلسطينية تفضح ممارسات الاحتلال وتسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين، مما يحشد الدعم الدولي لنصرة قضيتهم.

الأدب في مواجهة الشر الصهيوني

-1 فضح الجرائم: الأدب الفلسطيني يكشف الجرائم الصهيونية ويوثّقها للأجيال القادمة، كما فعل “غسان كنفاني” في كتاباته.

-2 محاربة التزييف: الأدب يواجه الرواية الصهيونية التي تحاول تقديم الاحتلال كعمل مشروع، ويبرز الحقائق التي تؤكد عدالة القضية الفلسطينية.

في الصراع الفلسطيني الصهيوني، الخير هو الحق الفلسطيني في الحرية والكرامة، والشر هو الاحتلال الذي يسعى إلى نفي هذا الحق. الأدب بشعره ونثره كان ولا يزال صوتًا قويًّا لمناصرة الخير ومواجهة الشر، حيث يمثل أداة مقاومة تعبّر عن صمود الشعب الفلسطيني وتطلعاته، من خلال الأدب، تُنقل رسالة الفلسطينيين للعالم، رسالة تقول: الخير سينتصر، والحق سيعود، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

الخير والشر بين “نعم” و”لا”!

أن يقول المرء “نعم” حين يجب أن يقول “لا”، يخرج مباشرةً من دائرة المتمرّدين، ويدخل في صفّ القطيع، وللقطيع راعٍ يسوقه وكلبٌ ينبح في وجه الخارجين عن الطّريق ليعيدهم إلى رُشد الراعي، وقد يكون الأخير “عدوّ الغنمِ”، ألم يقل الشّاعر السّوري “عمر أبو ريشة” في قصيدته “أمّتي”:

لا يُلامُ الذّئبُ في عدوانهِ — إن يكُ الرّاعي عدوّ الغنمِ

هذا التّساؤل في وجهه السّطحيّ يحكي حياة قطيع الغنم، وفي معناه البعيد العميق يحكي قصّة الشّعوب على مرّ التّاريخ، شعوب الشّرق وشعوب الغرب على حدٍّ سواء، “فالإنسان هو الإنسان” كما يقول “غوته”، ولكن هل يكون الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وفضّله عن باقي المخلوقات بالعقل، خروفًا يسوقه راعٍ جائر؟ وهل من المنطق أن تكون حياة المرء مجموعةً من الـ “نَعَم” كي يصطفّ في صفّ الأخيار ويخرج من دائرة الأشرار؟ وهل كلّ من قال “لا” قد كفر في لغة الخير وصار في منزلة الأشرار؟ ومن الذي أراد قولَبة مفاهيم كبرى كالخير والشّرّ في قوالب معلّبة ومنتهية الصّلاحيّة لكي يفرز البشر بين أخيار وأشرار؟ أهوَ الله؟ حاشا أن يكون ربّ الخير قد فعل ذلك.

يجلس أحدُنا في عزلةٍ عن البشر لساعةٍ أو ساعتين، يُراجع فيها نفسه، ينظر إلى مرآة روحه، يُخاطب بها أفعاله، يعرف كلّ واحدٍ منّا ماذا فعل، يُعاتب أحدنا نفسه، يهنّئها آخر ويجلدها ثالث، ولكن وفي سؤالٍ عابرٍ: هل سألنا أنفسنا بكلّ صدقٍ إن كنّا من أهل الخير أم من أهل الشرّ؟ وهل – إن استطعنا أن نصنّف أفعالنا – سنعترف أصلًا بالنتيجة؟ الجواب بالطّبع لا، ليس لأنّنا سنتهرّب من الإجابة وحسب، بل لأنّ لكلٍّ منّا مقياسه الخاص وتبريراته الخاصّة، فالطّاغية مثلًا يقتل الآلاف ثمّ يقف على المنبر مخاطبًا بالتّخلّص من الأشرار، وهؤلاء الذين يُقتَلون ويَقتلون يحاربون باسم مقاومة الظّلم، كلٌّ على جبهة وكلٌّ على حِدى، والنّاس بدورهم ينقسمون بين مؤيّدٍ لهذا ومؤيّدٍ لذاك، فأين يا تُرى يتمثّل الخير وتحت أيّ قناعٍ ينطوي الشّرّ؟ الجواب يكمن في مقدار تقبّلنا للحقيقة كما هي، من دون أيّ مداهنة، فهل نستطيع أن نكون أحرارًا لدرجة تقبّل الحقائق مهما كان حجمُها؟ الأيّام تُخبرنا بذلك!

عَودٌ على بِدء، إنّ أعتى المجرمين كانوا أطفالًا وُدَعاء ذات يوم، فالإنسان يولد على فِطرة الخير، والدّنيا تغيّره، الأطماع تغيّره، التّجارب تغيّره، الظلم يغيّره، الفقر يغيّره، الاضطهاد يغيّره، حبّ المال يغيّره، حبّ البقاء يغيّره، الجشع يغيّره… وغيرها وغيرها من أمورٍ تجعل من الطفل الوديع مصّاص دماء لا يرى الخير سوى في ازدياد سلطانه، هذا ليس تبريرًا منّي للشرّير وأفعاله، بل هو إنذارٌ للجهة الأُخرى، تلك التي تركع أمام طغيان الشر خوفًا من الموت، خوفًا من الاندثار، تلك الجهة التي تقول “نعم” لكلّ أمر، فإن نظرنا إلى أكثر الأحياء سنرى أنّ الخائفين هم أكثر النّاس، إنّ الخوف يتسلّل إلى النّفس فيسكنها، يخاف المرء من المواجهة فيعيش، ويتكاثر، ويتناسل، فتصبح المجتمعات بغالبيّتها مجتمعات خوف، أُناسٌ يعيشون فيأكلون ويشربون ويتضاجعون ويتكاثرون، يقبّلون اليد التي تصفعهم ويشكرونها في العلن ويدعون لها بطيلة العمر في الخفاء، أمّا المتمرّدون فيُقتَلون ويُسجنون ويُذبحون ويُهجّرون. لم يصرخ “أمل دنقل” الشاعر المصري في “أوراق سبارتاكوس الأخيرة” عبثًا، لم تكن كلماته عبثيّةً، لقد صرخ ليوقظ النّائمين:

المجد للشيطان معبود الرياح

مَن قال “لا” في وَجْه مَن قال “نعمْ”

مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ

وقال “لا” فلم يمتْ وظلَّ روحًا أبديةَ الألمْ

إنّ في هذه السّطور دعوةً لرفض الانسياق مع القطيع، لأنّ القطيع يحيا ولكنّه يحيا ذليلًا لا رأي له، وشيطان “أمل دنقل” هو كلّ ثائرٍ متمرّدٍ حيّ فهِم الخير ولعن الشر، إنّ “أمل دنقل” قلب المفاهيم المعلّبة، الشيطان في قصيدته ليس رمزًا للشرّ كما عرفنا بل هو رمزُ المقاوَمة والتّمرّد على الظّلم، و(الثّائر- الشيطان) هنا لا يموت، بل يبقى حيًّا وتردّد اسمه الألسن.

وفي موضعٍ آخر، حين نقلّب أوراق كتاب “النّباهة والاستحمار” للدكتور “علي شريعتي”، نراه يقول: “إنّ أكبر قيم الإنسان، تلك التي بدأ منها، وهي الرّفض وعدم التّسليم، وما يلخّص بكلمة (لا) حيث منها بدأ آدم أبو البشر. لقد أُمِرَ ألّا يأكل من تلك الثمرة، لكنّه أكل، فصار بعدئذٍ آدم، وصار بشرًا، وهبط إلى الأرض، ولولا ذلك لصار ملكًا، وصار غيره آدم”. إذًا فعواقب التمرّد والرّفض وعدم الانسياق الأعمى، وحبّ الاكتشاف، والتّبصّر في المجاهيل، وخوض غمار التجربة، كلّ هذه الأفعال من شأنها أن ترسم للإنسان أثرًا، ولكنّها قد تنزع سلطانه وقد تنهي حياته، وقد ترميه بلعنة، لكنّه لن يكون إنسانًا بفطرةٍ سليمة ما لم تكن ردّات أفعاله مجبولة بحبّ التبصّر والاكتشاف، ورفض الانسياق الأعمى…

الخير ليس خيرًا ما لم يقترِن بقول الحقّ وتقبّل الحقيقة، بل وإنّ أكثر الأشرار ضررًا هم الخائفون، الذين يمتهنون التّصفيق لمن يعتلي المنبر، الذين لا يسمعون وإن سمعوا فلا يفقهون، وإن فقهوا فلا يفعلون، وإن فعلوا فلا يغيّرون، وإن غيّروا فنحو الخنوع أكثر ونحو الخضوع أكثر ونحو الذلّ والهوان أكثر.

الدكتور صبري فوزي أبو حسين (أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات – مصر)

ثنائية الخير والشر في الخطاب الشعري

لفظتا الخير والشر مقترنتان اقترانًا عجيبًا في خطابات كثيرة ومتنوعة، بين دينية واجتماعية وفكرية وسياسية وأدبية. و(الخير) كُل عملٍ فيه رضا الله – تعالى – وثوابه، ويؤدي إلى ترقٍّ في مراتب الكمال، وكل عمل فيه مصالح ومنافع، وليس فيه ضرر أو ضرار أو اعتداء. ويطلق عليه اسم البرّ والمعروف والإحسان وكل ما اطمأن إليه القلب وارتاحت إليه النفس. أما (الشر) فهو كُل عملٍ فيه سخط الله – تعالى – وعقابه، ويؤدي إلى هُبوط في النقص وانحدار إلى السفالات، ويحدث آلامًا وصعوبات ومضار ومفاسد، وكذا كل ما حاك في الصدر ونفرت منه النفس وابتعدت، ويطلق عليه المنكر والإثم والخطيئة. والبشرية منذ كانت قائمة على الصراع بين أهل الخير وأهل الشر. وأمتنا (خير) أمة أخرجت للناس وجدت للخير، وتنشر الخير، وتنصر الخير، والصهاينة شر بشر وجدوا على هذه البسيطة بما أوتوه من قلوب كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، ولا يكاد يوجد شر في عصرنا هذا إلا وراءه هؤلاء القرود الخنازير، فهم شر مستدام، لا يفكرون إلا في الشر، ولا يتحركون إلا للشر، ومن ثم فهم ملعونون، أينما ثقفوا ووجدوا.

ثنائية الخير والشر في نقد الشعر

و(الخير والشر) حاضران في الخطاب الأدبي والشعري بجلاء وفرادة، منذ الخطاب النقدي اليوناني، حيث نجد – كما يذكر الدكتور “محمد غنيمي هلال” في كتابه النقد الأدبي الحديث – شاعر الملاهي “أرسطفانيس” في مسرحيته الضفادع يجعل من الخير والشر معيارًا نقديا، فيرى مسرحيات “أسيخيلوس” موضع إعجاب؛ لأنه داعية الخير حيث الفضائل الدينية والتقليدية، ويرى “يوربيدس” موضع انتقاص لأنه هدم مبادئ الدين والخلق التقليدية بثقافته السوفسطائية! وكذا نجد “أفلاطون” حاملا على الشعراء عامة بسبب ما فيه من وصف النقائص التي تبدو فيها محاكاة الشعراء السيئة! وقد صوروا الخيِّرين ينتقلون من السعادة إلى الشقاوة، فشعراء المآسي يسيئون في محاكاة الحقيقة حين يظهر في محاكاتهم أن من الممكن أن يصير الشرير سعيدًا والخيِّر شقيًّا! يقول “أفلاطون”: “إنه لا شيء من الشر يمكن أن يحدث للإنسان الخيِّر، لا في هذه الحياة ولا بعد الموت!”، كما أن الشعراء يتملّقون لجماهير ويتأثرون بالحاكم المستبد! ومن ثم طرد الشعراء من جمهوريته لما فيهم من شرور عديدة تخالف رؤيته الخيرية المثالية!  أما “أرسطو” فقد رأى أن الشعر يحاكي أفعال الناس، ومن ثم تختلف الفنون باختلافها، فمنها ما يحاكي الجوانب الشريرة المرذولة كالهجاء والملهاة، ومنها ما يحاكي الجوانب الخَيِّرة الفاضلة كالمدح والملحمة والمأساة! يقول: انقسم الشعر وفقا لطباع الشعراء فذوو النفوس النبيلة (الخيّرون) حاكوا الأفعال النبيلة وأعمال الفضلاء، وذوو النفوس الخسيسة (الشرّيرون) حاكوا الأفعال الأدباء فأنشأوا الأهاجي، على أنشأ الآخرون التراتيل الدينية في تمجيد الآلهة والمدائح في تمجيد الأبطال! ويشيد “أرسطو” بالشاعر “أفراطيس” لأنه أول من هجر الهجمات الشخصية ليعالج الموضوعات العامة في الملاهي، ولعلنا بهذه الإشارات نقف على حضور لفظتي (الخير والشر) في الجدال النقدي والفلسفي بين حكماء اليونان قبل “أفلاطون” وبعده! ومن خلال هذه الثنائية وجد تياران في نقد الشعر (التيار الأفلاطوني) وهو الأخلاقي المثالي، و(التيار الأرسطي)، وهو الفني المنهجي.

وتتجلّى ثنائية الخير والشر في النقد العربي في مجالات عدة منها مثلا مقولة “الأصمعي”: “الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير لان). وعلاقة الدين بالشعر، التي نالت حوارًا كبيرًا بين أسلافنا، فمن نقاد العرب القدامى الذين مثلوا موقف الفهم الحر للعلاقة بين الدين والشعر، “أبو بكر الصولي” (ت335هـ) حيث يقول عن “أبي تمام”: “وقد ادّعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سببًا للطعن على شعره وتقبيح حسَنه، وما ظننت أن كفرًا ينقص من شعر ولا أن إيمانًا يزيد فيه، وكيف يحق هذا على مثله، حتى يسمع الناس لعنه له، من لم يشاهده ولم يسمع منه، ولا سمع قول من يوثق به فيه… وكذلك ما ضر هؤلاء الأربعة، الذين أجمع العلماء على أنهم أشعر الناس: امرأ القيس والنابغة الذبياني وزهيرًا والأعشى، كفرهم في شعرهم، وإنما ضرهم في أنفسهم. ولا رأينا جريرًا والفرزدق يتقدّمان الأخطل عند من يقدّمهما عليه بإيمانهما وكفره، وإنما تقدمهما بالشعر. وقد قدم الأخطل عليهما خلق من العلماء “.

وهذا القاضي “أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني” (ت392هـ) المنعوت من قبل المؤرخين بقاضي القضاة، وسيد الفقهاء في الري وجرجان، والأريب الكامل، الذي اقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلماء عَلَمًا، وفي الكمال عالمًا، وقد أبان في كتبه عن فضل غزير، واطلاع كثير، ومادة متوفِّرة. وقد وردت هذه القضية في كتابه الماتع: “الوساطة بين المتنبي وخصومه” في باب تفاوت شعر “أبي نواس”؛ إذ رأى من البر بالآداب – وهي أرحام لأبنائها – أن يقول كلمة الحق في الفصل بين “المتنبي” وخصومه المسرفين. وقد رأى “أبو الحسن الجرجاني” أن يفرق بين الشعر والدين، وأن يميز بين غاية الأدب وغاية الأخلاق، وهو يعجب ممن ينتقض المتنبي ويغض من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة، يقول: والعجب ممن ينقص أبا الطيب، ويغض من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة، كقوله:

يَتَرَشَّفنَ مِنْ فَمي رَشَفاتٍ — هُنَّ فيه أحلى منَ التوحيدِ!

… وذكر شعرًا للمتنبي وأبي نواس، ثم قال: “فلو كانت الديانة عارًا على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سببًا لتأخير الشاعر لوجب أن يُمحَى اسم أبي نواس من الدواوين ويحذف ذكره إذا عُدَّت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهد الآية عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزبعرى وأضرابهما ممن تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاب من أصحابه بكمًا خرسًا، وبِكَاءً مُفحَمين، ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر”. أي ينبغي النظر إلى نص الشعر ذاته دون تأثّر من الناقد بعقيدة قائله، فلا يمنعنا كفر الشاعر من تذوّق شعره ومدحه، كما لا يمنعنا إسلام الشاعر من انتقاص شعره وتعييبه! وليس معنى هذه المقولة دعوة إلى فصل الدين عن الشعر أو النقد!

ومن آثار ثنائية الخير والشر في تراثنا النقدي موقف النقاد القدامى من قضية الصدق والكذب في الشعر، حيث نجد في تراثهم مذاهب ثلاثة، هي: أحسن الشعر أصدقه (وهذا صادر عن الشعراء الخيرين)، وأحسن الشعر أكذبه (وهذا صادر عن الشعراء الشرّيرين)، وأحسن الشعر أبلغه (وهذا صادر عن الشعراء الفنيين)، ومن ثم تم تقسيم الشعراء إلى طوائف ثلاث: (شعراء خَيِّرون/ أفلاطونيون) كزهير بن أبي سلمى وشعراء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأضرابهم، و(شعراء شِرِّيرون) كالملك الضليل امرئ القيس، والحطيئة وابن الحجاج وابن سكرة ومن سار سيرهم، و(شعراء فنّيون) كالنابغة الذبياني، ولبيد بن ربيعة، وذي الرمة، وأبي تمام والبحتري والمتنبي وأضرابهم!

من توظيفات الخير والشر في الخطاب الشعري

وقد اجتمعت اللفظتان (الخير والشر) في شعر غير شاعر منهم “النابغة الذبياني” في قوله مادحا الغساسنة:

ولا يحسِبُونَ الخيرَ لا شَرّ بعدهُ — ولا يحسِبُون الشرّ ضربةَ لازبِ

أي لا يشغلهم الخير عن توقع الشر، ولا يُقنطهم الشر من ترقُّب الخير، مهما كان الخير ومهما كان الشر، فهم واقعيون، في علاقاتهم السياسية والحربية.

وقول “عمرو بن مسلم الخزاعي”:

والخيرُ والشرُّ مقرونان في قَرَنٍ — بكلِّ ذلك يأتيك الجديدانِ

وتلك وجهة فلسفية واضحة دالة على تدبّر في الحياة والأحياء، ومن ثم نجد كثيرًا من الشعراء بعد يتناص معه فيها، من ذلك قول “أبي العلاء المعري”:

والخَيرُ والشرّ مَمزُوجانِ، ما افترَقا — فكلُّ شُهْدٍ عليه الصّابُ مَذرورُ

وقد غيّر في عبارات الصدر، وأتى بصورة تشبيهية ضمنية، تدلّ على أن الخير شهد، وأن الشر صاب! وتشير إلى هيمنة الشر بفظة(مذرور)!

وهذا الشاعر المملوكي “الخبز أرزي”، يقول:

والخير والشرُّ مقرونانِ في قَرَنٍ — فالخير مُتّبعٌ والشرُّ محذورُ

وبيّن أن الصدر مُضمّن بنصه من قول “الخزاعي”، وأن “الخبز أرزي” ذيَّله بعجزٍ تقابلي حكمي، دال على موقف العقلاء من الخير والشر.

وممن جمع بين الخير والشر جمعًا مفرقًا “أبو العتاهية” في قوله:

والخيرُ والشَّرُّ فِي التَّصْويرِ بينهُمَا — لوْ صُوّرَا لكَ، بَوْنٌ غَيرُ مُؤتَلِفِ

ويخرجهما لنا في حكمة تكاد تكون قرآنية في قوله:

خَيرُ أَيّامِ الفَتى يَومَ نَفَع — وَاصطِناعُ الخَيرِ أَبقى ما صَنَع

وَنَظيرُ المَرءِ في مَعروفِهِ — شافِعٌ مَتَّ إِلَيهِ فَشَفَع

مَا يُنالُ الخَيْرُ بالشَّرِّ ولاَ — يَحْصِدُ الزَّارِعُ إلاَّ مَا زَرَعْ

وعندما نطالع ديوان “النابغة الجعدي” نجد هذه الثنائية بين الخير والشر في قوله واعظا:

ألم تر أن الخير والشر فتنة — ذخائرُ مَجْزِيٌّ بهنَّ ذخائرُ

ويشير بالثنائية إلى رؤية نقدية في تقسيم الشعر إلى خَيْرِيٍّ وشَرِّيٍّ في قوله:

إنَّ القَصائدَ خيرَها وشِرارَها — مِثْلُ المناهِلِ: عذبة ٌ ومِلاحُ

ولعل مثله قول “الأسود بن يعفر النهشلي”:

إن قُلتَ خيراً قال شرًّا غيرَهُ — أو قُلتَ شراً مَدهُ بمدادِ

ويقول “أبو فراس الحمداني”:

فَإنْ كَانَ خَيْراً فَخَيْراً تَنَالُ — وإنْ كانَ شراً فشراً يرى

وهو القائل:

عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَرْ — رِ لَكِن لِتَوَقّيهِ

وَمَن لَم يَعرِفِ الشَرَّ — من الخَيرِ يَقَع فيهِ

وينظر “أحمد شوقي” إليهما نظرة قرآنية واردة في سورة “الزلزلة” بقوله:

ما تصنع اليومَ من خيرٍ تجده غدًا — الخيرُ والشرُّ مثقالٌ بمثقال

ويرى “أحمد محرم” أن الخير والشر عادة، مشيرًا إلى ما يُسمّى التربية بالسلوك في قوله:

وعودنا خلال الخير إني — رأيت الخير والشر اعتيادا

وعند الشاعر المهجري “جبران” في قصيدته “المواكب” توجّه فلسفي جديد لثنائية الخير والشر، حيث يقول:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا — والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

وكأني به يؤكد رأيا فلسفيا في قضية الخير والشر، وأيهما أصل الإنسان، مفادها أن الأصل في الإنسان هو الشر، أما الخير فلا يقوم به الإنسان إلا عندما يبتغي من ورائه مصلحة ما، وتلك رؤية غربية موجودة عند بعض فلاسفة أوربا!

ويشير إلى ديمومة الخير والشر عند الإنسان بقوله:

شرِّدُوا أَخْيَارَهَا بَحْراً وَبَرا — وَاقْتُلوا أَحْرَارهَا حُرّاً فَحُرَّا

إنما الصالح يبقى صالحا — آخر الدهر ويبقى الشرُّ شرا

وتستخدم لفظة (الخير) في المديح كثيرًا، ومنها قول “عروة بن أذينة”:

أحياؤنا خيرُ أحياءِ وأكرمهم — وخيرُ موتَى من الأمواتِ موتانا

ومن أجمل توظيف لفظة الخير في المديح النبوي قول “صفي الدين الحلي” واصفا دابة رحلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم:

تَرُضُّ الحَصى شَوقاً لِمَن سَبَّحَ الحَصى — لَدَيهِ وَحَيّا بِالسَلامِ بَعيرُها

إلى خَيرِ مَبعوثٍ إلى خَيرِ أُمّة — إلى خَيرِ مَعبُودٍ دَعاها بَشيرُها

وقول “أحمد شوقي في أندلسيته”، مكنيًا بها عن ربنا عز وجل، وعن أمّ الشاعر:

كنز(بحلوان) عند الله نطلبـــه — خير الودائع من خير المؤدينــا

ويبالغ “المتنبي” بهذه اللفظة في أماديح له، منها قوله:

– لَقد رَأتْ كلُّ عينٍ منكَ مالِئَها — وجَرّدَتْ خيرَ سَيفٍ خيرَةُ الدّوَلِ

– إنّ الهُمَامَ الذي فَخْرُ الأنَامِ بِهِ — خيرُ السّيوفِ بكَفّيْ خيرَةِ الدّوَلِ

– إنْ كنتَ عَنْ خَيرِ الأنَامِ سَائِلا — فَخَيْرُهُمْ أكثَرُهُمْ فَضائِلا

وفي غرض الحكمة والوعظ نجد قول “المعري”:

لا خَيرَ للمَرءِ إلاّ خَيرُ آخِرَةٍ — يُبقي عليهِ، فذاكَ العِزُّ والشّرَفُ

وكذا نجد لفظة (الشر) توظف في أغراض عدة لدى الشعراء، منها قول “بشار” في الوعظ:

لا تَبْغ شَرَّ امرئ شَرًّا من الدَّاء — وَاقْدَحْ بِحِلْمٍ وَلاَ تَقْدَحْ بِشَحْنَاء

وقول “ابن الرومي”:

– يا شرَّ مخلوعٍ وشرَّ مُلْجَم —   هاكَ قِرى مِثلكَ لم يُعَتَّم

– يا شاعرًا أمسَى يَحُوكُ مديحَهُ —    في شَرِّ جيل شرِّ أهل زمان

– له زوجة ٌ شرُّ ما زوجة —   تلقَّطها شرُّ ما لاقطِ

وهذا “أبو العلاء المعري” يقول شاكيًا:

خُلّفتُ من بعدِ رجالٍ مَضوا — وذاكَ شرٌّ لي، وشرّ علَيّ

ويقول “الشاب الظريف”:

ولو ضربتُ بأدنى الفكر قُلتُ لَهُ: — قَتَلْتَ في شرّ ضَرْبٍ شَرّ مَضْرُوبِ

ويقول “البوصيري” هاجيًا المستخدمين:

إذا تَفَكَّرْتَ في المُسْتخْدَمينَ بدَا — منهم لِعَيْنَيْكَ ما لم يُبْدِهِ النَّظَرُ

ظَنُّوهُمُ عَمَرُوا الدُّنيا بِبَذْلِهمُ — وإنما خرَّبوا الدنيا وما عمروا

فطهِّرِ الأرضَ منهمْ إنهمْ خَبَثٌ — لو يغسلونهم بالبحر ما طهروا

نِيرانُ شَرٍّ كَفانَا الله شرَّهمُ — لا يرحمونَ ولا يبقون إن ظفروا

ويوظف “الطاهر الجزري” لفظة الشر في هجاء التصوف السلبي في قوله:

أرى جيــل التصــوف شـر جيـل — فقــل لهــم وأهـون بـالحلول

أقــال اللــه حيـن عشـقتموه — كلوا أكل البهائم وارقصوا لي

قصيدة رجل الخير

وأختم مقالتي بقصيدة لي بعنوان: (رجل الخير)، وهي أمدوحة في تحية معالي الشيخ “جمعة الماجد” – بارك الله فيه – مؤسس جامعة الوصل بدبي، ومعهد جمعة الماجد للمخطوطات العربية، أقول فيها:

حيُّوا معي ذاك الهمام “الماجدا ” — حيُّوا الكريم الساميَ المتجدّدا

حيُّوا منار الخير من عاش الهدى — من عاش في نهج الإله ممجّدا

من سار في درب الكرام وركبهم — عاش الأخوة رحمة وتوددا

ظهرت له متع الحياة فصدها — بالزهد فيها لم يكن مترددا

فيه الصلاح خليقة محمودة — هو شعلة للخير دوماً قائدا

خير ونبل وارتقاء دائم — يحيا بهدي خيرا ومسدّدا

من عصبة تخذوا الإله وليّهم — جمع شريف عاش طهرا رائدا

ومشايخ بمآثر عاشت بهم — والعزم فيهم همة طول المدى

فهم الجميع مشاعل مهدية — تخذوا الأصالة منزلا بل محتدا

أرباب خير سائر وسط الورى — بكفاحه يحيي ويسعد شرّدا

من هذه الأحساب جئتم “ماجدا” — بمخططات مشارع فيها الهدى

ومؤسسات الخير في أوطاننا — جعلت من الآمال حقا واردا

وبذلت للمحتاج كل عطية — تسخي العطا أذهبت جهلا كالردى

أسهمت في كل الفضائل مخلصا — وفِّقت حتى صرت فينا الأمجدا

ألبست رمل البيد كل محاسن — غنى الزمان لحسنهنّ وغرّدا

فتَّحت فيها كل باب للرخا — وجعلت باب الفقر فيها موصدا

يا “ماجدا” ما زلت خيرا سائغا — للبر كالغيث العميم مخلدا

يا زارع البيد الجديبة بالهدى — أحييت حبا للعلوم مع الندى

فبنيت في هذي البلاد مدارسا — ومجامعاً تحيي الشباب الراشدا

أسست للشرع الحنيف عمارة — وجعلت للفصحى مكانا منجدا

فيها منارة سنة محفوظة — قرآننا فيها غدا متعاهدا

درست بها آيات إسلام وصينت — شرعة فيها الخلاص تأكدا

وبنيت للذكر الجليل مساجدا — الله أكبر؛ ما تزالُ مُسَوَّدَا

أجزلت للعلماء أسمى رتبة — ومنحتهم كل الندى متفردا

مهما يقول المادحون فمدحكم — حق، ثواب الصالحين الشهّدا

فمواقف الأمجاد أنت ربيبها — لا شيء يوقف فضلكم “ماجدا ”

الله خصك بالمحبة والرضا — من جمعنا جمع العلوم تصعدا

يا رب فاقدر للـ “مجد” خيرا زاهرا — دنيا وأخرى في الجنان مخلدا

بارك له في دينه في أهله — في ماله حتى يدوم مجاهدا

واجعل له كل الحياة نقية — فردوس حق بالعلا متوردا

د. عبد الوهَّاب برَّانِيَّة (جامعة الأزهر- مصر، معهد الوسطية وثقافة السلام – جيبوتي)

الخير رسالة الشعراء.. هل الشعر نَكِدٌ يقوى في “الشر”؟

إن مَن قُدِّرَ له أن يكون شاعرا عليه أن يتحمّل، ولكن أيّ شيء يتحمّله؟ فعملية الإبداع الشعري إنما هي بالأساس معاناة، فالشعر بحسب ما قال “الأصمعي”: “نكد يقوى في الشر”، فالشاعر يجترّ آلامه وآلام الآخرين، فمعين تجاربه من اجترار تلك الآلام، ولأن الشعراء هم أكثر الناس تفاعلا مع مجتمعاتهم، فهم إنما ينظرون إلى الناس والأشياء بعين البصيرة قبل عين البصر، وكأن أعينهم ترى ما لا يراه الآخرون، وكأنهم يتفحّصون الأشياء والناس من أعماقهم لا من ظواهرهم، فيتفرّسون في كل ما تقع عليه أعينهم، ويحكمون على كل شيء برؤيتهم هم للأشياء، وغالبا ما تكون أحكامهم صائبة، لا يخطئها التوفيق، لذا كانت معاناتهم أكبر من معاناة غيرهم، فعلى قدر حظهم من العمق يكون حظهم من الألم والمعاناة، ولأضرب لك يا قارئي مثالا: ليست انطباعات الناس تجاه الأشياء أو تجاه بعضهم بعضا متكافئة، وإنما اختلافهم في ذلك بيِّنٌ واضح، فالناس يمرّون على الظواهر فربما لا يلتفتون إليها أو ينتبهون لها، كمشهد طفل صغير يجلس على قارعة الطريق في البرد القارس وعليه أسمال يصفعه البرد الشديد من كل وجه، وأمامه بعض علب المناديل الورقية لمن يتعطّف عليه فيدفع له بعض الجنيهات، أخذ عنها مقابلا أم لم يأخذ، يمرّ الناس على هذا المشهد ما بين منتبه وغافل، ولكن الشعراء وحدهم هم من ينظرون ويتألمون ويصورون ما يعانونه.

ومن هنا كان للشعراء عالمهم الخاص، الذي يمتازون به عن العوالم الأخرى، وكان من حقهم أن يسبحوا بخيالهم فوق آفاق واسعة ممتنعة على الآخرين، وليس لأحد أن يسألهم إن أعلنوا عن ألمهم عن مصدر ذلك الألم؛ لأن آلامهم لا يقدر أحد على محوها، فلطالما هم يحملون قلوب الشعراء فهم عالم مخبوء عن الآخرين، لا يقدر أحد على استطلاعه واكتشاف مجاهيله، فمعانيهم دائما في بطونهم، وإن راح الآخرون يحلّقون في تفسيرها كل تحليق، ويتبارون في استجلائها كل تبارٍ، لكن للشعراء هذا العالم المختلف المتميز، والعبث يكمن في سؤالهم عما يبدونه من انطباعات تجاه ظواهر الأشياء وبواطنها، ومن شعري في ذلك:

لا تسألو الشعر عما بات يؤلمه — فالشعر يقوى مع الأوجاع والألـــــــمِ

الشعر حيث تراه مُحْدِقٌ بَصِرٌ — كالنَّسر يرقب ما يصطاد في القممِ

فكأن بهذا الشعر حذفا يستهدفه الشاعر، كأنما يريد أن يقرّ للشعر بما يتحمله من ضوائق ومضايقات، وكأنما يطالب القارئ بعدم الإثقال على منتج هذا الشعر، بكثرة الوقوف عند ما يخفي وما يعلن، وكأنه يريد من القارئ أن يتعامل مع الشعر بالعمق الذي يستحقه، لا بالتّسطيح الذي يُفقد التجربة كثيرا من روائها وجمالها، ويباعد بين التجربة وبين ملابساتها.

وأما مقولة “الأصمعي”: “الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعفَ ولانَ” واستشهاده على ذلك بشعر “حسان بن ثابت” رضي الله عنه، في جاهليته وإسلامه فقد رويت هذه المقولة عن “الأصمعي” من طريقي: ابن قتيبة والمرزباني، والأخير – مع تأخّره زمنيا – يُعدّ أكثر وثوقا في مروياته عند النقاد والدارسين قديما وحديثا؛ وذلك لتجنبه القدح والتجريح في مصطلحاته، والاقتصار على الأسباب الفنية التي أدت إلى لين شعر “حسان بن ثابت” في الإسلام عما قبل.

ولكن من أيّ الأبواب يلج الشاعر إلى عالمه؟ هل يلج إليه من باب الخير أم من باب الشر؟ فإذا عرفنا أن الإنسان خَيِّرٌ بطبعه، مجبول على الخير بفطرته، أدركنا أن باب الخير هو نافذة الشاعر إلى تجاربه الشعرية، ولا أظن شاعرا في القديم والحديث يبحث عن الشر لذاته، أو يجري وراءه لظنه أن وراءه قيمة أخلاقية وفنية، بل ربما وجد الشاعر نفسه مدفوعا إلى سبب من أسباب الشر بدوافع خارجة عن إرادته، من استنفار الطبع، واستفزاز العاطفة، أو استثارة المشاعر، واستغضاب المكونات الإنسانية، حينئذ يكون الشاعر أسير حالته الشعورية الخارجة عن الإرادة، فنزوعه إلى الشر على الاستثناء لا الأصل في حقيقة الأمر.

وليس يُراد بالشر هنا الدعوة إليه والترغيب فيه، بقدر ما يراد توصيفه، وبيان أثره في قلب الأوضاع، وتفكك القيم، وانهيار المجتمعات، وحينئذ لا يكون وصف القبح قبحًا ولا تناول الشر شرًّا، على حد قول “أبي فراس الحمداني”:

عرفت الشر لا للشر — (م) لكن لِتَوَقِّيهِ

ومن لم يعرف الشر — من الخير يقعْ فيه

ويأخذنا حديث الخير والشر، في بواعث التجربة الشعرية، لدى عموم الشعراء، إلى قضية الصدق والكذب، وما يقال: من أن أعذب الشعر أكذبه، وتطرح نفسها عدة تساؤلات: ما المراد بالكذب هنا؟ أيراد به الكذب الفني أم الكذب الأخلاقي؟ وأيهما يفتح بابا للشر ويُنفَذُ إليه من خلاله؟ وأيهما مسموح به، ومُجازٌ عند النقاد والدارسين ومتذوقي الشعر على العموم؟ وما القدر المسموح به من هذا الكذب؟ والإجابة عن تلك التساؤلات تتطلب مساحة، قد لا يتسع لها مقال في جريدة أو منشور في مجلة، ولكن مع ذلك لا بد من إزالة الالتباس.

ولعل “حسّانًا” رضي الله عنه كان يعني هذا الميزان حينما قال:

وإن أشعر بيت أنت قائله — بيت يقال إذا أنشدته صدقا

إلا أن الذي غلب على الشعراء المبالغة في الصور البيانية، بالتخييل الكاذب الصريح، فتسابقوا إلى الإيغال في ذلك، واستجلاب المعاني البعيدة القريبة من استحالة الوقوع، زاعمين أن ذلك مما يجمل به الشعر ويعذب، ومن ذلك قول “أبي نواس” مادحا شخصًا بالكرم:

بُحَّ صوتُ المال مما — منك يشكو ويصيحُ

وهو نفسه الذي يأتي بالمسترذل المردود حين يقول مادحا:

وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه — لتخافك النطفُ التي لم تخلقِ

و”المتنبي” نفسه الذي ملأ الدنيا شعرا وشغل الناس، يأتي بالكثير من هذا اللون المردود المستفظع فيقول مفتخرا بنرجسيته:

يَتَرَشَّفْنَ من فمي رشَفاتٍ — هُنَّ فيهِ أحلى من التوحيدِ

فـ “أبو نواس” جعل النطف التي لم تخلق تخاف الممدوح، والمتنبي – كاذبا واهما – جعل ارتشاف النّسوة قبلة من فمه أحلى (من التوحيد)، فهذان النموذجان مستقبحان مستهجنان، وهما من أكذب ما قيل من شعر.

ولعل مبالغة “جرير” في الفخر تكون مقبولة في مثل قوله:

إذا غضبت عليك بنو تميم — حسبت الناس كلهم غضابا

إذ ليس في هذه المبالغة شيء من الصور الكاذبة المستحيلة مما جعلها من أعذب الشعر وأجوده.

لا يُماري أحد – إذًا – في أن رسالة الفن هي نقل الواقع، وما يفرزه من أحداث، وما تثير هذه الأحداث من مشاعر، فالفنُّ هو انعكاس للحياة الإنسانيّة، وتصوير وتماهٍ مع ما يمور بها من حراك، وما يعتورها من تقلبات، وليس من الضروري أن يعيش الشاعر تلك التجارب بنفسه، فمسرح الحياة يتسع لتجاربه وتجارب غيره، فما لا يدركه في نفسه يدركه في غيره، ويتفاعل معه ويصوره، وهنا تظهر عبقرية الشاعر ومقدرته الفنية على التأثير في المتلقي، وإقناعه بالتجربة، فكم من شعراء رثوا ميتًا لا يمتُّ لهم بصلة، فإذا رثاؤهم محطّ الأنظار لما فيه من تصوير بارع لعملية الفقد وقيمة الفقيد، مثال ذلك رثاء “عبدة بن الطبيب” لـ “قيس بن عاصم المنقري”:

عليك سلام الله قيس بن عاصم — ورحمته ما شاء أَن يترحما

تحيةَ مَنْ ألبستَه منك نعمةً — إذا زار عن شَحْطٍ بلادكَ سَلَّما

فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ — ولكنه بنيان قوم تهدما

قال عن بيته الأخير “أبو عمرو بن العلاء”: “هو أرثى بيت قالته العرب”.

فرسالة الشعر لا تعني أن يتحدّث الشّاعر عما كابده وعايشه على أرض الواقع؛ إذ من غير المعقول أن تجتمع تجارب البشرية في رجل، وإنما يصيبه منها بعضها وينأى عنه بعضها، فيصوّر لنا ما كابده بنفسه، وما كابده غيره، وتجاوب هو معه. وعلى الشاعر لكي يقنع قارئه ومستمعه بصدق فنّه وتجربته، أن يغوص في الأشياء، ويتعمّق في خباياها، وينفذ إلى صميمها، حينئذ يترك أثره في أحاسيس قرائه ويستميل عاطفتهم نحو ما يريده لهم.

وقد تكون التجربة التي يريد الشاعر نقلها لم يكابدها بنفسه ولم ير مكابدة غيره لها، ولكنه يتخيّلها بعقله، وتحلّق في آفاقها مخيّلته، مما ليس للواقع به أدنى صلة، فيكون حينئذ مبالغا في وصف ما لا يقع، أو نقل ما لا يمكن وقوعه، فيكذب على متلقّيه كذبا فنيا، قد يكون مقبولا أو مرذولا، فيقبله بعض الناس ويرده بعضهم، ويعتبره البعض نوعا من الغلو الذي يلجأ إليه الشاعر لتجويد فكرته وترسيخها عند المتلقي، دون مراعاة منه للذوق العام الذي لا يقبل ما يمسّ عقله أو دينه أو فطرته السليمة.

فيكون قول من قال: (أعذب الشعر أكذبه) محمولا على المبالغة التي لا تصل إلى الكذب، فإذا بلغته كانت مرذولة، ونافذة إلى الشر، الذي يتنافى مع رسالة الشعر والفن الأصيل.

وأختم مقالي بأبيات من إحدى قصائدي التي تحمل عنوان: (وداعا سيدة البر.. سهير الأنصاري):

الخير باقٍ في الحياة وإن بدا — للشر أنيابٌ تلوثها الدماءْ

قد راح فينا الزيف يمشي واثقا — والصدق يجلس كالأسير القرفصاءْ

ما هذه الفوضى بعالمنا الذي — قد ماج فيه القبح وانحسر الحياءْ

إذ إننا في عالم متفاقمٍ — في الشر يجتر الخباثة والغباءْ

لكنْ برغم الزيف سوف نصونها — أخلاقُنا كي لا يبددها الفناءْ

فالشر مهما اغتال من أحلامنا — ما عن تحققها لنا أبدا غَناءْ

رابط دائم
https://elayem.news/j2tel