الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

طفلٌ فلسطيني يُعايدكم من غزة: لكم عيدكم ولي عيدي!.. هل لِمَن أضاع فلسطين عيد؟

X Facebook TikTok Instagram

منذ أكثر من سبعة عقود ما زال لسان حالنا يقول ما قاله “المتنبي”:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

المسلمون مأمورون بالفرح في كل عيد ديني رغم كل المآسي والآلام على الخارطة العربية والإسلامية، فالعيد مناسبة دينية للتّشارك في الفرح، وترسيخ المحبّة، وتأصيل التكافل والتضامن الاجتماعي، وللتأكيد بأن الإيمان بالله أقوى من شرّ الشياطين التي تصفد في شهر رمضان الفضيل، وأيضًا شرّ شيطان الإنس التي ليس لها وقت تصفد فيه!

والعيد مناسبة لتجسيد الوحدة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، غير أنّه يأتي هذا العام والشعب الفلسطيني ما زال، منذ أكثر من سبعة عقود، يرزح تحت رحى الاحتلال والمظالم والقهر، وما زال أبناء غزّة يعيشون أهوال الحرب والدّمار والحصار والمآسي اليومية التي فرضها عليهم شياطين الإنس الذين لم يجدوا قوة تصفدهم!

فما الذي يعنيه العيد تحت النيران وفي ظلال الموت المخيّم على القلوب والصدور الفلسطينية في غزّة؟ وما الذي تعنيه تكبيرات العيد والتسابيح والتهاليل.. وفوق الأرض مسلمون يعيشون أبشع المآسي؟ وأيّ لغة يمكن لقواميسها ومعاجمها أن تمنحنا القدرة على صياغة عبارات تهنئة نوجّهها إلى فلسطينيٍّ بلا مأوى وطعام ودواء وأبسط ضرورات الحياة التي يُمكنه أن يصنع منها فرحةً صغيرة لأبنائه وأهله؟

أسئلةٌ كثيرة تتوالد في كل عيد ديني يحتفل به المسلمون، وقد أجاب عنها شيخنا العلاّمة “محمد البشير الإبراهيمي” (1889- 1965) بسؤال: “هل لِمَن أضاع فلسطين عيدٌ؟”. وهذا السؤال هو عنوان مقالٍ نشره شيخنا بمجلة “الأخوة الإسلاميَّة” في 12 جوان 1953، بمناسبة عيد الفطر بعد شهر رمضان لعام 1372 هجرية.

وقتها، كانت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي منذ حوالي قرن وربع قرنٍ من الزمان، بينما فلسطين كانت تحت الاحتلال الصهيوني منذ أربع سنوات، غير أن شيخنا العلاّمة كان يرى بأن فلسطين هي امتداد للجزائر، والنّكبة التي حلّت بها قد تطول وتتجاوز القرنَ، ويتعرّض الشعب الفلسطيني إلى ما تعرّض له الشعب الجزائري من جرائم تفوق قدرة العقل على الوصف، ومشاريع شيطانية تسعى إلى طمس الهويّة وهدم الشخصية الوطنية وتغريب الأماكن عن أصولها وأسمائها..

ولن نجد أبلغ وأعمق من مشاعر وأفكار شيخنا العلاّمة “محمد البشير الإبراهيمي” للحديث عن معنى عيد الفطر المبارك في زمان ضيّع فيه العربُ فلسطينَ، فهي مشاعر كل جزائري وعربي أصيل. ورغم أن الشيّخ عبّر عنها عام 1953 فإن معانيها ما زالت قوية مشحونة بالأسى والألم كأنما كُتبت لهذه المناسبة.

افتتح شيخنا مقالته بأبيات شعرية جاء في مطلعها:

للناس عيدٌ ولي هَمّان في العيد — فلا يغرنّك تصويبي وتصعيدي

همُّ التي لبثَت في القيد راسفةً — قرنًا وعشرين في عسفٍ وتعبيد

وهمُّ أختٍ لها بالأمس قد فَنِيَت — حُماتها بين تقتيلٍ وتشريد

ومما قاله: “مرّت عليّ وأنا في الجزائر عدّة أعيادٍ من السنوات الأخيرة التي صرّح الشرُّ فيها للعرب والمسلمين عن محضه، فكنتُ أَلقى تلك الأعياد بغير ما يلقاها به الناس، ألقاها بتجهّمٍ اضطراريٍّ وانقباض نفسي، وكان الرّائي يراني وأنا معه وأراه وكأنه ليس معي، فقد كانت تظلِّلني في العيد سحائب من الكآبة لحال قومي العرب وإخواني المسلمين، وأنا كثير التفكير فيهم والاهتمام بهم والاغتمام من أجلهم، فأغبطهم تارةً لأنهم في راحة مما أنا فيه وأزدريهم حينًا لأنهم لم يكونوا عونًا لي على ما أنا فيه، وما أشبههم في الحالتين إلا بالغنم تُساق إلى الذّبح وهي لاهية تخطف الكلأ من حافتَي الطريق لأنها لا تدري ما يُراد بها.

وجاءت نكبة فلسطين، فكانت في قلبي جرحًا على جرح، وكانت الطامّة والصاخّة معًا، وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تُصوِّر لي الخواطرُ إلّا أشنع ما في تلك العواقب، وكأن أحزان السَّنة كلها كانت تتجمّع عليَّ في يوم العيد، وكنتُ أغطّي باطن أمري بالتجمُّل، فإذا عدمتُ المُتنفّس من الرجال والأعمال والأحوال، رجعتُ إلى العيد الذي هو مثار أشجاني فجرّدتُ منه شخصًا أخاطبه وأناجيه وأشكوه وأشكو إليه وأسأله وأجيبه وأبثّه الشكاية من قومي غيظًا على القادرين وتأنيبًا للغادرين، حتى اجتمعَت لي من ذلك صحائف مُدوّنة نشرتُ القليل منها على الناس وطويت الكثير إلى حين”.

خاطب شيخنا العربَ قائلا: “أيها العرب: ها هوذا عيد الفطر قد أقبل وكأني بكم تجرُون فيه على عوائدكم وتنفقون المال بلا حساب على الحُلل يرتديها أولادكم وعلى الطعام والشراب توفّرون منه حظ بطونكم، وكأني بكم تسيرون فيه على مأثوركم من اللهو واللعب وإرخاء الأعنّة لمطايا الشهوات من جوارحكم فتركبون منها ما حلّ وما حَرُمَ، كل هذا وأمثاله معه سيقع، فماذا أعددتم للأخرى من الواجبات التي هي أدنى لروح العيد، وأجلب لسرور الرجال في العيد، وأقرب لرضى الله وهي حقوق فلسطين وأهل فلسطين ومُشرّدي فلسطين ويتامى فلسطين وأَيامَى فلسطين والمسجد الأقصى من فلسطين، أم قست قلوبكم فأنتم لها لا تذكرون؟ وَيْحكم… إن هذا العيد يغشاكم في نهاية كل عام، فاعتبروه رقيبًا يقدّر الثواب أو مفتّشًا يوقع العقاب أو حسيبًا يصفّي الحساب، فماذا أعددتم له احتياطًا لهذه الافتراضات كلها؟”.

ثم يخاطب العربَ في موضع آخر من المقالة قائلا: “أيها العرب: إن الواحد منكم يموت له الطفل الصغير فيلتزم الحداد ويتدثّر السّوادَ ويمرّ عليه العيد فلا تزدهيه ملابسه ولا تستهويه مجالسه، ولا ينزع لباس الحزن إلى وفاء السَّنة، يتحدّى بذلك نصوص الدين المنصوصة وأحوال الدنيا المخصوصة، وقد ماتت فلسطين وهي أعزّ شهيد وأحقّه بالحزن عليه، فويحكم أهي أهون مفقود عليكم؟ أم أن نخوتكم ماتت معها، إنها والله لأَوْلى بالحزن عليها من كل محزونٍ عليه وإنها والله لأَوْلى بعدم الصبر مِمّن قال فيه القائل:

والصبرُ يُحمَد في المواطن كلّها — إلّا عليك فإنه مذموم”

وكأن شيخنا يقول للعرب بأنهم هم مَن أضاعوا فلسطين، ومن الواجب عليهم أن يستردّوها لا أن يواصلوا في تضييعها واستعمالها وسيلة لتحقيق أغراضهم على حساب دماء أبنائها ومآسي شعبها. قال الشيخ: “أيها العرب: إن الذّنب في نفسه ذنب، وإن عدم الاعتراف به يُصيّره ذنبَين، ولكن التوبة الصادقة المصحوبة بالعمل تمحوهما معًا، فتعالوا نعترف بما يعلمه الله منّا، فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. ألستم أنتم الذين أضعتم فلسطين، بجهلكم وتجاهلكم مرّة، وخذلكم وتخاذلكم ثانية، وباغتراركم وتغافلكم ثالثة، وبقبولكم للهدنة رابعة، وباختلاف ساستكم وقادتكم خامسة، وبعدم الاستعداد سادسة، وبخيانة بعضكم سابعة، وبما عدوّكم أعلم به منكم ثامنة؟ وفي أثناء ذلك كتب الحفيظان عليكم من الموبقات ما يملأ السجلّات”.

ليس لنا قولٌ بعد مقالة شيخنا العلاّمة “محمد البشير الإبراهيمي”، ولو أنه عاش إلى زماننا هذا فماذا عساه كان سيقول؟ ربّما وجّه اعتذارا إلى الشعب الفلسطيني أولًا، ثم صبّ غضبه على الذين صنّعوا أفراح أطفالهم على أشلاء ودماء أطفال الشعب الفلسطيني!

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

سجِّل: أنا فلسطيني.. الأرض أرضي والعيد عيدي!

 كَم يَستَغيثُ بِنا المُستَضعَفُونَ وَهُم — قَتلى وَأَسرى فَما يَهتَزَّ إِنسانُ

إنّي أسمع صراخك يا “أبا البقاء الرندي”، ولكنّ الكون أدار لنا الأذن الطرشاء وراح يرقص فوق جثثنا في محفل الدم.

منذ 1948 والصهيوني يقضم أرضي لقمةً فلقمة، يصفّق له القريب قبل الغريب، ونحن يا “أبا البقاء” نموت، يخرج من ترابنا المجبول بالدم جيلٌ جديد فتدميه آلة الموت مجدّدًا، لكنّنا باقون، لا خيار لنا سوى البقاء. لمن نترك الأرض إن رحلنا كلّنا إلى مدن الشتات؟

ألِـ “إسرائيل” تعلو رايةٌ

في حمى المهدِ وظلّ الحرمِ؟

لا يا “أبا البقاء”، إنّ من كان يهتزّ لجراحنا رحل، وها هو “عمر أبو ريشة” يئنّ تحت ترابه ممّا حصل، ونحن باقون، لا خيار لنا سوى بالبقاء، ولو بقيَ واحدٌ منّا، سيقف أمام أهل الطغيان كلهم ويصرخ: هذي أرضي، أموت فيخرج من صلبي مقاومٌ جديد.

وكفاني أنّ لي أطفال أترابي

ولي في حبّهم خمرٌ وزاد

من حصاد الحقل عندي ما كفاني

وكفاني أنّ لي عيد الحصاد

أنّ لي عيدًا وعيد

كلّما ضوّأ في القرية مصباحٌ جديد

أسمعك يا “خليل حاوي”، أسمع صوتك قبل أن تطلق رصاصةً في رأسك يوم احتلّ المجرمون أرض لبنان، أسمعك يا صديقي، لكنّك اليوم تبكي، في القبر تبكي على ما حصل، ونحن باقون، لن يغيّروا العيد فينا، فمع كلّ ولادةٍ طفلٌ مقاومٌ جديد، قدَرُنا أن نبقى، لا مكان نرحل إليه.

من أنا؟ مجرّد رقمٍ في عدّاد الحياة، أنا جثّةٌ تسير بين حقول الألغام فلا تجد لها مأوى، من يأوي جثّةً يا أبا البقاء؟

من يكفّن جرحًا يا “أبا ريشة”؟ من يزغرد عند الميلاد يا “خليل”؟ أيّها التّاريخ، يا جرحًا بذاكرتي، ويا وجعًا بنا يمتدّ منذ النكسة الأولى، أنا لم آتِ هذي الدنيا كي أفرح، ولم يُكتَب لأهلي قبلُ أن يحيَوا، جميع رفاقيَ ماتوا، وقمحي الأخضر استشهد، وزيتونٌ بحارتنا يئنُّ الآن، من يسمع؟ أنا صرخاتُ أطفالٍ عضّوا حلمَة الموتِ من الجوع وما ماتوا من الطوفان بل أفناهم السلطان، وأحرقهم صدى الخذلان، صرخت بُعَيد ذاك الأمس يا “درويش” أن:

سجّل: أنا عربي

أنا اسمٌ بلا لقبِ

صَبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها

يعيشُ بفَوْرةِ الغضبِ

رويدك أيّها “الدّرويش”، إنّ النّار قد أكلت كلّ كلام الشعر والأدبِ، وما من أحدٍ يشمّ رائحة اللحم المحروق في الخيَم المنثورة هنا وهناك، أطفالنا يقفون على طوابير الخبز المغمّس بالجيَف، ماؤهم أحمر، فجرهم أحمر، نومهم أحمر، وفوق رؤوسهم طائراتٌ ظنّوا أنّها ورقيّة، لكنّ أعين الأطفال قد تخدعهم وأحلامهم قد تمسي مقابرهم، أما من سامعٍ للصوت في الأرضِ؟ كم من مرّةٍ أهتف: نحن نموت يا إخواننا، مُتنا، وما من سامعٍ للصوت يا “درويش”.

سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى

أنا لا أكرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولكنّي.. إذا ما جعتُ

آكلُ لحمَ مغتصبي

حذارِ.. حذارِ.. من جوعي

ومن غضبي!

أتى العيد يا “درويش”، وقجّة أخي مفجوعة على صاحبها، وكوفيّة أبي صُبغت بلون الدم، وأمّي تطبخ الأدعية من جوعٍ ومن خوفٍ، وأنا هناك في الجبهة، أقصّ جذور مغتصبي، وأمشي حاملًا تعبي.

أتى العيد، وفي الساحات أطفالٌ مجانين يفجّون الصهاينة بحجارةٍ من سجّيل، وبين الشوك والقرنفل يمرّ الملثّمون فيرجمون بالعصا طائرة، ويعلنون الطوفان على المغتصب والسجّان، أتى العيد ولم يأبه بنا أحدٌ، ولكن..

إنّا باقون في أرضنا لا لن تهون

إنّا باقون ما بقي الزعتر والزيتون

لا بأس أخي لا بؤس أخي إنا باقون

ما بقيت آيات الإسراء وما بقي اللوح المكنون

العيد باقٍ فينا إن متنا أم عشنا، فالقمح يحترق والأرض لا تموت، فليقتلوا المواسم والمحاصيل وليأسروا الخبز والطحين، سيخرج من أرضنا سنابل جديدة وقمحٌ جديد وموسمٌ جديد، الأرض أرضنا والعيد عيدنا والأقصى لنا.

سجّل يا أخي من أنا، سجِّل: أنا فلسطينيٌ ودمي عربي.

نهى عودة (كاتبة وشاعرة فلسطينية – لبنان)

أيّ معنى لفرحة العيد في واقع الأحزان الفلسطينية؟

العيد، كلمة تحمل في حروفها الكثير من التساؤلات والكثير من الأمور التي تثير الجدل بين الدعوة إلى الفرح والابتهال وبين مقابر الموتى والمبتوري الأعضاء والأطفال الذين يموتون من شدة البرد. فهل هناك فرح يمكنه أن يحلّ فجأة في خضم عيد لا معالم له ولا فرح فيه ولا نور في آخر شهر الصيام؟ لسنوات طويلة والأمة العربية تعاني العديد من المآسي والوجع والفقد، فكيف حال من يأتي عيده فاقدا ومفقودا في آن؟

وأنا كفلسطينية لاجئة ما زلت منذ أربعة عقود أتمنى بأن يأتني عيد أكون فيه على أرض بلادي، فأنا لا أعلم الزينة التي تعلو الشوارع والأضواء التي تضجّ بنورها.. لتأتي رصاصة تفقدها الضوء فجأة. لا أعلم قبل البدء بمراسم العيد صوت المسحراتي الذي يجول في الأزقة مناديا على الناس فلا اسمي هناك ولا اسمي هنا ولا شارع أعرفه، فكيف يطلب مني أن أهلّل بكل ما أوتيت من فرح وشريعة الفقد تعلو قلبي؟

إن الفلسطيني وعلى مدار سبعة عقود وهذا ظاهرها فقط فقبل الاحتلال “الإسرائيلي” كان هناك احتلال بريطاني نهش ما نهش وقتل ما قتل ويتَّم وأعدَّ العدة لبيع وتقديم فلسطين على طبق من جثث الفلسطينيين وقهرهم وتشردهم ولجوئهم..

منذ ذلك الحين وحتى زماننا هذا سترى بأن الفلسطيني لم تكتمل يوما فرحته فلكلٍّ قصته التي يرويها بحرقة، وفي كل عيد هناك شهيد ما قبل أو خلال أو مع تكبيرات صباح العيد.. كيف يريدون لشعبٍ واقع تحت رحى الاحتلال منذ عقود أن يخلع كل عباءات حزنه ويرقص فرحا وابتهالا بأيّ عيد؟

الطامة الأكبر، الإبادة الجماعية التي حدثت في غزة هاشم واللجوء والتشرد من جديد الذي فتك بالناس وسلب منها كل فرحة حتى أسقف المنازل لن تشهد عيدا فليس هناك شيء يشي بالفرح، لم تزل جثث الشهداء تحت الركام، لم تزل النساء تبحثن عن المفقودين، لم يزل الرجال يجوبون الشوارع بحثا عن لقمة عيش يسدون بها رمق القهر قبل الجوع!

لم يزل الكثير من الأسرى خلف سجون الاحتلال على أرض وطنهم، لم تزل الكثير من الثكالى لم تزغردن للشهيد المنتظر! إن شعب فلسطين العظيم والذي يعاني أيضا التهجير القسري من المخيمات في الضفة الغربية وبشكل تعسفي يرمى بالعوائل هنا وهناك دون رادع يفي بغرض الانتصار. ولم تزل القدس منكوبة وأهلها يعانون القهر وغيرهم الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى المسجد الأقصى حتى إقامة شعائر صلاة العيد. الفلسطيني اللاجئ، لم تزل الحواجز موجودة على مداخل ومخارج مخيماته، لم يزل محروما من أبسط حقوقه، لم يزل يخاف الموت دون العودة إلى دياره، لم يزل يخشى بأن تكون هناك عودة ولم تزل رفاته في الغربة.

إن شعب فلسطين العظيم هو شعب لديه عيد واحد هو عيد العودة والتحرير، طالما هناك احتلال ينهش أرواح من في فلسطين ومن خارجها فالعيد سيظل ناقصا حتى وإن رأيت جميع مظاهر العيد قائمة فنحن شعب لا نستسلم ولن نفعل وإن كانت قلوبنا تعتصر ألما وفقدا وحزنا.

العيد له طقوسه التي سوف نمارس جميع معالمها عندما نستطيع أن نفرح من خلجات قلوبنا وأرواحنا دون أن نبكي على فقيدنا.. فأنا لا أطلب من الموت أن يتوقف فهو لم ولن يفعل لكني أطلب من الله العزيز القدير أن يمنحني وشعبي الفرح بالانتصار والعودة إلى قرانا وبلداتنا وأن نحيا العيد كما تفعل جميع شعوب الأرض تحت سماء أوطانهم وفي ربوع ديارهم.. فسُنّة الحياة قائمة لا محالة، لكن نحن شعب الاستثناء بكل شيء حتى الألم.

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات العربية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)

وقفات مع العيد الصغير في الأدب والحياة

منذ ربع قرن ما زال لسان حالنا يصدق عليه ما قاله “المتنبي”:

عيد بأية حال عدت يا عيد — بما مضى أم بأمر فيك تجديد

المسلمون مأمورون بالفرح في كل عيد رغم كل المآسي والآلام على الخارطة العربية والإسلامية، فالعيد مناسبة دينية للمحبة والتكافل والتضامن.. والتأكيد بأنَّ الإيمان بالله أقوى من شرّ كل الشياطين التي تريد أنْ تطفئ نور الله. أما المتنبي شاعر العربية في كل العصور فقال:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ — فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا — وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ

وَكَانَ أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَةً — أشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الغِيدُ الأمَاليدُ

لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي — شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ

ولنا مع العيد ذكريات جميلة منذ طفولتنا فقد كنا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ونُعدّ له العدّة من جديد الملابس التي كنا نحرص على أن تكون مكوية سواء عند كوّاء الثياب أو بوضعها بين المراتب على السرير بعد تطبيقها وتسويتها لتكون شبه مكوية.

وكنا نسهر ليلة العيد من شوقنا لانتظار هذا اليوم الذي لا يتكرر في العام سوى مرتين في عيد الفطر وعيد الأضحى، وهنا نلاحظ فلسفة العيد في الإسلام حيث جعله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مكافأة للمسلمين على طاعتهم بصيام شهر رمضان وقيامه فيأتي عيد الفطر أو العيد الصغير كما نسمّيه في مصر، فيكون فرحة للصائمين ولذلك حرم فيه الصيام فهو يوم أكل وشرب وتمتع بالطيبات من الرزق، ويأتي عيد الأضحى أو العيد الكبير كما نسمّيه عقب عبادة كبرى هي الحج الأكبر، وهو خامس أركان الإسلام، كما أنَّ الصيام ثالث أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، ويحرم صومه كذلك على المسلمين.

فالعيد يوم بهجة وسرور وتزاور بين الأقارب والأصدقاء وتوسعة على الأهل وعلى الفقراء والمساكين والمحتاجين سواء بصدقة الفطر أو بتوزيع لحوم الأضاحي، لتحقيق التكافل بين المسلمين، وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى بقوله: “أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم”، وقوله عن زكاة الفطر إنها طعمة للمساكين.

ومن مظاهر البهجة في العيد لدى الأطفال “العِيديّة”، وهي مبلغ من المال يتفاوت بين طبقات المجتمع فكل ينفح أبناءه عيدية بحسب قدرته المادية، وكذلك ينفح أقاربه وربما امتد ذلك إلى أبناء أصدقائه وإلى اليتامى والمحتاجين في القرية أو في المدينة وإن كان التكافل والتراحم في القرية أكثر منه في المدينة لوجود العائلات وذوي القربى.

وكذلك من مظاهر العيد في مصر صناعة الكعك والبسكويت والغريبة قبل العيد بأيام، فضلا عن الكنافة طوال شهر رمضان، وكنا نفرح بنقش الكعك وإدارة ماكينة البسكويت لأمي يرحمها الله.

ومن مظاهر البهجة كذلك الخروج لصلاة العيد في الخلاء “نادي الشباب بالقرية” أو الإستاد الرياضي في المدينة، أو في المساجد الكبرى، ويحرص المسلمون على صلاة العيد لما فيها من شعور بالفرح، وتجمع للمسلمين يفوق تجمعهم يوم الجمعة إذ تجتمع القرية كلها تقريبا في صعيد واحد، وعقب الصلاة يحرص الجميع على السلام على بعضهم، ثم يجوبون القرية في مجموعات للسلام على العائلات في أماكن تجمعهم فيما يعرف بالدوار أو المضيفة، التي يستقر فيها كبار العائلة بعد الصلاة ثم يدور الجيل الثاني على العائلات المختلفة في القرية قبل أن يعود كل منهم إلى مضيفة العائلة ثم ينصرفون لتناول الإفطار والراحة بعض الوقت، ثم يزورون الأقارب لصلة الرحم في هذا اليوم المبارك.

أما العيديّة فكان مصيرها الصرف في اليوم نفسه أو توزيعها على أيام العيد بين شراء المسدسات البلاستيكية وما كان يعرف بالبمب، أو البالونات الملونة أو الحلوى، وأحيانا يتجمع الأطفال والصبيان فينزحون إلى المدينة ويقضون فيها سحابة يومهم ثم يعودون إلى القرية، ويركبون الأراجيح، وقد يدخلون دور السينما في المدن الكبرى لمشاهدة أحدث الأفلام التي كانت تعرض في الأعياد.

وبمناسبة العيد قلتُ أبياتا لتعزيز قيمة الانتماء لمصر بعنوان: “لمصر انتمائي”:

كل عام وأنتم أصدقائي — في هناء وصحة ورخاء

كل عام ومصر تزهو بعز — وأمان ووفرة واكتفاء

كل عام ونحن نفخر دوما — بك مصر فأنت رمز العلاء

عشت عمري أحبها من فؤادي — وسيبقى لمصر عمري انتمائي

وبعنوان: “يا عيد” كتبت يوم الخميس 3 من شوال 1432هـ ـ الفاتح من سبتمبر2011م، وهي أبيات تنطبق على حال أمتنا العربية والإسلامية حين قلتها واليوم، وستنطبق غدا ما لم تستفق هذه الأمة من سباتها وتوحد صفوفها، قلت مخاطبا العيد:

يا عيد فطر أتى والقلب مفطور — والنفس في حسرة والعقل مأسور

في كل زاوية من أمتي خطر — يا رب لطفك فالإسلام مقهور

أدرك شعوبا تعاني من جبابرة — عاثوا فسادا فعم القوم ديجور

لم يرقبوا إلًّا فيهم ولا ذمما — فاخسف بهم ربنا، وليشرق النور

وصن بفضلك يا الله أمتنا — من التشرذم، أمر الله ميسور

واحقن دماء جرت في كل ناحية — تشكو فراعنة أحكامهم زور

وهب لنا رحمة نحيا بها أبدا — فمن رحمت إلهي فهو منصور

وتحت عنوان “خنساء مكة” كتبت أبياتا مهداة إلى أختنا الفاضلة الشاعرة المبدعة والناقدة القديرة “أم مرافئ” الدكتورة “إنصاف علي بخاري”، وذلك ردا على تهنئتها الشعرية الرقيقة لنا في العيد عام 1428هـ ـ 2007م والتي مطلعها:

يا عيد وجهك أفراح وتغريــــد — واليوم كالأمس ما في الأمر تجديد

فقلت متمنيا لأمة الإسلام نهوضا من كبوتها، وما ذلك على الله بعزيز:

خنساء مكة من أخلاقها الجـــود — حيت وخير تحاياها الأناشيـــــــد

أرسلت بيتا فريـــدا في تحيتهــا — لسيد الشعر كم غنت به البيــــــد

ما زال يصدق في وصف انتكاستنا — “عيد بأية حال عدت يا عيــــد”

يا أيها المتنبي تلك حالــتنــــــا — عبر القرون، فما في الأمر تجديـد

أوضاع أمتنا تغتال بهـجـتـنــا — فأين يا سيــدي أبطالنا الصيـــــــد

في كل زاوية تلقاك جائحـــة — قتل وأســر وتجويع وتشريـــــــــد

لكن خنساءنا راحت تبشـــرنا — أن ســوف يحصل للإسلام منشـود

“ما دام لله في أعماقنا وهـــــــج — منـه لسان فؤاد الكون تحمـيــــــد”

أم المرافئ أنت الـود أجمعــــه — “من وقعه صار للأعماق تنشيـــد”

يا بنت مكة يا صنو الصفاء لكم — منا الوفــــاء، وحبل الود ممدود

أختاه شعرك بالآمال يغـمــرنا — فالعيد عندك أفراح وتغريـــــــد

من قلب مكة تمتاحين أخيلـــة — تغزو القلوب بسحر ثم موجــــــود

فيها رحيق الهدى والنور مكتنــز — ماذا، أشعرا أرى أم ذاك عنقـــــود

بوركت يا أختنا والله يحفظــــكم — فنبع أشعاركم صاف ومــورود

وقد ناشدت أمة الإسلام عصر الأربعاء يوم عرفة 1436هـ / 23 من سبتمبر 2015م، بقصيدة قلت فيها:

يا أمة الإسلام قوموا وانهضـوا — ودعوا التشاحن قد أتانا العيــد

فيه الحجيج تسابقوا وتجـــردوا — لبوا نداء الله حيث يريـــــــــــد

فخذوا من الحج العظيم شعاركـم — ميثاقه الإخلاص والتجريــــــد

ثوبوا إلى دين يلــــم شتاتكـــــم — فالخير فيه وما عليه مزيــــــــــد

ودعوا التفرق والخلاف لتنصروا — فالنصر في جمع الصفوف أكيد

ومع التفرق ذلة وهزيمــــــــــــة — ومع النزاع البؤس والتشـــــريد

القدس تصرخ فاستجيبوا أمتـــي — والمسجد الأقصى يكاد يبيـــــــد

عبثت به أيدي اليهود ودنســـوا — محرابه، إنَّ اليهود قـــــــــــرود

يستأسدون إذا غفت آسادنـــــــا — يستنعجون إذا تفيق أســـــــــــود

فمتى يفيق النائمون وينهضـــوا — ليحيق حتما باليهود وعيــــــــد؟!

كما صوّرت هموم الأمة العربية والإسلامية وأشجانها في قصيدة عنوانها: “هموم وأشجان”، كتبتها منذ ما يقرب من أربعة عقود، وجعلتها عنوان ديواني الأول الصادر عام 2004م، أما القصيدة فكُتبت إبّان انتفاضة أطفال الحجارة الأولى في ديسمبر عام 1987م، قلت فيها:

الهم أرقني وهد كياني — والنوم فارق مقلتي وجفاني

فتن يلاحق بعضها بعضا فما — للعد فيها أول أو ثان

هذي فلسطين الجريحة تشتكي — لؤم العدا وصفاقة الشيطان

والمسجد الأقصى بها متململا — ينعى صلاح الدين للديان

والقدس يرزح تحت نير المعتدي — أهلوه كم ذاقوا مرار هوان

حيفا ويافا والجليل وغزة — ترنو لكسر القيد والقضبان

أبطالها حملوا الحجارة أعلنوا — حربا ضروسا ضد الاستيطان

هذي الربا كم أفعمت بجهادهم — قد زعزعوا أمن العدو الجاني

مرت سنون أربعون وما لقوا — غير الهوان وذلة الإنسان

أبناء صهيون بها كم عربدوا — نصبوا مشانقهم بكل مكان

وتظاهروا بالسلم لكن أضمروا — غدرا ولؤما ثعلبي الشان

قد قالها القرآن إن جنحوا لسلـــ(م) — ـــم فاجنحوا يا أمة الإيمان

لكنه قد قال إن عهودهم — ضرب من التخليط والهذيان

سل أنبياء الله عنهم إنهم — ضاقوا بهم من سالف الأزمان

سل يوسف الصديق عن أفعالهم — ينبيك عن كذب وعن بهتان

بل سل أباهم روعوه بطفله — ينبيك عن أحقادهم بأمان

هذا كليم الله قد قالوا له — أرنا الإله بجهرة وعيان

عيسى نبي الله راموا صلبه — أقلوبهم قدت من الصوان؟!

سل خيبرا تنبيك عن أخبارهم — نفثوا سمومهم بكل مكان

موسى وعيسى والنبي محمد — شهدوا لهم بالكفر والعصيان

صبرا وشاتيلا سلوها تنبكم — عن فتكهم بالشيب والشبان

ناهيك عن أطفالها ونسائها — سقطوا ضحايا الجوع والحرمان

ذاقوا وبالا من عدو آثم — لم يرتضوا هربا من الميدان

يا أمة الإسلام قوموا فانهضوا — فانضوا ثياب الذل والخذلان

إن الجهاد فريضة من ربكم — نزلت بها الآيات في القرآن

لاهم نصرك ربنا وإلهنا — واهزم جيوش الإفك والطغيان

العيد في عيون الشعراء على مر العصور

أما نظرة الشعراء فكانت مختلفة عن العيد، فقد شابها الحزن أكثر من الفرح، لأنهم يتذكرون فيها أحباءهم الذين ليسوا معهم، ولا يرون العيد إلا بهم، فإنْ كانوا معهم فقد أقبل العيد، وإلا فالحزن يسود.

هذه النظرة أوضحها “المتنبي” في قوله:

يُضاحِكُ في ذا العيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ — حِذائي وَأَبكي مَن أُحِبُّ وَأَندُبُ

أَحِنُّ إِلى أَهلي وَأَهوى لِقاءَهُم — وَأَينَ مِنَ المُشتاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ

ويقول الشاعر الصوفي “أبو بكر الشبلي”:

أصبحتُ في ترحٍ والناسُ في فرحٍ — شتّان بيني وبين الناس في العيدِ

وكان “جلال الدين الرومي” يقول لمحبوبه:

‏مَا مَرَّ ذِكرُكَ إلا وابتَسَمْتُ لهُ — ‏كأنكَ العيدُ والباقون أيّامُ

وقد نظم أمير الشعراء “أحمد شوقي” قصيدة عن العيد قال في مطلعها:

العيد هلّل في ذُراك وكبّرا — وسعى إليك يزف تهنئة الورى

وقد جاء احتفال الشعراء بالعيد على مرّ العصور، كل بطريقته وحسب حالته النفسية وحالة المجتمع والأمة في عصره، على النحو الآتي:

-1 تحري رؤية الهلال والاستبشار بظهوره

من ذلك قول “ابن الرومي”:

ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله — تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ

كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه — يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ

وقول “ابن المعتز”:

أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه — فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ

وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ — قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ

-2 حقيقة معنى العيد

يستغل الشاعر المصري “محمد الأسمر” فرصة العيد ليذكر بالخير والحض على الصدقة فيه تخفيفًا من معاناة الفقراء والمعوزين في يوم العيد؛ فيقول:

هذا هو العيد فلتصفُ النفوس به — وبذلك الخير فيه خير ما صنعا

أيامه موسم للبر تزرعه — وعند ربي يخبي المرء ما زرعا

تعهدوا الناس فيه: من أضر به — ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا

وبددوا عن ذوي القربى شجونهم — دعــا الإله لهذا والرسول معا

واسوا البرايا وكونوا في دياجرهم — بــدراً رآه ظلام الليل فانقشعا

وهذا الشاعر “الجمبلاطي” يستبشر خيراً بقدوم العيد، ويأمل أن يكون فرصة لمساعدة الفقراء والمكروبين حين يقول:

طاف البشير بنا مذ أقبل العيد — فالبشر مرتقب والبذل محمود

يا عيد كل فقير هز راحته — شوقاً وكل غني هزه الجود

وللشاعر “يحيى حسن توفيق” قصيدة بعنوان “ليلة العيد” يستبشر في مطلعها بقوله:

بشائر العيد تترا غنية الصور — وطابع البشر يكسو أوجه البشر

وموكب العيد يدنو صاخباً طرباً — في عين وامقة أو قلب منتظر

ويستمر في وصفه حتى يختمها بقوله:

يا ليلة العيد كم في العيد من عبر — لمن أراد رشاد العقل والبشر

والعيد ما هو إلا تعبير عن السعادة التي تغمر الصائمين بنعمة الله التي أنعمها عليهم باكتمال صيام الشهر الفضيل يقول “محمد بن سعد المشعان”:

والعيد أقبل مـزهوًا بطلعته — كأنه فارس في حلة رفـلا

والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم — كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا

فليهنأ الصائم المنهي تعـبده — بمقدم العيد إنَّ الصوم قد كملا

-3 تهاني الشعراء للملوك بالعيد

ويلاحظ المتتبع لموضوع العيد في الأدب العربي أنَّ المدائح بمناسبة العيد قد شغلت حيّزاً كبيراً من أشعار العيد، وأنَّ بعضها يُعتبر من غرر الشعر العربي. ومن هذه القصائد رائية لـ “البحتري” يهنئ بها الخليفة العباسي “المتوكل” بصومه وعيده ويصف فيها خروجه للصلاة:

بالبر صمت وأنت أفضل صائم — وبسنة الله الرضية تفطر

فانعم بعيد الفطر عيداً إنه — يوم أغر من الزمان مشهر

-4 الشكوى وندب الحال

يبث الشاعر العراقي السيد “مصطفى جمال الدين” شكوى أيام صباه الأولي في قصيدة رائعة قال فيها:

العيدُ أقبلَ تُسْعِـدُ الأطفـالَ ما حملتْ يـداه

لُعَباً وأثوابـاً وأنغامـاً تَضِـجُّ بهــا الشِّفاه

وفتاكَ يبحثُ بينَ أسرابِ الطفولةِ عن (نِداه)

فيعـودُ في أهدابه دَمْعٌ، وفي شفتيـه (آه)

ويقول في قصيدة أخرى:

هـذا هـو العيـدُ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ — ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!

وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم — مَـنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!

وقد ذكرتني هذه القصيدة بقصيدة لي قلتها في يوم عيد الفطر بالمدينة المنورة عام 1428هـ، وربما وردت في مقال سابق عن رمضان في الغربة حيث كنت وحيدا بعيدا عن أهلي ووطني، وعنوانها يا ليلة العيد، ومطلعها:

يا ليلة العيــد أين الأهـــل والــدار — يا ليتــهـم معـنا للبيــت عـمــار

يا ليتهم معنـا نحظى بصحبتهــم — في حضرة المصطفى إذ نحـــن زوار

-5 العيد خلف قضبان السجن

ويتعرّض بعض الشعراء لمحنة السجن والانقطاع عن الأهل والأحباب والأبناء، ويأتي العيد؛ وهم خلف القضبان، فتثور في نفوسهم الذكريات؛ فهذا الشاعر “عمرو خليفة النامي” الذي كتب قصيدته (يا ليلة العيد) وهو بين قضبان السجون يصوّر فيها ما يعانيه هو وأحباؤه من مأساة الظلم والطغيان، فما أشد ما يلاقيه الشاعر وهو في زنزانة ضيقة تطوف بخاطره وخياله صورة أطفاله وأبنائه وهم ينتظرونه في ليلة العيد، حتى يصور الشاعر نفسه كأنه يبصر أولاده والدمع ينهمر من أعينهم شوقًا إليه، فكيف تكون فرحة الأطفال بالعيد والآباء يرسفون في السلاسل والقيود؟‍:

يا ليلة العيد كم أقررت مضطربًـا — لكن حظي كان الحــزن والأرق

أكاد أبصرهم والدمع يطفر مـن — أجفانهم ودعاء الحـب يختنـق

يا عيد، يا فرحة الأطفال ما صنعت — أطفالنا نحن والأقفـال تنغلـق

ما كنت أحسب أنَّ العيد يطرقنا — والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق

إنها مشاعر جياشة تثور مع عودة العيد على المعتقلين في السجون خصوصًا إذا كان السجن ظلمًا، فتثور الذكريات ويعيش كل منهم ذكرياته مع الأهل والأصدقاء والأطفال.

-6 حال المسلمين ومآسيهم

لم تعرف الأمة في عهودها السابقة حالة الاستضعاف التي شهدتها منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم، ولذلك كثر وصف الشعراء لمآسي الأمة وأحزانها خصوصًا كلما عاد العيد ومن ذلك قول الشاعر “عمر بهاء الدين الأميري”:

يقولـونَ لـي: عيـدٌ سعيـدٌ، وإنَّهُ — ليـومُ حسابٍ لـو نحـسُّ ونشعـرُ

أعيـدٌ سعيـدٌ!! يا لها من سعـادةٍ — وأوطانُنـا فيهـا الشقاءُ يزمـجـرُ

وقوله:

يمـرُّ علينا العيـدُ مُـرَّا مضرَّجـاً — بأكبادنا والقدسُ في الأسْـرِ تصـرخُ

عسى أنْ يعـودَ العيـدُ باللهِ عـزّةً — ونَصْـراً، ويُمْحى العارُ عنّا ويُنْسَـخُ

وشكوى الشاعر “عمر أبو ريشة”:

يا عيـدُ ما افْتَرَّ ثَغْرُ المجدِ يا عيد — فكيـف تلقاكَ بالبِشْـرِ الزغـاريـدُ؟

يا عيدُ كم في روابي القدسِ من كَبِدٍ — لها على الرَّفْـرَفِ العُلْـوِيِّ تَعْييــدُ؟

سينجلـي لَيْلُنا عـن فَجْـرِ مُعْتَرَكٍ — ونحـنُ في فمـه المشْبوبِ تَغْريـدُ

أما الشاعر الدكتور “عبد الرحمن العشماوي” فيقول في قصيدته (عندما يحزن العيد) راثيًا حال الأمة الإسلامية بما يشاهده من معاناتها:

أقبلت يا عيد والأحزان نائمـة — على فراشي وطرف الشوق سهران

من أين نفرح يا عيد الجراح وفي — قلوبنا من صنوف الهمِّ ألـــوان؟

من أين نفرح والأحداث عاصفة — وللدُّمى مـقـل ترنـو وآذان؟

ثم ينتقل إلى الجرح الذي لم يندمل، والذي يؤرق الأمة الإسلامية ألا وهو جراحات مقدساتها العظيمة التي سلبها عدوّها لما نام عنها راعيها من المسلمين فقال:

من أين والمسجد الأقصى محطمة

آمالـه وفؤاد القـدس ولهـا؟

من أين نفرح يا عيد الجراح وفي

دروبنا جدر قامـت وكثبـان؟

وبعدها يشتاق قلب الشاعر إلى إخوانه وأحبائه وأهله وإلى كل من لم يطعم الراحة والهناء تحت ظل الأمة الإسلامية ليواسيهم، ويواسي جراحات قلبه وآلام نفسه فيقول:

أصبحت في يوم عيدي والسؤال على — ثغري يئن وفي الأحشاء نيـران

أين الأحبـة وارتـد السـؤال إلى — صدري سهامًا لها في الطعن إمعان؟

وعندما سُئل الشاعر “محمد المشعانُ” عن العيد ماذا يقول له؟ أجاب سائله وهو يتحسر على ما آل إليه حال أمته الإسلامية من التفرق والخصام قائلاً:

ماذا تقول لهذا العيد يا شاعر؟ — أقول: يا عيد ألق الرحل أو غادر

ما أنت يا عيد والأتراح جاثمـة — إلا سؤال سخيف مرَّ بالخاطـر

ما أنت يا عيد والعربان قد ثكلوا — جمالهم والمراعي وانتهى الماطر؟

ما أنت يا عيد في قوم يمر بهـم — ركب الشعوب وهم في دهشة الحائر

وتتفاعل الشاعرة الفلسطينية “فدوى طوقان” مع أخواتها اللاجئات الفلسطينيات بين الخيام لتصور مأساتهن وما يعانينه من آلام التشرد واللجوء في يوم العيد فتقول:

أختاه، هذا العيد رفَّ سناه في روح الوجودْ

وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيدْ

وأراك ما بين الخيام قبعتِ تمثالاً شقيًّا

متهالكاً، يطوي وراء جموده ألماً عتيًّا

يرنو إلى اللاشيء.. منسرحاً مع الأفق البعيدْ

أختاه، مالك إن نظرت إلى جموع العابرينْ

ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفينْ

من كل راقصة الخطى كادت بنشوتها تطيرُ

العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرورُ

أطرقتِ واجمة كأنك صورة الألم الدفينْ؟

وتُذكّر الشاعرة أخواتها بالعيد أيام الطفولة حيث المرح واللهو الطفولي في “يافا” وغيرها من مدن فلسطين التي استولى عليها المحتل الغاصب، وحرم أهلها من الابتسامة وفرحة العيد:

أترى ذكرتِ مباهج الأعياد في (يافا) الجميلهْ؟

أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولهْ؟

إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غريرِ

والعقدة الحمراء قد رفّتْ على الرأس الصغير

والشعر منسدلٌ على الكتفين، محلول الجديلهْ؟

إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيبِ

تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروبِ

طوراً إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمالِ

طوراً إلى ظل المغارس في كنوز البرتقالِ

والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوبِ؟

أما اليوم فلا تجد الفلسطينية غير الذكريات، ذكريات الطفولة تعيشها بين دموع فقد الدار والطرد والتشريد:

واليوم، ماذا اليوم غير الذكريات ونارها؟

واليوم، ماذا غير قصة بؤسكنَّ وعارها؟

لا الدار دارٌ، لا، ولا كالأمس، هذا العيد عيدُ

هل يعرف الأعياد أو أفراحها روحٌ طريدُ

عان، تقلّبه الحياة على جحيم قفارها؟

ثم تصرخ وكأنها تقرّر حقيقة مُرَّة وهي أنَّ هذا العيد ليس لهم إنما هو للمترفين الذين لم تحركهم مأساة أخواتهم المشردات في الخيام المطاردات على الحدود في كل مكان هؤلاء الذين يحتفلون بالعيد ويفرحون به دون شعور بهذه المآسي إنما هم ميّتو الإحساس والشعور، إنه عيد الميّتين:

أختاه، هذا العيد عيد المترفين الهانئِين

عيد الألى بقصورهم وبروجهم متنعمين

عيد الألى لا العار حرّكهم، ولا ذلّ المصيرْ

فكأنهم جثث هناك بلا حياة أو شعورْ

أختاه، لا تبكي، فهذا العيد عيد الميّتين!

العيد عند شعراء الأندلس

وقد تغنّى الشعراء العرب على مر العصور بالعيد، وسوف نقف عند شعراء الأندلس لأنَّ شعورهم بالعيد كان شعورا مميزا فرحا أو ترحا، فقد اهتمَّ مسلمو الأندلس كغيرهم من الشُّعوب الإسلامية بهذا العيد، فاحتفلوا به أيَّما احتفاء، وبما أن الشِّعر ديوان العرب، ومستودع تراثهم وثقافتهم، فلا غَرْوَ أن يطرق أبواب الأندلسيين؛ ليواكب احتفالاتِهم بهذه المناسبة، وليطلعنا على بعض التقاليد والعادات المرتبطة بها، التي من بينها خروجهم في مثل هذه المناسبة لاستطلاع هلال شوال، وقد استغل بعضُ الشعراء ذلك للتغزُّل بمحبوبيهم والموازنة بينهم وبين الهلال، على شاكلة “أبي الحسن بن هارون الشنتمري” الذي قال:

يَا لَيْلَةَ الْعِيدِ عُدْتِ ثَانِيَةً — وَعَادَ إِحْسَانُكِ الَّذِي أَذْكُرْ

إِذْ أَقْبَلَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى — هِلاَلِكِ النِّضْوِ نَاحِلاً أَصْفَرْ

وَفِيهِمُ مَنْ أَحَبَّهُ وَأَنَا — أَنْظُرُهُ فِي السَّمَاءِ إِذْ يُنْظَرْ

فَقُلْتُ لاَ مُؤْمِنًا بِقَوْلِيَ بَلْ — مُعَرِّضًا لِلْكَلاَمِ لاَ أَكْثَرْ

بَلْ أَثَّرَ الصَّوْمُ فِي هِلاَلِكُمُ — هَذَا الَّذِي لاَ يَكَادُ أَنْ يَظْهَرْ

فقد ربط الشاعر بين محبوبه وبين الهلال، مُعتبرًا كليهما ناحلاً أصفر من تأثير الصيام.

وكانوا يحرصون فيه على ارتداء الثياب الجديدة، وهو ما تُصوِّره لنا أبيات شعرية لـ “أبي إسحاق الإلبيري” يُعرِّض فيها برجل رآه يوم عيد الفطر يجر ثيابه الجديدة مزهُوًّا مختالاً:

مَا عِيدُكَ الْفَخْمُ إِلاَّ يَوْمَ يَغْفِرُ لَكْ — لاَ أَنْ تَجُرَّ بِهِ مُسْتَكْبِرًا حُلَلَكْ

كَمْ مِنْ جَدِيدِ ثِيَابٍ دِينُهُ خَلِقٌ — تَكَادُ تَلْعَنُهُ الْأَقْطَارُ حَيْثُ سَلَكْ

وَكَمْ مُرَقَّعِ أَطْمَارٍ جَدِيدِ تُقًى — بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَا وَالْأَرْضُ حِينَ هَلَكْ

فالشاعر يرى أنَّ العيد الحقيقي يوم يُغفر للإنسان، فيكسب حياته الأخرى، لا أنْ يلبس الثِّياب الجديدة ويختال بها وهو متغافل عن أمور دينه، ولا نستغرب صُدور مثل هذا الموقف عن رجل مُتزهد كأبي إسحاق الإلبيري، عُرِفَ بالصلاح والتقوى، وحَثَّ على الابتعاد عن ملذَّات الحياة ومباهجها، وحَذَّر من الاغترار بمظاهرها الكاذبة، وهتف بالآخرة، وحَثَّ على العمل لها، وجعل شعره وسيلةً لنقد المجتمع، ومهما يكن من أمر، فإنَّ موقفه هذا يذكرنا بموقف “الحسن البصري”، وقد نظر إلى الناس في مُصلّى البصرة، فقال: “إنَّ الله – عزَّ وجلَّ – جعل الصوم مضمارًا لعباده؛ ليستبقوا إلى طاعته، فسبق أقوامٌ ففازوا، وتَخلَّف آخرون فخابوا، ولعمري لو كشف الغطاء، لشغل مُحسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب، أو ترطيل شعر”.

إلى جانب لبس الثياب الجديدة، جرت العادة في مثل هذا اليوم أن يتَّجه الناس إلى المصلى لأداء صلاة العيد، وقد أشار الزجَّال “محمد بن عيسى بن قزمان الزهري” إلى ذلك في قوله يتحدث عن عيد الفطر: “فقل: هو هلال الفطر، أو قل: هو هلال العيد، فَلَقَه صباحٌ مشى الناس فيه مشي الحباب، ولبسوا أفضلَ الثياب، وبَرَزُوا في مُصلاَّهم من كل باب”.

أما “محمد بن عبد الله المعافري الإشبيلي القاضي” (ت 543 هـ)، فقد نظر إلى المُصَلَّى يومَ العيد، ورأى كَثْرَةَ الناس فيه واحتفالَهم وتضرُّعهم، فأثار هذا المشهد قريحته فقال:

إِلَيْكَ إِلَهَ الْخَلْقِ قَامُوا تَعَبُّدًا — وَذَلُّوا خُضُوعًا يَرْفَعُونَ لَكَ الْيَدَا

بِإِخْلاَصِ قَلْبٍ وَانْتِصَابِ جَوَارِحٍ — يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ سُجَّدَا

نَهَارُهُمُ لَيْلٌ وَلَيْلُهُمُ هُدًى — وَدِينُهُمُ رَعْيٌ وَدُنْيَاهُمُ سُدًى

وتعكس هذه الأبيات مدى تأثير الدين وروحه في الوسط الاجتماعي الأندلسي.

وكان الأندلسيُّون عَقِبَ الصلاة يتوجهون إلى المقابر لزيارة موتاهم والترحُّم عليهم، وفي هذا السياق ذكر صاحب القلائد أنَّ الشاعر أبا بكر بن عبد الصمد زار قبر المعتمد بن عباد يومَ عيد الفطر وسط حَشْد من الناس جاؤوا لزيارة قبور موتاهم، كما كانت أعتابُ القصور في هذا اليوم تزدحم بالشُّعراء قصد التهنئة وطلبًا للسنايا والأعطيات، فهذا ابن دراج القسطلي حين هنّأ يحيى بن المنصور بعيد الفطر، لم يفُتْه أنْ يلمح إلى رغبته في نيل رفده قائلاً:

وَأَثْمَرَتَا فِينَا يَدَاهُ بِأَنْعُمٍ — تَسَاقَطُ فِي أَفْوَاهِنَا قَبْلَ أَيْدِينَا

أما ابن زيدون فقد تقدم بالتهنئة للوليد بن جهور قائلاً:

هَنِيئًا لَكَ الْعِيدُ الَّذِي بِكَ أَصْبَحَتْ — تَرُوقُ الضُّحَى مِنْهُ وَتَنْدَى الْأَصَايِلُ

تَلَقَّاكَ بِالْبُشْرَى وَحَيَّاكَ بِالْمُنَى — فَبُشْرَاكَ أَلْفٌ بَعْدَ عَامِكَ قَابِلُ

فالممدوح يستقبل هذا العيد بالبشرى، ويتمنى له الشاعر أنْ يستقبل كل أعياده القادمة بالسَّعادة.

وأنشأ “ابن خفاجة” في عيد الفطر قصيدة في مدح الأمير “إبراهيم بن يوسف بن تاشفين” أمير شاطبة سنة 510هـ، هنأه فيها بهذه المناسبة، واستنجزه وعدًا بالعطاء، وختمها بقوله:

وَهُنِّئْتَ عِيدًا قَدْ تَلَقَّاكَ قَادِمًا — وَلَمْ يَكُ لَوْلاَ أَنْ طَلَعْتَ لِيَطْلَعَا

وَحَسْبُكَ جَدٌّ قَدْ أَظَلَّكَ خَادِمًا — فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ تَقُولَ فَيَسْمَعَا

وقدمت “حفصة بنت الحاج” تهانيها بهذه المناسبة إلى السيد أبي سعيد ملك غرناطة داعية له بالهناء:

يَا ذَا الْعُلاَ وَابْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْإِمَامِ الْمُرْتَضَى — يُهْنِيكَ عِيدٌ قَدْ جَرَى فِيهِ بِمَا تَهْوَى الْقَضَا

وَأَتَاكَ مَنْ تَهْوَاهُ فِي قَيْدِ الْإِنَابَةِ وَالرِّضَا — لِيُعِيدَ مِنْ لَذَّاتِهِ مَا قَدْ تَصَرَّمَ وَانْقَضَى

وتلمح الشاعرة في هذه الأبيات إلى أنه بانقضاء شهر الصوم يُمكن للممدوح أنْ ينطلقَ إلى ارتشاف مَلَذَّات الحياة دونما قيد.

وهذا الشاعر الملك “المعتمد بن عباد” يأتي عليه العيد وهو مسجون في أغمات بالمغرب فيقول متحسرا على ماضيه الزاهر ومعتبرا بحاضره البائس وما هو عليه هو وزوجه وبناته:

فيما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا — فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا

تَرى بَناتكَ في الأَطمارِ جائِعَةً — يَغزِلنَ لِلناسِ ما يَملِكنَ قَطميراً

بَرَزنَ نَحوَكَ لِلتَسليمِ خاشِعَةً — أَبصارُهُنَّ حَسراتٍ مَكاسيرا

يَطأنَ في الطين وَالأَقدامُ حافيَةٌ — كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكاً وَكافورا

لا خَدَّ إِلّا تَشكّى الجَدبَ ظاهِرهُ — وَلَيسَ إِلّا مَعَ الأَنفاسِ مَمطورا

أَفطَرتَ في العيدِ لا عادَت إِساءَتُهُ — فَكانَ فِطرُكَ لِلأكبادِ تَفطيرا

قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلاً — فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيّاً وَمأمورا

مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ — فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورا

وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول: إنَّ الشعر الأندلسي قد أسهم بمقدار في تصوير مكانة عيد الفطر لدى أهل الأندلس، وفي إلقاء الضوء على بعض العادات والتقاليد المصاحبة له، التي تشبه إلى حَدٍّ كبير عادات المسلمين اليوم في الاحتفال بهذه المناسبة الدينية.

ويأتي العيد هذا العام والعام السابق منذ السابع من أكتوبر والشعب الفلسطيني تحت رحى المظالم والقهر والاحتلال، وشلال الدماء ما زال ينهمر.. ومئات الآلاف من الفلسطينيين بلا مأوى ومحرومين من أبسط أساسيات الحياة: المأكل والمشرب والدواء… بل إنّ الكثير من الشهداء لا قبور لهم!

فما الذي يعنيه العيد تحت النيران وفي ظلال الموت المخيّم على القلوب والصدور؟ وما الذي تعنيه تكبيرات العيد والتسبيح والتهليل… وفوق الأرض مسلمون يعيشون أبشع المآسي؟

ولسان حال أخوتنا وأحبابنا وأهلنا العزاز على قلوبنا فى فلسطين الحبيبة، وبالأخص في “غزة” العزة تنطق الآن بأبيات الشاعر أبو الطيب المتنبي التي يقول فيها:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

يهل عيد الفطر عليهم وقد صارت ديارهم مُدمرة، وفقد الابن أباه وأمه، وفقدت الأم ابنها، وفقدت الأخ والأخت والزوج والخال والعم والجد والحفيد، عائلات كاملة اغتالتها رصاصات الغدر والخسة فى أبشع حرب إبادة يرتكبها جيش الاحتلال، مجازر وحشية لم تحدث فى تاريخ الإنسانية، مشاهد موثقة يندى لها الجبين، مشاهد تنطبق عليها القصيدة التي كتبها “نزار قباني” عن العيد، وقال فيها:

يا عيد عذراً فأهل الحي قد راحوا — واستوطن اﻷرض أغراب وأشباح

يا عيد ماتت أزاهير الرُّبى كمداً — وأوصد الباب ما للباب مفتاح

أين المراجيح في ساحات حارتنا — وضجة العيد والتكبير صداح

الله أكبر تعلو كل مئذنة — وغمرة الحب للعينين تجتاح

أين الطقوس التي كنا نمارسها — يا روعة العيد والحناء فواح

وكلنا نصنع الحلوى بلا ملل — وفرن منزلنا في الليل مصباح

وبيت والدنا بالحب يجمعنا — ووجه والدتي في العيد وضاح

أين الذين تراب اﻷرض يعشقهم — فحيثما حطت اﻷقدام أفراح

أين الذين إذا ما الدهر آلمنا — نبكي على صدرهم نغفو ونرتاح

هل تذكرون صلاة العيد تؤنسنا — تَكبيرُنا شَمَمٌ والفرْحُ يَنداحُ

وبعدها يذهب الإخوان وجهتهم — نحو المقابر زوارا وما ناحوا

لكن أفئدة بالحزن مظلمة — والدمعُ في لَهَفٍ بالسِّرِّ بَوَّاحُ

كنا نخطط للأطفال حلمهمو — لكنّهم بَذَلوا والبَذْلُ أرواحُ

تآمر الغرب واجتمعوا — فالكل فى مركبي رأس وملاح

وأين أسيافنا والجيش عنترة — وأين حاتمنا هل كلهم راحوا

يا عيد عذراً فلن نعطيك فرحتنا — ما دام عمت بلاد الشام أتراح!

وتعج الذاكرة الشعبية الفلسطينية بأغاني العيد والتي سنذكر أهم ما سجّله مؤرخو التاريخ الشفوي الفلسطيني.

ومن أغاني العيد الشعبية في فلسطين أغنية للمطربة اللبنانية “سميرة توفيق”:

يا خالي قرب العيد.. بدي منك عيديه

خالي يا بو العبايا وعلا

والعيدية توب جديد والعصبة والردنية

خالي يا بو العبايا وعلا

يا خالي مرق عيدين..والوعد ما وفيته

خالي يا بو العبايا وعلا

والوعد عنا دين..للقلب اللي حطيته

خالي يا بو العبايا وعلا

والصبايا سراب سراب.. نزلت صوب البيادر

خالي يابو العبايا وعلا

احباب تلاقي احباب.. والمواسم بشاير

خالي يابو العبايا وعلا

ولكن ظروف الاحتلال واللجوء والتشتت جعلت للعيد مرارة في قلوب الكبار وغنوا له أغاني باكية وكتبوا له أشعارا حزينة ونذكر منها القصيدة السبعاوية:

عمرك بطاقة سفر وملونة بمواعيد

يا شعب نازح نسي طعم الفرح والعيد

الأخ في الشام أما الأخت في عمان

والأب في القدس والأولاد في مدريد

وقال الشاعر الثوري “أبو عرب”:

يُمــا يا يــُما يا يــما يمــا آآخ يا يمــا

قالوا اجا العيد قلت العيد لصحــابو

شو بينفع العيد للي مفارق حبابه

العيد يا يُما لما بلادنا بتعود

وأرجع ع أرض الوطن وأبوس ترابه

يا يما لو جاني العيد يما يا يما وما في عيد بيسعدني

وآني عن دياري بعيد يما يا يما مالي حدا يعايدني

يا يما لو جاني العيد إسألتو وين الغوالي

الناس بتلبس ثوب جديد يما يا يما وشيلي من الردم اطفالك

ويا يما لو جاني العيد وعيدي يما على حدودي

الناس تعيد إيد بإيد يما يا يما أي وانا بمسح باوردي

ويا يما لو جاني العيد وما في عيد يفرحني

آي وآني عن دياري بعيد يما يا يما وبعد حبابي جارحني

ويا عيد ايش جاباك اليوم وما لي قلب يضحكلك

وكنت عليّ ما بتلوم يما يا يما ولو متلي مفارق أهلك

صورة العيد في النثر الحديث

فأما صورة العيد في النثر الحديث فقد عرض لها أدباء كثيرون ومنهم “مصطفى لطفي المنفلوطي” (ت1924م)، و”مصطفى صادق الرافعي” (ت1937م)؛ ذلك أنهما أفردا للعيد كلاماً مستقلاً، وتأمّلاه بشكل فلسفي، فتفاعلا معه تفاعلاً مختلفاً عن أقرانهم ومُجايليهم، بل إنهم جدّدوا في معاني العيد، وأتوا بما لم يأتِ به الأقدمون الذين كان العيد عندهم – في أغلب الحالات – شاهداً، أو دليلاً، أو صورة رمزية، أو إشارة عابرة، أو أثراً مرتبطاً بالمخاطب، أو الممدوح بقصد التمليح والاستئناس.

فأما “المنفلوطي” فقد صوّر بعض معاني العيد في كتابه “النظرات” بشكل حكائي من طرفي نقيض، يقول مثلاً: “إن ليلة العيد لا تأتي حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان: نجم سعود، ونجم نحوس، فأما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحُلل، ولأولادهم اللعب.. ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب، ثم ناموا ليلتهم نوماً هادئاً مطمئناً تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمام البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ليلتهم على مثل جمر الغضا يئنّون في فراشهم أنينا يتصدع له القلب، ويذوب له الصخر حزناً على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم وأعينهم ماذا أعد لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون بها أندادهم، ولعب جميلة يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها”.

وأما “الرافعي” فقد توقف عند العيد في كتابه “وحي القلم” بشكل أكثر عمقاً، حيث وضع له عنواناً جميلاً وهو (اجتلاء العيد)، وبدأه بشكل يتناغم مع مجي العيد، يقول: “جاء يوم العيد، يومُ الخروج من الزمن إلى زمنٍ وحدَهُ لا يستمرُّ أكثرَ من يوم، زمنٌ قصيرٌ ظريفٌ ضاحك.. يومُ السلام، والِبْشر، والضَّحك، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسانِ للإنسان: وأنتم بخير. يومُ الثيابِ الجديدة على الكل؛ إشعاراً لهم بأنَّ الوجهَ الإنسانيَّ جديدٌ في هذا اليوم. يوم تعُمُّ فيه الناسَ ألفاظ الدعاء والتهنئة مرتفعةً.. ذلك اليومُ الذي ينظر فيه الإنسانُ إلى نفسه نظرةً تلمحُ السعادة، وإلى أهله نظرةً تُبصر الإعزاز، وإلى داره نظرةً تُدرك الجمال، وإلى الناس نظرةً ترى الصداقة..”.

وعن العيد يقول “عباس محمود العقاد”، في “حديث العيد” بالإذاعة المصرية:

كل عام وأنتم بخير، بهذه العبارة الجميلة نتبادل التهانئ بالأعياد في بلادنا العربية، أو في البلاد التي يجمعها اسم “الشرق الأدنى”، ويسرني أنْ ألقاكم من هذه المحطة التي تسمّى باسمه، لأنها من جهة تهنئة بلادنا التي اصطلحنا عليها، ولأنها من جهة أخرى أجمل تهنئة عرفناها بين تهانئ الأمم بالأعياد.

فأكثر الأمم تتبادل التهنئة في أعيادها بتمني السعادة للمهنئين.. ويوم سعيد أو عام سعيد أو عيد سعيد هو الاصطلاح الذي يتبادله معظم الغربيين في أمثال هذه المناسبات، وهي أمنية جميلة محبوبة.

لكن أمنيتنا نحن الشرقيين أجمل منها وأحب إلينا، لأنَّ الخير أعظم من السعادة، وهو يشملها ويحتويها، ولكنها لا تشمله ولا تحتويه.

قد يكون الإنسان سعيدًا وهو مخدوع في سعادته، كأولئك الذين يحيط بهم الشقاء وهم يجهلونه ويجهلون أنفسهم ويحسبون أنهم سعداء.

وقد يكون الإنسان سعيدًا بما لا يشرفه ولا يجلب السعادة إلى غيره، كأولئك الأشرار الذين يسعدون بما يُشقي الآخرين، ويرتفعون في أعين الدهماء وهم حقيقون بالضعة والإسفاف.

وقد يكون الإنسان سعيدًا لأنه فارغ من المتاعب لا يشغل نفسه بواجب ولا مروءة، ولا يتطلع إلى مجد ولا فضيلة، فالسعادة جميلة محبوبة، ولكنها معدن قابل للتزييف والخداع.

أما الخير فهو المعدن الذي لا يقبل تزييفًا ولا خداعًا، ولا يكون خيرًا إلا وهو شيء يختاره الإنسان الفاضل على كل حال.

فمن كان في خير فهو في صحة ورضا وراحة ضمير، وهو سعيد والناس به سعداء.. وهو بعيد عن الشر أو الشر منه بعيد، وهذه هي الأمنية المثلى التي نبحث عن أمنية نتمناها لأحبائنا حين نتبادل التمنيات الحسان في الأعياد، فلا نهتدي إلى أمنية أكرم منها ولا أعز وأغلى، وكل عام إذن وأنتم بخير.

وإنْ شئتم مرادفًا لها، تجري به الألسنة في بلادنا كذلك.. فكل عام وأنتم طيبون.

وقد كتب “العقاد” سلسلة من المقالات في أخريات حياته نشرها في مجلة “الأزهر” بين عامَي 1961 و1963، ومنها مقاله “العيد في الدين وفي اللغة”، الذي قال فيه: “وفي سياق هذه المقالات، التي نُتابِع فيها النظر في مزايا اللغة العربية، يتفق لنا أن نذكر مزيةً لهذه اللغة في كلمة العيد، بلفظها ومعناها؛ فإنَّ تسميةَ العيد بهذا الاسم تدل بأخصِّ معانيه، وهي الإعادة والتَّعييد، وليس لهذه الخاصية مدلولٌ مُفيدٌ في أسماء العيد بأكثر اللغاتّ”.

ويؤكد “العقّاد” تفرُّدَ العربية بمعنى العيد، فيقول: “فبعض أسمائه باللغات الأوروبية تدل على معنى الوليمة، ووفرة الطعام، وبعض أسمائه تدل على اليوم الديني، أو يوم البِطالة (العُطلة)، وليست هذه من خواصِّ العيد، التي ينفرد بها بين سائر الأيام. وبعض أسمائه الحديثة تُقابل كلمة (السنوية)، أو (المئوية)، وتصدق على احتفالٍ بعينه، يجوز أن يكون يوماً واحداً لا يُعادُ إليه، ويجوز أن يكون من غير الأعياد، لأنه من ذِكرى الكوارث، أو ذكرى الحِداد. أمّا كلمة العيد بصيغتها هذه في اللغة العربية، فهي أدلُّ من تلك الأسماء جميعاً على خاصته ومعناه”.

وفي مقالٍ آخرَ نشره “العقاد” في يوميات جريدة “الأخبار” القاهرية عام 1961 تحت عنوان “الأطفال هم الذين يخلقون العيد” عن سبب تسمية اليوم السابق للعيد باسم “الوقفة”: “إنَّ الذين يتهمون اللغة العربية بضيق الحظيرة، ويظنون أنها تضيق عن اختراع المصطلحات المُتَّفق عليها في لغات العلوم الحديثة، خليقون أن يقفوا قليلاً يوم وقفة العيد الصغير، ليذكروا أنَّ كل مناسبة كافية لخلق الكلمة، التي تؤدي معناها الأصيل أو المستعار، فليس من العسير خَلْق كلمة تؤدي معنى المُخْتَرَع الحديث بمُلابسةٍ من المُلابسات، فإنها ستساوي على الأقل مُلابسة الوقفة في شهر رمضان. إنَّ الوقفة قبل العيد الكبير مفهومة؛ لأنَّ الوقوف على عرفات ومناسك الحج فريضة من فرائض هذا العيد، ولكن ما هي الوقفة قبل عيد الفِطر؟ ولماذا نُسَمِّي آخر رمضان يوم وقفة، ولا وقوف فيه على منسكٍ من مناسك الصيام أو الإفطار؟”.

“إنَّ وقفة رمضان هنا مُستعارة من وقفة ذي الحجة، وفيها لنا درسٌ مفيد من دروس اللغة، نتعلم منه الشيء الكثير عن أسرار وضع الكلمات، أو نتعلم منه كفاية القليل من المناسبات لإطلاق الكلمة على المعنى المُصطَلح عليه، ثم يتكفَّل الاصطلاح بالبقية، فتُصبح الكلمة مفهومة متداوَلة على معناها المُستعار، بغير سؤال”.

ويلحظ “العقاد” تأثُّر المسيحيين بالمسلمين فيما يتعلق بالأعياد والمصطلحات المتعلقة بها، فيقول: “إننا سمعنا من بعض إخواننا المسيحيين من يُطلق اسم الوقفة على اليوم السابق لعيد القيامة؛ لأنها اكتسبَت معنى اليوم الذي يسبق العيد، حيث كان، وانفصلت عن معناها الأصلي كل الانفصال”.

تقبل الله منا ومنكم، وعساكم من عواده، وكل عام وأنتم بخير، وأنتم طيبون.

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)

بأيّ حال عدت يا عيد؟

عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ — بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديدُ

أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونَهُمُ — فليتَ دونكَ بيدًا دونها بيدُ

وكيف لا أبدأ بهذه الأبيات التي حفظناها عن ظهر قلب، لكن من دون أن نفقه حقيقة ما عناه “المتنبّي”، بل بالأحرى من دون أن نعيش ونعي ذلك الشعور، حتّى أتى بنا الزمن مرغمين على أن نحيا معنى هذه الأبيات بتفاصيلها وحذافيرها.

تعالوا لِنعُد بالذاكرة قليلًا قبل أن تخوننا مع مرور الأيّام، لنعُد إلى ذلك الزمن الجميل من أعمارنا، إلى ربيع حياتنا وجمال أيّامنا، إلى “طفولتنا”. حينها كانت الأرض تُزهر بالفرح، والسماء تتزيّن بالأمل، كان العيدُ وقتًا تنتظره القلوب بشغف، فلا يمكن لأحدٍ منّا أن ينسى كيف كانت تغمرنا الفرحة والشوق لقدوم هذا اليوم المميّز، كنّا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر والحب، وكأنه وعدٌ من السماء بتحقيق الأحلام، ووعدٌ من الأرض بعودة الأمل في كلّ مرّة ليملأ أيّامنا سرورًا. ولا يمكنني أن أغفل عن ذكريات تحملُ في طيّاتها أجمل اللحظات، والتي يكاد قلب كلّ طفل أن يقفز من مكانه فرحًا حين يقوم بشراء ملابس العيد الجديدة التي تحمل رائحة السعادة (حتى أنّ البعض كان يضع هذه الثياب تحت وسادته من شدّة سعادته)، وكيفية تجهيز الحلوى وما يقوم به الكبار من تحضيراتٍ ليوم العيد.

كان يوم العيد يبدأ بالتكبيرات التي تملأ الأرجاء، كنّا نذهب إلى صلاة العيد مع أبي، ثمّ نتوجّه إلى منزل جدّي فهو المحطة الأولى لنا، ومن ثمّ تباعًا الأقارب لنعود بعدها محمّلين بـ “العيديّة” التي لا يكتمل العيد بدونها، تلك العيدية التي مهما صغُر حجمها، تحملُ دفء العالم في خلجاتها، وكأنّها تُكمل صورة العيد المثالية في عيوننا. وكانت جَمْعة العائلة التي لا تقتصر على أفراد العائلة وحسب، بل تتعدّاها إلى الجيران والأصدقاء، هي أكثر ما يُشعركَ بالدّفء، فالجموع تتزاحم، والقلوب تتلاقى وتتصافح قبل الأيدي، والضحكات تتناغم كموسيقى الرّاعي الوحيد. كانت البيوت تضجُّ بالحبّ والألفة، في صورةٍ يكاد يعجز أيّ رسّامٍ عن تصويرها…

لم يكُن العيد مُجرّد أيّامٍ يمُرّ فيها الزمن، بل كان محطّة لحياةٍ جديدة تهديها لنا السماء، كان للعيد طعمٌ وشكلٌ خاص، لا تمحوه غبرات الزمن. أمّا اليوم، وقد تحوّلت أعيادنا إلى غصّات، صار العيد يأتي محمّلًا برايات الفقد ودبيب الذكريات، بنكهة الحزن الذي يلتفّ كشالٍ فوق أعناقنا، مع ذكرى أولئك الذين غابوا عنّا ورحلوا إلى دار القرار، تاركين وراءهم فراغًا لا يملؤه سوى الألم.

“عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟”، هي تساؤلاتنا بعدما فقدنا في هذا الزمن ما كانت تملؤه الأعياد من فرحٍ وسرور، فكلّ بيت بات يفتقدُ مكانًا أو أكثر، ربّما أم، أو أب، أو أخ، أو زوج، أو حتّى صديق عزيز، تركوا في القلب جرحًا لا يندمل، وكأنّ هذا العيد هو تذكيرٌ بذلك الفقد الكبير الذي لا يعوّضه شيء. لذا نجد أنّ العيد ليس في الملابس الجديدة، ولا بشراء الحلوى، بل العيد هو اجتماعنا بمن نحب، بل العيد حقًّا هو وجود من نحب.

وقد استوقفني جواب إحدى صديقاتي حين سألتها عن تحضيرات العيد، فكان الجواب حرفيًّا: “ليش بعد في عيد؟”. نعم، لقد غاب معنى العيد عنّا، فحين تتبدّل أفراحنا إلى أتراح، كيف يكون لنا عيدٌ؟ وحين نسكن بيوتًا وغيرنا مشرّد، أين هو العيد؟ وحين نحيا وغيرنا يُذبح، كيف يكون العيد؟ وكيف يكون العيد في غياب من كانوا سبب سعادتنا؟”.

في هذا الزمن يا أصدقاء، وفي هذا العصر وهذه السنة بالتحديد، بعد ما مررنا به من صعوبات وتحدّيّات وكمّية فقدٍ لا سابق لها، أصبحت الأعياد مُجرّد أيّامٍ تمرّ من دون انتظارها، بل باتت تذكّرنا بالغائبين الذين رحلوا، تذكّرنا بمن دفع دمه وبذل نفسه لأجل أن يعيش أطفالنا أعيادهم، باتت ذكريات مُرّة بدلًا من كونها احتفالات، فيأتي العيد محمّلًا بالذكريات والحنين للماضي، هذا الماضي الذي وبكلّ جماله أصبح جزءًا من الذكريات التي لا يمكن أن تعود.

وفي هذا الأسبوع، يمرُّ علينا عددٌ من الأعياد، عيد الطفل وعيد الأم وعيد الفطر، أيّ عيد طفلٍ هو ذا، والطفولة تُبادُ على بضعِ أمتارٍ منّا، وأيّ عيد أمٍّ هو، والأمهات يُدفَنّ في الحياة كي لا يُنجِبن جيلًا مقاومًا. فيبقى هنا السؤال، ما معنى مفردة “عيد”؟ هل هي مجرّد استعارة أم فعلٌ ناقص؟ هل هي ظرف زمان بحسب توقيت غرينيتش؟ أم اسم مجرورٌ بحبرِ الدّم؟ أم ضميرٌ لا محلّ له من الإعراب؟

د. شعبان عبد الجيِّد (كاتب من مصر)

عيدٌ حزين.. بِطَعمِ فلسطين!

إلى أخي وصديقي: الأستاذ “مسعود حِريبة”؛ بعضًا من العزاءِ والسلوَى!

عيدٌ! وفـي الناسِ ما في الناسِ مــن بِدَعٍ — وتلك أمَّةُ خيرِ الناس أشـــتاتُ

عيدُ! وفي الشامِ ما في الشام من وجَعٍ — وفي العـراق وفي صنعاءَ مأساةُ

عيدُ! وفي القدسِ ما في القدس من فزَعٍ — ولا مجـــيبَ؛ كأن القــومَ قـد ماتوا!

(الأبيات من نظم الكاتب)

بلا فلسطينَ لا عُرسٌ ولا عيدُ — بُحَّت على فمِ أوتاري الأناشيدُ

(لشاعر الفلسطيني جميل علُّوش)

العيدُ في حقيقته

مهما يكن من حُزن الناس وأوجاعِهم، ومهما يكن من تعاسة العالم وشقائه، فقد عاد العيد، ومعه فرَحُه وسعادته وبِشْرُه وبُشراه؛ ففي الحديث الشريف: “للصائم فرحتان: إذا أفطر فرِح بفطرِه، وإذا لقيَ ربَّه فرِح بصومِه”، والله سبحانه وتعالى شرَع العيد للمسلمين ليفرحوا فيه، هذا مما لا يرقى إليه شك. والأعياد الدينية كما يقول الأستاذ “الزيات”: واحاتٌ في صحراء الحياة، يستريح إلى نبعها الحرَّانُ واللاغب، ويطمئن إلى ظلِّها الهيمان والشارد، ويجد الكاسف المعمودُ في نسيمِها النديِّ بردَ السرورِ ونشوة العافية، ويُذهَلُ السائرُ المجهودُ بُرهةً من العمر عن مخاطر الطريق، ومكايد الرفاق، ومساوئ القافلة. ويذكر أن له عواطف صالحةً طغَت عليها المنافع، وقرابةً واشجةً قَطَعَت بينها المطامع، وصلاتٍ شابكةً أوهَنَتها الجفوة، وتبِعاتٍ واجبةً أعجزَه عن حَملِها كلالُ الضمير، وغايةً إلى الخير المطلق أضلَّه عن سبيلِها غرورُ الحياة.

جاء يومُ العيد، كما يقول الأستاذُ “الرافعيُّ”، يومُ الخروجِ من الزمن إلى زمنٍ وحدَه، لا يستمرُّ أكثر من يوم، زمنٌ قصيرٌ ظريفٌ ضاحكٌ، تفرضه الأديانُ على الناس، ليكون لهم بين الحين والحين يومٌ طبيعيٌّ في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها. يوم السلام والبشر والضحك والإخاء والوفاء، وقول الإنسان للإنسان: “وأنتم بخير”. يوم الثياب الجديدة على الكلِّ، إشعارًا لهم بأن الوجه الإنساني جديدٌ في هذا اليوم، يومُ الزينة التي لا يراد منها إلا إظهارُ أثرها على النفس؛ ليكون الناسُ جميعًا في يومِ حُب. يوم العيد يومُ تقديم الحلوى إلى كلِّ فَم. يومٌ تعُمُّ الناسَ فيه ألفاظُ الدعاء والتهنئة، مرتفعةً بقوةٍ إلهية فوق منازعات الحياة. ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسانُ إلى نفسِه نظرةً تلمح السعادة، وإلى أهله نظرةً تُبصِرُ الإعزاز، وإلى داره نظرة تدرِكُ الجمال، وإلى الناس نظرةً ترى الصداقة. ومن كلِّ هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياة والعالَم، فتبتهج نفسُه بالعالم والحياة. وما أسماها نظرةً تكشف للإنسان أن الكلَّ جمالُه في الكل.

العيدُ كما صار

هذا هو العيدُ كما أراده الله لخلقه، وهكذا هو كما ينبغي أن يكون. لكنَّ العيدَ “الكائنَ” شيءٌ مختلف تمامًا؛ فقد انحرف به الناسُ عن أصله، وأبعَدُوه عن طبيعته، وجعلوا منه يوم حزنٍ وشقاء، يقضون أكثره عند المقابر بين الموتى، بدل أن يكون يوم فرح وهناء، يسعدون فيه بزيارات الأهل وتهنئات الجيران. وصار إذا تلاقى في الطريق صديقان، أو تراءى في الحيِّ قريبان، تبادلا بفتور تحية العيد ثم مضى كل منهما لشأنه. وكأنما تقطعت بين الناس روابط الألفة، ووهنت بين الأهل أواصر القرابة، فصرت تسمع ضجيج الأفراح يغطي على نواح المآتم، وقهقهات الناعمين والمترفين تسخر من أنات الأشقياء والمحرومين.

ولا أكتمُكم سرًّا أنني منذ سنين عديدة، كنت كلما خرجت أمام بيتي يوم العيد، وأمعنت النظر إلى جموع الغادين والرائحين، تذكرت قول “إيليا أبو ماضي”:

أَقبَلَ العيدُ وَلَكِن لَيسَ فـــــــي الناسِ المَسَرَه

لا أَرى إِلّا وُجـــوهاً كالِحـــــــــاتٍ مُكفَهِرَّه

وَخُــــــــدوداً باهِتاتٍ قَد كَساها الهَمُّ صُفرَه

وَشِفاهاً تَحذُرُ الضِحكَ كَأَنَّ الضِحكَ جَمرَه

لَيسَ لِلــــقَومِ حَـــديثٌ غَيرُ شَكوى مُستَمِرَّه

كُلُّهُم يَبكي عَلى الأَمسِ وَيَخشى شَــرَّ بُكرَه!

العيدُ الحزين

ولا أدري لماذا تصادَف ذات يومٍ بعيدٍ أن أقرأ مجموعةً من القصص والمقالات تدور كلها حول عيد الفقراء والبائسين وأهل المصائب، وتصور ما يلاقيه اليتامى والمساكين والمبتلين في هذا اليوم الذي كان يجب أن ينعموا فيه بشيءٍ من البهجة والرخاء. كان من أشدها وقعًا في نفسي قصة “قسوة العيد” للأستاذ “كامل محمود حبيب”، وهو واحدٌ من كبار الكُتّاب في مجلة “الرسالة”، نشرها في كتابه “نظراتٌ من الحياة”، وهي تقصُّ علينا فاجعةَ والدٍ في ولده ليلة العيد، نزَفَ بين يديه آخر نسمة من نسمات الحياة، بعد أن قضى الليل كلَّه ساهرًا بجواره في غمرات الذهول والحزن:

“ثم دلف الرجلُ إلى صحن الدار، تنتابه عواملُ الأسى والأسف، وفي محجريه عَبرةٌ تترقرق، ووقف بإزاء زوجته تختلج شفتاه بكلامٍ ما يسمَع، وهي في شغلها راضيةٌ مطمئنةٌ تستقبل يوم العيد، لا تحس وجود زوجها، ثم نظرت فإذا عبراتٌ تنحدر على وجه زوجها ، ثم تسقط فتسقط على قلبها جمراتٍ تتلهَّب، تشعرها عِظَم المصيبة وتهد من قوتها وحيلتها.

وتشبثت الزوجة بثوب زوجها، وقد انكفأت على وجهها تندب حظها الأسوَد “ابني، ابني”.

وسطع أول شعاعٍ من أشعة يوم العيد يبعث الطرب والنشوة في قلوب الناس جميعًا، إلا قلبين حطمتهما الصدمة القاسية.. موت وحيدِهما”..

ومن العجيب أن تقرأ للكاتب نفسِه هذه السطور التي صدَّر بها مقالَه “يومُ عيد” وقد جاء ترتيبُه في الكتاب قبل هذه القصة مباشرةً، وكأنه تمهيد لها وتهيئة لجوها، ويوشك أن يكون وصفًا لحال أكثرِ الناس في أيامنا هذه:

“ما أشدَّ وقعَكَ ـ يا يومَ العيد ـ على نفسي؛ لأنك قذًى في عيني وشجًى في حلقي وأسًى في قلبي! فالدارُ خاويةٌ من الأحياء تلفظني في غير هوادةٍ ولا لين، والطريق خاوٍ من الرفيق يدَعُني إلى غير غاية، والنفس خواء إلا من خطرات الحزن وخلجات الأسى، والقلب يحس لذع الوحدة فيلمس الجدب والإمحال فيما حوله، وإنه ليَرَى الدنيا أمامه تموجُ بالزهر النضير والفرحة المتوثبة والعبث البريء والثوب الجديد.

وهؤلاء أقاربي قد حبَوني بالجفوة والقِلَى، فرَّقَ بيني وبينهم نهَمُ المال وجشَعُ الذهب، فما أرى فيهم إلا العداوةَ والبغضاءَ، وإلا الازورارَ والعُبوس”.

وإن أنْسَ فلن أنسى مقال الأستاذ “الزيات” عن “عيد الفقير”، والذي ذهب فيه إلى أن الأعياد مَذَلَّةٌ للوالدِ الفقير، وفضيحةٌ للبيت البائس! ففي الأيام الأُخَرِ يستطيع العائلُ المسكينُ أن يغلق بابَه على بؤسِه، ويَرُوضَ أهله على مكروهه؛ ولكنه في العيد لا يستطيع أن يضرب على الآذان، ولا أن يختم على العيون، فإن المدافع تقصف في القلاع، والمزامير تعزف في الشوارع، والناس يزيطون في الملاهي، والأطفال في المراكب والمواكب يرفلون في الوشْي ويلهون باللعَب، فأولادُه لا بدَّ سائلون:

يا أبانا! أين الثوبُ الذي نلبس، واللحمُ الذي نأكلُ، والقِرشُ الذي ننفق؟ أهذا العيدُ لناسٍ دون ناس، أم هو ذو وجوهٍ شتَّى منها العابس والباسم، ومنها الدميمُ والحَسَن؟ ولِمَ آثرنا نحنُ يا أبانا بهذا الوجه الشتيمِ الكالح؟

وقد ختم الأستاذُ “الزيات” مقالَه ذاك بقصة رجلٍ بائسٍ، لا يملك ما يلبي به شيئًا من حاجات زوجته وأولاده يوم العيد، فتحايل على الفقر بالمرض، وهرب من السؤال بالعلَّة، “ودخل العيدُ بضوضائه وخُيلائه على هذه الأسرة البائسة فوجدها عاكفةً على سرير مريضها الموجَع، مضرَمة الأنفاس، لهيفة القلب، لا أمل لها إلا أن يعافَى عميدُها ويحيا. فانكفأ العيدُ النشوانُ المرِحُ خجلانَ عن هذا المنظر الأليم إلى مجالي البهجة والنعيم في قصور الكُبراء والأغنياء والسادة. ولولا هذه الحيلةُ التي أنقذت هذا التَّعِسَ بالمرضِ من غير موت، لأشْفَى به الخجلُ والهَمُّ على الموتِ من غير مرَض!”.

سؤالاتٌ قبل العيد

وقد أوحَت لي قصة هذا الرجل البائس بهذه القصيدة التي جعلتُ عنوانها: “سؤالاتٌ قبل العيد”:

لماذا صـــــــــارت الأعيــــــادُ يا أبتاهُ تُخـــطِئنا؟

وتمضي دون أن نــــــــــــدري ولا أحـــدٌ ينبِّئُنا

لماذا صار هـــــــــذا الحزنُ في أعيادِنا العـــيدا؟

يجيءُ ويفتــــــــــح الأبوابَ لا ينسَى المــواعيدا؟

لمــاذا الهَـــمُّ يا أبتـاه باتَ رفيـــــقَ دنــــــــــيانا

كأَنَّا دمعةُ الأيــــــــــامِ والآهــــــــــاتُ نجـــوانا

أيأتي العــيدُ يا أبـــــــــتاهُ لا نلـــــــهو ولا نلعبْ

ويمرحُ غيــــــــــرُنا مَرَحاً ونحـن ببؤسنا نتعب

أنبصِرُ كلَّ مـــــــا فــــــي العيد ثم نعــودُ للبيتِ

لنحكي قصة الـ (كانت تَصُبُّ الخَلَّ في الزيتِ)؟

أجِـــــــــب بالله يا أبــــــــتاهُ فالأولادُ تســـألُني

وقِلَّةُ حيـــــــــلتي فــي النـاسِ تُثقلُني وتخجلني

أهـــــــذا العــيدُ يا أبتاه للأمــــــراءِ والســــادة؟

ونحن نعيشُه فــــي البؤسِ والتنكيدِ كالــــــعادة؟

ألا يا ليت قبــــل العيـــدِ تفجــــــؤنا المُصـيباتُ

فتشغلنا بمن مَـــرضوا وتفجعنا بمن مــــــاتوا

وننسى ذلَّ هــــذا العــــــيدِ يا أبتي بما نجـــــدُ

وننسى أننا فــــقراءُ نستجــدي.. ولا نجــــــدُ!!

ونجد شيئًا قريبًا من هذا في قصيدة للشاعر “محمود أبو الوفا”، صاحب أغنية “عندما يأتي المساء” التي يغنيها موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب”، يقول فيها:

عيــــدٌ ـ كما زعموا ـ ألا يا ليتَهم ** ما أخجَـــلوا الأيامَ في أسمائها

أرأيتَ مصرَ اليــوم كيف ازَّينَت ** أرأيت وجــــهَ العيدِ في أبنائها؟

الفقرُ فـــي أقـــوامِها غطَّى على ** آمالها وطغَى عــــــلى سَرَّائها

الشعبُ لاهٍ فــــــــي مـباذل فقره ** والفقر فـي الدنيا أساسُ بلائها

كبراؤها والأغــــــنياءُ بأرضِـها ** غفَلوا حــــقوقَ الله في فقرائها

ها هم بنو العمالِ فــي أطمارِهم ** كالزَّهرِ جفَّت من فساد هوائِها

سكنُــوا بيوتًا ـ كلُّ خمسة أنفسٍ ** فـي حجرةٍ كالقبر ضِيقُ بنائها

بالله كيف تـــــرى الخلائقَ هذه ** تنمو وكيــــف تكونُ في آرائها؟!

لكُم عيدُكم ولِيَ عيدي

ويبدو أن الأمرَ كما قال الأستاذ “علي الجندي” في كتابه الطريف (قُرَّةُ العين في رمضان والعِيدَيْن)؛ فليس كلُّ عيدٍ يُقبِلُ بالسرور والفرح على الناس، فبعض الناس تَزيد الأعيادُ في مواجعهم وآلامهم وأحزانهم، لأنهم يرون فيها مَن صفا لهُم الدهرُ، وسالمَتهم الأيامُ، وأقبلَت عليهم النعم، فيقيسون حالَهم إلى ما هم فيه من تعس الجَدِّ، ونكد الطالع، وخيبة الأمل، فتزداد فجيعتهم وتنداح رزيَّتُهم، ويتضخم مصابُهم، ويخيَّلُ إليهم ـ إن لم يعصمهم إيمانٌ قويٌّ ـ أن الأقدارَ متحاملةٌ عليهم، وأن الدنيا عدوةٌ لهم، وأنهم خُلِقوا عرضةً للمحنة والبلاء!

وكيف يفرح بالعيد مريضٌ يحرمه الطبيب كل الطيبات من الطعام؟ أو منكوب في أمواله أو آماله؟ أو مرزوءٍ بذوي قرابته ومودته؟

إن العيد الواحدَ قد يجمع بين الفرَح والترَح، والسعادة والشقاء، والضحك والبكاء، ورحم الله “حافظًا” إذ يقول:

رُبَّ يومٍ في الدهر قد ضمَّ نحسًا ** وسُــعودًا وعُسرةً ويسارا

وها هو ذا الشاعر العباسي (الصنوبري) يرى الناس في عيد بهجتهم وأُنسهم، وهو في همه وغمه ووحشته، من فقد ابنتِه؛ فعيدهم في الدور وعيده في القبور:

يا عـــــيدَنا أوَّلَ عـــــيدٍ أتى ** فقدتُ ليلَى فيــه من خِدْرِها

بُوركَ للأمَّةِ فــــي عـــيدها ** فليس أمــري فيه من أمرِها

عادوا من العيدِ إلى دورِهمْ ** وعدتْ من عيدي إلى قبرِها

ولله دَرُّ “جحظة البرمكي” حين قال:

أرى الأعيادَ تتركني وتمضي ** وأوشِــكُ أنَّــــها تبقَى وأمضِي

عـــلامةُ ذاك شيبٌ قد علاني ** وضعفي عند إبرامي ونَقضي

وما كَذَب الذي قـــد قال قبلي ** إذا مـــــــا مرّ يومٌ مَرَّ بعضي

أرَى الأيامَ قــد ختمَت كـتابي ** وأحســــبُها ستُـــعــــقِبُه بِفَضِّ

وما أكثر الذين فجعهم العيدُ في أحبابهم، أو أتاهم وهم غارقون في الحزن على فراق أحبتهم، وقد عبّر عن حالهم “الوَأواءُ الدمشقي” حين قال:

من سرَّه العيدُ فما سرَّني ** بل زاد في شوقي وأحزاني

لأنه ذَكَّــــرني ما مضى ** من عهد أحــــبابي وإخواني

وتتسع دائرة الحزن ودواعيه، حين ينظم الشاعر “محمد الأسمر”، وهو من أكبر الشعراء المحافظين، قصيدة “عيد”، يتجاوز فيها الخاصَّ إلى العام، ويلامس مخاوف الناس وأوجاعَهم. يرى العيد يومًا كأيّ يوم، ليس فيه ما يسر ويبهج مادام الزمان كئيبًا نكِدًا، وما نفع العيد للمغترب عليل الروح والجسد؟ وما قيمته إذا كان الظلم فاشيًا في كل مكان، والعذاب الأليم يلاحق الناس بسياطٍ لا ترحم وقيودٍ لا ترق:

لا أكذبُ العيدَ لستُ اليــــوم مغتبطًا ** به، وكيف اغتباطي منه بالحزَنِ؟

مــــــا لي وللعيد أرجـــــوه وأرقُبُهُ ** أليس يــــومًا من الأيامِ في الزمنِ؟

ما في المواسم مــن حُسنٍ نهَشُّ له ** إن أقبلَت في زمـانٍ ليس بالحسَنِ

يا عيدُ هل ثمَّ مِـــــن عيدٍ لمغتربٍ ** نائي الديـــــار سقيم النفس والبدنِ؟

يا عيدُ إن تُرِدِ الحـق الصُّراحَ فلا ** تنقل خطاكَ إلـى الأريافِ والمدُنِ

أنَّى مشيتَ فلا تلقَى سِـــوى زمَرٍ ** يسَّــــــــــــاءلون: تُــــــراه آتيًا لمَنِ؟!

في كل ناحـــــــــــيةٍ طاغٍ يُمَدُّ له ** كما يشاء وراعٍ غـــــــــــيرُ مؤتمنِ

والناسُ أجمــعُ بَهْمٌ تحـت سائقِها ** من فاته السَّوطُ لم يَسلَم من الرَّسَنِ

انظر بعينيك للدنيا فــإن بَصُرَت ** بما يَسُرُّ فحَــــــــدِّث عنه أو أرِنِي

أمَّا الشاعر “محمد شفيق أحمد”، فقد كان أقرب ما يكون إلى وصف واقعنا الذي نعيشه، حين نظم أبياتًا بعد الحرب العالمية الأولى، منذ أكثر من مائة عام، وكانت أزمة الغلاء في أوجها، مثلما هي الآن أو قربيًا منها، فرأى في العيد عادِيَة، أثقلت كواهل الناس بضيق العيش، فحلت المحن، وعمَّ الكساد، وشاع القحط، واحتبست الأرزاق، وشحَّت الموارد، وقلَّ المال؛ فأيُّ عيدٍ هذا؟:

يا عيدُ هل عدت أم عادت عوادينا ** جاءت لتُــــــــرهقَنا أم جئتَ تُلهينا؟

أين الرخــــــــاءُ الذي عوَّدتَنا قدمًا ** فـــــي كل عامٍ بـــه قد كنت تأتينا

يا عيــدُ عــــفوًا فقد ناءت كواهلُنا ** بالعيش عسرًا وكاد الضيق يفرينا

حلَّت بنـا المحَنُ الدهماءُ ما تركت ** فردًا من الناسِ إلا صـار محزونا

عمَّ الكسادُ وعمَّ القحــطُ واحتبست ** خيراتنا وغــــــدا الإفـلاسُ يُردينا

لا زرعَ يُثمرُ إلا دون حـــــــاجتنا ** والبخسُ من حصـده والدَّيْنُ يُفنينا

شحَّت مواردُنا والمـــــــالُ أمسكَه ** أربابُه واحتباس المـــــــال يؤذينا

يا عيدُ هوِّن علينا وقْـــــعَ ضائقةٍ ** واجعل قـــــــدومَكَ تيسيرًا يعزِّينا

إنَّا لَنـــعهَدُ فــــــيه اليُمنَ أجــمعَهُ ** فابسط يديك بـــــــه واقبل تهانيننا

العيدُ في فلسطين

أمَّا ما يثير الوجع العميق، ويفسد على كل مسلمٍ غيورٍ فرحتَه بأيِّ عيدٍ، فهو ما يحدث في فلسطين منذ وعَدَ “بلفور” نفايات اليهود بأرض الميعاد، فأعطى مَن لا يملك من لا يستحق، ومن يومها إلى الآن والغرب بخيله ورجِله، ومعه أمريكا ببطشها وقوتها وغطرستها، يُعِينون الصهاينة ويخذلون المسلمين، ويسلطون على البلاد الجوع والموت، ويرسلون من ورائهما الذهب والقنابل، فكأنهم يقولون للعربي البائس: إمَّا الوطن ولا حياة، وإمَّا الحياة ولا وطن.

وها هم أُوْلاء يقسِّمون فلسطين كما يشاءون، وبها إحدى القبلتين وثاني الحرمين، قسمة ضيزى بين العرب الأُصَلاء واليهود الدّخلاء، ويحملون الصهيونيين على ضمائرهم وبواخرهم من أركان الأرض إلى فلسطين لينصبوا فيها الصليب للحق كما نصبوه من قبل لعيسى، ويبذروا في القدس الشقاقَ للناسِ كما بذروه في يثرب لمحمد. فهل آن لأبناء الأمة الوسطى ووارثي الدعوة الكبرى أن يذكروا ما نسوا، ويجدِّدوا ما طمسوا، ويعلموا أن الحق هو القوة، وأن القوة هي الوحدة، وأن وحدة العرب كانت معجزة دين التوحيد، قام عليها تاريخُهم القديم، ولن يقوم على غيرها تاريخُهم الجديد؟!

ولعلَّ الأدباءَ والشعراءَ كانوا أدقَّ إحساسًا وأبعدَ نظرًا من الساسة والزعماء، فصاغوا بحروفهم السامية تفاصيل المأساة الدامية. ونعرض هنا من إبداعاتهم الشجية ما يتصل بأحاسيسهم أيام الأعياد، وكيف صار طعمها مُرًّا وهم يرون وطنهم يُحرق ويُسرق، ويبصرون بني جلدتهم يطردون ويشرّدون، والعالم كله يخذلهم ولا ينصرهم. يقول الشاعر الفلسطيني “سعيد العيسى” في قصيدة “العيد”:

العيدُ! ما العيدُ؟ ما بالعيد لي شانُ ** دنيايَ مسغبةٌ، دنيايَ أحــــزانُ

تاهت خطاي على درب الشقا فأنا ** سيان عنـــــديَ أفــراحٌ وأحزانُ

ما فـــي قــرارة كأسي من ثمالتها ** إلا دمــــوعٌ وأناتٌ وأشجــــــانُ

ماذا مع العيدِ إلا حُــــــرقةٌ وأسى ** أو ذكـــــرياتٌ وأشواقٌ وتَحنانُ

لا العيدُ عيدٌ كما قـد كنت أعهده ** بالأمس كلَّا ولا الأوطانُ أوطانُ!

وتقول “فدوى طوقان” في قصيدتها “مع لاجئةٍ في العيد” (مجلة “الرسالة”، أغسطس/ أوت 1951):

أختاهُ، هذا العيدُ رفَّ سناه في رُوح الوجـــــــود

وأشاع في قلب الحياةِ بشاشة الفجــــــــر السعيد

وأراك ما بين الخـــــــــــــيامِ قبعت تمثالًا شقيَّا

متهالكًا، يطـــــوي وراء همــــــــوده ألمًا عتيَّا

يرنو إلى اللاشيء.. منسرحًا مع الأفق البعـيد

***

أختاهُ، ما لكِ إن نظرتِ إلى جموع العــابرين

ولمحت أسراب الصبايا من بنات المتـــرفين

من كل راقصة الخُـطى كادت بنشوتها تطير

العيدُ يضحــــك في محيَّاها، ويلتمع السرور

أطــــرقتِ واجمةً كأنك صورة الألمِ الدفين؟!

***

أخــــــتاهُ، هذا العيدُ عيد المترفين الهانئين

عيدُ الأُلَى بقصـــورهم وبروجِهم متنعمين

عيدُ الألى لا العار حرَّكهم ولا ذلُّ المصير

فكأنهم جثثٌ هناك.. بلا حيــــــاةٍ أو شعور

أختاه لا تبكي، فهذا العــــــــيدُ عيدُ الميتين!!

وفي ديوان “أغاني إنسان” نطالع قصيدة طويلة للشاعر المصري “سعد دعبيس” عن “العيد في يافا”، وكأنه يصف ما تعانيه “غزة” هذه الأيام، نكتفي هنا ببعض أبياتها:

لا تحزني يا أمُّ إن طلع النهارُ بلا ضياءْ

وأطلَّ وجــهُ العيدِ مختنقًا خريفيَّ الرُّواءْ

العيدُ غيَّب إخوتي والعيدُ عاد بلا رجـاء

لا عاد يا أمِّي ويافا خلف أنــوار الشقاء

العيد يا أمي مريرٌ لا ابتسام ولا صــفاء

الصمت ينهش قلب يافا لا نشيدَ ولا غناء

لا بسمةٌ فوق الشفاه ولا صـلاة ولا دعاء

الحزن عملاقٌ رهيبٌ سَــدَّ أبواب السماء

***

أطفالُنا يا أم مــــا لبسوا الجديدَ ولا القديم

أسمالُهم تخشى النهارَ تَـودُّ تخنقه الغيوم

الفرحة اختنقت بأعينهم وغشَّاها الوجوم

الليل أشرع مُديَةً سوداء واغتال النجـوم

الليل تنينٌ ينام عـــــــلى البيادر والتخوم

أنيابه في قلب يافا والجليــــل وأورشليم

عيناه مذبحتان تنتفضان بالغــــدر اللئيم

الليل والتنِّينُ والأغــــــلالُ في يافا تهيم!

يقول “زكي قنصل” في قصيدته “كفرت بالعيد” (مجلة الثقافة، أغسطس/ أوت 1987):

لا العيدُ عيدي ولا الأعلامُ أعلامي ** فارفـق بدمعي ولا تـهزأ بآلامي

كفرت بالعــــــيدِ نمشي في مواكبه ** على جـــــــــراح مثاكيلٍ وأيتامِ

كفرت بالعيدِ نُغضي فيه من خجلٍ ** ونخفض الرأس من ذلٍّ وإرغامِ

دنيا العروبة غـــــرقَى في مآتمها ** فكيـــــف أجرح سمعيها بأنغامي

يا حائمين على أشـــلاء أمتكم ** ماذا تركتم لسرحـــانٍ وضرغامِ؟

هذي فلسطينُ في الأغلالِ راسفةٌ ** يسوسها السوطُ مـن خلفٍ وقُدَّامِ

لولا الخيانة لم تــــــوطأ كرامتها ** ولم تَهُن لصــــعاليكٍ وأقــــــزامِ

يا فتنة المالِ كم أغــويت من قلمٍ ** وكم جنَيتِ على تاجٍ وصمصام

لأجل عينيك قـد ضحت زعامتنا ** مهد المسيح على أقدام حــاخام!

ويقول “إلياس قنصل” في قصيدته (عيد الفطر):

أيقبلُ بعضُنا بالتهنـــــــــــــئاتِ ** وموطنُـــــــنا المُـــــفدَّى للغزاةِ؟

ونحن نساقُ من خطبٍ لخـطبٍ ** يضــــجُّ لِــــــهوله قلب الصفاةِ؟

أما والله لــــــــــــولا العيد هذا ** وحُـــــــرمة ما يهيل من الزكاةِ

لقُلت بحــــــــــق أن نبكي فإنَّا ** حيارَى في صحـارِي الكارثاتِ

ويقول الشاعر الفلسطيني الكبير “هارون هاشم رشيد” في قصيدته “عيد الفطر”، من ديوانه (مع الغرباء)، وقد أهداها إلى إخوانه اللاجئين الذين يطالعون العيد بحسرةٍ ولوعة:

أعيدَ الفطرِ، هل لِلَّاجئِ المحرومِ من فِطرِ؟

وقــــــــــد أسلمَه العاتـــون للأسقام والفقرِ

يلوذ بِخَيمةٍ ســــوداءَ فــــي إظْــلامةِ القبرِ

فلا تحميهِ مـــن بــــردٍ ولا تحميه من حَرِّ…

إذا لم تأتِ والأعــــداءُ قد ماتوا من الذُّعرِ

وقد فـــــــرَّت شراذمُهم مُوَلْولةً إلى البحرِ

إذا لم تأتِ بالتحــــريــــرِ والإنقاذِ والفخرِ

فلن نلقاكَ.. لن نلقاكَ بالتهــــلـيلِ والبِشْرِ!

ولا أريدُ أن أختم هذه الباقة من الشعرِ الشجيِّ الذي لا نكادُ نجدُ مثلَه صدقًا وفنًّا من شعرائنا المعاصرين، مع هَوْلِ المأساة واحتدام الصراع، دون أن أُورِدَ هذه الأبيات المتفائلة بالنصر للشاعر “سعد دعبيس”:

أمَّاه في غدـــــــِنا لنا عـــــيدٌ سعيدٌ لن يزولْ

أمَّاه بالدم والكـــــفاح المُرِّ والـــــــزاد القليلْ

سنحيل “تلَّ أبيبَ” عاصفةَ المناحة والعويلْ

ويعود جيشُ اللاجئين يحـطم اللصَّ الدخيلْ

وتعـــود يافا والربيعُ وعـيدُنا الحُلْوُ الجميلْ!

السؤالُ الأخير

هل تمنَّى الشاعرُ المستحيل؟ هل كان كلامُه حُلمَ شاعرٍ وخيالَ فنان؟ ألا يستطيعُ العربُ والمسلمون باتحادهم أن يُعيدوا فلسطينَ إلى أهلِها، ويصونوا المسجدَ الأقصى من دنَس الصهاينة، ويحفظوا كرامتهم وماء وجههم أمام محكمة التاريخ؟ ذلك ما ستجيب عنه الأيامُ القادمة، حين تثور المعركةُ الكبرى بيننا وبين اليهود، وإنها لَقريبةٌ جدًّا.. لو كانوا يعقِلون!

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

ومن يصفّد شياطين الإنس يا رمضان؟

استراحة المحارب، بعد الصّيام والقيام، وبعد الجهاد الذي يقوم به المؤمنون في رمضان من وأد لمغريات الحياة، وبعد أن دخلنا حالة الاحتماء من المفاتن، واقتنعنا أنّنا من الآن فصاعدًا سنسلك طريق الدّين كما أمرنا الله، تبدأ فرق الوداع بالتّجوال بين المنازل، تدقّ على الأبواب، تُنشد الأناشيد الدّينيّة، لتُنذر أهلها بوصول رمضان إلى مشارف النّهاية، فتحثّهم على الصّدقة، وتجمع بذلك تبرّعات تقدّمها إلى المحتاجين قبل العيد. صوت الطّبل يدقّ على أبواب أرواحنا، وتقشعّر الأبدان كلّما شعرنا أنّنا ننسلّ عن أيّام حملتنا إلى أعتاب التّوبة.

“دُم.. دُم.. دُم (صوت الطّبل)

بأمان الله يا شهر الصّيام

بأمان الله يا شهر القيام

بأمان الله يا شهر التّراويح

بأمان الله يا شهر التّسابيح

بأمان الله يا شهر القبول والرّضى

أرحلت عنّا كمثل عامٍ مضى

دُم.. دُم.. دُم…”

تباشير العيد هلّت، هديّة الله لنا بعد مشقّة، يُكافئنا بفرح يتوّج إيماننا الذي فَرمَتَهُ (format) الشّهر الفضيل بعد أن سرقتنا الحياة وأخذتنا في دهاليزها، فما زرعه رمضان فينا سنقطفه فرحًا قريبا، والتّكبيرات تخترق الأرواح المطهّرة:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إيّاه، مخلصين له الّدين ولو كره الكافرون، اللهم صلّ على سيّدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد وعلى أصحاب سيّدنا محمد وعلى أنصار سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرّية سيدنا محمد وسلّم تسليمًا كثيرًا.

وتبدأ تحضيرات العيد استعدادًا لاستلام الجائزة المنتظرة، ولكن اليوم لم تعد التّحضيرات تقتصر على الأمور التقليديّة كما نعرفها، من ملابس و”معمول” وغيرها من العادات المتجذّرة في كلّ بيت إسلاميّ، فنحن اليوم نحيا العيد بمنظور مختلف.

(بدي أشطر حكيم تجميل يعملي بوتوكس وفيلر قبل العيد) (بدي أعمل شدّ نحت قبل العيد شو بدك بيّن ختيارة؟) وإلى ما هنالك من متطلّبات جماليّة متطرّفة تُمسك بأذيال الفستان الجديد الذي يُظهر المفاتن، وكما التّزاحم في الأسواق أصبحنا نعيش حالة التّنافس في التّعديلات “الطّبيعيّة” على الملامح (عملني حلوة بس بدون م يبيّن إني عاملة شي).

(فرجيني من هيدا ع قياسي لو سمحت.. بدّي غير لون، جاية العيد وبدي شي مميز)، كلّ يبحث عن قطعة ملابس تُعطيه هالة الملكيّة، هذا التميّز الذي نصدّق أنّنا نستحقّه، نكون على استعداد أن نقلب المحلّات رأسًا على عقب في سبيل الحصول على القطعة النّادرة التي لا يستحقّها سوانا، ليس فقط بدافع الأناقة، وإنّما بدافع الظّهور وإبراز الجمال الذي بهت قليلًا نتيجة إرهاق الصّيام، أفلا نعيد رونقه بالقليل من الرّوتوش الجماليّ بين طبيب التّجميل وطبيب الأزياء؟

أولم تكن الشّياطين مصفّدة؟ ألم نكن على قدر من الصّلاة والخشوع والطّاعة؟ لم تُحرّر الشياطين بعد فعلام نسبقها إلى المعصية؟

موضة الملابس الفاضحة، والشّفاه المنتفخة، تتسابق على حلبة الأعياد، وليس الاعتراض هنا على جماليّة الظّهور والأناقة، بل على العكس تمامًا، فشكل الإنسان يدلّ على هويته، والمظهر الأنيق مطلوب دائمًا، ولكن المشكلة في خلع عباءة رمضان، واستبدال المظهر الدّيني “المُفتعَل” بحقيقة اللّا تديّن.

وكأنّ العيد جاء ليُحرّر الكثيرين من أصفاد العبادة، رغم إنّ شياطين الإنس لم تُصفّد في رمضان، ولكن يمكن القول إنّ البعض ضبط همجيّته الأخلاقيّة، ولكن ماذا عن أوّل أيّام العيد؟

لسنا هنا لنُظهر المجتمع بمظهر الانحلال، ولكن هذا الواقع أصبح متفشّيًا بشكل مخيف تحت راية الحرّيات، وكأنّ الاحتشام تعود أصوله إلى العصر الرّجعي.

هذا ولم نأت على ذكر معنى العيد للأطفال لأنّ الأمور بالنّسبة إليهم عِيديّة وهديّة، عادات واحدة لم تتغيّر، حتى في غزّة، كلّ الأطفال لهم الحق في تذوّق فرحة العيد، ولكن ماذا بعد؟

إن كنّا نسارع للمجاهرة بالمعاصي قبل أن يُغلق رمضان أبوابه، كيف نكسب فرحة الاستراحة بعد جهاد مرتخي النّوايا؟

الدكتور صبري فوزي أبو حسين (أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات – مصر)

الأنساق الثقافية المضمرة في دالية “المتنبي” العيديّة

ما زال شعر أَبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي (أحمَدُ بن الحُسَينِ الجُعْفِيُّ الكِنْدِيُّ الكُوفِي) (303 – 354 هجرية) هو الحاضر المهيمن، وما زال المتنبي إمبراطور الشعر، شعره يُستدعى في أنساق ومقامات متنوعة، وفي سياقات زمانية ومكانية وفكرية عديدة، بسبب ما فيه من استشراف وتنبّؤ وانتقاد لحالة الخمول العربي التي لا تنتهي! وبسبب ما فيه من إيحاءات مستقبلية عجيبة! ومن ثم نرى هذا الشعر التنبّوئي يُقتَبس ويُضَمَّن ويُعارَض ويُسمّط ويُربّع ويُخمّس ويُسدّس ويُسبّع ويُتناصُّ معه بكل طريقة ممكنة، من قبل الشعراء في كل عصر ومصر وحال! ونراه يحلّ نثرا في أطروحات الناثرين، وصدَق “المتنبي” حين افتخر بأثر شعره في المتلقين بأنواعهم المختلفة: ضمنيين، ونموذجيين، وعوام:

وما الدهر إلا من رُوّاة قصائدي — إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

فسار به من لا يسير مشمّرا — وغنّى به من لا يغنّي مُغرّدا

فدع كل صوت غير صوتي فإنني — أنا الصائح المحكي وغيري الصدى

إنه شاعر ماجد مُجيد، لقِّب بألقاب عديدة، فهو شاعرِ العَرَب، ومالئ الدُّنيا وشاغل الناس، ونادرة زمانه وأعجوبة أوانه، وظلَّ شعره إلى اليوم مصدرَ إلهام للشعراء والأدباء.

إنه شاعر عربي ملأ الدنيا وشغل الناس في عصره من أواسط القرن الهجري الرابع حتى وقتنا الحاضر، وترك في الدنيا دويّاً يصمّ الآذان، دويا شعريًّا ساحرا انحفر في الذواكر، وتردَّد على الألسنة، وأحيته المناسبات المفجعة والمقامات المبكية، وما زال شعره يتردد حتى الوقت الحاضر على كل لسان، وأظنه سيظل في المستقبل!

ودالية “المتنبي” التي قالها ليلة عيد، يهجو “كافورا” في “يوم عرفة” من سنة خمسين وثلاث مئة، وذلك قبل مسيره من مصر بيوم واحد، وإن شئت قلت: يوم هروبه أو فراره من مصر! حيث لم يجد علاه وبغيته! ولم يحقق طموحه! وكان مُقيّدا مُضيّقا عليه!  وفيها صرخات وانتقادات وانتقاصات، وفيها دعوة إلى الحرية والانطلاق نحو عالم أرحب وأكثر تأثيرا وعطاء من هذا العالم المحدود المحدد، والكسيح المقيد! وذلك منذ أكثر من سبعة عقود!

وأقول مع القائل: “وجد المتنبي الأمة ضعيفة. والخلافة العباسية مترنّحة ممزقة الأوصال تتربص بها المطامع وتنخرها الشعوبية والعجمة.. مجرد أطلال للعزة يتراقص فوقها التّرك، فتسامى بشعره عن هذا الواقع الرث القميء. وأعاد تتويج العربية في شعره ليقدح به زناد العروبة من جديد. ولما لم يجد حاكما يفخر به افتخر بنفسه كتعويض عن هوان الأمة، كأنما حول كل الفخر إليه”.

ومن يقرأ مناسبات قصائد “المتنبي” الكبرى يجدها رحلة عبقري مفكر عبر رحاب الأمة بحثا عن (الفحول البيض)، فنجد عنده الكافوريات والعميديات والعضديات والسيفيات، وفي هذه الدالية الكافورية العيدية، نجدها انطلق بعد الجفوة التي حدثت بينه وبين “سيف الدولة” الحلبي أمير “حلب”، ورحل إلى مصر وتقرَّب إلى “كافور الإخشيدي”، ولما لم يحصل على ما تمناه من (العلى) قرر أن يغادر مصر، ولما تمّ التضييق عليه، ومنعه من حرية الحركة! كتب هذه القصيدة في هجاء “كافور” وحاشيته، وفي إخراج زفرة من زفراته ونفثة من نفثاته، حول حال وقال يهجوه في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاث مئة، وذلك قبل مسيره من مصر بيوم واحد سياسيا وإعلاميا واجتماعيا!

وقد رزقت قراءة قصيدته الدالية الكافورية العِيديّة، مع طلابي في الدراسات العليا بجامعة الأزهر غير مرة، وكنت في كل مرة أتدرّج مع الطلاب، من قراءة معجمية إلى قراءة شكلية، إلى قراءة بلاغية، إلى قراءة نقدية، وتخمّرت لديّ خواطر وانطباعات عميقة، تحتاج إلى أن تخرج في قالب مكتوب، إلى أن كان هذا الاستكتاب من الملف الثقافي لمجلة “الأيام نيوز” الجزائرية تحت عنوان (“بأية حال عدت يا عيد”؟… هل ما زال العيد يحتفظ بمعانيه في زمن الموت المُعلن على الشعب الفلسطيني؟). فكانت فرصة لتطبيق منهج النقد الثقافي على الدالية.

والنقد الثقافي أو النقد الحضاري الذي يعرّف بتعريفات كثيرة، فهو نقد ثقافة ما على أسس جذرية، وهو “نشاطٌ فكريٌّ، يتّخذ من الثّقافة، بشموليّتها، موضوعًا لبحثه، وتفكيره، ويعبّر عن مواقفَ إزاء تطوّراتها، وسماته”، وهو “الوقوفُ على (فعل) الخطاب، وعلى تحوّلاته النّسقيّة، بدلًا من الوقوف على مجرّد حقيقته الجوهريّة، التّاريخيّة، أو الجماليّة”، وهو يعالج فكرة الكشف عن الأنساق الثّقافيّة المضمرة، في المجتمع والثقافة، ولذلك؛ فهو تعاقبيٌّ وتزامنيٌّ في آنٍ معًا؛ فهو يضرب في عمق الثّقافة وأثرها في تحديد الوجهة الثّقافيّة التّراكميّة، ومن جهةٍ أخرى يراقب التّطوّرات الآنيّة للفعل الثّقافيّ. وغالباً ما يكون هذا النقد متداخل من ناحية اجتماعية مع نظرية الثقافة وهو يعالج فكرة الكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة، في المجتمع والثقافة، ولذلك فهو تعاقبي وتزامني في آن معا، فهو يضرب في عمق الحضارة وأثره في تحديد الوجهة الثقافية التراكمية ومن جهة أخرى يراقب التطورات الآنية للفعل الثقافي”.

ومن ثم فهذا المنهج مناسب لشعر “المتنبي” كله، ولهذه الكافورية خاصة، لما فيه وفيها من حمولات معرفية ورؤى عقلية عديدة مخفية ومطوية عبر المفردات والعبارات والصور، وهذا ما يتكفل بإخراجه منهج النقد الثقافي عبر تقنية (الأنساق) معلنة ومضمرة.

إن هذه الدالية ليست كما تقول القراءة الأولى خاصة بغرض الهجاء أو غرض العتاب أو غرض الشكوى فقط! فهذه أنساق علنية ظاهرة.

إن فيها أنساقا مضمرة ومعاني مخفية، يصل إليها من يدمن قراءتها، فكل قراءة تعطي نسقا، وكل وقفة مع مجموعة أبيات تعطي دلالة خاصة! تندرج تحت نسقا، وهاك بيان ذلك:

النسق النفسي

تأتي مقدمة الدالية زفرة شاكية مبكية، تعبر عن كل عاقل زمن القهر والاستبداد، ففي المطلع يتعجب ويستنكر أن يوجد ما يُسمّى: (عيد)! فالعيد المعروف يكون مصحوبا بالفرح والأنس والبهجة وتجديد الروح، وهذا ما لم يحدث للمتنبي ولا لمن يعيش حالته زمن القهر، ولذا يصرخ قائلا:

عيد بأية حال عدت يا عيد — بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟!

ومما يزيد جرعة الحزن فقدان (الأحبة) أو البعد عنهم، يقول:

أما الأحبة فالبيداء دونهم — فليت دونك بيداً دونها بيد!

وما يدفع (المقهور) على الحركة والتنقل بين البلدان، واقتحام المخاطر والسير في المجاهل، وترك الملذات والشهوات إلا الرغبة في تحقيق (العُلى)، يقول:

لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها — وجناء حرف ولا جرداء قيدود

وكان أطيب من سيفي معانقة — أشباه رونقه الغيد الأماليد

ثم يخرج “المتنبي” شعوره المكبوت المكتوم بقوله:

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي — شيئاً تتيمه عين ولا جيد

يا ساقيي أخمر في كؤوسكما — أم في كؤوسكما هم وتسهيد

أصخرة أنا ما لي لا تحركني — هذي المدام ولا هذي الأغاريد

إذا أردت كميت اللون صافية — وجدتها وحبيب النفس مفقود

إننا مع إنسان أليم ألمًا عاطفيا في (قلبه)، ومريض مرضا حسيًّا في (كبده)؛ واستخدامه الكبد في هذه الحال المنكسرة معهود عند القدماء؛ فقد كانوا يستعملون الكبد على أنه موضع الألم، قال “العباس بن الأحنف:”ك

ولي كبد مقروحة من يبيعني — بها كبدا ليست بذات قروح

وهذا الألم (القلبي) وهذا المرض (الكبدي) حرمه من كل متع الحياة من نساء غادات جميلات العيون والقوام: (عين ولا جيد) وخمور مسكرات (كميت اللون صافية، خمر، مدام، وأغان مطربات (أغاريد). وليس ذلك فقط بل يوجد (هم)، وهو مرض نفسي، ويوجد (تسهيد)، وهو مرض عضوي! كما يوجد هم رومانسي اجتماعي (حبيب النفس مفقود)، وبسبب جثوم هذه الآلام والأمراض صار كالصخرة الجامدة الصلبة الصماء البكماء الخرساء!

فنحن مع الشاعر في هذه المقدمة الشكائية الذاتية نعيش مجموعة من الآلام، هي عدم الإحساس، بالعيد، فقدان الأحبة والبعد عنهم، عدم تحقيق الغايات، عدم التمتع بالملذات من خمر ونساء، والتحول إلى جماد صخري، وكثرة حساده، وقلة كسبه مالا! لتعلن عن مبدع حزين مقهور، منكسر، متألم…

النسق الاقتصادي

إن شاعرا مُتكسِّبًا كالمتنبي لا يمكن أن ينسى أو يتناسى المال وأهميته، ولكنه يعرضه لنا في معرض المفقود، ويعرض نفسه في شكل المحروم! يقول صارخا مستنكرا:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه — أني بما أنا شاك منه محسود؟!

أمسيت أروح مثر خازنا ويداً — أنا الغني وأموالي المواعيد!

فهو باكٍ من كونه غنيًّا غنًى لسانيًّا شكليا مجازيا وليس حقيقيا! من خلال هذه المفارقة الصادمة: (أنا الغني وأموالي المواعيد) وتكاد تكون هذه الحالة الاقتصادية السيئة هي حال المطحونين في ظلال الأنظمة المستبدة القاهرة الظالمة الناهبة كل خيرات الأمة ومقدراتها!

ومن ثم كانت دعوته الإصلاحية من طرف خفي:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها — فقد بشمن وما تفنى العناقيد

فـ (مصر) هنا أنموذج لكل أخواتها العربيات عصر ذاك فيها (العناقيد) الاقتصادية الكثيرة المتنوعة، وفيها (الثعالب) البشمة النهابة السارقة، وفيها (النواطير) أي الحراس الأشراف، لكنهم نائمون، نومة غير فصيحة ولا بليغة، نومة لا تناسب الزمان ولا المكان ولا المقام!

النسق الإعلامي

شعر المتنبي في زمانه كان يقوم مقام المحطات الفضائية في نشر الأخبار والأفكار، وفي التسويق للأبطال والنجوم أو النيل من الأصفار والنكرات والمغامير، ولعل أدل دليل على ذلك موقف الحكام منه، فقد ورد في شرح ديوان المتنبي المسمى “معجز أحمد”، عند الحديث عن قصائد “محمد بن طغج”، ما نصه: “وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه”.

وروى عند الحديث عن (الكافوريات وهي المصريات): “قيل: إن السبب الذي أوجب خروج أبي الطيب إلى مصر، ومدحه كافوراً الأسود: أن سيف الدولة كان يتلوّن عليه، ولا يثبت معه على حال واحدة، ويصغي إلى قوم كانوا يغرونه به ويقعون فيه حسداً له، فكثر الأذى عليه من جهته فأجمع رأيه على الرحيل من حلب، فلم يجد بلداً أدنى إليه من دمشق لأن حمص من عمل سيف الدولة، فسار إليها حتى نزلها، وبها يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور، فالتمس منه المدح فثقل عليه، وغضب ابن ملك فكتب إلى كافور يخبره أن أبا الطيب عنده، وجعل كافور يكتب في إرسال أبي الطيب إليه، فكتب إليه ابن ملك أن أبا الطيب قال: ما أقصده فإنه عبد، وإذا دخلت مصر فإنما قصدي مولاه فأحفظته كتبه. ونبت دمشق بأبي الطيب، فسار منها إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلع عليه، وحمله على فرس جواد بمركب ثقيل، وقلده سيفاً مُحلّى، وسأله المدح فاعتذر إليه بالأبيات الرائية وهي قوله:

تَركُ مَدحِيكَ كَالهِجاءِ لِنَفسي — وَقَليلٌ لَكَ المَديحُ الكَثيرُ

… ثم كتب كافور من مصر إلى أبي الطيب يستدعيه إلى حضرته، فلم يمكنه إلا المسير إليه، يظن أنه لا يسومه سوم غيره، من منعه من التصرف في نفسه”.

ولعل أدل بيت على هذه الحاجة الإعلامية من كافور لشعر المتنبي قوله:

جوعان يأكل من زادي ويمسكني — لكـي يـقال عظـيم القدر مقـصود

فكافور جوعان إعلاميا إلى شخص المتنبي، وإلى زاد المتنبي، وهو شعره، وقد أظهر هذا المعنى المضمر بقوله: لكي يقال (عظيم القدر) من خلال أماديح المتنبي، ولكي يقال (مقصود) من شاعر عظيم المكان والمكانة والتأثير كالمتنبي!

وإحساس المتنبي بكونه مقيدا، و(عن الترحال محدود)، و(يأكل من زادي ويمسكني)! كان دافعا إلى صب جام غضبه على كافور وعصابته، بسبب انقلاب البناء الهرمي للمجتمع، فالحر مستعبد والعبد معبود!

وما (الحر) إلا المتنبي وكل من أشبهه من الأحرار المصلحين المبدعين، لكنه (مستعبد)! وما أقساه من واقع!

وما (العبد) إلا كل فاتك مستبد مجرم، يعبد منصبه، وملذاته، ولكنه (معبود) يعبد من الأغرار الهمج أتباع كل زاعق، وناعق (الآبقين)!

فقال شاتما وساخرا:

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن — يسيء بي فيه عبد وهو محمود

ولا توهمت أن الناس قد فقدوا — وأن مثل أبي البيضاء موجود

وأن ذا الأسود المثقوب مشفره — تطيعه ذي العضاريط الرعاديد

فالشاعر يقوم هنا بوظيفته الإعلامية في الإعلان عن هذه المخازي المحزنة في آنه والتعجب من وجودها، ونقدها من إساءة العبيد الكلاب إلى الأسياد الشرفاء، ومن كون العبد/ الكلب محمودا من قبل الأتباع، ومن فقدان (الناس) الحقيقيين وحضور (الأسود المثقوب مشفره)، وطاعة الخدام الأتباع الرعاع (العضاريط الرعاديد) له!

وضمير التكلم، الذي يهيمن على مقدمة الدالية ثم يوجد في أعطافها، والموجود في كل شعره، ما هو إلا ضمير المقاهير والمكابيت والمظاليم والمهاضيم والمهاميش في كل زمان ومكان، وما الشكوى المبثوثة إلا صرخاتهم وزفراتهم وجأراتهم!

وهذه الدالية كلها، بل شعر المتنبي كله، نص إعلامي بامتياز، إنها تعلن عن حالة المتنبي وموقفه في ظلال حكم كافور وحاشيته.

النسق الاجتماعي

تمثل النسق الاجتماعي في موقف المتنبي من كافور وحاشيته وانتقاصاته لهم حيث يقول:

إني نزلت بكذابين ضيفهم — عن القرى وعن الترحال محدود

جود الرجال من الأيدي وجودهم — من اللسان فلا كانوا ولا الجود

ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم — إلا وفي يده من نتنها عود

فنحن هنا أمام مجتمع فيه رذائل عديدة من كذب كثير (كذابين)، ومن بخل وشحّ (عن القرى)، ومن تحكم في حركة الخلق (عن الترحال محدود)، ومن لسان مخادع مزور مزيف (جودهم من اللسان)، ومن روائح قذرة منتنة منفّرة (نتنها)، ومن حرص على توافه الدنيا وتعلق بها حتى آخر نفس (عود)! ومن ثم استحق ناس هذا المجتمع أن يدعى بالخلاص منهم (فلا كانوا ولا الجود)!

كما ظهر النسق الاجتماعي في موقف المتنبي العنيف من قضية العبودية، بسبب أن كافورا هذا عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين، قبيح القدمين ثقيل اليدين، لا فرق بينه وبين الأمَة، وقد سئل عنه بعض بني هلال بالصعيد، فقال: رأيت أمَةً سوداء تأمر وتنهي. ولقد كان رسول الروم بمصر، فلما قعد في مركب راجعاً إلى بلد الروم والمسلمون ينظرون إليه قال لهم: ما أعرف أمّةً أخسّ منكم! أعوزكم أبيض تملكونه أنفسكم! وسار، وولي كافور هذا أمر بني طغج عليهم، وملك ما كان في أيديهم، واستملك العبيد، وأفسدهم على ساداتهم.

فقال المتنبي في هجاء كافور:

مِن كُلِّ رِخْوِ وِكاءِ البَطنِ مُنفَتِقٍ — لا فِي الرِّجَالِ وَلَا النِّسْوَانِ مَعدُودُ

ففي هذا البيت صورة ساخرة محقرة لذلك الحاكم، فعبارة (رخو وكاء البطن) أي فسَّاء ضَرَّاط لا يمسك بطنه، و(منفتق) أي: أي كثير اللحم.  وعبارة (لا في الرجال ولا النسوان معدود)؛ لأنه خصِيٌّ فلا ذكر له ولا لحية كالرجال، ولا فرج له كالنساء!

فنحن أمام طبقتين متناقضتين في هذا المجتمع الساقط: طبقة الحاكم وحاشيته القبيحة المخاتلة الغشومة، وطبقة الناس الحقيقيين المهضومة! وقد أشار إليهما المتنبي من قبل بلفظتي (نواطير)، و(ثعالب)! وتركيز المتنبي على (الاقتصاد) في داليته باد من ذكره المثري، والخازن، واليد، والقرى، والجود، والمكرمة..

النسق السياسي

تظهر منظومة الحكم من حاكم (الخصي، كويفير) وحكومة (الآبقين)، ومحكومين (الناس، الحر الصالح، الحر المستعبد) ونظام حكم (الاغتيال، الخيانة) في هذه الدالية. وهي تعلن عن انحدار سياسي مؤثر في بقية مجالات الحياة.

وقد أشرنا إلى الانحدار الاجتماعي والاقتصادي من قبل، ومرجعه – بلا ريب – اضطراب سياسي، من خلال نظام قائم على لغة القوة فقط، في عالم البقاء فيه للأشرس والأفتك، يقول:

أكلما اغتال عبد السوء سيده — أو خانه فله في مصر تمهيد

ومن أوضار هذا النظام سيطرة الأراذل والمتمردين وتضييع الأحرار، يقول المتنبي:

صار الخصي إمام الآبقين بها — فالحر مستعبد والعبد معبود

نامت نواطير مصر عن ثعالبها — فقد بشمن وما تفنى العناقيد

العبد ليس لحر صالح بأخ — لو أنه في ثياب الحر مولود

لا تشتر العبد إلا والعصا معه — إن العبيد لأنجاس مناكيد

فنحن أمام عالم متدن سياسيا من خلال ثنائية: (الخصي/ الآبقين)، ومتدنٍّ اجتماعيا من خلال ثنائية: (العبد/ الحر الصالح)، ومتدنٍّ اقتصاديا من خلال ثنائية (نواطير/ ثعالب)، ومتدنٍّ إعلاميا عن طريق المفارقة بين الشاعر المبدع المحروم وهذا الخصي الأسود وعصابته من الكذابين العضاريط الرعاديد الآبقين البشمين!

ورؤيته للعبد ومكانته راجع إلى أن العبودية كانت موجودة، وكان العبيد نماذج بشرية حاضرة، والعبودية عنده ليست الرق المعهود إنها كناية عن الذلة والدناءة، يقول:

بكل أرض وطئتها أمم — ترعى بعبد كأنها غنم

واللون في الدالية ذو دلالة خلقية، فالأبيض (الفحول البيض) رمز لكل جميل نبيل، والأسود (الأسود المثقوب، الأسود المخصي، الخصية السود) رمز لكل رذل قبيح. وليس مقصودا به النظرة العنصرية المنتنة المقيتة! وقد يستدعي الأبيض للدلالة على الأسود على سبيل التهكم والسخرية، كما في تعبيري (أبو البيضاء، أقومه البيض)!

النسق النقدي

يأتي النقد تيمة ختامية يفرغ فيها المتنبي كل غضبه فيعرض لنا صورا ساخرة مبكية، بقوله:

إِنَّ امْرَأً أَمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ — لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ الْعَيْنِ مَفْؤودُ

وقوله:

من علم الأسود المخصي مكرمة — أقومه البيض أم آباؤه الصيد

أم أذنه في يد النخاس دامية — أم قدره وهو بالفلسين مردود

أولى اللئام كويفير بمعذرة — في كل لؤم وبعض العذر تفنيد

ثم يدعو إلى الخلاص قائلا:

ويلمها خطة ويلم قابلها — لمثلها خلق المهرية القود

وعندها لذ طعم الموت شاربه — إن المنية عند الذل قنديد

فالويل كل الويل لمن هذه حالته، ولمن يرضى بهذه الحالة، فالموت عزا خير من الحياة ذلا!

ويختم قصيدته بالإعلان عن فشل النخبة الحاكمة سواء، كانت مستحقة (الفحول البيض) أو غير مستحقة (الخصية السود) – في نظره – عن تحقيق طموحه، وإنجاز ما يراه جميلا بقوله:

وذاك أن الفحول البيض عاجزة — عن الجميل فكيف الخصية السود

فنحن أمام سداسية منسقة بطريقة عجيبة بدءا بالنفس، ومرورا بالمال (العناقيد)، والفن (الإعلام/ الشعر)، والمجتمع (الناس/ كذابين، ثعالب، نواطير) والنظام السياسي (اغتال… تمهيد)، ونتيجة ذلك تكون تيمة النقد والثورة على هذه المنكوسات! وواقع عصر المتنبي دال على ذلك، فقد شهدت الحِقبةُ التي نشأ فيها أبو الطيب تفكُّك الدولة العباسية وتناثر الدويلات الإسلامية التي قامت على أنقاضها، فكانت مرحلةَ نُضْج حضاري وتصدُّع سياسي، واضطراب وصراع عاشها العربُ والمسلمون. فالخلافة في بغداد انحسَرت هيبتُها والسلطان الفعليُّ في أيدي الوزراء وقادة الجيش ومعظمهم من غير العرب! ثم ظهرت الدويلات والإمارات المتصارعة في بلاد الشام، وتعرَّضت الحدود لغزَوات الروم والصراع المستمرِّ على الثغور الإسلامية، ثم ظهرت الحرَكاتُ الدموية في العراق كحركة القرامطة وهجَماتهم على الكوفة، كما سجّل المؤرخون وقرّروا.

من الماضي المتفكّك إلى الحاضر المنكوب

المسلمون مأمورون بالفرح في كل عيد رغم كل المآسي والآلام على الخارطة العربية والإسلامية، فالعيد مناسبة دينية للمحبة والتكافل والتضامن.. والتأكيد بأن الإيمان بالله اقوى من شرّ كل الشياطين التي تريد أن تطفئ نور الله..

وما زال لسان حالنا لا سيما تجاه القضية الفلسطينية يقول ما قاله المتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد — بما مضى أم بأمر فيك تجديد؟

فها هي ذي عصابة الصهاينة المأفونة تخرق عهدها في شهر رمضان المقدس، وتصب قنابلها المميتة المدمرة على إخواننا الصوام القوام العباد، المنكوبين في الضفة وغزة، وتقتل الآلاف وتشرد الملايين، يأتي العيد هذا العام والشعب الفلسطيني تحت رحى المظالم والقهر والاحتلال، وشلال الدماء ما زال ينهمر.. ومئات الآلاف من الفلسطينيين بلا مأوى ومحرومين من أبسط أساسيات الحياة: المأكل والمشرب والدواء… بل إنّ الكثير من الشهداء لا قبور لهم!

تلك الحالة العربية الدامية، وسط صمت دولي معهود، وخرس عربي، وتمزّق إسلامي، غير مألوف، فلا يوجد ناصر ولا معين ولا مغيث من (الفحول البيض)! بل يوجد (عبيد مناكيد)، ومخصيِّين سود وجوههم غبرة أعمالهم!

ومن ثم صار لسان كل عربي هذه الصرخة النّزارية:

أنا يا صديقة متعب بعروبتي — ‎فهل العروبة لعنة وعقاب؟

‎أمشي على ورق الخريطة خائفا — ‎فعلى الخريطة كلنا أغراب

‎أتكلم الفصحى أمام عشيرتي — ‎وأعيد … لكن ما هناك جواب

‎لولا العباءات التي التفوا بها — ‎ما كنت أحسب أنهم أعراب

‎يتقاتلون على بقايا تمرة — ‎فخناجر مرفوعة وحراب

كما أننا ما زلنا نردد مع الشاعر العباسي “الأبيوردي” ميمِيّته القدسية:

مَزَجنا دِماءً بالدُّموعِ السَّواجِمِ — فَلَم يَبقَ مِنّا عَرصَةٌ لِلمَراحِمِ

وَشَرُّ سِلاحِ المَرءِ دَمعٌ يُفيضُهُ — إِذا الحَربُ شُبَّت نارُها بِالصَّوارِمِ

فإِيهاً بَني الإِسلامِ إِنَّ وَراءَكُم — وَقائِعَ يُلحِقنَ الذُّرا بِالمَناسِمِ

أَتَهويمَةً في ظِلِّ أَمنٍ وَغِبطَةٍ — وَعَيشٍ كَنُّوارِ الخَميلَةِ ناعِمِ

وَكَيفَ تَنامُ العَينُ مِلءَ جُفونِها — عَلى هَفَواتٍ أَيقَظَتْ كُلَّ نائِمِ

وَإِخوانُكُم بِالشَّامِ يُضحي مَقيلُهُم — ظُهورَ المَذاكي أَو بُطونَ القَشاعِمِ

تَسومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وَأَنتُمُ — تَجُرُّونَ ذَيلَ الخَفضِ فِعلَ المُسالِمِ

وَكَم مِن دِماءٍ قَد أُبيحتْ وَمِن دُمىً — تواري حَياءً حُسنَها بِالمَعاصِمِ

وما زال موقفنا – تجاه هذه الإبادة الجماعية القذرة – سيئا سلبيا، يقتصر على التفجع اللساني، والتألم القلبي فقط! وحسبنا الله ونعم الوكيل في الصهاينة وأتباعهم.

سمر توفيق الخطيب (كاتبة وباحثة فلسطينية – لبنان)

تغيب أرجوحة الأطفال ولكن العيد لا يغيب في غزّة

تتوالى الأيام بسرعة، وها هو عيد الفطر السعيد يُطِلّ برأسه بعد أيام قليلة معلنًا انتهاء شهر رمضان، شهر الصّوم والعبادة والرحمة والخير والبركات، شهر المغفرة والعتق من النّار. ويُعدّ هذا العيد من شعائر الدّين الإسلامي ومظهر من مظاهره، حيث يُعبّر المسلم عن سروره بقدومه، وتبدأ تكبيرات العيد من غروب ليلة العيد وحتى انتهاء صلاة العيد.

فهذا العيد ينتظره كل مسلم ليحتفل بفطره بعد أن صام الشهر الفضيل، فيغتسل ويتجمّل ويرتدي أجمل الثّياب وقبل أن يذهب إلى الجامع لأداء صلاة العيد، وجِبَ عليه أن يتقيّد بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول “أنس” (711 – 795م)، رضي الله عنه: “كان سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمراتٍ، ويأكلهن وِتراً” أي بالمفرد (رواه البخاري).

وللنساء نصيب من مظاهر الاحتفال بالعيد، فيمكنهنّ المشاركة في أداء الصلاة في الجوامع، حيث يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات” أي غير متبرّجات. ومن مظاهر العيد أن يتبادل المصلون التّهاني والتّبريكات ويعمّ الفرح بين الجميع، وحتى أن بعض المصلّين يقدّمون الهدايا للأطفال لتشجيعهم على المشاركة في مثل هذه الاحتفالات، بحيث تصبح عادة يتبعونها وركنا أساسيا من حياتهم. كما أن هناك أناسًا يوزّعون الحلوى على المشاركين بصلاة العيد وآخرين يقدّمون الملابس للفقراء والمساكين، فالتّراحم والعطاء من مظاهر الشهر الفضيل وعيد الفطر السعيد وغيرها من المناسبات الدّينية.

وبعد الصّلاة يجتمع الأهل والأقارب لتهنئة بعضهم بعضًا وتناول وجبة الغداء، ومن ثم يعمدون إلى تبادل الزّيارات العائلية فيما بينهم.

أما الوضع في غزة فيمكننا أن نقول إنه يختلف نظرًا للظروف التّي تمر بها نتيجة الحرب، فها نحن في شهر الرّحمة، هذا الشهر الّذي أشرف على الأفول والنّاس في غزة لا يزالون يعيشون تحت وطأة الجوع والخوف، والكل حولهم يتفرج والبعض، بكل أسف، يصفق وينتظر هزيمتهم… فعسى ولعل من يسمع، ولكن وكما يقول الشاعر “عمرو بن معدي كرب بن ربيعة الزبيدي” (547 – 642م):

لقد أسمعت لو ناديت حيـًّا — ولكن لا حياة لمـن تنادي

ولو نارٌ نفخت بها أضاءت — ولكن أنت تنفخ في الرماد

فعلى الرّغم من الظلم والقهر والحروب الشعواء والمدمرة التي تستهدفه من قبل الصهاينة أعداء الله وأعداء الدّين بين الحين والآخر، وعلى الرّغم من كل الظروف، إلا أن أهل غزة لم يتخلّوا عن الاحتفال والتّعبير عن الابتهاج في العيد وفي كل عيد. إنهم أناس جبابرة “شعب الجبّارين”، يعيشون كأنهم راحلون غدًا، إذ يعشقون الشهادة، نعم إنهم طلاب شهادة لا يتوانون عن نصرة الحق ونصرة الدّين، ويفعلون ما يأمرهم الله به، يقول تعالى: “وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ” (القرآن الكريم، البقرة: 190)؛ وفي الوقت نفسه، يكافحون كأنبل وأشجع الفرسان ويتعلمون كأنهم سيعيشون أبد الدّهر، وبفضلهم تعلّم العالم بأسره معاني الحرية والتّحرر والنّضال، كونهم يحاربون بالأصالة عن أمّة بأكملها..

هذا الشعب الأبي والعنيد والصّامد أمام جبروت العدو الصهيوني، لا يعرف طريق اليأس ولا الانكسار، ولا يرضخ للهزيمة رغم الأيام الصعبة التي مرت ولا تزال تمرّ حتى لحظة كتابة هذا المقال. ولا بدّ أن نخص بالّذكر الحرب الأخيرة، التي عرفت باسم “طوفان الأقصى”، هذه الحرب التي قتلت البشر ودمّرت الحجر.. إلا أن لهذا الشعب إرادة قوية، إرادة الصمود والعزيمة على هزم عدو الله بكل ما أوتي من قوة ومهما كلف الأمر..

قد يكون هذا العيد مختلفًا على أهل غزة لأنّهم بلا مأوى ومحاصرون وممنوع عليهم كل ما يمتّ بصلة إلى مقومات الحياة من مأكل ومشرب وملبس ودواء… إلخ، ونيران العدو موجّهة مباشرة إلى صدورهم الحيّة، ويعيشون في ظروف سيئة جدًا لا يمكن لأيّ إنسان على وجه الكرة الأرضية أن يتحمّلها؛ ولكنهم مختلفون، نعم مختلفون، فقد تعلّموا كيف يتخطّوا الصّعاب فحملوا الشّعلة ليكملوا مسيرة الآباء والأجداد، فهم يقاتلون هذا المحتل الغاصب، تحت شعار “إما النّصر أو الاستشهاد”… شعب لا يكلّ ولا يملّ يريد استرجاع الأرض، وحتى لو استشهد آخر طفل في سبيل الله، سبحانه وتعالى.

وعلى الرّغم من كل ذلك، فإن فرحة العيد تليق بأهلنا النّازحين في غزة، فلا بد من أننا سنراهم وهم يتحضرون لمشهد جديد يحمل الكثير من الأمل في هذه الحياة، حيث ستجتمع النّسوة لتحضرن الكعك والمعمول في العيد؛ هذه الحلوى التّقليدية التي يمتزج طعمها بحلو الحياة ومرارة الواقع. فهؤلاء النّسوة دائما ما يردّدن إنهن يردن أن يَفرحن ويُفرحن أولادهن ويشجعوهم على الاستمرار متسلّحين بقوة الإيمان، فسنجدهن يخبزن “المعمول” على الحطب ليشعرن بأجواء العيد.

فأهل غزة هم جزء من شعب اعتاد تخطّي الجراح وتخطي الصّعاب، فسنرى نسائهن الجبّارات، كما في كل مرة، يتحضّرن للاحتفال بالعيد وتقديم الحلوى بما توفر لديهنّ من مكوّنات، ليزرعن البسمة على وجوه الأطفال، تلك الوجوه التي تكدّرت من كثرة العذاب والتّهجير من حي إلى آخر ومن مكان إلى آخر. إنهن نساء صابرات ومحتسبات، يكتمن الوجع ويضمّدن الجراح، تُركن وحيدات يتخبّطن للعيش تحت وطأة الحصار، ويقدّمن أولادهن فلذّة أكبادهن من أجل الجهاد في سبيل الله.

هو عيد يختنق فيه الفرح تحت الأنقاض ويتّشح النّاس بأمل عودة حياتهم إلى طبيعتها وأن يكونوا أحرارًا؛ نعم، وقريبًا بإذن الله. فلم ولن يتخلَّى أهل غزة عن الاحتفال بحلول عيد الفطر ولا بأيّ عيد آخر، فكما عوّدونا وكما أقاموا صلاة الأعياد السابقة على أنقاض مساجدهم المدمّرة، فإنهم سيفعلون ذلك دون هوادة؛ ونسائهم سيصنعن الكعك ومعمول العيد على أنقاض منازلهن؛ وهذا المشهد لا بد من أنه سيتكرر مرارًا بسبب الحروب المتتالية عليهم. إنهم، وببساطة، أناس تليق بهم الحياة، إنهم شعب يقتنص الفرص ليحظى بلحظات السعادة، هذه اللحظات القليلة ولكنه الرّجاء الدّائم بغد مشرق. فمهما حاول الاحتلال، فإنه لن يتمكّن منهم، لأنهم أناس متمسّكون بأرضهم وبالدفاع عن مقدّسات الأمة، كل الأمة وبفخر، ويستحقون، بل ويليق بهم العيش بسعادة وأمان، لأنهم يسعون لذلك، وكما يقول “محمود درويش” (1941 – 2008م):

وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ

وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ

وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ

وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ

وَنَزْرَعُ حَيْثُ أَقمْنَا نَبَاتاً سَريعَ النُّمُوِّ، وَنَحْصدْ حَيْثُ أَقَمْنَا قَتِيلاَ

وَنَنْفُخُ فِي النَّايِ لَوْنَ البَعِيدِ البَعِيدِ، وَنَرْسُمُ فَوْقَ تُرابِ المَمَرَّ صَهِيلاَ

وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا حَجَراً أَيُّهَا البَرْقُ أَوْضِحْ لَنَا اللَّيْلَ، أَوْضِحْ قَلِيلاَ

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا…

وقد تغيب أرجوحة العيد، نظرًا للحصار واستهداف المواطنين أينما ذهبوا وحلّوا، إلا أننا سنجد أن أهل غزة سيحاولون دائما أن ينفضوا عنهم غبار الحرب لأنهم عازمون على العيش بكرامة رغم كل الظّروف المحيطة بهم. فالوضع صعب جدًا ولكن الأفضل لا بد من أنه قادم، وقريبًا بإذن الله.

انتظروا وسترون بأمّ أعينكم، إنها أيام معدودة تفصلنا عن العيد، وسترون أهل غزة يقفون على ركام جوامعهم يؤدّون صلاة العيد، ويهنّئون بعضهم بعضًا بحلوله، مسرورين مبتهلين إلى الله عز وجلّ أن ينصرهم على كل من عاداهم. وربما قد لا نجدهم يرتدون الملابس الجديدة أو يضعون العطور للاحتفال كما ينبغي واقتداء بسُنّة رسول الله، صلى الله عليهم وسلم، نظرًا للظروف المعيشية التي طرأت على حياتهم بعد حوالي سنة ونصف من الحصار، ولكنهم لا بد من أن يشاركوا في الاحتفال، لأنهم متمسّكون بتعاليم الدّين الإسلامي ومتمسّكون بالعادات والتّقاليد التي تجعلهم حريصين كل الحرص على أداء شعائر العيد رغم الجراح والألم الكبير بفقد الأحبة، ولكن عزاؤهم أنهم قدّموا الشّهداء، فمن أفضل منهم ومن أحق منهم بالاحتفال بالعيد… هل من يخبرني؟

ولا بد من أن نتمنى من أطفال غزة أن يسامحونا على عجزنا أمام صمودهم، ويعذروا قلّة حيلتنا أمام قساوة الوضع والمشهد… ولكن يبقى الأمل بالله، سبحانه وتعالى، فقد وعدهم الله بالنصر والتّحرر من هذا العدو الذي لا يعرف الرّحمة ولا أيّ مفردة من مفردات الإنسانية… ونتمنى لهم عيدًا سعيدًا مع كل الحُبّ والاحترام؛ ولا بد من أن نتمنى أن يطفئ الله، سبحانه وتعالى، نار هذه الحرب على غزة وأن تكون بردًا وسلامًا على أهلها… والسلام.

د. عبد الوهَّاب برَّانِيَّة (جامعة الأزهر- مصر، معهد الوسطية وثقافة السلام – جيبوتي)

الأعياد ورسائل المحمول

ألا قبّح اللهُ الهواتفَ كلها — فتُمْنَى بإبكــــامٍ وثقـــــلِ مســـــامعِ

وتَعْمَى فلا ترنو لأي مناظرٍ — تصاب بداء العطب في كل مجمع

تصاب بأدواءٍ نظير قيامها — بتغيير عاداتٍ وصنع زعازع

لقد كان يأتي كلُّ عيدٍ بريفِنا — فتُفْتَح أبوابٌ لـغـــــادٍ وراجـــــع

فهذا يُهنّينا بعيدٍ، وغيرُه — يواســــي بيـوتـا قد أضيرت بفاجع

وجارٌ لنا يأتي كأن لم يلاقنا — فنلقاه يوم العيد لُقْيا السّمادع

وينتشر الآتون في كل شارع — بُعّيْد صلاة العيد من كل جامعِ

فما بالنا أضحى القليل يزورنا — من الأهل والجيران والصحب أجمع

فيأتي إلينا منهمُ غير واحدٍ — فنحصيهمُ عدًّا كعدِّ الأصابع

ولكن توافينا الهواتف بالذي — طوى صفحةً كانت بغير تصنُّع

رسائل تأتي في ثيابٍ قشيبة — ومضمونها خاوٍ كوبٍ مُرَقّعِ

فيا هاتفي المحمولَ لا كنت هاتفي — إذا لم تكن إلا شفاء مواجعي

فقد كنتُ مطبوعا قُبَيْلَكَ دائما — وصرتُ إلى ما صرتُ دون تراجع

فلا أنا راضٍ عن تغير طابعي — ولا أنـا مـخدوعٌ أقلـــــد خادعي

لقد ضاع وقتي في اقتفاء رسائلٍ — أتتني بإغزارٍ ولســـت بضالع

فهذا يُهنِّيني بكل جديدة — وآخر يبكيني بغير مدامع

فتنهال في يومي رسائلُ جمّةٌ — أرى جلّها يأتي لغير متابع

تشابهت الأشكال فالكل مرسل — رسائله للكل دون دوافع

ويزداد غيظ المرء من بعض صحبه — يقول أعِدْها كي تشنف مسمعي

فوالله ما أرسلت إلا رسالة — لنفع بها أو لاجـتلاب منافع

أهيب بكل الصحب ألا يبالغوا — فإني لهذا الزيف غيرُ مُطَالِعِ

يضيق بها صدري ولست بضائق — إذا صاغها أهل العقول اللوامع

فما عدتُ حفّالًا بأي رسالة — كأني أُضيع العمـر فـي غيـر نـافـع

فأين خطابات البريد بجيلنا؟ — لها عبقُ التاريخ بين الطوابع

بها جُمَلٌ تبقى على الدهر بيننا — فقد سُمِعَتْ بالقلب قبل المسامع

إذا ما أتت منها إلينا رسالةٌ – تجمِّعُنا ليلا لفض الروائع

فلله أزمانٌ مضتْ في بساطةٍ – نفيء إليها في الزمان المخادع

هند سليمان أبو عزّ الدين (باحثة وكاتبة من لبنان)

طفل فلسطيني في العيد

نظر إلى أغراضه المبعثرة على الأرض، ورفع رأسه إلى السّماء، وهو يُفكّر في لعبة تُفرح قلبه المليء بالخوف والألم، والمحاط بمناظر الأشلاء والدّماء، فهرب في خياله إلى أحلامه الضّائعة، وتذكّر رفيقه الصغير الذي كان يُقاسمه الضّحكات والألعاب، ويركض معه ليُسابق الفرح، علّه يسبقه، ويصنع من خيوطه أملًا وحياة، ولكنّه ذهب إليه ذات صباح، فلم يجد غير حطام منزل يبكي وحده ألم الفقدان.

لملم دموع الذّاكرة، وحاول أن يُحضر غطاء يقيه برد الشّتاء، لكنّه تعثّر بالذّكريات، فسأل نفسه قائلًا: “ألم أكن أعيش في بيت دافئ؟ فأين ذلك البيت؟ ولماذا أصبحت أسكن داخل هذه الخيمة التي أشعر فيها بالوحشة والغربة؟”، ثمّ تذكّر ألعابه التي تركها هناك، وقال: “ليتني أستطيع الحصول عليها الآن، لأنّني اشتقت كثيرًا إلى اللّعب”.

أحسّ بالضّيق يملأ صدره، ويلفّ ذراعيه حول رقبته، ليتركه أسير الأسئلة الموجعة، ويرميه في خضم الألم والحيرة، فشعر بشعور غامض يسيطر عليه، ويمنعه من النّوم، وحبس الدّموع في عينيه لأنّه، منذ زمن بعيد، سمع والده يقول: “إنّ الشّجاع لا يبكي”، وهو شجاع وقويّ لكنّه متعب وحزين، تحوم فوقه روائح الموت والدّمار، ويستبدّ به الحنين إلى مدرسته وكتبه ورفاق صفّه الذين ضاعت دروبهم ولم يعد يعرف عنهم شيئًا.

كان اللّيل يبدو موحشًا وغريبًا، ويداه ترتجفان من البرد، فتساءل قائلًا: “ألا يوجد بين أغراضي بطانيّة تمنحني الدّفء والأمان؟”، وقال: “يبدو أنّها بقيت هناك، في ذلك البيت، حيث تركتُ ألعابي، وغرفتي الصّغيرة، آه! كم أفتقدها الآن، وأشتاق إلى ألوانها الجميلة وملمسها الرّائع!”، وحاول أن يطمئن نفسه قائلًا: “سأعود إليها يومًا ما، سأعود إلى بيتي فأنا أحبّه كثيرًا، لذا سأعود إلى ذلك الشّارع لألعب مع رفاقي كرة القدم”.

تذكّر حديث والدته حين أخبرته عن يوم العيد، ووعدته بأنّها ستحضر له ثيابًا جميلة، إذا بقي ذلك المحلّ القابع في أوّل الشّارع صامدًا تحت أصوات القذائف والرّصاص، وهو الآن يحلم بارتداء هذه الثّياب، في الوقت الذي يهاجمه فيه سكون اللّيل مكشّرًا عن أنياب صقيعه وعتمته وصمته، لذا نظر إلى ساعته الصّغيرة وقال: “سأنتظر يوم العيد”، ووعد نفسه بقدوم ذلك اليوم الذي سيذهب فيه مع أمّه إلى المتجر، وبدأ يتخيّل ثوبه قائلًا: “أريد بنطالًا أسودا، وسترة بيضاء، وحذاء يشبه الحذاء الذي ينتعله والدي، فأنا أصبحت كبيرًا، ويجب أن أرتدي ثيابًا تُشبه ثياب الكبار.”

واقتحمته رغبة في إيقاظ أمّه لتستعدّ معه لاستقبال العيد، لكنّه تذكّر أنّها أمضت يومًا متعبًا في إعداد الطّعام بعد أن سعت جاهدة إلى الحصول عليه، فهو يشعر أنّ والدته تُعاني بصمت، لأنّه رآها، ذات مرّة، تبكي، فسألها: “ما بك يا أمّي؟”، فأخفت دموعها خلف ابتسامة حزينة، وقالت: “لا شيء، اذهب للّعب”، ثم أردفت قائلة: “ما أجمل وجهك يا بنيّ! يا تُرى هل سأستطيع أن أراك شابًّا ناجحًا ومتفوّقًا في عملك كما كنت أحلم دائمًا؟”.

لم يفهم معنى كلامها، لكنّه منذ ذلك اليوم يتملّكه إحساس غريب يدفعه إلى البقاء قربها، فهو يخاف عليها كثيرًا ويخشى فقدانها، وينتظر بفارغ الصّبر الموعد الذي سيذهب معها فيه إلى المتجر لشراء الثّياب.

وفي يوم العيد، جهّز نفسه، وأحضر نقودًا كان قد خبّأها في حصّالة صغيرة، وأمسك بيد أمّه ليذهبا معًا إلى السّوق، فأحسّ أنّ قلبه يخفق بشدّة وبدأ يقفز طوال الطّريق، لأنّه لم يشعر بهذا الفرح منذ وقت طويل، وبعد طول انتظار وصلا إلى المتجر، فأخذ يتفحّص ثيابه الجميلة.

وفجأة، سمع دويّ انفجارات عنيفة، فسقطت نقوده، وتطايرت قطع الثياب الملوّنة في كلّ مكان. راح ينظر إليها…

سامر المعاني (كاتب من الأردن)

يا عيد هل تعيد الحياة إلى الحياة؟

ربما يرتبط العيد دائما بالفرح الغامر للجميع بعد انتهاء عبادة شاقة لثلاثين يوما والتزامات وطقوس روحانية وغير روحانية.. فيفرح من أتعبته كثيرا، ويفرح الأطفال بيوم ولباس جديد، وتفرح اللقاءات والزيارات وكل الأرحام والعلاقات التي أثبتت وصالها.

منذ خمس سنوات تغيرت معالم وطقوس العيد وأصبح يسيطر على الناس الخوف ووجعٌ في القلب يظهر على الوجوه التي ربما تخفيه عن أعين الأطفال والناس.

“كورونا” وما إن انتهت وبعدها بعامين ظهرت أحداث غزة والحرب الصهيونية على فلسطين العربية، فتعبت القلوب وانحرقت الدموع وبات الوجع يمتد ويمتد ليطال الصغير والكبير، مبتدئا بالخوف والجوع والحرمان الذي أجهد الجميع ولفترة طويلة، وبشراسة وبشاعة تغتال وتقتل هذه العصابة الصهيونية البشرَ والحجر لتصبح المدائن رمادا ويصبح الوطن في مواجهة الفناء والإبادة والتطهير العرقي.

لقد أصبح العيد مشاهد تملأ التلفزة وهواتفنا وذاكرتنا بالتهافت على الطعام والردّ.. والفيضانات وبتر الأعضاء وأصوات النجدة والعويل ووداع الأحبة..

لقد أصبح العيد كلمات تتناثر من حولنا بوجع وطن معتقل يُهدّد بالزوال، وعالم عربي محبط بالهوان والذل وعدم القدرة على فعل أيّ شيء، وصوته عبارة عن أصداء وطلاسم ليس لها معنى ولا حضور، والعالم المتجبّر المتكبّر لا يحمل قداسة لدم الأطفال، ينتصر للظالم ويسوّغ قتل المظلوم، ويمنح المغتصب الحق ويتجنّى على المهزوم.

في العيد ضباب قاتم لمستقبل المنطقة بأكمله لا أحد فيه قادر على معرفة الواقع وما تخبّئه الأيام القادمة لعدو مجرم وقاتل يجرف الأخضر واليابس بحجة أنه يحقق كلام “توراته” التي تعطيه حقا من البحر للبحر، أي من النيل إلى الفرات فالأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر والسعودية.. هم يتمنّون تلك الأكذوبة التي يمضون إلى تحقيقها.

العيد من الله لعباده هدية من الفرح والثقة النفسية التي فيها يستشعر الناس بجمال الحياة وقيمة العطاء، بينما تملأ دنياهم الأوجاع والحسرة والخوف والضعف والإحباط واليأس والزهد بالحياة التي لم تعد تحمل أيّ قيمة وأيّ قداسة لشيء.

نعم لقد أثرت القضية الفلسطينية وجميع القضايا العربية في كل البلاد التي مرغت أنفها الحروب داخلية كانت أو خارجية على هويتها وطقوسها وعاداتها وتقاليدها كالحرب على لبنان والعراق والحروب الداخلية في سوريا والسودان واليمن وأزمة التهجير والخوف من المجهول والفقر.. التي تنتاب كثيرا من الدول ليصبح الجميع في زاوية واحدة من اليأس والغضب والتأفف.

القضية الفلسطينية تمرّ بأكبر أزمة وجود منذ نشبت وفي كل أزماتها لم تكن بهذه الصعوبة والتأزم، فالعيد لن يكون حنونا ولن تكون أغاني الأطفال ولباس العيد.. بهيجة فهي ذابلة، والحلوة منها مرّة، والابتسامات دموع.. رجاء أن تعود الحياة إلى الحياة.

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)

ليتني بقيت طفلة تفرح بالعيد!

منذ سنوات، كان العيد أجمل مناسبة بالنسبة لي. أذكر جيدا حين كنت طفلة لا تعرف سوى الفرح والأمان، كيف كنت أفرح لقدوم العيد. فقد كنت أذهب إلى السوق برفقة والدي وشقيقتي، لنقوم بشراء ملابس جميلة للعيد.

وعند عودتي إلى المنزل، كنت أضع ملابسي الجديدة في الخزانة، وفي كل يوم أتفقدها، لا أعلم بماذا كنت أفكر حينها، هل كنت أظن يا ترى أن ملابسي ستختفي قبل قدوم العيد؟!

لا أعلم، ولكن ما أدركه جيدا أن بهجتي للعيد مع مرور السنوات هي التي اختفت، فأجدني اليوم أفتح الخزانة علّي أجدها مختبئة فيها خوفا من العالم. أليس هذا العالم مكانا مخيفا؟!

كل الآلام والمآسي التي يتسبب بها البشر، تجعل العيد صعبا والفرحة لقدومه خجولة. فالآلاف من الأرواح تغادر هذا العالم ظلما وبأبشع الطرق، ولا يوجد من يوقف هذه المهزلة.

لا أعرف كم مرّ من الوقت على الإبادة التي تجري في فلسطين الحبيبة، ربما لأن الوقت فقدَ معناه أمام شلال الدماء الذي لا يهدأ، لكن ما بتّ أعرفه هو أن من يملك ضميرا سيستحي من الذهاب والتجهّز للعيد كما لو أن كل شيء على ما يرام.

كيف نفرح وننسى الأطفال الذين يموتون بالجملة؟! كيف نشتري ما لذّ وطاب، وهنالك بشر في بقعة جغرافية غير قادرين على شراء رغيف الخبز؟! والسؤال الأهم، كيف سننظر إلى أنفسنا في المرآة ونحن نعيش حياتنا بينما يفقد آلاف الأبرياء حياتهم لا لشيء، سوى لتمسّكهم بأرضهم وأصلهم وموطنهم؟!

إسمحوا لي بالعودة قليلا إلى ذكريات الماضي الجميل، ولأعود بالذاكرة إلى يوم العيد تحديدا. كنا، أنا وأختي، نستيقظ باكرا، كما لو أننا نخاف أن نُضيع أيّ لحظة من لحظات العيد، نرتدي ملابسنا بسعادة ونقف لنعيد والدينا، منتظرتين عيديتنا بفارغ الصبر. بعد ذلك نسمح لأنفسنا بأخذ قطعة شوكولا بنهمٍ كما لو أننا لم نتذوّق عشرات القطع منها خلال الأيام القليلة الماضية.

ثم كنا نجد أنفسنا نجلس في السيارة، مُتوجّهين نحن الأربعة إلى منزل جدّي في القرية المجاورة لقريتنا. كنا حينها نقوم بعدّ الدقائق لكي نصل، ونتأمل المناظر الطبيعية من الشباك. كم كانت لحظات جميلة ومليئة بالفرح والطفولة والبراءة! وحين كان أبي يوقف السيارة، كنا نركض بسرعة لكي نعايد جدّي وجدّتي، فيعانقاننا ويقبلاننا، ومن ثم نجلس سويا.

كانت أحاديث جدّي وجدّتي لا تنتهي، أو الأصحّ أنني حين كنت في ذلك السن ظننت ذلك، لكنني كبرت وأدركت الحقيقة المرة: لكل شيء نهاية. رحل جدي عن هذه الدنيا مخلِّفًا وراءه الكثير والكثير من الذكريات التي ستبقى عالقة في قلوب من أحبوه إلى الأبد، أما جدّتي، فقد أتعبتها السنوات. باختصار، منزل جدّي لم يعد كما كان سابقا، ومع تغيّر حاله تغيّر العيد بالنسبة إليّ كثيرا.

لكن رغم كل الأسى، يبقى العيد رمزا دينيا ومن الإيمان أن نفرح ولو قليلا بقدومه، ولنستغل هذه الفرصة لندعو لإخوتنا في فلسطين، أولئك الذين يحملون همّ الأمّة كلها فوق جباههم وفي أعناقهم، مقدّمين أرواحهم قربانًا، دعونا نستغرق في الدعاء بأن يحمل هذا العيد لهم السلام، فهم أكثر من يستحقونه، دعونا نستغرق في الدعاء بالرحمة لكل الأرواح التي فارقتنا ولنهنّئ بعضنا البعض بقدوم العيد عسى ولعلّ الأيام القادمة تحمل معها سعادة اشتقنا لتذوّقها.

ليا الترك (طالبة إعلام في جامعة بيروت العربية – فلسطينية/ لبنان)

أعياد من تحت الركام

بأية حالٍ عدتَ يا عيد؟ كيف استطعت أن تشقّ طريقك إلى أرضٍ لا تعرف سوى البكاء والصمود؟ كيف تجرؤ على العودة إلى وطنٍ يفتّش فيه الأطفال عن أملٍ مسحوقٍ؟ وتبحث فيه الأمّهات عن بقايا من ضحكاتٍ دفنتها الحرب في القلوب؟ في عالمٍ باتت فيه الأعياد مجرد تاريخٍ يُسجّل على الورق، ويُعلن عن قدومه عبر الشاشات وكلمات التهاني المعلّبة، يبقى الفلسطيني وحده أمام الحقيقة العارية: حقيقة عيدٍ مُشوّه المعاني، محاصرٍ بالدماء والأنين والألم. هنا، في فلسطين، لا يملك العيد فرصةَ الوصول بثوبه الأبيض الطاهر، فلا يزال ملطّخًا برماد البيوت المهدّمة وأصوات البكاء المكتومة.

يا عيد، أيها الزائر الذي يُفترض أن يحضر معه الفرح والسلام، كيف تقف هنا عاجزًا أمام مشاهد الموت التي تسكن الزوايا؟ كيف تتجرّأ على دق الأبواب وأنت تعلم أن وراءها أرواحًا لم تعرف للراحة معنى، ولم تتذوّق سوى طعم الفقد والخذلان؟  لقد تحوّل العيد في فلسطين إلى لوحة مشوهةٍ بالألم. أصبحت تكبيراته صرخاتٍ مكتومة تتحدّى العالم الذي اختار الصمت أمام وجعٍ يتجدّد كل يوم. ما معنى العيد في أرضٍ اعتاد أهلها على الاستيقاظ على صوت القنابل بدلًا من أصوات المآذن؟ في أرضٍ تغتسل صباحاتها بالدماء، وتُطعن لياليها بغدر الاحتلال؟

في عالمٍ “عادل”، كان من المُفترض أن يكون العيد لحظاتٍ من الفرح الطفولي والضحكات المجلجلة بين الأصدقاء. لكن هنا، أصبح العيد مناسبةً للمواجهة مع الواقع، وجهاً لوجه مع القهر المستمر. كيف يحتفل الفلسطيني بالعيد وهو يرى أطلال منزله الذي كان يحتضن ضحكاته وذكرياته؟ كيف يفرح وهو يعيش في عالمٍ لا يعترف بحقه في الحياة بكرامة؟ يا عيد، ماذا بقي لك هنا من معنى؟ ما زال قدومك يشبه موعدًا متكرّرًا مع الألم، حين يتجدّد الجرح القديم، ويُفتح كتاب الأحزان على صفحاته التي لم تُطوَ أبدًا. كل عيدٍ جديد هو توثيق لذكرى شهداء جُدد، وبيوتٍ هُدمت، وأحلامٍ طُحنت تحت جنازير الظلم.

أمّهات فلسطين يستقبلنك بقلوبٍ مثخنة بالشوق، يزرعن على موائد العيد كرنفالاتٍ من الحزن، يفتحن نوافذ الذاكرة على أبنائهنّ الشهداء، يتلمّسن صورهم كما لو كانت أبوابًا للنجاة من اليأس. كيف لهم أن يفرحوا وأبناؤهم غادروا بلا وداع؟ كيف للأم أن تغزل ابتسامةً على شفتيها وهي تدرك أن العيد بالنسبة لها مجرد يوم آخر تُطعم فيه ذاكرتها وجعًا إضافيًا؟

أما الآباء، فهم الذين ما عادوا يعرفون للعيد طعمًا ولا معنى. رجالٌ يتجوّلون بين بقايا المنازل المحترقة، يبحثون عن أجزاء ضائعة من حياةٍ قضوا أعمارهم في بنائها. تقف نظراتهم معلقةً على جدرانٍ سوداء، كأنهم يقرؤون على الصخور آيات من الذكريات التي اختنقت تحت وطأة الحرب.

وأما الأطفال، أولئك الذين كان يجب أن يكون العيد لهم أسطورة من الفرح الخالص، فهم اليوم يكبرون قبل أوانهم. عيونهم الصغيرة لم تعرف للبراءة طريقًا، تُفطم على وقع الرصاص وأصوات الانفجارات. كيف للعيد أن يُزهر في قلوبهم وهو محاصرٌ بالخوف والحزن؟ كيف للطفولة أن تنمو في أرضٍ تُغتال فيها الأحلام كل يوم؟

أيا عيد، إن كنت حقًا تأتي بالسلام، فكيف لك أن تجرؤ على المرور من بين الركام؟ كيف تتجاسر على الدخول إلى بيوتٍ تحوّلت جدرانها إلى شواهد للآلام؟ العيد هنا في فلسطين ليس مناسبةً دينية عابرة، بل معركة يومية مع الواقع. فكيف لهم أن يحتفلوا وأرضهم تُسرق تحت أقدامهم؟ كيف لهم أن يتبادلوا التهاني وأصوات البكاء تعلو على أصوات الأغاني؟

لكنّ الفلسطينيين يا عيد، لا يُهزمون. هم الذين يواجهون أوجاعهم بابتسامةٍ تصارع الموت، هم الذين رغم كل ما يحيط بهم من خرابٍ وتنكيل، يصنعون من كسرة خبزٍ وأكواب شايٍ مرّ مذاقهما نشيدًا للحياة، ويحوّلون تلك اللحظات الصغيرة إلى احتفالات مقدسة، يعلنون فيها أن الحياة ما زالت تجري في عروقهم رغم أنف الموت. فأنت يا عيد، وإن كنتَ هنا كالظلّ الثقيل، فإنهم يجعلون منك شمسًا تضيء قلوبهم.

وفي زوايا البيوت المهدّمة، وبين الأزقة الضيّقة التي تخنقها ذكريات الألم، يقف الفلسطينيون متحدّين، لا يهابون الحزن ولا يرتضون الذلّ. هم الذين ينقشون من صمودهم نشيدًا خالدًا، ومن آلامهم جسورًا تعبر نحو غدٍ يتطلّعون إليه رغم كل شيء. فما العيد إلا اختبارٌ آخر لتلك الإرادة التي تأبى الانهزام.

يا عيد، إنهم يستقبلونك كمن يرفض أن يترك للظلم مجالًا للانتصار. يضعون على مائدتك البسيطة قصصًا من الصمود، وينسجون من كل يومٍ جديد قصةً من التحدّي. يلقون بأحزانهم جانبًا، ولو مؤقتًا، كي يعلنوا أن الحياة لا تزال تجري في عروقهم.

إنهم، رغم مرارة الواقع، يحلمون بالعيد كما يجب أن يكون: فرحًا نقيًّا لا تشوبه الدماء، وحريةً تُحلّق فوق سماءٍ طاهرة. هم الذين يتشبثون بالأمل كما الغريق يتمسّك بقطعة خشبٍ مكسورة، فالفلسطينيون لا يعرفون الاستسلام، ولا يعترفون بالفناء. يُحاربون بضحكاتٍ تولد من رحم البكاء، ويواجهون الغدر بكلماتٍ تخرج من أفواههم كالسّهام. يصنعون من كل لحظةٍ قاسية لوحةً جديدة من التحدّي، يعلنون فيها أن الحق لا يموت، وأن الشمس ستشرق حتمًا على أرضهم من جديد.

إنها ليست كلمات تُقال على سبيل الحزن العابر، بل هي صرخاتٌ تختنق في الحناجر… حناجر من لا يملكون إلا الصبر والصمود. صرخاتٌ تتحدى كل محاولات الطمس والخذلان. إنها صرخة الحق التي لا تموت، وإن طال الزمان. فلماذا، يا عيد، لا تحمل في قدومك شيئًا من الإنصاف؟ لماذا لا تنقذ طفولةً مسلوبة وأحلامًا محطَّمة؟ لماذا لا تحمل معك شمسًا جديدة تسطع على أرضٍ لم تعرف إلا الظلام؟

أيها العيد، تعود إلينا كل عام، ونحن ما زلنا نحاول أن نجد لك مكانًا في حياتنا. نحاول أن نرسم ابتسامةً على وجوهنا رغم الوجع، ونحاول أن نُحافظ على الأمل حتى وإن كان باهتًا. إن كنتَ تستطيع أن تأتي يومًا محمّلًا بالسلام، فافعل. إن كنتَ تستطيع أن تعيد للأمهات أبناءهنّ، وللأطفال طفولتهم، وللآباء بيوتهم، فلا تتردد. وحتى ذلك الحين، سيبقى الفلسطينيون يبتسمون رغم كل شيء، يبنون أعيادهم من رماد الدمار، يكتبون أملهم بحروفٍ لا تموت. سيظلون يرحّبون بك يا عيد، كل عامٍ بقوةٍ أكبر، وإيمانٍ أعمق، وإرادةٍ أشد صلابة. لأنهم ببساطة، لم يتعلموا الاستسلام، ولن يتعلموه أبدًا.

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية – لبنان)

فلسطين الصمود والأمل.. العيد الحقيقي يوم تتحرّرين

ها هي ثلاثون ليلة من الطُّهر والسكينة تودّعنا واحدةً إثر أُخرى، محمّلة بالدعوات التي صعدت إلى السماء، تاركة خلفها أثرًا من الروحانية والسلام. يقترب العيد ليطرق أبوابنا وشوارعنا، وكأنّه جبر لخواطرنا على فراق رمضان، يمدّ إلينا يد الفرح بعد شهر من الصيام والقيام، ولكن، كيف سيكون هذا العيد؟ هذا العام كلّه استثنائي، فهل يكون العيد استثنائيًا أيضًا؟

كيف حالكِ يا فلسطينتي؟

أخجل حتى من السؤال، فما يُعرض على الشاشات ليس سوى جزء لا يُذكر من معاناتكِ، مجرّد أرقام تُحصي شهداءكِ، وكأنّهم لم يكونوا يومًا أرواحًا نابضة بالحياة، كأنّه لا أمّ تنتظر كلّ واحدٍ منهم، أتُراهم قُطعوا من شجرة؟ آه يا شجرة الزيتون كم خُلِعت لأجلكِ أرواحٌ خشية ألّا تُخلَعي! ألم يكن لكلّ شهيدٍ في أرضك المقدّسة قلب يخفق بالحب والأمل؟ متى صار الشهداء مجرد أرقام؟ متى أصبح موت الأطفال مشهدًا عابرًا؟

لطالما حمل العيد نفحةً خاصة، ثيابٌ جديدة، نسائم هادئة، عيونٌ تبرق فرحًا، حلوياتٌ وهدايا وألعاب لا تُحصى. لكنّ عيدكِ هذا العام مختلف، سيكون استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أطفالكِ سيرتدون أثوابًا بيضاء ناصعة، خالية من الدماء، شبابكِ سيكونون بأمان، ولكن في رحاب السماء، حيث لا خوف ولا ألم. أما أمهاتكِ المفجوعات، فقد لا تندمل جراحهنّ أبدًا، لكنّ عزاءهنّ أنهنّ أنجبنَ أبطالًا نقشوا أسماءهم على جدران الخلود.

منازلكِ التي كانت يومًا عامرة بالحب صيّرتها المسيّرات أكوام أحجار، وحوّلها النَّجَس الصهيوني أطلال أحلام، لكنّها ستبقى قصورًا شاهقة في قلوبنا، لا تهدمها آلة الحرب ولا يمحوها الدمار. أزقّتكِ التي كانت تضجّ بالحياة، ارتداها الصّمت لباسًا، إلا من أنين الناجين تحت الركام. شرفاتكِ التي اعتادت على زينة العيد، باتت تطلّ على مشاهد الفقد والخراب، حتى ألعاب أطفالكِ، تلك الأحصنة الخشبية والطائرات الورقية، صارت شاهدة على براءة مذبوحة، على أحلام لم تكتمل.

أتعلمين يا فلسطينتي؟

حتى من وضعوا طاولة المفاوضات على جثث أبنائكِ، سيحاولون التظاهر بالحزن والوقوف إلى جانبكِ، سيطلقون التصريحات الباردة، وسيرتدون أقنعة الحزن الكاذب. لكنكِ تعرفين حقيقتهم، كما تعرفين أن زيتونكِ سيبقى شامخًا، صامدًا، متجذّرًا في أرضكِ، لا تهزّه رياح الخيبات ولا عواصف الخيانة.

آهٍ يا فلسطينتي…

علّمونا أنّ الفرح في العيد جزءٌ من شعائر الدين، ولكن كيف نفرح وأنتِ تنزفين؟ كيف نستقبل العيد وهناك من يستقبله بالكفن الأبيض؟ كيف نزور المقابر ونهمس “كل عام وأنت بخير” لمن غادرونا بلا وداع؟ ربما تقولين إني أحلم، وربما يكون عيد الشهداء أجمل وأطهر، حيث يلتقون بمن أحبّوا في رحاب الجنّة، بعيدًا عن هذا العالم المليء بالخذلان.

فلسطينتي… عيدكِ الصمود والأمل

لكن رغم كل شيء، ستبقين عنوان الصمود، سيبقى شعبكِ متمسّكًا بغصن الزيتون، سيبقى أطفالكِ يركضون بين الأزقّة، يصنعون من الألم قصّةً، ومن الجراح ملحمةً. سيكبرون وهم يحملون في قلوبهم أسماء الذين رحلوا، سيكبرون وهم يؤمنون أن الأرض حقّ لهم، وأنّ العيد الحقيقي يوم تتحرّرين.

كوني بخير، يا حبيبة الخير، فأنتِ لا يليق بكِ إلا الخير.

وفاء داري (كاتبة وباحثة من فلسطين)

“بأية حال عدت يا عيد؟”… سؤالٌ يخترق الزمن ويستقر في جراح الأمة

العيد بين شعر “المتنبي” والواقع الفلسطيني

“عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟ — بِما مَضى أمْ بأمرٍ فيكَ تجديدُ؟”، هكذا تساءل “المتنبي” قبل ألف عام، والذي يرن صداه في أذهاننا كل عام مرتين، يكتسب هذا العام دلالات جديدة، أكثر عمقًا وأشدّ ألمًا، وهو يتردد في شوارع غزة المدمرة، بين أنقاض البيوت التي كانت بالأمس عامرة، وفي قلوب أمهات ثكالى فقدن فلذات أكبادهن. وكأنه يخاطب عيدنا اليوم!

فالعيد، بوصفه مناسبةً دينيةً واجتماعية، لم يكن يومًا مجرد طقسٍ عابر، بل هو مرآةٌ تعكس أحوال الأمم. لكن كيف يُحتفى بالعيد حين يُعلَن الموتُ على شعبٍ بأكمله؟ كيف تُرفع التكبيراتُ وتُوزع الحلوى وتُلبس الثياب الجديدة، بينما تُحاصر الروحُ بأسئلة الوجود والعدم؟ كيف يمكن للعيد أن يحافظ على معانيه في زمن الموت والدمار، وكيف يمكن للمسلمين أن يمارسوا شعائر الفرح في ظل هذه المعاناة الإنسانية، (عيد في ظل المأساة).

هذه التساؤلات التي تُلقي بظلها على الشعب الفلسطيني، الذي يُحيي عيده تحت ركام المنازل، وبين قبور الشهداء الذين حُرموا حتى من شاهدٍ يُخلّد أسماءهم. العيد رمز الفرح والبهجة، يأتي هذا العام محمّلاً بعبق الدموع ورائحة البارود. تشتت عوائله، وسلبته أبسط مقومات الحياة. كيف يمكن للعيد أن يحتفظ بمعناه في زمن الموت المعلن؟ كيف يمكن لتكبيرات العيد أن تعلو فوق صرخات الثكالى وأنين الجرحى؟

في فلسطين، العيد ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو صراع مستمر بين الأمل واليأس، بين الحياة والموت. هو تحدٍّ للظروف القاسية، وإصرار على التمسك بالفرح رغم الألم. هو محاولة لترميم الروح الممزقة، وإحياء الأمل في غدٍ أفضل.

العيد في فلسطين هو ذكريات طفولة تملؤها أصوات المراجيح وضحكات الأطفال، هو رائحة الكعك المنزلي الذي كانت تعده الجدات بحب، هو فرحة الثياب الجديدة التي كانت تمنح القلوب بهجة لا تضاهيها بهجة. لكن هذه الذكريات، رغم جمالها، تحمل في طيّاتها مرارة الواقع، واقع الاحتلال، والحروب، والحصار.

في فلسطين، العيد هو صرخة في وجه الظلم، شعبًا يئنّ تحت وطأة المعاناة، لكنه يرفض الاستسلام. العيد في فلسطين هو إيمان راسخ بأن النصر قادم لا محالة، وأن الظلم لن يدوم، وأن فجر الحرية سيشرق يومًا ما. هو إيمان بأن تكبيرات العيد ستظل تعلو فوق كل الأصوات، وأن الأمل سيظل يضيء دروبنا مهما اشتدت الظلمات. ولا زالت الأذرع مفتوحة لمعانقة العيش بسلام على أرضها.

العيد في الموروث الثقافي… بين الفرض الديني والواقع المأسوي

الإسلام جعل للعيدين (الفطر والأضحى) فلسفةً عميقةً؛ فهما مناسبتان لـ “تجديد العهد مع القيم الإنسانية” كالتضامن والمحبة، وفرصةٌ لـتذكير الإنسان بضعفه أمام القدرة الإلهية، خاصةً في الأضحى حيث تُقدَّم الأضحية رمزًا للتسليم. وفرحة عيد الفطر بعد شهر الصيام والقيام والتجليّات الروحانية. لكن الفلسطيني اليوم يُقاد إلى سؤالٍ مرير: كيف يُفرَح بالعيد والشعب يُذبح تحت ذرائعَ تتناسل كالسرطان؟ هنا يتحوّل العيد من طقسٍ ديني إلى (فعل مقاومة)، حيث تُصبح التكبيراتُ هتافاتٍ ضد الظلم، والزياراتُ العائليةُ تأكيدًا على التماسك الاجتماعي رغم التشريد.

فالفرح هنا ليس إنكارًا للمعاناة، بل هو “إصرارٌ على الحياة”، كما قال الشاعر “محمود درويش”: “نحن أحقُّ بالحياةِ إذا ما متْنا… نُقيمُ المواكبَ في جوفِ الليلِ”. رغم عدم وجود بيت في فلسطين منذ أكثر من 75 عام؛ لم تمزّق الألآم والتنكيل أهلَه؛ وكانت شاهدة على ذلك جدرانه، لم تخدش وجه أمله أيادي الطغيان؟ لم تُسرق الطفولة من أبنائه، هل هناك بيت خلا من معتقل، من أسير، من شهيد، من جريح، من مبعد، من مهاجر، من نازح، من مُهجّر؟

ماذا عن غزّة، حيث تُحاصر بالأطنان الحديدية والركام، يُعيد الأطفالُ اختراع الفرح: يلعبون بين الأنقاض بدمى مُصنّعةٍ من بقايا الصواريخ، ويُزيّنون الخيامَ بأوراقٍ مُمزّقةٍ من الكتب المدرسية. العيد هنا (مقاومةٌ بالذاكرة)؛ فالأمهات يُحاولن إعداد حلوى العيد من الدقيق المُتبرَّع به، بينما يُردّدن لأطفالهن حكاياتِ الأعياد الماضية، حين كانت الأسواقُ تزخرُ بالألوان، وكانت العائلاتُ تجتمع حول موائدَ عامرة. لكن الذاكرةَ نفسها تُصبح جُرحًا نازفًا: فالكثيرون فقدوا أحبّاءهم في الأعياد السابقة، وصارت “تهنئة العيد” تعني لبعضهم زيارة المقابر الجماعية. ومع ذلك، فإن (الضحكة الفلسطينية)، رغم اختلاسها، تظلُّ إعلانًا أن الموتَ لم ينتصر بعد، كما كتبت الروائية “سحر خليفة”: “نحن نضحك لأننا نعرف أننا سنبكي”.

التكبيراتُ بين السماء والأرض… سؤال الصمود والتهليلات في زمن الموت 

“الله أكبر”، تهزُّ هذه الكلماتُ الأجواءَ في صباح العيد، لكنها تُصطدم بالواقع الفلسطيني الذي يتساءل: أيُمكن أن يظلَّ الإيمانُ قويًّا حين يُشاهد طِفلهُ يُدفن تحت الأنقاض؟ هذا السؤال يُعيدنا إلى الجدل الفلسفي القديم حول (الشرّ والعدل الإلهي).  لكن الفلسطيني اختصر الإجابة بـ (فعل الإيمان ذاته)؛ فمواصلةُ الصلاة وإقامةُ العيد تحت القصف هو انتصارٌ لروح الإنسان على آلة القتل. هنا يتحوّل العيد إلى “منظومة قيمٍ دينية وأخلاقية” تُجسّد قول “علي بن أبي طالب” (كرّم الله وجهه): “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”، لكن الفلسطيني يرفض أن يقتله الفقر؛ كما يرفض أن يقتله الاحتلال. إذًا؛ التهليلات في ظل الظروف الراهنة، تثبت كيف يمكن أن تكون مصدرًا للقوة والصمود.

العيد في الأدب الفلسطيني… سردية الألم والأمل

الأدب الفلسطيني، من “غسان كنفاني” إلى “إبراهيم نصر الله”، حوَّل العيدَ إلى استعارةٍ للصراع بين الحياة والموت. في رواية “رجال في الشمس”، يموت الفلسطينيون اختناقًا في صهريج ماء، بينما العالم يحتفلُ بالعيد. أما في شعر “فدوى طوقان”، فالعيدُ يُصبح حنينًا إلى زمنٍ كان فيه الفرحُ ممكِنًا: “عيدُنا يمرُّ كالحلمِ… نبحث عنه في الركام”.  هذه النصوص تُظهر أن العيدَ الفلسطينيَّ تحوّل إلى “وعي جمعي”، و”ثقافة الوعي”، فلم يعد مجرد يومٍ في التقويم؛ بل صار (رمزًا للهوية المتمسكة بالحياة)، حتى لو كانت الحياةُ تحت الأنقاض وبين الركام.

ختامًا..

العيد قادم… بين اليأس والأفق المفتوح “بأية حالٍ عُدتَ يا عيد؟”.. قد لا نجد إجابةً سهلةً، لكن الفلسطيني يُجيبُ بالدمِ الذي يُروي الأرض، وبالضحكةِ التي تُزهر بين الرصاص، وبالصلاةِ التي تُهزُّ أركانَ الكون. العيدُ هنا ليس انفصالًا عن الألم، بل هو (إعادة تعريفٍ للفرح)؛ فرحٌ لا ينسى الجراح، لكنه يرفض أن تستعبده. وكما قال “محمود درويش”: “سنحتفلُ لأننا أحياءٌ… ولأن أعداءنا يخافون من ذكرياتنا”.

عندما يهتف الفلسطيني الصغير والكبير منذ عقود “بالروح بالدم نفديكِ يا فلسطين”، ليست شعارات وأهازيج؛ بل قناعات وعقيدة، على هذه الأرض ما يستحق الحياة والشهادة، والصمود، والأمل، والفرح. العيد عبادة كما الصيام ونؤجر عليه، نعم نعترف، حتى لو كانت الهموم تتساقط من أرواحنا (ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

رغم أننا والله مثقلون بالهموم… فالعيد بيت وسقف وعائلة واجتماع الأحبّة، وورود منثورة في كلّ مكان.. العيد أخبار بوقف سفك الدماء، وإعادة الإعمار، وعودة المُهجّرين، والمغتربين، والمكلومين، والنازحين.

العيد سلام، أمن وأمان.. العيد يعني أن يتخلّى العالم عن أنانيّته وتتّسع محبّته للجميع، وتعود البسمة للاطفال. والشعب الفلسطيني لا يعرف الانكسار، ولدنا أحرارا… كلنا صمود. فليعد العيدُ إذًا، ليس بأحلام الماضي، بل بإرادةٍ تُجدّد الحياةَ كلَّ يوم. وعلينا نشر الأمل، العيد هو فرصة للتجديد والتغيير، وإن الظلم مهما طال؛ لن يدوم. وكل عام ونحن إلى لله أقرب.. عيدكم مبارك وعساكم دونَ حروب وهموم من عواده.

رابط دائم
https://elayem.news/zvvf7