الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

البحر يُحدّثكم: متى تفهمون لغة الماء؟

Author
محمد ياسين رحمة 14 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

إذا ما تحدّث البحر يومًا، وفتح ذاكرته للناس، فإنهم سيغرقون فيما لا يُحصى من الأساطير والحكايات والأسرار، عن إلياذة هوميروس، ومغامرات السندباد، ورحلات كولومبس، وأساطيل الغزاة والمستعمرين، ويوميات الصيادين، وزوارق الموت، والأحلام التي تحوّلت إلى كوابيس.. وأمواجه ستشهد بأنه الكائن الذي جمع بين المتناقضات في ذاته عبر كل الأزمنة، فهو: الخير والشر، الصديق والعدو، الحكمة والبلاهة، الرومانسية والتوحّش، كاتم الأسرار وفاضحها.. هو ذاك الملاك الشيطاني الذي يتكلّم بلغة الماء وكفى!

يُحكى أن شاعرا جزائريا، في ملتقى أدبي، فتنته فتاة سوداء بسحرها وغنجها، ولم يجد سبيلا إلى “اختطافها” من بين المحيطين بها، فبادرها قائلا: خبّأتُ نيراني في جليد البحر الأبيض بشمال روسيا. وغازلتُ جنّيات قبائل “حِمير” في البحر الأحمر. وحاورتُ صخور البحر الأصفر في الصين. وها أنا ذا، ملاّح بحور الشّعر، أقف على شاطئ المعاني، وأرجو الغرقَ في البحر الأسود مستسلمًا طائعا!

لا تنتظر مني، عزيزي القارئ، أن أحدّثك عن بقية القصة، ودعنا نَستجلي علاقة البحر بالألوان. فالبحر الأبيض يقع في شمال روسيا، ويُقال إن اسمه مُشتقٌّ من بياض الكتل الجليدية التي تنشر فيه. والبحر الأبيض المتوسط، يقال بأن اسمه جاء من الثقافات الآسيوية، حيث الأبيض يرمز إلى جهة الغرب. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البحر الأسود، فالأسود يرمز في تلك الثقافات إلى جهة الشمال. أما البحر الأحمر، فتعود تسميّه إلى قبائل “حمير” التي استوطنت سواحله خلال القرن الثاني قبل الميلاد. وأما البحر الأصفر، فيستمدّ تسميّته من نهرٍ يصبُّ فيه، يُدعى نهر “هوانغ هي” في الصين، فعندما يأتي إليه، يكون محمّلا برمال وصخور تُكسبه اللون الأصفر. وبالتأكيد، هناك أسبابٌ وحكايات أخرى حول تسمية هذه البحار بالألوان التي اشتهرت بها.

عزيز القارئ، لعل قصة الشاعر والفتاة لا تزال ترفرف في ذهنك مثل فراشةٍ ترفرف حول الوهج، فدعني أستحضر معك بعضًا ممّا قاله الشعراء في البحر والحب والنّجوى. ولكن قبل ذلك، أشير إلى علاقة البحر مع الشعر العربي، فقد تحدّث الكاتب “يوسف الشمالي” – في هذا الملف – حول تلك العلاقة، قال: “هناك صلة خفيّة بين الموجة العروضية والموجة المائية، كلاهما يولد من خفقٍ داخلي ويتكسّر على شاطئ المعنى. فبحر البسيط مثلاً، بامتداده وانسيابه، يشبه بحرًا هادئًا في ظهيرة صيف، بينما البحر الطويل كالمحيط لا يُرى آخره، يحتاج إلى نفسٍ طويل ومجدافٍ من الصبر. كأنّ الخليل بن أحمد، حين نظّم هذه البحور، لم يفعل سوى أن رسم خرائط لرحلات شعريّة تشبه رحلات البحّارة، فيها المخاطرة والاكتشاف والضياع”.

وهذا الشاعر “نزار قباني”، في قصيدته “القرار”، يقول:

سافرت في بحر النساء.. ولم أزل

– من يومها – مقطوعةً أخباري..

وفي قصيدة “في الحب البحري”، يتقمّص “قباني” البحرَ، ويخاطب زائرته، قائلا:

مواقفي منك، كمواقف البحر..

وذاكرتي مائيّةٌ كذاكرته..

لا هو يعرف أسماء مرافئه..

ولا أنا أتذكّر أسماء زائراتي

كل سمكة تدخل إلى مياهي الإقليمية، تذوب..

كل امرأةٍ تستحمّ بدمي، تذوب…

كل نهدٍ، يسقط كاللّيرة الذهبيّهْ

على رمال جسدي.. يذوب..

فلتكن لك حكمة السّفن الفينيقيهْ

وواقعية المرافئ التي لا تتزوّج أحدا…

وتكتمل علاقة “نزار قباني” مع البحر في قصيدته الأكثر شهرةً “رسالة من تحت الماء”، قال:

إن كنت قويًّا.. أخرجني

من هذا اليمّ..

فأنا لا أعرف فنّ العوم

الموج الأزرق في عينيك.. يجرجرني نحو الأعمقْ

وأنا ما عندي تجربةٌ

في الحب.. ولا عندي زورق..

إن كنت أعزّ عليك.. فخُذ بيدي

فأنا عاشقةٌ من رأسي.. حتى قدمَي

إني أتنفّس تحت الماء..

إني أغرق..

أغرق..

أغرق..

وهذا الشاعر “إيليا أبو ماضي” يوجّه تساؤلاته إلى البحر في قصيدته “الطلاسم”، قال:

قَد سألتُ البحرَ يومًا: هل أنا يا بحرُ مِنكا؟

هل صحيحٌ ما رَواهُ بعضُهم عنّي وعنكَا؟

أَم تُرى ما زَعَموا زُورًا وَبُهتانًا وإفكَا؟

ضحِكَت أَمواجُه منّي وقالَت: لستُ أَدري

 أيُّها البحرُ أَتَدري كم مضَت أَلفٌ عليكَا؟

وهَلِ الشاطِئُ يَدري أَنّه جاثٍ لديكَا؟

وهَلِ الأنهارُ تَدري أَنَّها منكَ إِليكَا؟

ما الذي الأَمواجُ قالَت حين ثارَت؟ لستُ أَدري

 أَنتَ يا بحرُ أَسيرٌ، آهِ ما أَعظَمَ أَسرَك!

أَنتَ مِثلي أَيُّها الجبّارُ لا تَملِكُ أَمرَك

أَشبَهَت حالُكَ حالي وحَكى عُذرِيَ عُذرَك

فمَتى أَنجو مِنَ الأَسرِ وتَنجو؟ لَستُ أَدري

لنترك الشعراء وشأنهم، في بحور أشعارهم وبحار معانيهم، فبعضهم يبحث عن ضفاف يرسو عليها، وبعضهم يصارع لجج الأمواج، وبعضهم يحلّق حالمًا مع النوارس في سماء البحر، وبعضهم يحاول أن يَفصل ذرّات الأوكسيجين عن ذرّات الهيدروجين حتى تشتعل البحار.. وكذلك هو شأن الكُتّاب والأدباء عبر مختلف العصور، وفي كل الثقافات الإنسانية، لكل مُبدعٍ بحره حتى وإن كان لم يعرف البحر “الحقيقي”! وما أكثر البحار في براري الحياة، من بحر المعرفة إلى بحر المنايا، إلى بحر الخطايا.. فهذا الكائن الطبيعي، الذي يُسمّى “البحر”، له دلالاته ورمزيّته ومعانيه، قد تختلف من مُبدع إلى آخر، ومن بيئة ثقافية إلى أخرى، ولكنها تلتقي جميعها في بحر التعبير عن المتناقضات!

ولكن، ما الذي يعنيه البحر بالنسبة إلى الإنسان البسيط؟ تختلف الإجابة بحسب العُمر والمزاج والحالة النفسية، والإقامة قريبا من البحر أو بعيدا عنه. فالبحر قد يعني للشباب والأطفال: اللعب والانطلاق والحركة والمتعة. وقد يعني للشيوخ: الهدوء والسكينة والتأمّل. أما العُشّاق: فربما يجب أن نسأل العشّاق أنفسهم عن معانيه، فلا يُمكن الإجابة إلا إذا كان المُجيب في حالة عشق!

في مدارات هذه الأفكار، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب بهذه الرسالة: “أدب البحر”، لونٌ أدبيٌّ لم يتحقّق لعناصر أخرى من الطبيعة، فليس هناك “أدب الجبال” مثلا. فما هو سرّ انفراد البحر بأدب يختصُّ به؟ وهل للبحر جذور في الأدب العربي، وفي الثقافة الشعبية العربية؟ وما الذي يعنيه البحر لكم، وهل لكم ذكريات معه؟ ثم إن البحر، بقدر ما أسعد أناسًا، فإنه أيضًا كان سببًا في مآسي آخرين من الصيّادين، أو المغامرين، أو الحالمين الذين أغوتهم الأمواج وخانتهم قلّة معرفتهم بفنّ العوم.. فهل تعتقدون بأنه يجب المغامرة في البحر بمعانيه ورمزيّته ودالاته؟ وهل يجب تعريف أبناء المناطق البعيدة عن الشطآن بالبحر، وتعليمهم أسراره وأخطاره، وهل للكُتّاب دورٌ في ذلك؟

وأنت عزيزي القارئ، ما الذي تقوله عن البحر؟ لعلك تستحضر في ذهنك أغنيةً يصخب فيها الموج وتصدح فيها النوارس، تماما مثلما تحضرني الأغنية الجزائرية “يا بحر الطوفان” التي يُقال إنها مبنية على قصة واقعية لكاتبها وملحّنها ومؤدّيها الفنان الجزائري “محمد الباجي”، كتبها بعد أن فقد أحد أصدقائه غرقًا في البحر. وفي رواية أخرى، كتب “الباجي” هذه الأغنية عندما كان سجينًا في أحد معتقلات الاستعمار الفرنسي. تقول كلمات الأغنية:

يا بحر الغامق ماذا ديّت رجال ونسـوان

شابّات وشبّان، صبيّات وصبيان

ملّي ادّيت حبيبي فـ سفينتو ما بان آو عدي

يا بحر الطوفان

ملّي خرج فـ الصبحيـّة

ما ظهرش في لعشيّـة

سوّلت صحابو البحريّة

خبر عنّو ما بان

يا بحر الطوفـــان

منين مشا عليّا وغـاب

لا خبر لا من ردّ وجاب

ابقيت انقاسي في عذاب

محيّـر حيـران

يا بحــر الطوفـان

فـ البحر بانو شي لوحات

مرفوعين فوق الموجات

تمَّا عرفت حبيبي مات

ارحمو يا رحمان

يا بحر الطـوفان

لو كان مات بيــــن يديـَّــا

كنت نَبرا من الكيّة

نزور قبرو صبحة وعشية

تطفا لي النيران

يا بحر الطوفـان

كل جمعة نزور الموجات

في يدّي ديّت شي وردات

حَطّيتهم على الحجيرات

هذا ما وعد الرحمان

يا بحر الطوفـان

من يفهمك يا بحر؟

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

المُتعبون من ضجيج الحياة، لا أمكنة تضمّهم، تراهم ينشدون عزلةً مع أنفسهم، ما أقسى ألّا يجد المرء مكانًا يأوي إليه!. هناك على شرفة الصخر المطلّة على البحر، كانت تجلس كلّ صباح، تمسك كوب قهوتها وتذهب في رحلةٍ من الشّرود، لا أدري ما الشيء الذي كانت تنشده في ذلك المكان، لم أكن بعد أدري كيف يحيا هؤلاء.

كنتُ صغيرًا على فهم تلك العلاقة بين البحر والناس، كنت طفلًا مشاكسًا صغيرًا، وكان هدفي آنذاك أيضًا صغيرًا كحجم حصاةٍ أرميها فتخدش وجه الموج، كنت أستمتع في هذا الفِعل، لكنّها – وأقصد المرأة – كانت تملأ قلبي دهشةً، كأيّ طفلٍ شرقيٍّ تستفزّه الأمومة المرتدية ثوب أنثى، فيشعر تجاهها بمزيجٍ من المشاعر التي لا يعرف كنهها، إذ إنّها كانت تواظب على وقفتها تلك في جميع المرّات التي أقصد فيها البحر. ثابتةً كانت، كتمثالٍ صخريّ لا روح فيه، وكنت أراقبها من بعيد، وحدث أن بدأت أنسى رمي الحصاة وصار أمر مراقبتها يثيرني أكثر من شَيطنات طفولتي.

لم تكن علاقتي بالبحر بعد ذلك جيّدة، لم نكن أصحابًا، إذ إنّه انتقم فجأةً منّي في السابعة من عمري، انتقم من دون أن يحذّرني، ومن دون رحمةٍ، وكأنّه قال لي: ستدفع ثمن كلّ حصاةٍ جرحت بها وجهي، فالتهمني، وسرقتني موجةٌ عاتيةٌ ظهرت أمامي إلى أحضانه، ابتلعتُ الكثير من “كلّ شيءٍ حيّ” ومن الملح، قاومت الموج ولكنّني وجدتني مستسلمًا في آخر الأمر لقراره، للموت غرقًا، اختفى الناس عن عينيّ واختفى الشاطئ، واختفيت بدوري في الأعماق. لم يكن حلمًا ما مررت به، لكنّني استيقظت على جمهرةٍ من الوجوه حولي، كانت يدا أحدهم تضغط فوق صدري حتى بصقت الماء وعدت إلى ممارسة الحياة مجدّدًا.

اختلفت نظرتي للبحر، لم يعد صديقًا أمازحه بالحصى، بل بتّ أخشاه حتى هجرته إلى حين، ثمّ توطّدت علاقتي معه شيئًا فشيئًا، صرت أقصده من أجل رمي حصاةٍ من حروف مخبّأة، كنت أدرك أنّه مستمعٌ جيّد رغم أنّني لا أنبس ببنت شفة، وكانت هي، تلك المرأة قد اختفت، لم أعد ألقاها، لكنّني صرت أكتشفها في وجه كل أنثى تمعن النظر في وجه الذي يقعد قبالتها شاردًا في مكانٍ آخر، وصوت “فيروز”:

“بالقهوة البحريّة.. بتطلّع بِ عينيك

وتشرب من فنجانك.. وإشرب من عينيك”

لم أكن بعدُ قد صرتُ واحدًا من هؤلاء، لكنّني بقيتُ أقصد كلّ الأمكنة المحاذية للبحر من أجل أن أرى نظرات الجالسين أمامه، يمارسون لعبة الحياة والموت، ورحتُ أراقب الوجوه المتقابلة لعلّي أفهم لغة الحب أمام البحر، كانت لغةً عصيّةً على الفهم، إذ إنّني لم أجد مشهدًا مكتملًا، إمّا أن تكون الأنثى ساخطة أو يكون الرجل ساخطًا، أو يترك أحدهما الجلسة قبل انتهائها، أو ينسجم الاثنان معًا تحت سقف السماء ولكنّ شيئًا غير مكتملٍ ينغّص الجلسة، وكانت “فيروز” تكمل أغنيتها:

“وتهرب منّي تضيع.. وما إرجع لاقيك

وخبّي وجّي شوفك.. مدري مع مين

لو بعرف حبيبي.. بتفكّر بِ مين”

أيُّ حياةٍ هذه التي لم أجد فيها مشهدًا مكتملًا! أيُّ حياةٍ هذه التي تفتّش أنثى عن حبيبها القاعد أمامها! صرت أفهم لغة البحر والحب أكثر وأكثر حين تيقّنت أنّنا في حياةٍ واقعيّة ولسنا في مسرحيّةٍ كتبها بشريّ وأحكَمَ نهايةً سعيدةً لأحداثها، ربّما تكون النهايات سعيدة، لكنّ شيئًا ما سيبقى ناقصًا مهما حرصنا على إتمامه على أكمل وجه، شيئًا ما سيبقى مثل ندبٍ في وجهٍ كئيب.

مرّت الأيّام، جلست أمام أنثى، وأمام ألف أنثى ربّما، وفي كلّ وجهٍ كنت ألقى كلّ ما مرّ أمامي ومن دون قصدٍ كنت أذهب بنظري إلى البحر، وتفتّش عنّي تلك القاعدة قبالتي، كنتُ في جميع المرّات أسافر إلى تلك المرأة، بكوب قهوتها، بوقفتها اليابسة، ونظرتها العنيدة، ويقاطعني بعد حين صوت الأنثى قبالتي: هل أنت هنا؟ هل تسمعني؟

أبتسم، وأجيب في كلّ مرّة: “امض إلى شأنكِ، اسكتي، أنا واحدٌ من هؤلاء”.

أدب البحر..  رواية “قارِبي سيعود” أنموذجا!

د. شعبان عبد الجيد (شاعر وناقد وأكاديمي من مصر)

  أين شواهـدُكم، معاركُكُم، شهداؤكم؟

أين ذاكرتُكم القبلية؟ أيها السادة في

القبيلة الرمادية. البحـــر، البحر قـد

أقفل عليها. البحرُ هو التاريخ”!

من قصيدة للشاعر “ديريك والكوت”

لم أرَ البحر في حياتي رأيَ العين إلا وأنا طالبٌ في السنة الثالثة الثانوية؛ حين كنت أمثِّلُ محافظتي في مسابقة (الإلقاء الإذاعي) على مستوى الجمهورية في مدينة الإسكندرية، ساعتها عرفت أن البحر “شو كبير” كما تقول “فيروز” في أغنيتها الشهيرة، وتذكرت قريتي الصغيرة (صَنصَفط) التي تُطلّ على نهر النيل، وكيف كان أهلُنا يخوِّفوننا من نزول (البحر)، وهم يقصدون (النهر)، حتى لا تبتلعَنا أمواجُه وتقذفَ بنا  في جوفه العميق، وأدركت كم كنا ساذجين ونحن نتصوّر البحر الكبير صورة من هذا المجرَى المائي الصغير الذي يحتضن قريتنا الوديعةَ من جهة الغرب!

عن البحر

واستعدت ما كنت قد قرأته في كتاب (البحر) للكاتب “فرديناند لين”، وهو ضمن سلسلة “كل شيء عن” التي طالعتها ثم اقتنيتها كلها في أول المرحل الثانوية، وقال فيه إنه في غابر الزمن عندما كانت الدنيا في مرحلة الطفولة، لم يكن هناك بحر، ولم يكن هناك ماءٌ أو أرضٌ كما نعرفهما الآن… ويعتقد فريقٌ من العلماء أن البحار كانت مُعَلَّقةً في وقتٍ ما في شكل سحُبٍ كثيفة كانت تملأ الجو. وهذه عندما بردت هطلت منها الأمطار. ولا بدَّ أن الدنيا أمطرت ليس لأيامٍ أو أسابيع ولكن لآلاف السنين. والعقل لا يستطيع أن يتخيّل مثل هذه الزوابع التي زأرت حول الدنيا في طفولتها. وحتى البحار بعد امتلائها لا بدَّ أنها هاجت وأرغت لزمنٍ طويل، وأخذت أمواجُها تأكل في شواطئ القارات التي كانت تظهر نتيجة تجعُّد القشرة الأرضية أكثر فأكثر. ولا بدَّ أن أجيالًا عديدةً انقضَت قبل أن يستقرَّ البحرُ أو البرُّ في شكلٍ يشبه ما هما عليه الآن.

ويغطِّي البحر في وقتنا هذا الجزءَ الأعظمَ من سطح الكرة الأرضية؛ فالقارات والجزر كلها لا تُكوِّن إلا أقل من الثلث. ومن الغريب أننا نستطيع أن نرى وجه القمر الكامل بوضوح أكثر من وجه الدنيا التي نعيش عليها، فالبُقَع الواضحة والظلال المعتمة التي تظهر على القمر تدلُّ على جباله ووديانه. ولكنَّ أحدًا لم ير قط الجبال والوديان التي توجد مغمورةً تحت البحر. ودنيانا هي دنيا ماءٍ أكثر كثيرًا مما هي دنيا أرض.

وتوجَدُ مياه كثيرة في بحيرات الدنيا وأنهارها، كما يوجد الماء في السحب فوقنا، وفي الهواء الذي نتنفسه، وفي جوف الأرض تحت أقدامِنا. ولكنَّ كلَّ ماءِ الدنيا تقريبًا خمسة وتسعين في المائة منه، موجودٌ في البحر.

وفيما بعد قرأت كتبًا كثيرةً وعميقة عن البحر، كان أقربها إلى نفسي، ولا يزال، كتاب “البحر المتوسط” للكاتب الألماني “إميل لودفيج”، والذي ترجمه الأستاذ “عادل زعيتر” في لغة عربية أنيقة وفخيمة لا تكاد تقرأ مثلها لمُترجمي هذا الزمان ولا حتى لأدبائه. وذكر فيه أن “مصاير البحر تعبث بسطحه وتلهو بواطئه، غير أنه لا تاريخ لاتساع مائه العقيم، وفي البر تقع المعارك، والوقائع لا تنال الأمواجَ إلا حينًا بعد حين، ومع ذلك، وفي غضون المعارك والفتوح يُسمع هدير البحر ويُرى التماع أمواجِه الزُّرق دائمًا، وتعيِّن الزوابع والسحب أعمال الناس ومصير الأسفار الناجع والفاجع، ولكن الأشرعة والسكانات (الدفات) والمراسي والمناور تسوق القارئ، دومًا، إلى العنصر الذي يكتنف الجميع، وتنعش الصخور والأشجار والرياح والأسماك ما هو منثورٌ من الجُزُر”.

  وكان آخر ما قرأته عن البحر كتاب “اكتشاف بحار العالم: من العصر الفينيقي إلى الزمن الحاضر” للمؤرخ الألماني “مايكل نورث” (Michael North)، وقد صدر مترجمًا منذ ست سنوات في سلسلة علم المعرفة الكويتية، عدد أغسطس/ أوت 2019، وهو كتابٌ قيِّمٌ حقًّا، يقدّم فيه مؤلفه عرضًا عامًّا لتاريخ اكتشاف بحر العالم في الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، ويستعرض فيه صراع الإنسان مع التحديات والمخاطر الناجمة عن دخوله عالم البحار والمحيطات. وأزعم أن قراءة مثل هذه الكتب مفيدةٌ جدًّا للذين يقرؤون (أدب البحر) وللذين ينقدونه وللذين يبدعون فيه.

البحر محور التاريخ

في قصيدته المسمَّاة “البحر تاريخ”، وقد صدَّرنا هذا المقال بمقتطفٍ منها، يرى الشاعر الكاريبي “ديريك والكوت” (Derek Walcott) أن البحر مِحور التاريخ؛ حيث يحفظ البحرُ الذكريات في قاعه، كما يحتفظ بجثث البحارين والعبيد والكنوز، إلى أن يخرجها البشر إلى النور. وإعادةُ إحياء هذه الذكريات هي موضع اهتمام المؤرخين، وبذلك يعتبر البحر واجبًا وتحدِّيًا لهم في الآنِ نفسِه.

وحيث إن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تغطيها مياه البحار والمحيطات، ربما يكون وصفها بالكرة المائية أو البحرية أقرب إلى الحقيقة.

والملاحَظ، كما يقول مترجم كتاب (اكتشاف بحار العالم)، أن عديدًا من الفروع العلمية، وعلى الأخص تلك التي تُعنى بالتاريخ، أعادت اكتشاف أهمية البحر مرةً أخرى: فبات علماء التاريخ يهتمّون، مثلًا، بعلم الملاحة، أي الجهود التي بُذِلت لتحديد خطوط الطول والعرض، فيما يناقش ويحلل علماء الأدب الأساليب التي اعتُمدت في تصوير البحر. ويركز المؤرخون في علم الاجتماع على حياة عمال الموانئ والملاحين وقراصنة البحار، بينما يهتم المؤرخون الاقتصاديون بالتجارة العالمية وبالملاحة البحرية وتنقُّل السفن بين بحار العالم. كما تهتم البيئية بالبحار وبالأمواج العاتية (التسونامي) وبالتغييرات البيئية، من قبيل التلوث وارتفاع درجات الحرارة. وبالنظر إلى تزايد الاهتمام بتاريخ العالم، بحيث باتت البحار والمحيطات موضوع بحث، نشأ علم تاريخ البحار الجديد (new thalassology).

البداية عند هوميروس

ولعلَّ الفضل الأكبر في تعرّف الأدب العالمي على البحر ومخاطر الملاحة فيه يعود أي الشاعر اليوناني “هوميروس” (Homer) وبطلة ملحمته “أوديسيوس”. ولا بأس أن نقدّم لحديثنا عن “أدب البحر” بما ذكره “هوميروس” عن الأهوال التي تعرّض لها هو ورفاقه في عرض البحر، فقال:

“وهكذا ظل رفاقي يجزرون كل ثَورٍ حنيذ من ماشية إله الشمس، ويغتذون بلمحها وشحمها طوال ستة أيام، حتى إذا كان اليوم السابع سكنت الرياح وهدأ البحر، برعاية زيوس، فأسرعنا إلى الفُلك فأنزلناها في اليَمِّ، ونشرنا الشراع، وأقلعنا حيث لا ندري ماذا يُرادُ بنا! وعندما غادرنا الجزيرة وغابت الأرض عن الأنظار، ولم يكن إلا البحر من ورائنا وأمامنا وعن شمالنا ويميننا… ثم السماء من فوقنا… أنزلت غيمة سوداء وزرقاء، هبَّت علينا رياح إله الصَّبَا زفيروس، وراحت تقلب اللج من حولنا، ثم اشتدت واشتدت وصارت ريحًا عاصفةً هوجاء، كسرت قلاعنا وحطمت مجاديف سفينتِنا، وذهبَت يقلب الربَّان المسكين فلم يعد له صبرٌ ولا جلَد… ثم سلَّطَ علينا إله الصَّبا جوف صواعقه فقصمَنا، وحطَّم سفينتنا، فترنَّحت أول الأمر، ثم غاصت إلى الأعماق، وطفَونا إلى سطح البجر الغاضب، بلا أدنى أملٍ في شيءٍ سوى العودة إلى بلادنا”.

“أدبُ البحر” في الأدب العربي

ومنذ أكثر من أربعين سنة، قرأت كتاب “أدب البحر” للأستاذ “أحمد محمد عطية”، أيامها كنت أتابع بشغفٍ شديد سلسلة (مكتبة الدراسات الأدبية) التي تخرجها دار المعارف بمصر، وأحرص على اقتناء كل ما يقع بين يديَّ منها. وكان هذا الكتاب جديدًا عليّ في موضوعه، فذرعته من أوله إلى آخره في يومٍ وليلة.

قدَّم الكاتب في مقدّمته تعريفًا موجزًا لأدب البحر، وذكر أنه ذلك الأدب الذي يستهدف التعبير عن عالم البحر، والذي يكون البحر موضوعَه الرئيسي المؤثر في الأحداث والشخصيات، وفي الرؤية الكلية للعمل الأدبي. وذهب إلى أنه أدبٌ هامٌّ يشكل جزءًا أساسيًّا من تراث البشرية وحضارتها. فيضم أدب البحر الأسطورة والملحمة والشعر والحكاية الشعبية وأدب الرحلات البحرية والقصة والرواية، ويجمع في نماذجه بين الشخصيات الأسطورية والشخصيات الواقعية، بين الرؤية الرومانسية للطبيعة كمجال للهروب والاستسلام كما نجدها عند “جان جاك روسو”، وبين الشخصيات البطولية، التي هي جماع لكل عناصر القوة والذكاء والمغامرة في صراعها مع قوى البحر، كما نجدها في شخصية إيخاب بطل رواية “هرمان ملفل”، وفي شخصية الطروسي، بطل رواية حنَّا مينه “الشراع والعاصفة”.

   وكان من رأيه أن الأدب العربي الحديث ما زال أسير المدينة والقرية، والعوالم المألوفة، ومشكلات وتطلعات الطبقة الوسطى؛ فبالرغم مما يتمتع به وطننا العربي من سواحل بحرية طويلة تطل على المحيط والبحر والخليج، فإن هذا العالم البحري لم ينعكس بشكل كافٍ في أدب بحرٍ عربي حديث.

وقد قسّم المؤلف كتابه الرائد هذا على ثمانية فصول؛ تضمن الفصلُ الأولُ منها عرضًا عامًّا لقصة العرب مع البحر، ويشمل الإبداعات والاختراعات والاكتشافات والفتوحات العربية في عالم البحار والمحيطات على مرِّ التاريخ، والدور الحضاري الذي أسهم به العرب، تجاريًّا ودينيًّا وثقافيًّا وعلميًّا، عبر البحار، في الحضارة الإنسانية.

 ثم انتقل إلى دراسة مصادر أدب البحر العربي ونصوصه في الفصول التالية من الكتاب؛ فخصَّص الفصل الثاني لأدب البحر في الشعر الجاهلي، الذي شكَّل الملامح الأولى في أدب البحر العربي، وهو فصلٌ، برغم صعوبة البحث ومصادره القديمة، كان ضروريًّا لاستكمال موضوع الكتاب أدبيًّا وتاريخيًّا وحضاريًّا، ولأنه أكَّد معرفة عرب الجاهلية بالبحر.

 وتناول في الفصل الثالث قصص التجار العرب، أقدم القصص البحرية العربية، التي مهَّدَت لظهور قصص البحر في “ألف ليلة وليلة”، مع التعريف بدور التجار العرب الذين جمعوا بين التجارة والرحلة والأدب في أعمالهم.

وفي الفصل الرابع درسَ أدب البحر في حكايات “ألف ليلة وليلة”، التي شغل البحر محورَها الرئيسي المؤثر في رؤيتها وأحداثها وشخصياتها، مع التركيز على حكايات “السندباد البحري” ورحلاته، أكبر الأعمال الأدبية العربية تأثيرًا في آداب العالم وفنونه.

وأفردَ الفصل الخامس لدراسة شخصية أديب وبحار عربي فذٍّ، أبدع في أدب البحر وفي علم البحر، وكان جماع المعارف البحرية العربية في عصره، هو “أحمد بن ماجد” الملاح الشاعر، رائد أدب المرشدات البحرية، ومرشد المكتشف البرتغالي “فاسكو دي جاما” في رحلته البحرية إلى الهند. وعرَضَ لمؤلفات “أحمد بن ماجد” الأدبية والبحرية وزميله “سليمان المهري” في مدرسة المرشدات البحرية، التي درست الطرق الملاحية وأَثرَت الملاحة العربية والعالمية بكثير من التجارب الواقعية والمؤلفات العلمية والأدبية في أدب البحر وعلم البحر.

وتناول المؤلف في الفصل السادس أدب الرحلات البحرية عند العرب، وهو فنٌّ هامٌّ من فنون أدب البحر العربي، وقد فعل ذلك نظرًا لما للرحلات من قيمة علمية وأدبية وفنية معروفة، ولأن كثيرًا من أعمال أدب البحر العربي وفنونه نتجت من الرحلات وكَتبَها رحَّالة عرب قديمًا وحديثًا. فعرضَ لبعض النماذج في أدب الرحلات البحرية العربية، من رحلات المسعودي وابن بطوطة قديمًا، إلى رحلات الدكتور حسين فوزي وفتحي غانم وصالح مرسي حديثا.

وفي الفصل السابع، الرواية العربية والبحر، درَسَ أحدثَ فنون أدب البحر العربي، الرواية العربية، عند ثلاثة من الروائيين العرب المحدَثين، بالمقارنة مع روايات البحر العالمية؛ الروائي السوري “حنَّا مينه” ورواياته: “المصابيح الزُّرق”، و”الشراع والعاصفة”، و”الياطر”. والروائي الفلسطيني “جبرا إبرهيم جبرا” في روايته “السفينة”، والروائي الليبي “صادق النيهوم” وروايته “من مكة إلى هنا”.

   أمَّا الفصل الثامن والأخير، أدب البحر عند الغرب، فقد تناول فيه المؤلف النماذج المعبّرة عن مراحل أدب البحر الغربي وفنونه، من أدب الرحلات البحرية إلى الرواية والشعر، كما عبّرت عنها رحلات “ماركو بولو”، وروايتَي: “موبي ديك” لهرمان ملفل، و”العجوز والبحر” لإرنست هيمنجواي، وديوان “أوراق العشب” لوالت وايتمان.

فيما بعد، كان من حظّي أن أطالع عددًا لا بأس به من الروايات التي تناولت البحر، سواء تلك التي عبّرت تعبيرًا مباشرًا عن قضايا الوجود ضمن فضاء البحر في (المكتنية)، أو تلك التي استعانت بالتعبير الدلالي عن المنظورات الفكرية لدى تسمية البحر في العتبات النَّصِّية كالعنوانات والمداخلات والمفاتيح، مثل رواية “رحيل البحر” للروائي المغربي محمد عز الدين التازي، ورواية “البحر ينشر ألواحه” للأديب التونسي محمد صالح الجابري، ورواية “أغنية الماء والنار” للروائي البحريني عبد الله خليفة، و”رباعية بحري” للأديب المصري محمد جبريل، وكان آخر ما طالعته منها رواية “قاربي سيعود” للأديب القطري الكبير محمد السادة، وهي التي أخُصُّها هنا بشيءٍ من الدرس والتفصيل:

قاربي سيعود

 حين شرَعتُ في قراءة رواية “قارِبي سيعود” للأديب القَطَري “محمد إبراهيم السادة”، لم أكن أعرف عن صاحبها شيئًا غير اسمه، ولم أكن قد قرأت له عملًا أدبيًّا آخر غيرها. في البداية لم أشغل نفسي بأن أبحث في الشابكة عن معلوماتٍ تعرِّف به أو بأدبه؛ وفضلت أن أواجه هذا العمل بمفرده، معتمدًا على أن النص الأدبي، مهما كان نوعه، هو الذي يعرِّفنا بكاتبه خيرَ تعريف، متذكرًا مقولة الشاعر الروسي “يوجين يوفتيشنكو”: “إن سيرة حياة الشاعر هي مجمل أشعاره، أما عدا ذلك فمجرد تعليق”.

أخذت أقرأ السطور الأولى من هذه الرواية، ووجدت وصفًا يوشك أن يكون شعريًّا للمكان والزمان، “الأُفُقُ يَتَأرجَحُ بَينَ اللَّيلِ والنَّهارِ، والأصِيلُ يَنشُرُ بِعُنفٍ خَفقاتِهِ الحَمراءَ على نُتَفِ الغُيُومِ، وأَصداءُ النَّوارِسِ تَتَرَدَّدُ في الفَراغِ الفَسِيحِ وتَتَداوَلُها انكِساراتُ الأَمواجِ الهَادِئةِ المُتَدافِعةِ إلى الشَّاطئِ..”.

 ولم أكد أستسلم لنشوة البيان التّخييلي حتى قطعه على المؤلف بعد سطرين ونصف، لأجد نفسي فجأةً أمام “علي” بطل الرواية ومحور حوادثها، متقرفصًا على رمال الشاطئ “تَجُولُ نَظَراتُهُ في ذلكَ العُمقِ اللامُتَناهِي الذي بالكادِ يَتَمَيَّزُ فِيهِ الخَطُّ الفاصِلُ بينَ البَحرِ والسَّماءِ، يَدُورُ برَأسِهِ ثُمَّ تَتَوقّفُ التِفاتَتُهُ إلى اليَسارِ ويَتمَعَّنُ في قارِبِهِ المُلقَى على الشَّاطئِ، ذلكَ القارِبُ المُتَهالِكُ الذي لا يَتَعَدَّى طُولُهُ الأمتارَ السَّبعَةَ يَمِيلُ على جانِبِهِ وقَد دَفَنَت الرِّمالُ جُزءًا مِنهُ واهتَرَأت بَعضُ خَشباتِهِ، تَفتَرُّ شَفَتاهُ عَن ابتِسامَةٍ تَعُجُّ بالذِّكرَياتِ والشّجُونِ”. وسوف يتّضح لنا بعد الفراغ من هذه الرواية أن الكاتب كان يؤرّخ لقارِبه بقدر ما كان يؤرّخ لنفسه، حتى ليشعر القارئ أن الجماد قد دبَّت فيه الحياة، وأنه هو الذي يحكي لنا قصة الأبطال الذين ارتبطت حياتهم به واعتمد وجودهم عليه.

ولست هنا في معرض درس الرواية أو تلخيصها بصورةٍ مفصَّلة، فلهذا موضعٌ آخر وطريقة مختلفة؛ ولكنني أريد أن ألقي عليها ضوءًا كاشفًا يقرّبها إلى القارئ ويمهّد له السبيل لقراءتها والمتعة بها.

تنتمي هذه الرواية من حيث موضوعها إلى ما يسمّيه النقاد “أدب البحر”، وهو تلك الأعمال والنصوص الأدبية التي تعرض لوصف أحوال السفر بالبحر وأهواله ولما يرتبط به من موضوعات أو معلومات أو مدارك وثيقة الصلة به، ولما يتعلق به كذلك، أو ما يثير في النفس من مشاعر وما يضطرب فيها بسببه من لواعج وأحاسيس وانفعالات. ومنذ الصفحات الأولى سوف نجد أنفسنا في عرض البحر مع ذلك القارِب الذي “كان ماضِيهِ حافِلاً بالرَّحلاتِ وبِوافِرِ الصَّيدِ الذي يَعُودُ بِهِ إلى القَريَةِ ويُوزّعُهُ على الأهلِ والجِيرانِ، هذا القارِبُ، صَدِيقُهُ الذي حَمَلَ جَوفُهُ ذِكرَياتِهِ، حَملَ جَوفُهُ الشِباكَ وخُيوطَ الصّيدِ والمَياديرَ والدّرياتِ وامتَزَجَت مَجادِيفُهُ بِمِلحِ ماءِ البَحرِ، وخَفَقَت في شراعِهِ المَواويلُ الآتِيةُ مِن المَدى البَعيدِ مَعَ نَسائمِ الشَّوقِ، وكَم تَشَرَّبَ ذلكَ الشِّراعُ بأهازِيجِهِ وهوَ يُطلِقُ العنانَ لِصوتِهِ بأشعارِهِ وأناشِيدِهِ، كَم مِن مَرَّةٍ شارَكَهُ صَدِيقٌ أو صَديقَانِ رِحلَةَ صَيدٍ فيهِ وكَم مِن مَرةٍ أوصَلَ فِيهِ مَعارِفَ مِن بَرٍ إلى بَرٍّ، هذا القاربُ تَعرِفُهُ أمواجُ البَحرِ والشّواطئُ وعيُونُ الشَّمسِ في النّهارِ، وفي اللَّيلِ يعرِفُهُ الظَّلامُ والنُّجُومُ والشِّعرُ والقَمَر..”.

أبطالُ الرواية

بعد ذلك مباشرةً سوف نجد أمامنا أكثر أبطال الرواية، “علي” وأبوه وإخوته وأبناء إخوته. أسرة طيبة متديّنة، يعمل أكثرُ رجالها بحَّارةً وصيادين وغواصّين، يحبّون مهنتهم ويخلصون لها ويتقنونها. ويحرص أبوهم على نصحهم وإرشادهم، وينقل لهم خبرته في محبّة حانية. وهم بدورهم يجلّونه ويقدرونه، ويطيعونه في كل ما يأمر به، حتى فيما يتصل باختيار زوجاتهم. وجاء هذا على حساب المرأة التي جاء دورها هامشيًّا في مجريات الرواية، ربما مثلما كان دورها في الواقع منذ نصف قرن؛ حيث يقتصر عملها الأكبر في إدارة البيت وتربية الأولاد وإسعاد الأزواج، وهو دورٌ والله لو تعلمون عظيم.

ولا عجب في أسرةٍ صالحةٍ كهذه أن تحرص نساؤها على العلم الديني والتفقّه فيه، وأن يظهر من أبنائها من يحب الشعر وينظمه ويتغنّى به. ولعل البحر بما يثيره في النفس من رهبةٍ وإجلال، وما يمتلئ به من عجائب ومدهشات، يثير حب الكلام المُنغّم، حتى لو كان زجلًا عاميًّا، في نفوس من يركبونه ويقضون طرفًا من حياتهم على ثبج أمواجه الهادئات والهائلات.

وإلى جانب أفراد هذه الأسرة، وقليلٌ منهم من سوف يظهرون بقوة في أحداث الرواية، سوف نجد شخصيات أخرى، قد يصحبنا بعضها من أول الرواية إلى آخرها، ومنهم من سوف يظهر لصفحة أو صفحتين، ليصنع وجوده منظرًا جانبيًّا في لوحة الرواية، ثم يختفي.

سوف نجد “شعبان” القلاف، وليعذرني القارئ إذا قلت إنني اهتممت به من أول ظهوره؛ لأن اسمه على اسمي. أمَّا القِلافة فهي لمن لا يعرفون معنى الكلمة مصطلحٌ خليجي، يطلَق على من يعملون بصناعة السفن الشراعية، الصغيرة والكبيرة، وسوف يلتقي القارئ بأشباه هذه الكلمة كثيرًا، من مثل:” نوف، التسقام، النوخذة، السِّردال، المرواس، الكانة، التبَّة، الرديف، البانوش، المرساة، الجحلة، البريخة، الخَبَط، الدِّيِّين…”، وهذا طبيعي، فالرواية تدور وقائعها في قلب البحر، وأبطالها كما أسلفنا، بحارةٌ  وغوّاصون، ولعل هذا يعكس ثقافة الكاتب ومعرفته بأجواء العمل في البحر والمفردات الدائرة فيه، وهو ما يصوّر أيضًا أثر البيئة الخليجية القديمة وتجلّياتها في العمل من بدئه إلى منتهاه. إنها أيضًا توثيق لمفردات فولكلورية نادرة، قد يغيب معناها عن أهل الخليج أنفسهم فيما بعد.

كما سوف نجد أيضًا مرزوق ويوسف وعامر وراشد، وغيرهم، كما سنلتقي بمصريين من السويس يعملون في البحر، وأجانب من أوروبا يكتبون موسوعةً عن حرفة الصيد والغوص في الخليج العربي، ومنهم من سوف يسأل عليًّا ذات يوم عن الرزق، فأجابه أن الرزق بيد الله وحده، خالق الأكوان ومقسّم الأرزاق، الحي القيّوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وسوف تأخذ هذا الكلمات بمجامع قلبه وعقله، وسوف يظل يفكر فيها ويعيد النظر في معانيها حتى تنتهي به إلى اعتناق الإسلام.

وإلى جانب هذا سوف نرى القراصنة ولصوص البحر، وما يُفرض على البحارة من إتاوات، والسرقة المقنّنة والسرقة غير المقننة، ودور الحكومات في حماية البحّارة الصغار. والمخاطر التي يتعرض لها الملاحون، والأحوال النفسية التي تتبدى في عرض البحر في هدوئه واضطرابه، في سكونه وثورته. وكيف يعرفون الوقت وهم بين الماء والسماء، وكيف يعرفون عمق الماء قبل الغوص، وكيف يحفظون المحار ويخرجون اللؤلؤ، وماذا يصنعون إذا مات أحد العمال أو البحَّارة، وهو ما أثار فضولي كثيرًا؛ حتى عرفت من الرواية أن التأخير في دفن من يموت على ظهر السفينة وهي في قلب البحر، قد يجعل الجثة تنتن؛ فهم إما أن يرفعوا النوف (راية للاستغاثة وطلب المساعدة)، فيأتيهم من يساعدهم فينقله إلى القرية، وهذا نادر، أو يأخذوه إلى جزيرة قريبةٍ فيدفنوه فيها، وهو أمرٌ صعب، وإذا تعذّر كل ذلك كفنوه بخيش وحصير، وصلُّوا عليه، وربطوا فيه حجرًا، ورمَوه في البحر.

حُبٌّ وغرام.. وأشياء أخرى

 وفي الرواية إلى جانب كل هذا، حبٌّ وغرام، وأفراحٌ وأتراح، والتقاء وافتراق، وسعيٌ للرزق، وكفاح من أجل لقمة العيش، وإيمانٌ بحكمة الخالق وعدل الرازق، ثم في آخر الرواية نجد عليًّا، بطلَها وراوِيَها، يقرر أن يترك العمل في الصيد والغوص، وأن يشتري السفن القديمة ويصلحها ثم يبيعها، ثم ما يلبث بعد فترة لم تطل، أن عاوده الحنين الى البحر، وفكر كثيرًا في أن يشتري له محرِّكًا ليحمل عليه البضائع، ثم أرجأ هذا، “وظَلَّ قارِبُه على الشَّاطئِ تَسنِدُهُ الأخشابُ في وَضعِهِ الطَّبِيعيِّ، إلاّ أنَّ رِيحاً عاتِيةً هبَّت وكَفَأت القارِبَ وقَلَبَتهُ على جانِبِهِ وملأت جَوفَهُ برِمالِ الشَّاطِئِ، ولكِنَّ كان مُصَمِّماً على إصلاحِهِ فلَم يَبقَ له سِواهُ، سيصلِحُهُ ويرتادُ بهِ البَحرَ ويصطادُ السَّمَكَ معَ أصدِقائه ويحملُ فيهِ البضائعَ.. إن قارِبَه سَيعُود”.

إن هذا المشهد نفسه يعيدنا إلى المشهد الذي بدأت به الرواية، التي جاءت في معظمها على طريقة الاستدعاء وتداخُل اللوحات الدرامية، وهي طريقة تثير وتُمتع، وتمنع الملل وتطرد السآمةَ في آنٍ معا.

لكن الكاتب يفاجئنا، أو قل يفجعنا، بهذه الفقرة التي جاءت في ختام الرواية: “مَرَّت نَورَسَةٌ ونَعَقَت بِصوتٍ عالٍ لِتُوقِظَ علي مِن سِنَتِهِ لكنَّهُ لَم يُفِق، وصَدَحَت مُكَبِّراتُ الصَّوتِ في المآذنِ مُعلِنَةً دُخُولَ صَلاةِ المَغرِبِ ولكِنَّ علي لَم يَفتَح عينَيهِ ولَم ينظُر إلى ساعَتهِ التي تَوقَّفَت وتَوقَّفَ مَعها شَريطُ الذِّكريات، وتَمتَمَ قارِبُهُ.. ((لَن أعُود..))”.

ولا أدري لماذا لم يترك الكاتب نهاية روايته مفتوحة، وإن لم يكن بهذا الختام قد أغلقها تمام الإغلاق، فجعلها مواربة، تدع القارئ يتساءل: هل ستظل مهنة الصيد والغوص قائمة؟ وهل ستقاوم الزمن السريع التطور بوسائلها البدائية؟ أم ستزول فيما زال من حرفٍ؟ أم أن القارِب هنا رمزٌ للماضي البعيد وذكرياته الرومانسية الجميلة، وقد ذهب هذا فعلًا ولن يعود؟

ملاحظات نقدية

إنها رواية أجيال بمعنى يختلف عما نعرفه عند “رومان رولان” و”توماس مان” أو “نجيب محفوظ” و”عبد الرحمن منيف”؛ فنحن هنا نجد الجدّ والأبناء والأحفاد، وإن لم نشاهد تطوّر حيواتهم بمختلف تفاصيلها. وهي رواية تلتقط آخر صورة للتقاليد الخليجية قبل أن تغيِّبَها الحضارة المستوردة والثقافات الدخيلة، وبين أمنية الكاتب في عودة قاربه، وتمتمة القارب بأنه لن يعود، تظل في العين دمعةٌ متحجرة، فلا هي سقطت لترتاح العين، ولا هي ظلت في غددها.

إنها صرخة هامسة ويائسة، على شاطئ البحر الكبير، وعلى أطلال الذكريات الذاهبة، ومحاولة لا شعورية للعودة إلى الماضي؛ هروبًا من الواقع المزعج الذي فسدت فيه النفوس، وتراجعت القيم، وانجرف فيه الناس وراء تيار المدنية الزائفة وبهارج الحضارة الخادعة.

أمَّا لغة الرواية فهي عربية نقية، توشك أن تكون نثرًا فنيًّا بديعًا في كثيرٍ من فقراتها، والسرد فيها شائقٌ جذاب، والحوار فيها وإن جاء في معظمه باللهجة الخليجية، إلا أن المؤلف قد تعمَّد فيما يبدو أن يجعله وسَطًا بين العامية والفصحى.

ولقد عرَفت بعدما فرغتُ من قراءة هذه الرواية وعرضِها أن صاحبها شاعرٌ معروف، وله أربعة دواوين منشورة، هي: (على رمل الخليج، وكثبان وأمواج، وبَوحُ الحشا، ومنهل الصادي)، وديوانان للأطفال، هما: (أنغام البراعم، وأناشيد البلابل)، ودراسة أدبية تحمل عنوان (السردية الشفاهية لقصص الأطفال). وحين عرفت هذا لم أغيّر فيما كتبت حرفًا؛ فلقد أكّدت هذه الأعمال الإبداعية والنقدية صدق ما ذهبتُ إليه في هذه السطور؛ وهي أننا هنا أمام أديبٍ يكتب الرواية بروح الشعر، وأن السرد عنده يوشك أن يكون شفاهيًّا؛ لا تكلّف فيه ولا تعقيد، وأنه حريصٌ على أن يحييَ تراث بلده، وينفخ الروح في الماضي الذي ولَّى، ليبعثه على الورق فنًّا بديعًا، ويعيده إلينا واقعًا موازيًا ينبض بالحياة.

ولصديقي الروائي والشاعر القطري الأستاذ “محمد إبراهيم السادة” خالص تحياتي وأصدق أمنياتي، على وعدٍ أن أعود قريبًا إلى روايته البديعة لأتناولها بشيءٍ من التحليل والتفصيل.

خذي صوتي وأعطني قدمين!

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

سحرها الحبّ، صورته علقت على جدار روحها، تلك الصّغيرة التي لا حياة لها من دون ماء، غرقت. وهكذا تخلّت “آريال” عن صوتها لـ”أورسولا” التي سجنت الصوت في عبوة زجاجية، هذا الثمن الذي دفعته الحوريّة الصغيرة مقابل حصولها على قدمين تلاحق بهما الأمير البشري الذي خطف قلبها من دون أن يدري.

تضحية كبرى أليس كذلك؟ من حوريّة حرّة، إلى بشريّة مخفيّة الصّوت، لعنة لا تنتهي إلّا بقبلة حبّ حقيقي. تحمّست، تسرّعت، وضحت، ليس سذاجة منها، وإنّما هي قامرت بمشاعرها وحياتها على طاولة المجهول، فقط لأنّها قرّرت أن تضع أثر خطاها في درب قلبها.

حين كنت أتابعها كيف تتنقّل بذيلها في أعماق المياه. أفكّر، هل تراها محقّة بالتّخلي عن حقيقتها من أجل الحبّ؟ ماذا لو كنت مكانها؟ أوليس البحر أكثر حريّة؟ لا حدود، لا جواز سفر، لا غرق، بل على العكس، هنا نحن نتنفّس الغرق، حرّيتنا وهم، وأرواحنا متيبّسة.

نحن البشر نخاف من كلّ مجهول، أتتخيّلون لو أنّ المجهول موطننا؟ أترانا حينها يتملّكنا الخوف من اليابسة؟ ربّما، وربّما هذا ما فكّر فيك ملك البحار حين اكتشف القرار المتهوّر الذي أقدمت عليه ابنته ذات الشّعر الأحمر. حتى ابنة الملك متمرّدة، في الحقيقة هذه هي اللّعنة الحقيقيّة، لعنة المراهقة المرميّة على الآباء، ولكنّها لا تزول بقبلة، وليت الأمر بهذه السّهولة! ولكن لنكن واقعيّين، لم يكن سهلًا عليها الحصول على القبلة.

هل ملّت السّباحة كما مللنا التنقّل بين الصّخور؟ رغم أنّ المثل يقول: “حظ عطيني وبالبحر ارميني”، و”آريال” أصلًا ابنة البحر، أم أنّها ينطبق عليها المثل: “يلي ما عندو حظ لا يتعب ولا يشقى”؟ من بين أبناء جنسها، ألم ينجح أحدهم في العزف على وتر قلبها؟ أم أنّ تلك المتمرّدة قد طاب لها رجالنا؟ غريبة هي الحياة، عادة ما عهدنا أنّ أغلى الكنوز غارقة في أعماق المحيطات، أيكون رجالهم أغلى الكنوز وهي لا تعلم؟ أم أنّ كل ممنوع مرغوب؟

أفكر ماذا لو كانت “آريال” حقيقيّة؟ ونحن لم نكتشف بعد عالم البحار بأسراره المهولة. ربّما لو تتبادل الأدوار معنا، كنت سأحتسي صوتها المسجون داخل زجاجة لأغوص وأحرّر الأصوات التي سجنّاها بأنفسنا في زجاجات عديدة ورمينا بها إلى المياه لتنجدنا، حينها فقط سيسمعها البحر. كم ساذجون نحن، نرمي بأصواتنا في عبوة مغلقة ونتوقّع الرّد على الصّمت؟ أو ربّما يُصادفها أحد شبابهم ليخطف قلوبنا، ونستبدل قدمينا بذيل سمكة.

تمرّدت “آريال”، خلعت صوتها لتحيا، ونحن استسلمنا مسبقّا لسجن أصواتنا.

وشوشات البحر بين ناي “فيروز” ومغامرات “السندباد”

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)

“البحر”، أوّل ما خَطَر ببالي حين قرأتُ كلمة “البحر” في الملف، لم يتّجه فكري إلى المعاجم وتعريف المصطلحات، بل إلى زوايا قلبي.. إلى تلك المساحة التي تتماوج فيها الذكريات كالأمواج، فسمعت صوتها يهمس: “أنا بعشق البحر…”، تلك الأغنية الخالدة للفنانة “نجاة الصغيرة”، التي لا تُغنّى بل تُحسّ، لا تُسمَع بل تُعاش.

أنا بعشق البحر

زيّك يا حبيبي حنون

وساعات زيّك مجنون

ومهاجر ومسافر

وساعات زيّك حيران

وساعات زيّك زعلان

وساعات مليان بالصبر

أنا بعشق البحر

اِسمعوها، استمتِعوا بها، تمعّنوا في كلماتها، كما أفعل، فأنا أعشق هذه الأغنية بكلّ تفاصيلها، بكلّ كلمة وحرف، وكلّ نوتةٍ موسيقيّة، فكلّ حرفٍ فيها يُشبه البحر، حنونٌ حينًا، هائجٌ حينًا آخر، وفي كلّ حالاته وفي جميع تقلّباته. البحر، كالحبيب في الأغنية، مجنونٌ، حيران، مسافر، ومهاجر، زعلان، وصابر.. كأنها تُترجم أسرار الماء إلى مشاعر إنسان.

في صوت “نجاة”، لا نسمع البحر فحسب، بل نلمس نبضه، ونغرق في سكونه كما نغرق في وجداننا. وكأنها حين غنّت، كانت تقرأ البحر من دواخلنا، لا من ضفافه.

وهذه المرّة لن أذكر أغاني “فيروز” عن البحر، فهي بالنسبة لي مرتبطة به، هي الصدى الساكن في موجه، والحنين المختبئ في زرقته، إذ لا يمكنني أن أذكر البحر والقهوة والصباحات الجميلة دون استحضارها، فهي حاضرة دومًا في كلّ تفاصيل حياتنا، وكأنها الوتر الذي يربط بين الأشياء الجميلة والموجعة في آن.

والناس تختلف في رؤيتها للبحر: فمنهم من يجد فيه فسحةً للهدوء والاستجمام، ومنهم من يغتسل فيه من ضجيج الحياة، ومنهم من يراه غدّارًا لا يُؤمَن، خاصّة مَن جُرِح فيه بفقدِ حبيبٍ أو قريب، وقد سُمّيت إحدى الأغاني اللّبنانية بـ”يا بحر يا غدّار”، ومن بعض الأمثال الشعبية لدينا، يقولون: “اعمل مليح وكُبّ بالبحر”.

أمّا أنا، فعلاقتي بالبحر مليئة بالتناقض الجميل.. رغم المكان الضيّق وفوبيا الماء التي حملتها معي منذ تجربة غرق مؤلمة في الطفولة، فإنني أجد في البحر مأوى لروحي. 

أحب الجلوس على الشاطئ، فيما الموج يهمس لأعماقي، والريح تنثر خيالاتي على صفحة الماء.. هناك، تهدأ روحي، كأن البحر يحتضن وجعي، ويمتصّ خوفي، ويعيد إليّ شيئًا من السلام المفقود.

ومن أكثر اللحظات سحرًا هي تلك التي أقضيها عند البحر، لا لشيء سوى أن أكون هناك، وجهًا لوجه أمام هذا الامتداد اللامتناهي من الزّرقة والصمت العميق. البحر في حضرة “فيروز”، وقهوتي التي تحتضن يدي، وكأنها تختزن دفء العالم كلّه.

لكن أكثر ما يشدّني هو هوايتي القديمة، جمع الأصداف والأحجار الملوّنة من على الشاطئ (وأنا أجلبها معي إلى المنزل)، تلك التفاصيل الصغيرة التي تلمع ككنوزٍ منسيّة، تخبّئ في طيّاتها همسات الموج، وأسرار السفن الغارقة، وخُطى العشّاق الراحلين. 

تسرح روحي بين الأمواج، وتتلاعب بها كما تتلاعب الريح بورق الشجر، ثم تعود إليّ متجدّدة، كنسيمٍ عليل يتسلّل إلى القلب، فينعشه ويعيد له نبض الحياة.

هل جرّبتم يوما النزول إلى البحر ليلًا؟ لا أعني السباحة، (فأنا أخافها بالأصل)، بل أقصد فقط المكوث هناك، في صمت الليل، وهدير الموج وحده يحاورك. هناك تشعر أنّ البحر يُنصت إليك، ثم يهمس إليك بما لم تجرؤ على البوح به، يُنقّيك من وجعك، يُنزل عنك ما أثقل روحك، دون أن يسألك شيئًا، فقط يحتضنك بموجه حين لا تجدُ ملاذًا.

أمّا مشهد غروب الشمس على البحر، فهو لحظة الشِّعر الخالص.. حين تلامس الشّمس الأفق، وتغطس رويدًا في حضن الماء، تترك خلفها هالةً من الأرجواني والذهبي، مشهدٌ يخطف الأنفاس ويوقظ فيكَ ألف شعور. قد تنتابك شعورٍ مُتناقض، بين الجمال وبين الوداع، وكأنّ الشمس تقول: “سأغيب”، لكنّها تهمس في الوقت نفسه: “انتظرني، فإن لي عودة.. ومعي فجرٌ جديد، وأملٌ لا ينطفئ”، فالفجر لا يقف عند شطِّ المسافة، بل يُرسَل من بعد الظُلمة.

أمّا إذا أردنا الحديث عن البحر في الأدب، فما من عنصرٍ طبيعيٍّ استحوذ على خيال الإنسان كما فعل البحر. وحده البحر انفرد بتكوين لونٍ أدبي خاص، هو “أدب البحر”. فالبحر ليس مجرّد مساحة مائية، بل هو كائن رمزيّ، لغزٌ مفتوحٌ على التأويلات، ومجازٌ أبديٌّ للحياة والموت والحنين والمجهول.

وقد تجلّى حضور البحر في الأدب العربي، القديم والحديث، كحضورٍ شعري وثقافي. نراه في شعر البحّارة والأندلسيين، وفي “مغامرات السندباد البحريّ”، أحد أشهر أبطال “ألف ليلة وليلة”. لقد كان “السندباد” صورة الإنسان الطموح، والحالم، والمغامِر، الذي حمل شجاعته على كفّه وركب البحر، لا لأنه يثق به، بل لأنه يريد أن يتخطّى ضيق البرّ إلى اتساع العالم.

في كلّ مغامرةٍ من رحلاته، يكون البحر بداية التجربة ونهايتها. فيه يختبر الغربة، ويقع في براثن الوحوش، ويدخل مُدنًا مجهولة، ويصادق الملوك، ويخسر ويغنم.. لكنه في كل مرّة يعود إلى الشاطئ وقد تغيّر، ونضج، وعرف أنّ البحر ليس غدّارًا، بل أمينًا لمن يقرأ أسراره.

وفي الشعر الحديث العديد من الأمثلة عن تناول الشعراء موضوع البحر، وكلٌّ يحمّله الرؤية الخاصة به بحسب تجربته الوجدانية، وأذكر على سبيلِ المثال لا الحصر، الشاعر “فاروق جويدة” حيث يقول:

يا بحر جئتك حائر الوجدان — أشكو جفاء الدهر للإنسان

يا بحر خاصمني الزمان وأنني — ما عدت أعرف في الحياة مكاني

كما كتب الشاعر المصري “محمد أبو العلا” قصيدة بعنوان “وقال البحر”:

 قَصَدتُ البَحْرَ كي أشكو

وفي الأحشاءِ أحزاني

 فَمَدَّ ردائَهُ الرَّملي قال: اجلِسْ وحيَّاني

وقال: اقصُصْ.. ولا تَخْجَلْ فقَدْ أَصْغَيْتُ آذاني

فقُلْتُ له: تَباعَدْنا وطولُ البُعْدِ آذاني

تَحَيَّرَ في الهوى قلبي وبالآهاتِ واساني

 فقَدْ كُنَّا.. وقَدْ كُنَّا

 وكانَ الحُبُّ عُنْواني

 وكانَ الكونُ يَعْرِفُنا

 فَلَمْ يَكُ في الهوى ثانِ

 إذا ما عَزَّ واحِدُنا

تَنَادى باسمِهِ الثاني..

لذا، نلحظ من هذين المثالين أنّ البحر بات رمزًا من الرموز التي يستخدمها الشعراء في قصائدهم، ويمكن تأويل مفردة “البحر” إلى أوجهٍ عدّة، وذلك بحسب السّياق التي ترد فيه، وحالة الشاعر النفسية، فيمكن أن يُفسّر بمعنى الغموض، الغدر، السفر، الموت، الغياب، الغربة، القدر، أو أحيانًا يكون بمعنى الحرّيّة والصديق والملاذ. فهكذا هو البحر في الأدب والحياة معًا: مرآة التقلّبات، مدرسة الصبر، ومدوّنة التحوّل. لذا صار البحر بُعدًا داخليًّا، لا خارجيًّا ومساحة جغرافية فقط.  لذا لكلٍّ منّا بحرُه الخاصّ. 

ولا يمكننا أن نذكر البحر في الأدب دون التوقّف عند “أسطورة أوديسيوس”، في الأدب اليوناني القديم، بطل “الأوديسة” لـ”هوميروس”، ذاك الذي خاض رحلةً بحرية طويلة محفوفة بالمجهول والتي استغرقت عدّة سنوات بعد حرب “طروادة”، واجه فيها أهوال البحر، وغضب الإله بوسايدون، وفتنة الساحرات والجنّيات، وصراع الآلهة التي حاول بعضها إعاقته. لقد كان البحر في هذه الرحلة ميدانًا للتّيه والاختبار، ومرآةً للحنين والصّبر، حتّى عاد أخيرًا إلى زوجته وابنه بعد سنواتٍ من الغياب، ظافرًا بالوصول، محمّلاً بحكمةِ مَن خَبَرَ الأعماق.

وهكذا يبقى البحر، ذلك الكائن الأزلي، مرآةً لأرواحنا المتقلّبة.. يخزّن في موجه أسرار العاشقين، ويُخبّئ في أعماقه وجع المفجوعين، ويمنح مَن يلجأ إليه هدنةً مؤقتة من صخب الحياة.

في حضرته نصمت، لا عجزًا، بل لأنّ اللّغة تتهيّب مقامه. فهو الحبيب والمغترب، الغضوب والحنون، الذي يداوينا بمائه، ويُربكنا بصمته، ويُعيد ترتيب فوضانا بنبض موجه.

وفي النهاية، يمكن القول إنّ البحر ليس مجرّد مكان أو منظر، بل هو حكاية لكلّ واحد منّا، حكايةٌ تبدأ من ضفّة، وتُبحر عبر الأمواج، وتتوق إلى شاطئٍ نأمل في الوصول إليه ذات يوم، ولَو في خيالٍ أو ذكرى..

رمزية البحر في الأدب والثقافة العربية

سامر المعاني (كاتب من الأردن)

هو السرّ العميق والغامض، لطالما أثار مشاعر وإبداعات الإنسان عبر العصور، وكان ولا يزال عنوانا للتشبيه وللمجاز.

في الأدب والثقافة العربية، يظهر البحر كرمز مُتعدّد الأوجه، يحمل معاني متنوّعة تتراوح بين الجمال والخطر والحياة والموت.

في الأدب العربي، كان البحر يُرمز إليه غالبًا بالغموض والمخاطر. في كتاب “ألف ليلة وليلة”، نجد العديد من القصص التي تدور حول البحار والمغامرات البحرية، وإحدى أشهر هذه القصص هي قصة “سندباد البحري” الذي يخوض مغامرات بحرية مثيرة ويواجه مخلوقات أسطورية. هذه القصص لا تعكس فقط شغف العرب بالبحر وتجارتهم البحرية، بل أيضًا خوفهم منه، فهو يرمز أيضا للفقد والرحيل والضياع.

في جانب الشعر العربي، كان البحر مصدر إلهام للعديد من الشعراء. فالشاعر العربي الكبير “أبو الطيب المتنبي”، على سبيل المثال، كتب العديد من الأبيات التي تصف البحر وصفًا دقيقًا ومباشرًا مما يعكس عظمة الخالق وقدرته.

يقول المتنبي في إحدى قصائده:

هُوَ البَحرُ غُص فيهِ إِذا كانَ ساكِنا — عَلى الدُرِّ وَاِحذَرهُ إِذا كانَ مُزبِدا

فَإِنّي رَأَيتُ البَحرَ يَعثُرُ بِالفَتى — وَهَذا الَّذي يَأتي الفَتى مُتَعَمِّدا

تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ — تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

هذه الأبيات تعكس جمال البحر وتأثيره على النفس البشرية، وتبرز قدرة الشاعر على تصوير المشهد البحري بكل تفاصيله.

أما في الأدب العربي المعاصر، يظل البحر عنصرًا مهمًّا في العديد من الأعمال الأدبية. كُتّاب مثل: غسان كنفاني ومحمد عفيفي مطر ومجدي الإبياري، استخدموا البحر كرمز للحرية والتمرّد، وأيضًا للدلالة على الصراعات النفسية والوجودية. في رواية “رجال في الشمس” للكاتب “غسان كنفاني”، يمثل البحر حاجزًا يفصل بين الشخصيات وبين أحلامهم وآمالهم، ويعكس صراعهم من أجل البقاء والحرية. وقد كتب نزار قباني والسيّاب ودرويش والكثير غيرهم من الشعراء عن رمزية البحر.

البحر ليس مجرد عنصر أدبي، بل هو جزء لا يتجزأ من الثقافة العربية. في العديد من المناطق الساحلية في العالم العربي يلعب البحر دورًا حيويًّا في حياة الناس من صيد الأسماك إلى التجارة البحرية. هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان العربي والبحر انعكست في العديد من الممارسات الثقافية، مثل الأغاني البحرية والرّقصات الشعبية التي تحاكي حركات البحر.

إن البحر في الأدب والثقافة العربية هو رمز مُتعدّد الأوجه يحمل معاني متعددة ومتناقضة. من خلال استكشاف هذا الرمز في نصوص الأدب العربي: الكلاسيكية والرومنسية والمعاصرة، ندرك أهمية البحر في تشكيل الهوية والثقافة العربية.

وسواء كان البحر مصدر إلهام للشعراء أو رمزًا للمغامرة والاكتشاف في القصص أو حاجزًا يفصل بين الأحلام والواقع، يظل البحر عنصرًا أساسيًّا في المشهد الأدبي والثقافي العربي.

إبحار في ذاكرة الماء

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)

“أدب البحر” لونٌ أدبيٌّ لم يتحقّق لعناصر أخرى من الطبيعة فليس هناك “أدب الجبال” مثلا، وإن كان هناك أدب الصحراء بما فيها الجبال وخير ما يمثله الأدب العربي في العصر الجاهلي، وقصيدة “ابن خفاجة” الأندلسي في مناجاة الجبل.

ولعل سرَّ انفراد البحر بأدب يختصُّ به هو البيئة البحرية الثرية التي تغاير البيئة البرية مغايرة تامة، فليس ثمة في البحر غير الماء من كل جانب يقل مرتاديه وسالكي فجاجه فتجري عليه سفنهم، والسماء تظلهم ويهتدون بنجومها ليلا، ولا شك أنَّ للبحر جذورًا في الأدب العربي، وفي الثقافة الشعبية العربية، وقد ركبتُ البحر مرات عديدة وفي طرق مختلفة من ميناء نويبع بمصر إلى ميناء العقبة في الأردن في طريقي لأداء العمرة منذ ثلاثين عاما، ومن ميناء ضبا بالسعودية إلى ميناءي سفاجة والغردقة بمصر والعودة عدة مرات، لنقل الكتب التي كنتُ أقتنيها على مدى أربعة عشر عاما قضيتها في السعودية، ولا شك في وجود ذكريات جميلة سواء مع الأصدقاء في العمرة أو مع الزوجة والأبناء في الرحلات الأخرى، وهذه الذكريات لا تُنسى ما حييت، ولم يعكر صفو هذه الرحلات إلا طول الانتظار في الموانئ، أما الرحلات البحرية نفسها فكانت مريحة وجميلة وتبعثُ على التأمل خصوصًا عند الصعود على سطح الباخرة أو العبّارة البطيئة أو السريعة ليلا ومطالعة النجوم التي تزين السماء.

وقد ولدتُ ونشأتُ على شاطئ “ترعة العطف” المتفرّعة من بحر شبين المتفرع من فرع دمياط أحد فرعَي النيل العظيم شريان الحياة في مصر والذي قلتُ فيه بعنوان “شمس الأصيل والنيل”:

شمس الأصيل على الحقول تماوجت — أضواؤها فبدت كأسـلاك الذهب

ماذا يضاهي حسنها وبهاءهــا — سبحان من خلق الجمال ومن وهب

تهب الضياء مع الحيـاة لأرضنا — هذي الزهــــور تألقت، معها العنب

والروض ينضـح بالعبير يروقنا — والنخل تزهو باسقات بالرطب

وترى الزروع على جوانب شطه — في خضرة تسبي العيون فتنجذب

والفاتنات على الشطوط تمايست — أعطافهن، فرحن يبعثن الطــرب

والناي قد بث الكمان شجونــه — فتجاوبا حتى لعبن بكل لب

والنيل رقرق ماءه ريح الصبا — فتلاحقت أمواجه تســري بحب

ما أروع النيل الجميل!، فماؤه — عذب يروي بالسعادة من شرب

فيعود منجذبا لفضة مائه — خلعت عليه الشمس ثوبًا من قصب

أنا إن فُتنت بشطـه وبمائــه — عذري معي، فالحسن عقلي قد سلب

فلكم قضيت الليل وحدي سـاريا — متأملا بجماله عبر الحــقب

ومع الحبيب سريت فوق مياهـــه — وعلى شواطئه، فلبينا خلب

يا نيل دمت على الزمان لأرضنا — تسخو، فننعم بالجمال وبالأرب

فلأنت نبع من جنـان إلهنا — أرأيت نبعا من جنــان قد نضب

وقد ألهمني البحر منذ أربعين سنة قصيدة سميتها من “وحي البح” كتبتُها وأنا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في سيدي بشر بالإسكندرية، ونُشرت بجريدة المساء العدد الأسبوعي في 25 من مايو 1985م، ونشرت في ديواني الأول “هموم وأشجان: خواطر ومشاعر” عام 2004م، قلت فيها:

تتكسر الأمواج فوق متونـــــه — كتكسر الألماس فوق جبيـــــن

ومناظر حسناء قد خلعت على — وجه الدنا من روعة التكويــن

الله أبدعها وأحسن صنعهـــــا — والله أبدع آدما من طيـــــــــن

قد كان لي فيها ملاعب صبية — ومعاهد درست فلا تشجينــــي

فالأفق يحمل في ثنايا غيبـــــه — حللا من الآمال قد تكفينــــــي

فلطالما أبحرت خلف رحابـــه — أرنو إلى عذب المنى تروينــي

علقت آمالي به فتقطعـــــــــــت — ومضت مع الأمواج مثل ظنون

وبمثل لمح البرق يحجب ضوءه — عني فأخبط في ظلام فتـــــــون

فدنوت منه على حيـــــاء علني — أحظى بما لم تحتسبه ظنونــــي

فأهـــل لما أن رآني مقبـــــــلا — وتمايلت أغصانــــــه لتقينـــــي

من برد إعصار وحـر دويــــة — أصبحت في أمن وفي تحصين

فحمدت ربي أن حباني نعمــــة — فوق الذي أملت أن يعطينــــــي

ودعوته في أن تدوم كريمتــــي — عونا على دنياي بل في دينــــي

قلب كريم والخلال عظيمـــــــة — والحسن زاه والتقى يرضينــــي

فبأي لفظ بعد ذلك أبتغـــــــــــي — شكرا لربي خالقي ومعينـــــــي

أعيتني الألفاظ أن أحظى بهــــا — كم كانت الألفاظ طــــوع يميني

فسجدت شكرا للذي خلق اللغــى — واغرورقت عيني وفاض يقيني

ولي مقطوعة بعنوان “عروس البحر”، كتبتها عام 2011، قلتُ فيها:

عروس البحر تضحك في سرور — وموج البحر يخطر في حبور

وصخر تجلسين عليه يندى — لينبت فيه ورد جنب جوري

وتغبطك الحسان على جمال — كأنك من حسان بنات حـــور

فليتي كنتُ عند البحر أحظى — بقربك كي أمدك من شعوري

شعور أب وأستـــــــاذ وأخ — وعم ثم خــــــــال أو سمير

يشاركك المشاعر في وداد — ويحفظ عهدكم عبر الأثير

ولي مقطوعة أخرى بعنوان “البحر يضحك “كتبتها في أغسطس/ أوت عام 2015، قلت فيها:

البحر يضحك إذ وقفت بشطـــه — والموج يرقص يا جميل، يزغرد

جاء الجمـــــال إليه يخطب وده — فالموج يحضنـــــــــــه، له يتودد

وإذا عروس البحر تلك وصيفــة — لجماله الفتـــــــــــــان لا تتـــردد

يا حسنه الفتاك رفقــا بالفتــــى — قسمات وجهك في فتاك تعربــــد

ولي مقطوعة بالعامية المصرية القريبة من الفصحى بعنوان: “مناجاة البحر” أقول فيها:

يا بحر فيك العجب والمعجزات ألوان —

فيك المحار واللآلئ والسمك ألوان

منه الكبير والصغير وأليف ووحشي كمان

سبحانه من سخرك للإنس ويا الجان

وزودك بالخير والنفع للإنسان

فيك البواخر مواخر كالجبال صنوان

تحملنا ويا متاعنا من مكان لمكان

والملح في ميتك يحفظ لنا الحيوان

ع الأرض في دورة ثابتة من سحيق أزمان

لحد يوم القيامة، تنقلب لنيران

وحتى دي معجزة قلب المياه لنيران

يا ريتنا بك نتعظ من قبل فوت الأوان

نسمع كلام ربنا ويبقى الجميع إخوان

نبقى عباد للإله مش نعبد الشيطان

يرجع لنا مجدنا ونقاوم الطغيان

والبحر، بقدر ما أسعد أناسًا كثيرين، فإنه أيضًا كان سببًا في مآسي آخرين من الصَّيَّادين، أو المغامرين، أو الحالمين الذين أغوتهم الأمواج وخانتهم قلَّة معرفتهم بفنّ العوم.. كما يحدث على شواطئ البحار في مصر وغيرها من بلاد العالم المطلة على البحار، ممن يرومون الهجرة غير الشرعية من الشواطئ المصرية والليبية إلى إيطاليا، أو مَن يقبلون على السباحة رغم التحذيرات على الشواطئ من رجال الإنقاذ والشرطة البحرية أو النهرية، أو الذين أوقعهم حظهم العاثر في ركوب باخرة متهالكة كما في الباخرة المصرية التي غرقت منذ سنوات وهي قادمة من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، أو حتى في تيتانك التي تحدى صانعها أن تغرق فغرقت كما قدر الله لها، ولهذا فنحن نعتقد بأنه يجب تعريف أبناء المناطق البعيدة عن الشطآن بالبحر، وتعلميهم أسراره وأخطاره، إذا ما قدموا للاستمتاع بالبحر في المصايف.

وللكُتّاب والشعراء والروائيين دور مهم في هذه التوعية بما يكتبون عن البحر وأخطاره وأسراره في فصول السنة المختلفة، وما يكون فيه من نوات بحرية في أوقات معينة يعرفها مَن يسكنون على الشواطئ وفي الثغور البحرية.

وللبحر في الأدب العالمي قصص وحكايات وكذلك في الأدب العربي وسوف نستعرضها بقدر ما تسمح به المساحة المحددة للمقال وبما لا يضجر القارئ أو يدفعه للملل والسآمة، مع بيان رموزه ودلالاته وتجلياته في الشعر والنثر والفكر الإنساني عبر الثقافات.

فمنذ أن رفع الإنسان عينيه إلى الأفق ورأى زرقة البحر تمتد بلا نهاية، صار البحر مرآةً لروحه، وصدىً لعواصفه الداخلية، ومسرحًا لأسئلته الكبرى، وفي الأدب العالمي، لم يكن البحر مجرّد خلفية طبيعية، بل رمزًا شاملًا للوجود، ومصدرًا للإلهام والخوف، وللفرح والحزن، وللحياة والموت معًا.

البحر بوصفه مهد الحياة ومصدر الإلهام

في الأساطير الأولى، كان البحر أصل الخليقة، ومنه نشأت الآلهة والكائنات، ففي الميثولوجيا اليونانية خرجت “أفروديت” من زبده، وولد “بوسيدون” سيد الأعماق من رحم الفوضى المائية، وهذه النظرة البدائية جعلت البحر رمزًا للخصب والخلق، وللقوة الخفية التي تحرك الكون، ومن هنا، غدا البحر في الأدب الغربي – كما في الشرقي – تمثيلًا للطاقة الكونية التي لا تُقاوَم.

البحر في الشعر الغربي

تناوله الشعراء من زوايا متباينة؛ فقد تغنّى به الرومانسيون بوصفه رمز الحرية والانطلاق، كما عند بايرون ووردزورث وشيللي الذين رأوا فيه خلاصًا من قيود الحضارة وفساد المدن. كتب شيللي في قصيدته إلى البحر:

“أيها البحر العظيم، أنتَ المرآة التي لا تشيخ

نرى فيك وجوهنا العارية من الزيف

ونسمع في أمواجك لحن الأبد”

أما في الشعر الفرنسي، فقد رآه “بودلير” مرآةً للنفس البشرية في “أزهار الشر”، حين قال:

“أيها البحر، يا مرآة قلقة،

يا قلبي، كم تشبهني!”

وفي الأدب الأمريكي، بلغ البحر ذروته الرمزية عند “هربرت ميلفيل” في روايته “موبي ديك”، حيث صار البحر رمزًا للغموض الإلهي الذي يواجهه الإنسان بلا يقين، والبحث عن الحقيقة في مواجهة القدر.

البحر في الأدب الروسي والاسكندنافي

في الأدب الروسي، كان البحر غالبًا فضاءً للعزلة والتأمل، كما عند بوشكين الذي وجد في أمواجه صفاء الحرية المفقودة، وتشيخوف الذي جعله خلفية حزينة لأحلام شخصياته المجهضة.

أما في الأدب الاسكندنافي، فقد ارتبط البحر بالقدر القاسي وبالبطولة، في ملاحم الفايكنغ التي جعلت من الإبحار رمزًا للحياة والمغامرة والموت الشجاع.

البحر في الأدب الشرقي والعالمي الحديث

في اليابان، جسّد البحر روح التأمل والسكينة في شعر الهايكو، إذ تختصر أمواجه فلسفة الزوال الدائم والتجدّد المستمر، أما في الأدب اللاتيني الحديث، فصار البحر عند بابلو نيرودا “الكتاب المفتوح للكون”، يقول:

البحر يكتب رسائله إلى السماء

بحروفٍ من رغوةٍ وضوء

البحر كرمز فلسفي وإنساني

عبر العصور، ظل البحر مرآةً للإنسان في بحثه عن المعنى، في موجاته يرى الفلاسفة صورة الصراع بين النظام والفوضى، بين العقل والعاطفة، فالبحر لا يُدرَك كله، لأنه – كالحياة – يمنح ويأخذ، يغري ويهدد، يحتضن ويبتلع، وهكذا صار في الأدب العالمي رمزًا للقدر، وللسفر الداخلي في أعماق الذات.

ويبقى البحر، في كل ثقافة، كائنًا حيًّا من الشعر واللغة، إنه صوت الأرض حين تتكلم بالماء، وصوت الإنسان حين ينصتُ إلى ما وراء الكلام، من هوميروس إلى نيرودا، ومن المتنبي إلى درويش، ظل البحر فضاءً أبديًّا للدهشة، ومدرسةً للحرية، ومجازًا خالدًا للوجود الإنساني الذي لا يكفّ عن الإبحار.

البحر في الأدب الجاهلي موضوع غني بالدلالات والرؤى، إذ مثّل هذا العنصر الطبيعيّ الجبّار، في وعي العربيّ القديم، رمزًا للقوة والمجهول والخطر، كما شكّل في الوقت نفسه مصدر دهشة وإلهام وقلق، لأنه يقف على تخوم الصحراء التي كانت وطنه ومجاله الحيويّ.

البحر في الأدب الجاهلي: من رهبة المجهول إلى رمزية الوجود

لم يكن البحر في الأدب الجاهلي مجرّد مظهر طبيعيّ يُرى من بعيد، بل كان أفقًا أسطوريًّا غامضًا، يحمل في أعماقه سرًّا مهيبًا يخيف الصحراء ويغريها في آنٍ واحد، فالعربيّ الجاهلي، ابن الرمال والقيظ، لم يعرف البحر إلا بوصفه نهاية العالم، وسديمًا من الماء لا يُرى له حدّ، ولذلك ورد ذكره في شعرهم قليلًا، لكنه حين يحضر، يأتي محمّلًا بالرموز والدلالات العميقة.

1. البحر بين الخوف والانبهار

كان البحر في المخيال الجاهلي مرادفًا للتّيه والخطر، لأنه غامض لا يُدرك عمقه ولا تُؤمن غوائله، يقول امرؤ القيس وهو يصف عظمة قوة فرسه وسرعته: “كجلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ”.

هنا يشبّه السيل بالماء المتدفّق المماثل لحركة البحر، فيحضر البحر كرمزٍ للاندفاع والقوة، كذلك نجد في شعر الشنفرى صورة البحر باعتباره امتدادًا للخطر:

وأطوِي على الخوفِ قلبًا جلودًا — كأنّي على البحرِ أُجري القُلوعا

في البيت الأخير يحضر البحر بوصفه ساحة مواجهة، كأنَّ الشاعر نفسه ملاحٌ يقاوم الموج، في استعارة تكشف عن روح التحدي.

2. حضور البحر في لغة التشبيه والاستعارة

استخدم الشعراء الجاهليون البحر في تشبيهاتهم النادرة كمعيار للاتساع والعظمة، فقد شبّهوا الكرم ببحر لا ينضب، والحلم ببحر هادئ، والحرب ببحر متلاطم الأمواج. يقول زهير بن أبي سلمى:

يُفيضُ عليكَ البحرُ من جودِ كفِّهِ — كأنّكَ من بحرٍ تجودُ جـــــــداولُهُ

فالبحر هنا يتحوّل من رمز للخطر إلى رمز للعطاء، في دلالة على تدرّج الوعي الجماليّ في تصويره.

3. البحر كرمز للمجهول والمصير

أمام امتداد البحر، يشعر الشاعر الجاهلي بعجز الإنسان أمام القدر، وكأنّ الموج مرآةٌ للزمن، فالقصيدة الجاهلية في جوهرها بحثٌ عن المصير، والبحر عند أطراف الصحراء هو رمزٌ لذلك المجهول الذي لا يُطال، وقد يكون البحر في هذا السياق قرينَ الموت، لأنّه طريق إلى الغياب، إلى العالم الآخر الذي لا يُرى.

4. البحر في مقابل الصحراء

العلاقة بين البحر والصحراء في الأدب الجاهلي علاقةُ تضادٍّ وجذبٍ معًا، فالصحراء وطن الشاعر، عالم الجفاف واليقين، والبحر عالم الرطوبة والغموض، هذا التضادّ جعل البحر رمزًا للتجاوز والانفتاح، فحين يقول الشاعر:

إذا الريحُ هبّت من رِياحِ ابنِ مُجدِمٍ — عَرَفتُ بها ريحَ البحرِ والماءِ الزُّلالا

فإنه لا يقصد البحر الحسيَّ بقدر ما يقصد رمز الانطلاق والحنين إلى ما وراء الأفق.

5. أثر البحر في التشكيل اللغوي والخيال الجاهلي

قلّة رؤية البحر جعلت صوره عند الجاهليين نابعة من التأمل والتخييل أكثر من المشاهدة، فالصور البحرية في الشعر الجاهلي لا تأتي بدقّة حسية، بل بطابع أسطوريّ أو استعاريّ، ولذلك فإنَّ البحر في الشعر الجاهلي هو بحر نفسيّ، مرآة للعواصف الداخلية أكثر منه مشهدًا طبيعيًا.

يمكن القول إنّ البحر في الأدب الجاهلي لم يكن عنصرًا طبيعياً مألوفًا كالصحراء والناقة والطلل، لكنه مثّل حدًّا رمزيًّا بين الحياة والمجهول، وبين الوطن والمنفى، وبين الأمان والمغامرة، لقد وقف العربي القديم أمام البحر كما يقف أمام قدره: مأخوذًا بجلاله، متوجّسًا من عمقه، مؤمنًا بأنه يحمل سرًّا يتجاوز حدود الإنسان.

وهكذا ظلّ البحر في الأدب الجاهلي صوتَ المهابة والدهشة، ومرآةً للبحث عن اللامحدود، ومفتاحًا رمزيًّا لفهم الإنسان العربيّ في بدايات وعيه بالعالم والوجود.

البحر في الأدب العربي بعد الإسلام: من رهبة الطبيعة إلى رمز الوجود والحرية

لم يكن البحر في الأدب العربي مجرّد عنصرٍ طبيعي أو مشهدٍ مائي، بل تحوّل، مع العصور، إلى مرآةٍ لتقلّبات الإنسان العربيّ نفسه: من الخوف إلى التأمل، ومن الهرب إلى الاكتشاف، ومن المجهول إلى الحرية. وإذا كان البحر في الجاهلية حدًّا غامضًا للصحراء، فإنه بعد الإسلام صار بابًا مفتوحًا على العالم والروح والقدر.

1. البحر في صدر الإسلام والعصر الأموي: بين الدعوة والعبرة

مع إشراق الإسلام تغيّر الوعي بالكون، وصار البحر مظهرًا من مظاهر قدرة الله. فالقرآن الكريم أكثر من ذكر البحر في مواضع التأمل والعبرة: “وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل: 14).

هذا الخطاب الجديد جعل الشعراء المسلمين ينظرون إلى البحر بعين الإيمان والتسليم، لا بعين الخوف القديم، فصار البحر آيةً في ملكوت الله، وعبرةً على قدرة الخالق، ويُروى أنَّ حسان بن ثابت وأضرابه من شعراء الإسلام، كانوا يرون في البحر دليلًا على عظمة الخلق وتنوّع النِّعم، لا على الغموض والموت.

أما في العصر الأموي، فمع اتساع الفتوحات ووصول العرب إلى السواحل، بدأ البحر يدخل في الشعر بوصفه طريقًا للغزو والسفر والتجارة، فقد ذكره الفرزدق وجرير في سياق الفخر بالأساطيل العربية التي بلغت قبرص وسواحل الروم.

2. البحر في العصر العباسي: من المادية إلى الرمزية

في العصر العباسي، حيث تفتّحت المدن على الحضارة والعلم والفلسفة، تغيّرت نظرة الأدباء إلى البحر، فقد صار رمزًا للعلم والمعرفة والدهشة الكونية، يقول أبو تمام:

كالبحرِ يقذفُ للقاصي جواهرَهُ — ويستفيءُ بنو الدنيا على طَرَفِ

فالشاعر هنا يرى البحر مرآةً للعطاء والكرم الفكري، كما يرى نفسه بحرًا من المعاني. أما المتنبي فيقول مادحا سيف الدولة:

كالبحر يقذف للقريب جواهرا — جودا، وبعث للبعيد سحائبـــه

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية:

أنا البحرُ في أحشــائِهِ الدُّرُّ كامــــنٌ — فهل ساءلوا الغوّاصَ عن صدفاتي؟

هذا البيت يكاد يكون أعظم تمثيل رمزي للذات العربية المثقفة؛ البحر هنا ليس ماديًّا بل هو الذات المبدعة، المليئة بالدّرّ الخفيّ، أي بالمعنى والشعر.

لقد تحوّل البحر في التجربة الصوفية إلى رمزٍ روحيّ شامل: الغوصُ فيه هو غوصٌ في الذات الإلهية، والموجُ هو اضطراب النفس في طريق المعرفة.

وفي المشرق، ظلّ البحر يظهر في رسائل الأدباء ورحلاتهم، مثل ابن بطوطة والمسعودي والجاحظ، بوصفه ميدانًا للتأمل في الكون، وللتعبير عن تنوّع الخلق، وعن المغامرة في طلب العلم.

5. البحر في الأدب العربي الحديث: من الرمز الطبيعي إلى الوجودي

مع النهضة الحديثة، واحتكاك الأدب العربي بالآداب الأوروبية، اكتسب البحر دلالات جديدة، ففي شعر إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران أصبح البحر رمزًا للحرية والبحث عن الذات.

وفي شعر بدر شاكر السياب، تجسّد البحر في ديوان “أنشودة المطر” كرمزٍ مزدوجٍ للحياة والموت، للخصب والفناء

ثم تطوّرت الصورة في شعر نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش، ليصبح البحر وطنًا للذاكرة، وفضاءً للحنين إلى الحرية والأنوثة والوطن المفقود.

هكذا نرى أنّ البحر في مسيرة الأدب العربي تحوّل من مشهدٍ خارجي إلى رمزٍ داخلي. في الجاهلية كان حدًّا مهيبًا، وفي الإسلام صار آيةً من آيات الله، وفي الفترة العباسية صار فضاءً للعقل، وفي الصوفية طريقًا إلى الله، وفي العصر الحديث أصبح مرآة للحرية والوجود والحنين.

إنَّ البحر في الأدب العربي ليس ماءً فقط، بل تاريخ من التأملات في الإنسان نفسه، كل موجةٍ فيه تُعيد صياغة العلاقة بين الشاعر والعالم، بين الروح والمصير، وبين الحلم والحدود. وما يزال البحر، حتى اليوم، رمزًا خالدًا لدهشة الإنسان العربي أمام اللامحدود.

الماء في القرآن الكريم والشعر الأندلسي

الماء عصب الحياة، بل هو الحياة، وصدق الله العظيم خالق الحيـاة، إذ يقول: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء، الآية: 30).

ولقد وردت كلمة الماء في القرآن الكريم (59) تسعاً وخمسين مرة، في تسع وخمسين آية كريمة، بصيغة المفرد؛ المعرفة أو النكرة، وذلك في سياقات عديدة، ومن هذه السياقات ما يصور الأمور الغيبية المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، وبدء الخلق، مثل قوله تعالى: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ”، (هود، الآية: 7)، وفي هذا السياق ذاته ترد أعظم آية في الدلالة على عظيم قدرة الله، وأهمية الماء؛ فمنه خلق الله كل شيء حي، يقول تعالى: ” وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ” (الأنبياء: 30)، وقوله سبحانه وتعالى مصورا خلق كل ما يدب على الأرض من الماء: “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ” (النور: 45).

وفي سياق الخلق أيضا، يرد قوله تعالى عن خلق الإنسان: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا” (الفرقان: 54)، وقوله تعالى: “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” (المرسلات: 20).

كما وردت كلمة الماء في القرآن الكريم في سياق الحديث عن نِعم الله على الإنسان، وبيان وظيفة الماء في الحياة مثل تطهّر الإنسان به في قوله تعالى: “وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ” (الأنفال: 11)، أو إحياء الأرض بعد موتها، في قوله تعالى: “وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” (البقرة: 164)، وقوله تعالى في هذا السياق أيضا: “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ” (الأنعام: 99).

كما وردت كلمة الماء في القرآن الكريم في سياق الدلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى في تشقق الصخور وخروج الماء ونبعه منها، يقول سبحانه مقارنا بين الصخور من جهة وقلوب بني إسرائيل القاسية من جهة أخرى، والتي هي كالحجارة أو أشد قسوة، لأن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، “وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ” (البقرة: 74).

ويذكر القرآن الكريم كذلك الماء الجوفي، يقول الله تعالى: “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ” (المؤمنون: 18)، ويقول سبحانه وتعالى في السياق نفسه، بأسلوب الاستفهام الذي يلفت النظر وينبه المسؤول إلى بديع قدرة الله في إنزال الماء من السماء، وكيف يسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  (الزمر: 21).

وقد ورد الماء في القرآن الكريم بوصفه جندا من جنود الله في إهلاك الكافرين، فكما أنه نعمة كبرى من الله، فإنه قد يكون نقمة، فقد أغرق الله به فرعون حين أمعن في الطغيان وادّعى الألوهية، كما نجّى موسى عليه السلام حين ضرب له ولأتباعه طريقا في البحر يبساً، وكذلك نجّى به نوحا عليه السلام والذين آمنوا معه، وأغرق الكافرين، يقول تعالى في تصوير قصة نوح عليه السلام، وما دار بينه وبين ابنه الكافر من حوار: “قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ” (هود: 43).

ويرد الماء في القرآن الكريم في سياق ضرب المثل، فقد ضرب الله به مثلا للحياة الدنيا، فقال سبحانه: “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا” (الكهف: 45).

كما ورد في القرآن الكريم ذكر ماء الآبار في قوله تعالى في سياق قصة موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب عليه السلام: “وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ” (القصص: 23).

كما ورد الماء في القرآن الكريم في سياق الحديث عن الآخرة، وما أعدّه الله فيها من النعيم لعباده الطائعين، قال تعالى في وصف الجنة: “مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ”(محمد: 15).

ثم يقارن الحق تبارك وتعالى بين حال هؤلاء المتقين، وحال الخالدين في النار من الكافرين في الآية نفسها فيقول: ” كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ”(محمد: 15)

ويصف الحق تبارك وتعالى حال الكافرين حين يستغيثون في جهنم وكيف يغاثون بماء كالمهل يشوي وجوههم فيقول: “وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” (الكهف: 29).

وقد وردت كلمة الماء مضافة إلى الأرض في قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام، مبيّناً ائتمار السماء والأرض بأمره سبحانه: “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (هود: 44). وفي قـوله تعالى عن الأرض أيضاَ: “أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا” (النازعات: 31).

وفي سياق من الله على عباده، وتذكيرهم بنعمه عليهم يقول سبحانه: “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ” (الملك: 30). وقوله تعالى على لسان المؤمن وهو يجادل الكافر الجاحد لنعم الله تعالى عليه، والمزدري لأخيه الطائع لله، والمفاخر بجنتيه المحفوفتين بالنخل، وما بينهما من ثمر، يقول سبحانه: “أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا” (الكهف: 41).

ويمُنُّ الله على عباده بأنَّ إنزال الماء إنما يكون بسبب طاعتهم له واستقامتهم على طريقه فيقول: “وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا” (الجن: 16).

وهذا غيض من فيض حديث القرآن الكريم عن الماء، مما يدل على أهميته البالغة في استمرار الحياة على سطح الأرض.

أما أوعية الماء الكبرى على هذه الأرض، فإنها تنقسم على ثلاثة أقسام؛ هي الأنهار “عذبة الماء”، والبحار والمحيطات “مالحة الماء”.

وقد لاحظنا أنَّ المحيطات لم ترد كأوعية للماء في القرآن الكريم، وإنما وردت بمعنى الإحاطة والاستيعاب والسعة؛ بحيث تحيط بالشيء من جميع جوانبه، حيث وردت كلمة محيط في القرآن الكريم (9) تسع مرات، منها قوله تعالى: “وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ” (البقرة: 19)، وقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ” (آل عمران: 120)، وقوله سبحانه: “وكان الله بكل شيء محيطاَ “(النساء 126)، وقوله تعالى عن سعة جهنم وإحاطتها بالكافرين: “يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ” (العنكبوت: 54).

أما الأنهار؛ فقد وردت كلمة نهر في القرآن الكريم مفردة ثلاث مرات؛ اثنتان منها في الدنيا، في سياق الاختبار والابتلاء، وهما قوله تعالى على لسان طالوت: “قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ…” (البقرة: 249)، وقوله تعالى في قصة صاحب الجنتين: “وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا” (الكهف: 33). كما وردت مرة واحدة، في الحديث عن ثواب المتقين في الآخرة، في قوله تعالى: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ” (القمر: 54).

أما كلمة الأنهار بصيغة الجمع فقد وردت في القرآن الكريم 47 مرة؛ منها 7 مرات في أثناء الحديث عن الدنيا، و40 مرة في سياق الحديث عن الآخرة وثواب المتقين. كما وردت كلمة “أنهارًا” جمعًا منكرة 4 مرات؛ كلها في سياق الحديث عن الدنيا.

أما البحر فقد ورد في القرآن الكريم 33 مرة؛ كلها في سياق الحديث عن الدنيا. وورد بلفظ المثنى “البحران” مرة واحدة في الحديث عن الدنيا، وورد بلفظ المثنى “البحرين” 4 مرات، في الحديث عن الدنيا أيضا.

كما ورد مجموعًا على “أبحر”َ مرة واحدة في سياق التذكير بنعم الله في الدنيا، وأنها لا تحصى وذلك في قوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (لقمان: 27).

أما “البحار”، فقد وردت مرتين في سياق الحديث عن قيام الساعة في قوله تعالى: “وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ” (التكوير: 6)، وقوله تعالى: “وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ” (الانفطار: 3).

ولعلنا لاحظنا أنَّ البحر لم يرد في سياق الحديث عن الآخرة مطلقًا، إلا أن البحار وردت مرتين في سياق الحديث عن قيام الساعة، وأما الأنهار فإنَّ معظم ورودها في القرآن، جاء في سياق الحديث عن الآخرة، وما أعدّ الله فيها من الثواب للمتقين، وقلّ ورودها في سياق الحديث عن الحياة الدنيا، ولعل هذا يلفتنا إلى ما في الدنيا من شقاء وعناء ومرارة تشبه مرارة ماء البحر، الذي لا يروي ظمأ ولا يبلّ أوامًا، فمهما تضلع الإنسان من الدنيا فإنه لا يرتوي منها، كما لا يرتوي من يشرب من ماء البحر مهما عبّ منه، أما الآخرة فإن فيها الري من أنهار الماء “غير آسن” واللبن “لم يتغير طعمه” والخمر “لذة للشاربين” والعسل “مصفى”.

نسأل الله أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يسقينا من أنهار الجنة جميعها عموما، ومن نهر الكوثر خصوصًا، من يد نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا، وما ذلك على الله بعزيز، “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ” (سورة الكوثر).

وإذا انتقلنا من الحديث عن الماء في القرآن الكريم، إلى الحديث عنه في الشعر العربي، فإننا نجد أنَّ كلمة الماء وردت في الشعر العربي 4298 مرة، عند 708 شاعرا.

أما في الشعر الأندلسي، وهو مناط بحثنا ومجال اختصاصنا، فإنَّ كلمة الماء قد وردت فيه 370 مرة، عند سبعة وخمسين شاعرا.

وسوف نكتفي بالحديث عن الماء عند شاعر أندلسي واحد، وهو من أشهر شعراء الأندلس، بل هو أشهرهم على الإطلاق، وقلّ مَن لا يعرفه، إنه “بحتري الأندلس”، الوزير العاشق ـ كما لقبه الشاعر الأستاذ فاروق جويدة في مسرحيته ـ وكما اشتهر في التاريخ الأدبي، بحبه لـ “ولادة بنت المستكفي”، التي قال فيها نونيّته الشهيرة، التي مطلعها:

أضحى التنائي بديلا من تدانينا — وناب عن طيب لقيانا تجافينـــا

  وقد تكررت كلمة الماء في شعر “ابن زيدون” سبع مرات، سوف نعرض لها مبيّنين دلالاتها المختلفة.

1 – يشبّه جسم محبوبته في الصفاء والرقة بالماء، وما ظهر في وجهة من بثور بالحباب الذي يعلو سطح الماء، فيقول:

جسمه في الصفاء والرِّقة الماء — فلا غــــــــرو أنَّ عـــــلاه حُباب

وهذا من باب حسن التعليل.

2 – كما يصوّر عدم صبره على فراق “ولادة”، وكيف أنه يشبه عدم صبره لدى العطش على الماء القراح، فيقول:

إليك من الأنام غـــــــداً ارتياحي — وأنت على الزمان مدى اقتراحي

وما اعترضت همــوم النفس إلا — ومن ذكراك ريحاني وراحــــي

فديتك إنَّ صبري عنك صبـــري — لدى عطشي على الماء القراح

ولي أمل لو الواشون كفـــوا — لأطلع غرسُه ثمر النجــــــاح

وأعجب كيف يغلبني عــــــدوٌ — رضاكِ عليه من أمضى سلاح

3 – يصوّر “ابن زيدون” محبوبته “ولادة” بالبحر اللجي الذي لا ساحل له، ولا يستطيع أحد أن يخوض في ساحله، فضلاً عن أن يخوض في لجته، فقد غرّه عهدها وهو السراب الذي يتراءى، والبرق الوامض لا يقدر أحد على إمساكه، وقد ظن بها الوفاء، ولكن ظنونه كانت كاذبة تجيب على من يفترض صحتها بأن “ولادة” تشبه الماء، بل هي الماء بعينه، يأبى على قابضه ولا يمكن أن يمنح زبدته من يمخضه، يقول “ابن زيدون”:

وشمرت للخوص في لجـــة — هي البحر ساحلها لم يُخَض

وعزك من عهــــــــد ولادة — سراب تراءى وبرقِ ومض

تظن الوفاء بها والظنــــون — فيها تقول على مَن فَــــرَض

هي الماء يأبى على قابضٍ — ويمنع زبدته مَن مَخَض

هذا في مجال الغزال والهجر والتمنّع من المحبوبة.

4 – أما في إطار المدح والاستعطاف فإنه يشبه ممدوحه “ابن جهور” في شهامة نفسه مع سلامة مذهبه بالماء الممزوج بالخمر، فيقول:

شهامة نفس في سلامة مذهب — كما الماء للراح الشمول قطاب

5 – كما يصوّر ما حدث من جفوة بينه وبين ابن جهور بالماء الذي علته كدرة أو الضباب الذي يغطي ضوء النهار، فيقول:

فقد تتغشى صفحة الماء كدرة — ويغطو على ضوء النهار ضباب

6 – ويصور ممدوحه وما يبذله من جهد في سبيل الارتقاء بحضرة قرطبة، حتى غاب عنها صرف الدهر من خشيته، ونام القط فلم يثر فيها وكأنها غدت حرمًا آمنًا، وأنَّ نازلها يتمتع بالربيع الطلق ويلهيه فيها ندى البُكر عن طيب آصالها، فهي جميلة بُكرة وأصيلاً، لأنَّ ممدوحة “ابن جهور” لا يزال يبث النبت في جَلدٍ منذ ساسها، ويفيض الماء من حجر، وكأن يريد أن يقول إنه يصنع المعجزات للارتقاء بها، فيقول:

كم اشتري بِكَرى عينيه من سهر — هدوء عين الهدى في ذلك السهـر

في حضرة غاب صرف الدهر خشيت — عنها ونام القطا فيهـا فلم يثر

ممتع بالربيـع الطلــــق نازلهـا — يلهيه عن طيب آمال نــــدى بُكـــــــرِ

7- وفي مجال السفارة بين الأمراء نراه يصور العهد بين زعمين من زعماء ملوك الطوائف، هما “باديس” ملك غرناطة و”ابن عباد” ملك إشبيلية، وكيف أنهما في الموالاة والتّصافي كالماء القراح حين يمزج بالخمر، حتى يقطع دابر الوشاية بينهما، فيقول:

فداء لباديس النفوس وجاده — من الشكر في أفق الوفاء غمام

فما لحقت تلك العهود ملامة — ولا ذُمَّ من ذاك الحفاظ ذمام

ومثلك والى مثله فتصافيـــا — كما صافت الماء القراح مدام

كانت رحلة ممتعة مع البحر والماء، وعسى أن يجد القارئ فيها ما وجد الكاتب من متعة وفائدة تستحق عناء الكتابة والقراءة، والله من وراء القصد، وهو المستعان.

عندما يتحوّل البحر إلى كابوس للحالمين!

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)

في الكثير من الروايات قد نجد البحر حاضرًا بقوة كشريك للرومانسية، فيلتقي الحبيبان في حضرته ليُفصحا إلى بعضهما البعض عمّا يعتريهما من مشاعر. حتى أنه بالنسبة إلى كثيرين يُعدّ رمزًا للسلام، فحين يجلس الإنسان أمامه قد يعيش للحظات ذاك السلام الذي لطالما بدا بعيدا عنه كل البعد.

وقد يرى فيه كثيرون أيضا الأملَ، فحين يتأمّلونه يرون أمانيهم وأحلامهم كما لو أنها على وشك أن تغدو حقيقة وليست مجرد خيال أو وهم. وأنا لن أنكر هنا أن البحر قد يحمل في أوقات معينة رائحة الرومانسية والسلام والأمل، لكن من جهة أخرى لا يمكننا نسيان أن للبحر رائحة أخرى، وهي رائحة الموت.

فكم من مرة سمعنا خبرا كهذا الخبر: “مساء الخير أعزائي المشاهدين، يؤسفنا أن نحمل إليكم خبرا حزينا، فقد تم العثور على أشخاص قضَوا غرقا وهم يحاولون الهرب إلى بلد جديد عبر البحر”. كم هو خبر مؤسف ومحزن!

إن رجالًا ونساءً وأطفالا يضعون حياتهم على المحك، فيحاولون عبور البحر كمن يسير على خيط رفيع وهو لا يعلم في أيّ لحظة قد يسقط وتنتهي حكايته، لكنهم رغم ذلك يتابعون ما يفعلونه، ربما لضيق حياتهم ومستقبلهم في وطنهم. وما أقسى الوطن الذي يشعر المواطن بأن حياته فيه باتت ضيقة، ومستقبله بات أضيق، وأنه من الصعب عليه لاحقا أن يتمكّن من التنفس!

فهؤلاء الأهالي قد لا يخاطرون فقط بحياتهم، بل بحياة أطفالهم، لأنهم وصلوا إلى نقطة تأكدوا فيها أن أطفالهم لن يعيشوا حياة سهلة حيث هم الآن، فيحملونهم بين أيديهم ويخوضون هذه المغامرة التي تنتهي في مرات كثيرة بمأساة. إذ إن القارب الصغير الذي يصعد على عشرات مئات الأشخاص الهاربين من ماضيهم وواقعهم، لا يجد في نفسه القدرة على حمل كل هذه الأمور التي في جعبتهم دفعةً واحدة، فالعدد كبير، لذلك يتعطّل القارب، وقد يتحوّل إلى قطع صغيرة غير متماسكة، فيغرق الركاب الذين ولسخرية القدر يكون معظمهم غير متقن للسباحة، أمّا من يعرف كيف يسبح فيتعب من المقاومة لوقت طويل حتى يجده من ينقذه ويريحه من همومه، فيكون الموت مصير الجميع، من مات غرقا ومن مات بقلب محروق على فقدان حبيب أو أخ أو أب أو صديق.

حتى الشبان الذين لم يتزوّجوا بعد، قد يجدون أنهم لو عملوا مئة سنة لن يتمكنوا من جمع أموال كافية لمصاريف الزواج، فيقرّرون السفر وهم يحلمون بأنهم سيجدون لأنفسهم في بلد آخر عملا يكون لهم سندا حقيقيا لبناء مستقبل اشتاقوا إلى جعله حاضرهم. فيسافر هؤلاء الشبان، بعضهم يتركون خلفهم حبا ينتظر عودتهم، وبعضهم الآخر يتأمّل بأن يجد الحب لاحقا وحينها سيكون مستعدا له.

الأحلام في متناول الجميع، لكن تحقيقها يبقى حكرا على أشخاص معيّنين، ربما من يبذلون جهدا أكبر، وربما من يتصرفون بذكاء أكثر، ولكن من يضع حياته رهينة قارب صغير قد يخسر نفسه قبل حلمه، لذلك ومهما كانت الأحلام جميلة، ومهما كان الواقع في المقابل مرًّا، لا أجد أنه من المستحسن خوض هكذا مغامرة.

ربما سيجدني أب يتمزق قلبه من الألم والحسرة لأن ابنه يطلب منه القليل من الطعام وهو ليس بقادر على شراء أيّ شيء له، مجرد متحدثة تافهة أو شابة تحاول أن تكتب شيئا ما، لكن ما كتبته ليس سوى هراء لا يغني فقيرا ولا ينقذ يائسا من الغرق، لكنني مرة أخرى سأقولها، المجازفة بحياتنا ليست حلا لإنقاذها من الاحتراق، فلنذهب إلى طرق أكثر أمانا بدلا من أن نرمي بكل شيء في مياه البحر.

مآسي البحر كثيرة، وهنالك أشخاص يتألمون بسببها، وهذا الألم لا يمكن تجاهله، لذلك ينبغي على كل كاتب أن يكتب عنها علّه يكون سببا في توعية شخص أو مجموعة من الأشخاص لكيلا يخاطر المزيد من الناس فيموتون قبل أن يعيشوا الحياة التي كانوا يحلمون بعيشها.

يوم قتل البحر أبي!

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية – لبنان)

صفوفٌ مرتّبةٌ بعنايةٍ كأنّها صفوفُ صلاةٍ في معبدٍ صغير، طاولاتٌ لامعةٌ تصطفّ في انتظامٍ مهيب، وجدرانٌ يعلوها بياضٌ ناصع يشبه الصفحة الأولى من عمرٍ جديد.

خارج النوافذ، كانت عصافيرُ الصباح تُغنّي نشيدَ الحياة، تداعب ضوء الشمس المتسلّل بخجلٍ من بين الستائر، فتبعث في المكان أنفاسًا من الطمأنينة والدهشة.

هدوءٌ يلفّ المدرسة، وصوتُ الملاعق في الصحن الأخير من الفطور هو الإيقاعُ الوحيد الذي يُسمَع.

كانت التلميذاتُ تجلسن بوجوهٍ نظيفةٍ وملابسَ مرتّبةٍ تفوح منها رائحة الصابون، وفي عيونهنّ دهشةُ البداية، وخوفٌ صغير من المجهول الذي ينتظرهنّ خلف الأبواب الزجاجية.

أما هي، فكانت تحمل على كتفيها ما لا تقدر طفلةٌ على حمله؛ وجعُ الانتقال، ثِقَلُ الذكريات، وحنينٌ عالق في صدرها كصورةٍ باهتةٍ لا تنتمي إلى هذا المكان.

دخلت المدرسةَ الجديدة بخطى متردّدة، كمن يقترب من عالمٍ غريبٍ لا يعرف لغته ولا عاداته، لكنّها كانت تُخفي خلف صمتها شجاعةً هادئة، كمن يقول في نفسه: “سأتعلم كيف أكون من جديد”.

المكانُ منظمٌ كأنّه آلةٌ تعمل بالدقيقة، اللغةُ غريبة، تلتفّ حول الحروف كما يلتفّ البحر حول الغريق، لكنها كانت تُهوّن الأمر في داخلها: “لستُ في الغُربة هنا وحدي، فكلّنا غرباء”.

حين جاء دورها لتتحدث، كانت في المنتصف تمامًا، بين الصفوف، بين النظرات، بين الحكايات التي لم تُحكَ بعد. وقفت مترددة، كمن يتأرجح على حافة الحياة، بين رغبةٍ في الكلام وخوفٍ من البوح. وجاء السؤال بلغةٍ مكسورةٍ تُرجمت إليها: “تحدّثي عن أكثر شخصٍ تحبّينه، عن إنسانٍ كان بجانبك، عن حبٍّ لا ينتهي”.

أغمضت عينيها، أخذت نفسًا عميقًا، شعرت أن الهواء صار أثقل من روحها، ثم بدأت تتكلم بلغتها الأم، بلغةٍ تشبه البكاء حين يتحوّل إلى موسيقى: “لم أرَ مثيلا لجماله قط، وإن اقتربتُ منه، تسلّل إلى قلبي قبل أن يصل إلى أنفي، رائحته تشبه ذكرياتٍ لا تُنسى، تسكن القلب أولًا، ثم تدغدغ الحواسّ بخفةٍ تشبه الحنين، قالوا إن رائحته كريهة أحيانًا كفأرٍ ميّتٍ منذ ثلاثة أيام، لكنّني لم أشمّها كذلك يومًا، ربما لأنّي أحببته بصدقٍ جعلني لا أرى منه إلا النقاء”.

تغيّرت ملامح وجهها شيئًا فشيئًا، صارت تتحدّث كما لو أنّها تروي سيرةَ عاشقٍ غائبٍ لا يُفارق القلب.

“كثيرون جعلوه صندوق أسرارهم، لكنني كنتُ استثناءه. هو لي بطريقةٍ لا يفهمها أحد، عانقني أمام الجميع مرارًا، وقال لي بصدى صوته الذي يشبه الأمان: لا تخافي، أنا هنا”.

ثم سكتت قليلًا، ونظرت إلى فراغٍ بعيدٍ لا تراه إلا هي، وأكملت بصوتٍ خافتٍ كاعترافٍ ثقيل: “لكنّي أخشاه، أخاف غضبه إذا جنّ الليل، حين يثور، لا يعرف أحدًا، يضرب بعنفٍ كأنه ينتقم من العالم، وحين يهدأ، يعود نقيًّا، كطفلٍ غسلته السماء بالمطر”.

في عيون المستمعين تساؤل، وفي صوتها حنينٌ غامض. ثم قالت: “هو كريم، يعطي من لا يملك، يشبع الجائع بلا مقابل، ينام على صبره، ويستيقظ على عطائه. لكن.. سأبوح لكم بسرٍّ لم أقله من قبل: لقد قتل والدي”.

ساد الصمت، حتى إنّ أنفاس الموجودين بدت كأنها توقّفت للحظة. ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت بصوتٍ يشبه الاعتذار: “أعلم أنّها جريمة لا تُغتفر، لكن رغم ذلك.. أنا أحبّه. حاولت تبرير فعلته كثيرًا، قلت ربما لم يقصد، ربما كانت لحظةَ غضبٍ عمياء، ربما البحر لا يعي ما يفعل حين يثور”.

ثم رفعت رأسها نحو السماء من وراء النافذة، وصوتها صار يشبه البكاء المكتوم: “في ليلةٍ لا قمر فيها، ثار البحر على زورقٍ صغيرٍ يحملنا، ابتلع أبي أمامي، وسكت بعد أن أخذ ما يريد. لكن في الصباح، عاد إلى صفائه، أعاد لنا الطريق نحو الشاطئ، كأنه ندم على ما فعل. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أراه قاتلًا، بل قدرًا، يُعاقب حين يُحب، ويُغفر حين يثور. أقف اليوم أمامكم وأسأل: هل هو المذنب؟ أم أنا التي أخطأت حين أحببت البحر؟ حين وثقتُ بالموج، ورأيتُ في طغيانه حنانًا، وفي غضبه نجاةً؟”.

تدحرجت الدموع من أعين الجميع، ورنّ الجرس.

رحلة في أعماق “أدب البحر”

ردوان كريم (كاتب من الجزائر)

في الصيف، دقائق معدودات بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس صباحًا على الشاطئ، ذلك الهدوء الأبدي الذي لا مثيل له، وصوت الموج الخفيف الذي يعانق الرمال المبتلة بالندى ثم يغادر، ولا يلبث إلا لحظات ليعود بفقاعاته البيضاء التي ترسم نهايته. زرقة البحر التي تكاد تكون مُخضرّة فاتحة، والسماء شبه مُحمرّة بفعل الفجر الصادق، وكأنه شفق الغروب لولا ازدياد النور والأشعة الذهبية. أعداد كثيرة من النوارس البيضاء تنشد الحرية، ويتناغم صوتها مع هدير الموج؛ تصطاد مرة، وتطير نحو صخرة، ومنها إلى الميناء فوق قوارب الصيد بحثا عن بقايا صيد عالقة على شباك الصيادين العائدين بثروة سمكية تُستهلك هنا وهناك. بعض الصيادين يُصلحون قواربهم وآخرون يصلحون ويرتبون شباكهم.

وفي داخل المسمكة، صيادون يدخلون بصناديق خشبية، وآخرون على طاولاتهم يقطّعون الأسماك الكبيرة، وأحدهم يذرّ الثلج على أسماكه. جزمة بلاستيكية بيضاء، وسروال جلدي، وقميص بحري مخطط بالأبيض والأزرق، وفوقه عباءة باللون الأزرق الصيني، ينادي بلهجة جزائرية:

“مرحبا بكم، خير ربي، كلش كاين، سردين روايال، سردين رقيق، سردين متوسط، لاتشا، بوقا، كروفات روايال، سورال رقيق، سورال متوسط، سورال خشين، سمكة التونة، الكحلة، ميرلون، سلمون، دوراد، ذئب البحر، غزال البحر، باجو، السلعة والسومة، والتوصيل متوفر!”.

ثم تبدأ الأصوات بالتصاعد: حضور غفير من الناس، مشترٍ، سائح، عامل هناك، ومتجوّل.. بعيدًا عن هناك، عند الصخور الكبيرة، بعض الصيادين بصنّاراتهم الملقاة في مياه البحر، مستمتعين بتمضية الوقت، غارقين في أفكارهم وأحزانهم. هي ليست عملًا، ولا هواية، ولا رياضة، بل نمط حياة، وتحدٍّ للنفس والطبيعة. صوت الأمواج عند الصخور مخيف وقوي، فيه من الحجارة الصغيرة وفُتاتها ما يتحرك مع المد والجزر، وارتطامها بقاع الصخور الكبيرة يحدث صوتًا مفزعًا لغير المتعوّد.

بعيدًا عن الشاطئ والمرفأ، حيث تنتهي الصخور، تبدأ المنحدرات والصخور الشاهقة التي تعلوها أحراش وغطاء نباتي مُخضرّ كثيف ذو أشواك. بعض الغطاسين والسبّاحين المهرة والمتهورين يسبحون إلى هناك، حيث المياه نقية كالبلوّر، وقاع البحر مرئي كالزجاج. في الظهيرة، تُشمّ رائحة الأطعمة، خاصة المقليّة منها من أبعد نقطة على الشاطئ، مصدرها المطاعم المنتشرة على طول الشارع المحاذي للشاطئ.

البحر، هناك من يراه وجهة صيفية للاستجمام والراحة، عطلة وسياحة. مكان للاسترخاء، والعوم، والقفز في الماء، والاستلقاء على رمل الشاطئ. لباس خفيف، ألوان متعددة، عصير ونظارة شمسية. ممارسة أنشطة التجديف بالكاياك وقيادة الدراجات المائية (جت سكي)، وإيقاف اليخت بعيدًا عن الشاطئ والشعور بشيء من الخصوصية، إيقاف للعقل، والخلود إلى السكون.

في المغيب، مع الشفق الأحمر، يبدأ الناس بالاختفاء شيئًا فشيئًا، وقرص الشمس الذهبية تراه يبتلع غربًا في أقصى حدود الرؤية، حتى يفرغ الشاطئ ويسود الصمت، تُسمع الأمواج لكن لا تُرى. يهجم البرد دفعة واحدة.

في الشتاء، الشواطئ فارغة، والأمواج عاتية، والبحر يتقيّأ القمامة التي خلّفها الإنسان في الفصول الأخرى. يصبح المكان ملكًا للعميقين، لأصدقاء البحر الدائمين، لمن يشبهونه بعمق تفكيرهم، الهائجين من الداخل، الغاضبين، ذوي الأحزان والهموم الكبيرة، العاطفيين، الرومانسيين، الشاعريين، المفضلين للعزلة والوحدة، محبّي الاختلاء بالنفس مع الطبيعة، المتأمّلين، المنكسرين، والباحثين عن هدف جديد، الروائيين والفنانين الباحثين عن الإلهام ولمسة إبداعية في هدوء أو غضب البحر.

البحر يحمل كل الصفات التي تشبه الحياة والإنسان؛ فيه من الغموض والرهبة، والقوة، والشراسة، والجمال، والطمأنينة التي لا نجدها في أيّ مكان. وكما تعدّدت الرؤى بين الحكماء والأدباء، فكل شخص حكم على البحر ووجده بطريقته الخاصة. “فيكتور هوغو” يقول: “البحر هو فضاء الصرامة والحرية”، وعلى العكس، يرى “غاو شينغجيان” في كتابه “جبل الروح” أنه “بحر المعاناة بلا حدود”.

أما “تينيسي ويليامز” فتؤمن بأن “من يحب الشباب، يحب البحر”. ويؤكد “أليساندرو باريكو” أن “البحر بلا طرق، البحر بلا تفسيرات”. بينما يراه “ألكسندر بوب” جسرًا للتواصل إذ “يصل بين المناطق التي يفصل بينها”.

ولا تخلو الحكمة الشعبية من بصمتها، فالمثل التركي يذكّرنا بأن “البحر لا يشتري السمك”، بينما يرى “ستاندال” أن “منظر البحر الجميل مواسٍ”. ويعبّر المثل الإنجليزي عن حكمة الحياة بقوله: “البحر الهادئ لم يصنع بحّارًا جيدًا أبدًا”. أما “فيكتور هوغو” فيصفه وصفًا آخر: “يا أيها البحر الحزين! أيها القبر حيث يبدو كل شيء حيّا!”.

وتكتمل الصورة بتأمّلات “كيت شوبان” التي ترى أن “صوت البحر يخاطب الروح. اتصال البحر بالجسد اتصال حسّي، يلفّ الجسد في عناق ناعم وسري”. ويرى “جون دون” أن “البحر عميق في الهدوء كما في العاصفة”. بينما يتخيل “أندريه مالرو” عالمًا بسيطًا إذ يقول: “كان بإمكان العالم أن يكون بسيطًا كالسماء والبحر”.

وتتنوّع الحكم؛ فالمثل السويدي يقول: “عندما يكون البحر هادئًا، كل قارب له قبطان جيد”. والمثل السواحيلي يذكّرنا بأن “الرجل وحده لا يستطيع إطلاق القارب إلى البحر”. ويختتم المثل الروسي بأن “حتى مجد النهر ينتهي عند البحر”. فيما يشبّه “مارك أوجه” الذكريات بالبحر فيقول: “الذكريات يشكّلها النسيان مثلما يشكّل البحر معالم الشاطئ”. فلكلٍ بحره، ولكلٍ في هذا البحر عوالمه.

يقول “شارل بودلير” في قصيدته الشهيرة “الإنسان والبحر”، في ديوان “زهور الشر”: “أيها الإنسان الحر، ستحب البحر باستمرار! البحر مرآتك؛ تتأمل نفسك في تتابع موجه اللانهائي، فليست روحك لجّة أقل مرارة من لججه. يعجبك أن تسبح في غمرة صورتك؛ تعانقها عيونًا وسواعدَ، وقلبك ظلّ يتسلى أحيانًا بصخبه الخاص في صخب ذلك الهدير الجموح والمتوحش. أنتما – كلاكما – غامضان ومحترسان”.

بين الأمواج والحبر: رحلة في أعماق أدب البحر

منذ فجر الأدب، احتلّ البحر مكانة بارزة في مخيلة الكتّاب، لكنها لم تكن أبدًا علاقة رومانسية هانئة. فقد كان البحر في الأدب القديم مصدرَ رعبٍ وهيبة، وعنفٍ طبيعي لا يمكن ترويضه.

مثّلت علاقة الإنسان القديم بالبحر تجربةً مضطربة تشبه أمواجًا مثقلة بالمعاناة. لقد كان هذا الإحساس بالمخاطرة والمعاناة هو الموضوع المسيطر في أدب البحر لدى الإغريق، حيث تميّزت علاقتهم بالبحر بين الخوف والاحتياج.

بالنسبة للقدماء، لم يكن البحر مكانا ساحرا بزرقته وجماله وصفاء سمائه، بل مسرحا لعواصف مفاجئة وعنيفة، خاصة في الشتاء، ما انعكس في شعرهم الذي اتّسم إمّا بالمأساوية أو بالتحذير، أو بالتعبير عن ارتياح الوصول إلى برّ الأمان بعد الإبحار.

فعلى سبيل المثال، كان “هسيود”، أحد أقدم المؤلفين الإغريق، يقدّم نصائح عملية بحتة للإبحار في أعماله وأيامه، محذّرًا من مخاطر البحر ومؤكّدا على ضرورة الحذر والعملية. بينما نجد في أشعار “هوميروس” نظرة أكثر شاعرية لجهلهم بما خلفه وما في أعماقه من أسباب وأشكال تقلباته.

يُعدّ أدب البحر رحلة تكشف عن تحوّل جذري في تصوّرات الإنسان: من الخوف والاحتراس في العصور القديمة، إلى النظرة الدينية في العصور الوسطى، وصولاً إلى الرومانسية واللهو في العصر الحديث. إنها قصة علاقة متطورة بين الإنسان والعنصر الأزرق الأكبر، مسجّلة بحبر الأدب على صفحات التاريخ.

لطالما كان البحر مسرحًا لأعظم قصص المغامرة وتكوين الشخصية في الأدب العالمي، حيث استلهم الكتّاب من أعماقه دروسًا في الصراع والبقاء والاكتشاف. فقد خاض “هيرمان ملفيل” رحلته الأولى في “ريدبورن”، بينما نسج “جوزيف كونراد” أساطير البحر في “اللورد جيم” و”الإعصار” ومذكراته “مرآة البحر”. وأبحر “روبرت لويس ستيفنسون” إلى “بحار الجنوب” وروى مغامرات “جزيرة الكنز”، بينما جسّدت “إيلا ماييار” روح المغامرة في سيرتها “المتجوّلة في البحار”.

أما “جاك لندن”، فجعل من البحر مدرسةً لأبطاله، فيما قدّم “خورخي أمادو” تأملاته في “ملاحة ساحلية”. ولم يتوقف شغف الكتّاب بالبحر عند هذا الحد، فقد سجّلت “أنيتا كونتي” عالم الصيادين في “كاشطو المحيطات” و”عمالقة البحار الدافئة”، وتأمّل “جان فرانسوا دينيو” في كروية البحر في “البحر مستدير”، بينما عبّر “إيرفيه آمون” عن “حاجة إلى البحر”.

ومن الأعمال الخالدة في أدب البحر، نذكر “البحر القاسي” لـ”نيكولاس مونسارات”، و”في البحر” لـ”توين هيجمانز”، الحائز على الجائزة الطبية للأدب الأجنبي، و”صياد أيسلندا” لـ”بيير لوتي”. ولا يمكن إغفال كلاسيكيات “جول فيرن” في “عشرون ألف فرسخ تحت الماء” و”متمردو السفينة باونتي”، ولا رواية “يوكيو ميشيما” العميقة “البحر الذي نبذه البحر”، ولا تأمّلات “غي دو موباسان” في “على الماء”، وأخيرا ملحمة “روديارد كبلينغ” الخالدة “قباطنة شجعان”.

ولا يمكن لمقال واحد أن يُبحر عبر كل النصوص الأدبية القديمة والحديثة لاكتشاف كيف تحوّلت صورة البحر من مصدرٍ للرعب إلى عنصرٍ للجمال والإلهام، لكثرتها وغزارتها، ولكن يمكن تسليط الضوء على أبرزها.

البحر في “الأوديسة”.. ذلك العدُوّ الوفي!

في ملحمة “هوميروس” الخالدة، لم يكن البحر مجرد مسرح لأحداث الرحلة، بل كان شخصية فاعلة تحمل في أعماقها أسرار النجاة والهلاك. انطلق “أوديسيوس” عبر أمواج لم تكن ممرًّا للملاحة فقط، بل كانت امتحانًا للبصيرة والإرادة.

من غضب “بوسيدون” بعد عمى ابنه العملاق، إلى أغنية “السيرينات” القاتلة، ومن دوامة “كاريبديس” المميتة إلى وحش “سكيلا” المفترس، صاغ البحر مصير البطل بيدٍ لا ترفّ. حتى الرياح المحبوسة في كيس خُدعت بها عودة السفن، وكأن البحر يرفض أن يمنح “أوديسيوس” عودة سهلة.

لكن البحر، رغم قسوته، كان أيضًا جسرًا للخلاص: حمله إلى شاطئ الفياكيين، وأخيرًا إلى إيثاكا. لقد كان البحر في الأوديسة ذلك التناقض الأبدي: سجن من الماء، وطريق للحرية.. عدواً يختبر البطولة، وحليفا يمنحها معناها.

السندباد بحّار الأساطير.. أبحر من بغداد إلى عالم العجائب

يظل “السندباد البحري”، ذلك الشخص الأسطوري البارز من حكايات “ألف ليلة وليلة”، رمزا خالدا لروح المغامرة والاستكشاف. وُلد في بغداد زمن الخلافة العباسية، ويُعتقد أن السندباد الحقيقي كان تاجرا بغداديًّا استقر في عُمان.

تدور حكاياته حول سبع رحلات بحرية خيالية مليئة بالمخاطر والعجائب، حيث أبحر عبر سواحل شرق إفريقيا وجنوب آسيا، واجه خلالها وحوشًا بحرية مرعبة، وزار جُزرا سحرية لا تُصدّق. بفضل ما اتصف به من شجاعة نادرة وذكاء حاد، استطاع السندباد أن يتغلب على جميع المصاعب التي واجهته، لتعكس مغامراته الأبدية روح التحدي والإصرار التي تُميّز الإنسان في سعيه نحو المجهول.

إرنست همنغواي: البحرُ رفيقا وروحا ورمزا

لم يكن البحر مجرد مساحة مائية بالنسبة للكاتب “إرنست همنغواي”، بل كان رفيقا وجوديًّا وشريكا إبداعيا، ومصدرا لا ينضب للإلهام الذي شكّل أهم محطاته الأدبية. فعلى شواطئ “كي ويست” في فلوريدا، حيث امتلك قاربه الشهير “بيلار”، تشكّلت علاقة حميمة بين الأديب الأمريكي وعالم الصيد في مياه الكاريبي، لتصبح هذه العلاقة نواة لأعظم إبداعاته الأدبية.

ملحمة “العجوز والبحر”: مسرح الكرامة الإنسانية

تتجلى عظمة هذه العلاقة في رائعته “العجوز والبحر” (1952)، تلك الملحمة الإنسانية التي تروي قصة الصياد الكوبي العجوز “سانتياغو”، الذي يقضي أربعةً وثمانين يوما من الفشل قبل أن يخوض رحلة صيدٍ أسطوريةً لمدة ثلاثة أيام، يصارع خلالها “مارلين” عملاقا بشراسة، لتنشأ بينهما علاقة فريدة تجمع بين الإعجاب والتحدي. وبعد معركة مرهقة ينتصر العجوز، لكن أسماك القرش تلتهم غنيمته خلال رحلة العودة، ليعود محطّما حاملاً هيكلاً عظميًّا فقط.

هذه الرواية التي تدور أحداثها في تيار الخليج قبالة كوبا، لم تكن مجرد قصة صيد، بل أصبحت أيقونة للصمود الإنساني في مواجهة قوى الطبيعة اللامبالية، ورمزا للكرامة الإنسانية حتى في لحظات الهزيمة. وقد نالت هذه التحفة الأدبية جائزة “بوليتزر” (1953)، وساهمت بشكل حاسم في حصول “همنغواي” على جائزة نوبل في الأدب (1954).

البحر: مختبر إبداعي ومسرح حياة

من مزرعته “فينكا فيجيا” بالقرب من هافانا، كان “همنغواي” يبحر على متن “بيلار” في رحلات صيد في أعماق البحر، بل ووصل شغفه إلى درجة البحث عن الغواصات الألمانية قبالة الساحل الكوبي خلال الحرب العالمية الثانية. هذه التجارب البحرية المكثّفة في مياه الكاريبي والمحيط الأطلسي، تجسّدت لاحقا في أعماله الأدبية، وخاصة في روايته التي نُشرت بعد وفاته “الجزر في التيار” (1970)، التي تصوّر الحياة في بيميني وهافانا والبحر المفتوح.

ظل المحيط حتى نهاية حياة “همنغواي” رفيقه الأساسي، ومصدرا للمغامرة والتأمل والتجديد الفني، وشاهدا على روح كاتبٍ جعل من البحر مسرحا لأعظم صراعات الإنسان، ومرآة عكست أعمق معاناته وانتصاراته.

هيرمان ملفيل: البحر في “موبي ديك”..

في رواية “موبي ديك”، لم يكن البحر مجرد إطار للأحداث، بل كان شخصية رئيسية تشكّل مصير البشر. تنطلق سفينة “بيكود” من “نانتوكيت” في رحلة صيد حيتان روتينية، لكنها تتحول تحت قيادة الكابتن “آهاب” إلى مطاردة هوسية للحوت الأبيض الأسطوري “موبي ديك”.

عبر المحيطين الهندي والهادئ، يصبح البحر مسرحا للصراع المصيري بين الإنسان والقوى الطبيعية. يتحوّل هدير الأمواج إلى خلفية لصرخة انتقام “آهاب”، الذي فقد ساقه في مواجهة سابقة مع الحوت العملاق. بينما يقدّم “هيرمان ملفيل” وصفا تفصيليًّا لعالم صيد الحيتان، يبقى البحر هو الحاضر الدائم، ساحة المعركة التي تجمع بين “آهاب” وعدوّه.

في المشهد الأخير المأساوي، تتحوّل المطاردة إلى كارثة. على مدى ثلاثة أيام، يلفّ البحر المشهد بدراماتيكية متصاعدة، لينتهي بغرق السفينة وموت طاقمها بالكامل، باستثناء “إسماعيل” الناجي الوحيد الذي يطفو على تابوت، ليحكي قصة الهزيمة التي صنعها هوس الإنسان في مواجهة طبيعة بحرية لا ترحم.

جوشوا سلوكوم: من مواجهة الأعاصير إلى سرد الملحمة

بين دفَّتي الأدب البحري، تبرز رحلة “جوشوا سلوكوم” كأسطورة لا تُنسى، إذ تحوَّلت مغامرته الفردية إلى إرثٍ خالدٍ ألهم أجيالًا من الملاحين. في ربيع عام 1895، انطلق “سلوكوم” ـ البالغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا ـ من ميناء بوسطن على متن مركبه الخشبي “سبراي” الذي يبلغ طوله أحد عشر مترًا، في رحلةٍ حول العالم استمرت ثلاث سنواتٍ وأربعة أشهر، ليعود في صيف 1898 بعد أن قطع ما يقارب ستةً وأربعين ألف ميلٍ بحري، محققًا لقبَ أوّل إبحارٍ منفردٍ حول العالم.

لم تكن رحلته مجرّد إنجازٍ ملاحيٍّ فحسب، بل تحوّلت إلى نصٍّ أدبيٍّ خالدٍ عبر كتابَيه “ملاّحٌ منفرد” و”حول العالم بالإبحار”، اللذين جمعا بروح الدعابة والبساطة تفاصيلَ مغامراته بين أهوال البحر وأفراحه. وقد احتفى القرّاء بشخصيّته الفريدة كبحّارٍ خشنٍ وعطوف، ومغامرٍ استثنائيٍّ تميّز بسردٍ شائقٍ لمخاطر المحيطات.

وقد شكّلت تجاربه البحرية المبكّرة أساسًا لهذه الملحمة، إذ بدأ حياته بحّارًا في السادسة عشر بعد وفاة والديه، وترقّى في الرّتب على متن السفن الشراعية بين بريطانيا والشرق الأقصى، قبل أن يستقرّ في أمريكا ويقضي خمسةً وعشرين عامًا في عُباب المحيط الهادئ. وتظلّ نهاية “سلوكوم” الغامضة في المحيط الأطلسي عام 1909 لغزًا يليق بأسطورةِ البحّار الأبدي، بينما تبقى رواياته نبراسًا لأدب البحر وخالدةً في ذاكرة الإنسانيّة.

جاك لندن: حياة من المغامرة والأدب وُلدت من رحم البحر

من مدينة سان فرانسيسكو حيث وُلد، تشكّلت حياة “جاك لندن” الأدبية والمغامرة عبر علاقته الوثيقة بالبحر. بدأ شغفه مبكرا بشراء قاربه الشراعي “رازِل – دازِل”، الذي ألهم عنوان روايته “رحلة الدازلر”. كبحار على متن قارب صيد الفقمة، كتب أولى قصصه: “إعصار قبالة اليابان”، كما استلهم من تلك الرحلة روايته الشهيرة “ذئب البحار”. انعكست تجربته كلصٍّ للبلح مع بلطجية الخليج ثم بحارا مع الشرطة البحرية في قصص “دورية الصيد”.

سافر “لندن” حول العالم على متن قاربه “السنارك”، وسجّل تلك الرحلة في كتابه “رحلة السنارك”، وكتب خلالها روايته الأشهر “مارتن إيدن”. أنتجت رحلاته في المحيط الهادئ مجموعة من أبرز أعماله مثل “سلحفاة تسمانيا” و”حكايات البحار الجنوبية” و”مايكل كلب السيرك” و”ابن الشمس”. حتى في سطور سيرته الذاتية الأخيرة في “مارتن إيدن”، بقي البحر هو المصير النهائي، حيث يموت البطل بحثاً عن السكينة في قلب المحيط. بينما رواياته “دورية الصيد”، “ذئب البحر”، و”متمردو السفينة إلسينور”، هي كتبه الأشهر التي تناولت البحر والإبحار في العالم.

اعترافات موجة هاربة

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)

“ولأنَّ للبحر أدبه ورونقه، ولملحِه ذاكرة تتخبَّطُ مع الموج، فلما لا نتركه يعبّر عن ضجيج أعماقهِ؟”. اعترافات موجة هاربة: “ألقى بأمواجِهِ هربًا من ولادتِه.. هكذا تنتحرُ عاصفةُ البحورِ!”.

غضبًا يثور، وحزنًا يغرقُ في نفسه، وعند انسلاخِ الفجرِ تولدُ فقَّاعةٌ في العمقِ ثرثارةٌ، تطفو في لغوها فتنفجرُ زبَدًا فوق رملِ الشَّاطئ!

هل شكَكتَ يومًا في حقيقةِ البحرِ؟ إنَّهُ امتدادٌ لك، وانحسارٌ لنفسك. تطفو وتغرق، وقدماك لمَّا تزل تُداعب رملَه. وبمكرٍ جنونيٍّ تحاولُ الهرب منه، فتصطادَ نفسكَ في شباكِه.

ومرَّةً أُخرى تشتعلُ زخَّاتُ مائهِ فوق جلدكَ، ترفعُ بصركَ، تمدُّ يدكَ، تمسكُ طرف الشَّمس، تكاد تطفئها بلمسةٍ مِن إصبعكَ و… تنفجر فقَّاعةٌ مشاكسةٌ في وجهكَ… وتعود وكأنَّه لا خلاص منه!

تشربُ ملحهُ وتنسى… أَأنتَ منهُ أم هو فيكَ؟ وتتذكَّر ولادتكَ بقطرةِ ماءٍ، وتغوص في نفسكَ، وتبحرُ عند آخر مرفأٍ توجدُ سفينتك ومصباحك وحفنة تُرابٍ لتسكتَ جوعَ البحرِ فيك… ثُمَّ تخلع عنكَ خوفكَ وتبدِّد من رأسكَ أنَّكَ ابتلعتَ البحر بحزنكَ، بشوقكَ، بصمتكَ، وأنَّكَ غارقٌ في داخلك!

الكون زجاجة والحياة رسالةٌ مخبَّأةٌ فيها، ووحدكَ البحر مع كل موجةٍ تولد، وتموت عندما تشهقُ الثَّانية. وتنسى أنَّكَ رهن زوبعتهِ وجنونِهِ.

ثم تفيضُ لمقلتيكَ شوقًا لحبيبةٍ، فيفيضُ بك اختناقًا. وعلى صخرةٍ منسيَّةٍ تركتَ ذاكرتكَ وحبيبتك ومعطفًا حمل دفء اللَّحظةِ، وقبلة خجولةً ولمسةً شاردة، توشوشُ السَّمكة لأختها قائلةً: “مسكين عالقٌ في نفسه”.

تشهدُ أنَّكَ حيٌّ، ووحدهُ قلمكَ يعرفُ سرَّ أمواجكَ وطائرٌ النَّورس المزعج! فتضحكُ ألمًا وتكتب في مفكِّرتكَ “أشهدُ أنِّي عشتُ جنون البحرِ، ومتُّ عند قدمِه منكسرًا، وأشهدُ أنَّني غارق فيه حتَّى في اشتعالي”.

هذا أنا.. ولكن في هيئة بحر!

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)

البحر، هذا الامتداد الذي لا يُقاس بحدود النظر، هو المرآة الكبرى التي تعكس وجه الإنسان حين يجرؤ على النظر في أعماقه. ليس البحر مجرّد مساحة مائية، بل هو ذاكرة حيّة، كائن له نبضه وهديره وصمته، يتقاطع فيه المادي بالرمزي، والملموس بالمتخيل. حين نقف أمامه، لا نرى فقط ملوحة الزّرقة ولا الموج المتكسّر على الرمل، بل نرى تاريخًا من الأسئلة التي لم تُجب، ونسمع صوتًا قديمًا يأتي من جهة القصيدة، من زمنٍ كان الشعراء فيه يُبحرون بالكلمات قبل أن يعرفوا السفن.

في التراث الأدبي، لم يكن البحر مكانًا فحسب، بل كان حالةً نفسية. هو المدى الذي يهرب إليه الشعراء حين تضيق الأرض، وهو المجهول الذي يرمزون به إلى قدرهم، إلى الحب، إلى الفقد، إلى الله أحيانًا. “امرؤ القيس” رأى فيه طريق التّيه، و”أبو تمام” جعله صورة للبطولة، و”المتنبي” التقط من هديره معنى الكبرياء، بينما عند “نزار قباني” تحوّل البحر إلى جسدٍ أنثوي يتقلّب بين الغواية والحنان. البحر في الأدب العربي ليس عنصرا طبيعيًّا بل كيانا لغويّا، يُعاد خلقه في كل بيتٍ شعريٍّ بحسب انفعال قائله. إنّه يتّسع للمدلول كما تتّسع مياهه للسماء. فهو من جهةٍ، استعارة للحياة بكل تقلّباتها، ومن جهةٍ أخرى هو امتحانٌ للغة نفسها: هل يمكن للكلمة أن تبلغ عمق الموج؟

ولأن العرب أحبّوا الوزن والإيقاع كما أحبّوا السفر، لم يكن غريبًا أن يُسمّوا أوزان شعرهم “بحورًا”. فالشاعر حين يختار البحر الكامل أو الطويل أو الوافر، إنّما يختار مركبه الإيقاعيّ للإبحار في المعنى. هناك صلة خفيّة بين الموجة العروضية والموجة المائية، كلاهما يولد من خفقٍ داخليّ ويتكسّر على شاطئ المعنى. فبحر البسيط مثلاً، بامتداده وانسيابه، يشبه بحرًا هادئًا في ظهيرة صيف، بينما البحر الطويل كالمحيط لا يُرى آخره، يحتاج إلى نفسٍ طويل ومجدافٍ من الصبر. كأنّ “الخليل بن أحمد”، حين نظّم هذه البحور، لم يفعل سوى أن رسم خرائط لرحلات شعريّة تشبه رحلات البحّارة، فيها المخاطرة والاكتشاف والضياع.

غير أن البحر في الوعي الجمعي العربي لم يكن دومًا رمزًا للرومانسية أو الحنين، بل كان أيضًا مصدر خوف وغموض. فالمجتمعات الساحلية في بلادنا تعلّمت أن تحبّه بحذر. يهب رزقه كما ينتزع الحياة بلا إنذار. من أمثلتنا الشعبية: “البحر غدّار”، و”البحر ما له أمان”، كأن الناس وجدوا فيه مرآةً لطبيعة الإنسان ذاته، هذا الكائن المتقلّب بين الهدوء والعاصفة. ومع ذلك، لم يكفّوا عن مخاطبته بلهجة الأب أو الصديق أو الغريم، يرمون له أمنياتهم كما تُرمى القوارب الصغيرة في موجه، ثم ينتظرون عودتها على شكل سمكةٍ أو معجزة.

لكن ثمّة بحر آخر، ليس كبقيّة البحار، بحرٌ له لون المقاومة ونبض الكرامة، بحر غزة. ذاك البحر الذي صار للحرية شاطئًا، وللألم نافذة، وللأمل مرآة. هناك، عند الحدّ الأخير من الوطن، يتّسع البحر ليصير قلبًا يواجه الحصار، وصوتًا لا يخضع للمدافع. إنه البحر الذي يشهد على صبر الناس ودمهم، البحر الذي لا يلين ولا يُهادن. ولعلّ “محمود درويش” حين قال في جداريته: “هذا البحر لي… هذا الهواء الرطب لي”، لم يكن يعلن ملكيةً جغرافية بقدر ما كان يعلن انتماءً وجوديًّا، وحقًّا في التنفّس، في أن يكون للإنسان مكانٌ يقول له: أنا لك. فبحر غزة ليس أزرقًا فقط، بل هو أحمر من شدّة النّزف، وأخضر من عناد الحياة. إنّه البحر الذي يحرس الذاكرة كما تحرس الموجة رملها من الزوال، يرفض أن يكون ممرًّا للهوان، ويصرّ أن يبقى أفقًا مفتوحًا على فكرة الحرية.

وربما آن الأوان أن نعيد اكتشاف البحر بعيدًا عن الموروثات التي كبّلته، كما نعيد اكتشاف اللغة نفسها حين تتحرّر من تكلّف البلاغة. فالبحر ليس فقط ما كان يقول عنه الأوّلون، ولا ما صوّره الشعراء من رومانسية أو بطولات، بل هو تجربة وجودية خالصة: مساحة للإنصات. حين تجلس أمامه صامتًا، يذكّرك بأن اللغة ضيّقة، وأن ما لا يُقال أعمق من كل الكلام.

في لحظةٍ ما، حين يختلط صخب الموج بهدوئك الداخلي، تشعر أنّ البحور كلها – المائية والعروضية والمعنوية – تتلاقى في نقطة واحدة: في الإيقاع الخفيّ للحياة. فكما يمدّ البحر موجه ثم يسحبه، يمدّ الإنسان حلمه ثم يتراجع عنه، وكما تتعاقب موجات الشِّعر بين ارتفاع وانخفاض، تتعاقب نبضات الوجود بين الأمل والانكسار. ليس البحر في النهاية سوى استعارة للإنسان نفسه: غامضٌ، متغيّر، عميق، جميل وخطر في آنٍ واحد. لذلك ربما لا يُفهم البحر بالكلمات، بل بالسكوت أمامه، حيث تتلاشى الحدود بين اللغة والماء، بين الوزن والصدى، بين الشاعر والبحّار.

وهكذا، يبقى البحر، مهما تغيّرت الأزمنة، فضاءً لتجريب المعنى، ومختبرًا للحرية. هو النداء الذي لا يُجاب إلا بالرحيل، والعالم الذي لا يُرى إلا من فوق موجٍ متكسّر. لا يحتاج البحر إلى مديحٍ جديد، بل إلى نظرة جديدة، نظرة تُعيد إليه ما فقده في زحمة الصور الجاهزة، وتعيد إلينا تلك الدهشة الأولى حين وقف الإنسان أمام الموج وقال في نفسه: هذا أنا، ولكن في هيئة ماء.

بحر.. وذاكرة

آسيا عباس (باحثة وكاتبة من لبنان)

– من أنا؟

– أنا…!

– لا لا، هذا غير مهمّ، لا تسل عنّي. لا اسم لي، مثل هواء لا لون له، أو ربّما مثل بحرٍ لا يقصده أحد. تخيّل معي كم يبدو الأمر حزينًا حين يهدأ بحر، لأنَّ يدًا لم تلاعب خدّه الأزرق!؟ كيف يمكنني أن أخلع رأسي وأرميه إلى الشمس؟ أريد وجهًا بلا ذاكرة..

المارّون من جانبي مثل سبحة في يد ناسك، يرون البحر في عينَي، كلما نظر أحدٌ فيهما، شاهد أمواجًا تتلاطم كجنود منسيّة، من أجل ماذا؟ لست أدري. تغرورق عيناي بالدمع، وأبكي، نعم، أبكي لكن ما من شخصٍ يرأف لحالي..

“دفن الموتى

نيسان يا أقسى الشّهور

نيسان يا أقسى الشّهور

نيسان يا أقسى الشّهور”

ربّما لم يكن الأمر صعبًا عليّ لأفهم ما يقوله الرّجل، بالتأكيد لأنّني شاعرٌ قد حفظ العديد من قصائد الشِّعر الكلاسيكي والحديث، وقصائد النثر، والشِّعر المترجم الذي وصل إلينا خفيفًا على قلوبنا مثل نسيمٍ عليل.

كان هناك، واقفًا بعينين حزينتين، وقلبٍ مشطور مثل قمرٍ مكسور، وصوتٍ مبحوحٍ كأن عاش العمر كلّه يصرخ، كنت أعرف أنه يدندن لحن الحزن، أو ربّما الموت، مستعينًا بكلمات الشاعر الأمريكي ت. س. إليوت، لكنّ الذي لم أكن أدركه، أو ربّما كنت أستغربه، لماذا لم يكن يقول شيئًا بعد “نيسان يا أقسى الشّهور”؟ لماذا يردّدها مثل أغنية موجعة من دون أن يكملها؟ ماذا فعل له نيسان الأخضر؟ أمعقولٌ أنّ الرّبيع حلّ عليه كمشرطٍ ملوّثٍ بالدّماء؟

كنتُ خائفًا أن أكلّمه ولا يعطيني كلمة، أن أكون هكذا، كنقطة سوداء على ورقة بيضاء لا عمل لها سوى أن يتمنى الجميع محوها كأنّها لم تكن. لكنّني ككلّ مرّة يشدّني فضولي من ياقتي ويسحبني نحو الأشياء، دنوت منه، وقلت:

– أيّها اليائس كنظرة شاردٍ، هل أنت شاعر؟

ابتسم نصف ابتسامة حزينة، وأجابني:

– ههههه، بل ساهر، أنا اسمي ساهر.

كان غموض هذا الرّجل الغريب، يلتفّ حول رقبتي مثل شال. لم أكن أتوقّع أنّه سيُجيب، كنت أظنه أخرس، لشدّة الكلمات التي ابتلعها، ولم يشعر بها. ظللتُ أحدّق فيه مثل سائح يريد أن يعرف كلّ شيء، ثم سمعته يكمل:

“كانوا صغارًا، كبارًا، نساءً، رجالًا، جميعهم بلا استثناء، ماتوا هنا، تخيّل معي، كيف كان البحر نهمًا مثل غول لا يشبع. منذ ثلاث سنوات، غطّى الظلام هذا العالم الذي كان يصرخ ولا يسمعه أحد، مرّ العمر وأنا واقف هنا. تُضحكني ذكرى، وتُحزنني موجة. أغنّي، أطلب العودة، أبكي، وما من أذن تسمعني، ما من (يدٍ تمتدّ نحوي كيدٍ… من خلال الموج مدّت لغريق)”.

كنت أعلم أنّ عينيه أخذت الغرقى، والأمواج، والبحر كلّه، كنت أدرك أن هذا الأزرق الكبير، أثقلته الهموم، أراد لمرة واحدة أن يكون فوق الأشياء والنّاس، لا هُم فوقه، فغضب من كلّ قلبه. لكن لماذا اختار نيسان؟ هذا الشّهر المليء بالحياة والشمس! هذا الشهر الذي لا يعرف إلّا أن يكون ممتلئًا بالأزهار والحبّ والجمال.

كنت أحدّق في عينيه، أراقب كيف تحوّل هذا العالم كلّه في نظره، إلى “ذاكرة وبحر”، وأسمعه يتابع:

“آه! مازال ذلك اليوم موشومًا في ذاكرتي كلعنة، الثالث والعشرون من نيسان عام 2022. كنا نحلم أن نعيش، فقط، لا أكثر، لم نكن نريد الهرب من الوطن الذي احتضننا رغم كلّ مآسينا، بل فررنا من الموت الذي لا يستقرّ في مكان، ينتشر في بقاع الأرض مثل فيروس خطير، أنا واقف هنا لأعرف من أبلغَ البحر أنّنا قادمون!؟ أريد أن أثأر لكلّ الذين ماتوا وتركوني هنا، في طرابلس، عند شواطئ الميناء، أتخيل زورق الموت المفجع أمامي، وأتذكّر كيف هربت الأشياء، والنّاس، واختفت، اختفت للأبد. كنت أتمنى لحظتها لو أن معجزة إلهيّة تتدخّل وتنقذ الأمر، لكن حينها، لم يكن يوجد وقت للأحلام حتّى! ظللنا جميعنا ندعو، حتى يبست شفاهنا، وصارت زرقاء، تمامًا مثله، دعَونا حتى اختفت أصواتنا تحت الماء، وتحجّر الوجع في حناجرنا، صرنا جثثًا للأسماك والحيتان. لا أريد أن أنتمي لهذا البحر. لا أريد”.

أصابني الوجوم، ابتلعتُ غيمةً كانت تراقبنا، ابتللت بالمطر، أغمضت عينيّ بشدّة، وبلا انتباه رحت أتذكّر مقطعًا من قصيدة “إيليّا أبي ماضي” يقول فيها:

قَد سَأَلتُ البَحرَ يومًا: هَل أَنا يا بَحرُ مِنكا؟

هَل صَحيحٌ ما رَواهُ بعضُهُم عَنّي وَعنكَا؟

أَم تُرى ما زَعَموا زُورًا وَبُهتانًا وَإفكا؟

ضَحِكَت أَمواجُهُ مِنّي وَقالَت: لَستُ أَدري

سمعته يقولها معي في الوقت نفسه، نظرنا إلى بعضنا البعض، وقلت له: أمرك يقلقني، أرجوك، أخبرني، أخبرني من أنت؟.

– لا تخف، لا تخف، أنا النّاجي الوحيد من القصة، تخيّل، هههه، أجيء كل يوم إلى هنا كي أكتبها من جديد، هكذا على الأقلّ، أبقى حيًّا من لحم ودمٍ، لكن من أنت؟ مرّ وقت طويلٌ ولم تقل ما اسمك!

عدنا ننظر إلى بعضنا، كأنّنا نعرفُنا منذ وقتٍ بعيد، ربما منذ ثلاث سنوات، وأجبته: هههه، أنا ساهر، أنا اسمي ساهر.

رابط دائم
https://elayem.news/s5910