الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

الجزائر وفلسطين.. نوفمبر يجدد روح العناق الثوري

Author
خالد عز الدين 18 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

من الجزائر إلى غزة المذبوحة: الثورة لا تشيخ

بقلم: عيسى قراقع

في فجرٍ بعيد من نوفمبر، دوّى الرصاص في جبال الأوراس، ثورة أيقظت الأرض والسماء ضد الاستعمار الفرنسي، وامتدت كإلهام وشرارة لكل الشعوب التي تعاني الاحتلال والظلم، كانت الجزائر تتنفس الحرية لأول مرة عبر الدخان والنار، وكان العالم يسمع صوتًا جديدًا خرج من قلب إفريقيا ليقول: “إن الاستعمار لا يُفاوض بل يُقاوَم”.

ومن تلك اللحظة، لم تبقَ الجزائر قضية محلية، بل أصبحت أفقًا إنسانيا، ومنارةً لكل الشعوب التي ما زالت تحت الاحتلال.

مرت الأعوام، وتحوّلت الجزائر من مستعمرة تنزف إلى جمهورية تحرس الذاكرة، لكنها لم تنسَ، لم تستبدل دمها باللامبالاة، ولم تُقايض حرّيتها بصمتٍ على حرية الآخرين، ولهذا حين وقف الرئيس الراحل “ياسر عرفات” في الجزائر العاصمة عام 1988 ليعلن من هناك قيام دولة فلسطين، لم يكن ذلك مصادفة جغرافية، بل تحققًا رمزيا لرباطٍ ثوري قديم، بين شعبين ولدا من رحم الألم، وسارا على دربٍ واحد من الكرامة والمقاومة، ومن الجزائر عبرت الثورة الفلسطينية إلى هويتها وكينونتها، ومن دماء الأحرار في الجزائر رسم الفلسطيني دمه على الكوفية والبندقية والأغنية.

نوفمبر ليس تاريخا، بل مرآة، يرى فيها العربي وجهه الحقيقي: من دماء الشهداء تولد الدول، ومن الحلم يُبنى المستقبل، ومن “مفدي زكريا” إلى “محمود درويش”، من الثورة إلى الدولة، قصيدة واحدة يكتبها شعبان من لحم حي، وينتظران اليوم الذي تصبح فيه الحرية عربية الوجه والقلب، لا منفى فيها ولا قيد.

ومن الجزائر وُلدت الثورة الفلسطينية، وبدأ الحبر في مجلة “فلسطيننا” يتحول إلى رصاص ووعي، وعلى أرضها أقيمت معسكرات التدريب وتشكّلت الخلايا، ومن بحرها انطلقت العمليات الفدائية، ومن الجزائر المنتفضة انطلق الصوت الفلسطيني ثقافة وإدراكا ومقاومة، فوقف الشاعر الفلسطيني “راشد حسين” على جبال الكرمل وقال للجزائر:

سنفهم الصخر أن لم يفهم البشر

أن الشعوب إذا هبت ستنتصر

دم الجزائر صدر الفجر كعبته

وناره فوق صدر البغي تستعر

الجزائر لم تكن فقط أرضًا احتضنت إعلان الدولة الفلسطينية، بل كانت الذاكرة التي علّمتنا أن الحرية لا تُهدى بل تُنتزع، فتوحّد الدم الفلسطيني بالدم الجزائري، جسر يعبر من الأوراس إلى غزة، ومن قسنطينة إلى القدس، حيث الحرية ليست شعارا بل مصيرا إنسانيا مشتركا، وشعورا قوميا واحدا، ومن خندق واحد قال الشاعر “سميح القاسم”:

يا فرنسا هذه الأرض لنا

كيف تمسي أرضنا للغرباء؟

من جيل الثورة الجزائرية خرجت الفكرة التي آمن بها الفلسطيني: أن النصر يبدأ من الوعي بالقهر والاستلاب الإنساني والتاريخي، وأن السلاح الأول هو الذاكرة، وأن المستعمر مهما تجمّل بلغة الحضارة فهو مشروع استبدال شعب بشعب، ورواية برواية، تغييب الفلسطيني من الزمان والمكان، وتجريده من إنسانيته وحقوقه العادلة.

اليوم، حين نشهد حرب الإبادة الدموية على غزة، حين نرى الجثث في المدارس والشوارع، وتحت الأنقاض، وقد تحولت غزة إلى ركام، نستعيد صور القرى الجزائرية التي أُحرقت عن بكرة أبيها، نستعيد قول “فرانز فانون” وهو يصف المستعمر الفرنسي: “الاستعمار ليس حضورًا فيزيائيًّا بل مرضًا روحيًّا يريد تحويل الإنسان إلى ظلّ نفسه”. وهكذا، كما قاوم الجزائريون مشروع “محو الإنسان”، يقاوم الفلسطينيون اليوم مشروع محو الذاكرة والهوية والوجود ذاته.

في غزة الآن، وفي كل الأراضي المحتلة، يتحدث الشعب الفلسطيني لغة الثورة الجزائرية ذاتها، أناشيدها، مفرداتها، إرادتها العنيدة على اجتراح الحرية والاستقلال، وفي كل عام في ذكرى نوفمبر، نلتقي الأرواح: شهيد من الأوراس يعانق شهيدا من غزة، الأوراس مدت يدها إلى القدس، وقالت: أكملي الصلاة يا أخت النار والندى.

في أصوات المآذن المهدّمة، وفي باحات الكنائس المدمرة، وفي القبور الجماعية، وفي نيران المحرقة، وفي هذا الصمت المريب، وفي عتمات السجون، نسمع صدى أصوات المجاهدين في جبال الأوراس، يحطمون الجدار والحصار، كتفا بكتف مع فلسطين: نحن معكم رجالا وأطفالا ونساء وشيبا وشهداء، وأقسمنا بالنازلات الماحقات، والدماء الزاكيات الطاهرات، وعقدنا العزم أن تحيا فلسطين.

في كل الانتفاضات والهبات والمواجهات، في حجارة المخيم، وفي دروس المدرسة، في المقلاع والدبكة والجنازة والزفاف، نرى وجوه شباب الجزائر حين حملوا بنادقهم الخشنة ضد الدبابات الفرنسية، التحدي والوحدة والقرار، لهذا قال “أبو عمار” من أرض الجزائر مقولته النبوية: يرونها بعيدة ونراها قريبة وإنّا لصادقون.

لم تكتف الجزائر بدعم فلسطين في البيانات الرسمية، بل جعلت من إعلامها جبهةً مفتوحة، من على صفحات الصحف الكبرى وملحقاتها الثقافية والفكرية، نرى صوت الأسرى الفلسطينيين حاضرًا كقضية أخلاقية وإنسانية دائمة، قضية الحرية وكسر القيود، واحتضان الحلم في سماء غير مسيجة،

الجزائر التي جرّبت سجون الاستعمار، تعرف تمامًا معنى أن تكون أسيرًا، معنى أن يُسلب منك الزمن فلا يبقى لك إلا الأمل، ولهذا، حين تكتب الصحف الجزائرية عن الأسرى الفلسطينيين، فهي لا تمارس التضامن من بعيد، بل تستحضر ذاتها التاريخية، وتكتب من مكان التجربة، من موقع الجرح الذي لم يُشفى بل تحوّل إلى ضمير حيّ، الأسرى الجزائريون في سجون الاستعمار الفرنسي، بصمودهم أضاءوا زنازين الأسرى الفلسطينيين في سجون الاستعمار الصهيوني، يقول شاعر الثورة الجزائرية: “نحن الذين إذا دفنا، نبعث من تحت التراب لمواصلة الطريق”، فيرد عليه الشاعر الفلسطيني الأسير “خليل توما”:

جيل يستيقظ في غرف التحقيق، يفيق يفيق،

وعصي الشرطة تصنع من شعبي حزبا والكل رفيق.

نوفمبر الجزائري ليس فقط ذكرى بداية الثورة، بل رمز لبداية الإنسان الجديد، الإنسان الذي يختار الكرامة على الحياة ويرفض العبودية، وفي المقابل، نوفمبر الفلسطيني، يوم إعلان الدولة في الجزائر، كان لحظة ولادة الحلم في المنفى، لحظة قرر فيها الفلسطيني أن يعلن ذاته رغم الجرح، أن يقف على منبر الثورة ليقول: “ما زلنا هنا، في المنفى، ولكننا نحمل الوطن في ضميرنا حتى نعيده إلى الجغرافيا”.

الجزائر وفلسطين تلتقيان في فلسفة الحرية بوصفها قدَرًا لا خيارًا، كلاهما تعلّم أن الإنسان الحر لا يُقاس بما يملك، بل بما يرفض أن يُهان من أجله.

وفي عالمٍ يزداد صمتًا أمام الإبادة، تبقى الجزائر من الأصوات القليلة التي لم تخن ذاكرتها، ولم تتعب من حمل الحقيقة، هي الثورة التي لم تشخ، التي تقف اليوم بجانب غزة كما وقفت بالأمس بجانب كل حرٍّ على هذه الأرض.

كتب المفكر الجزائري “مالك بن نبي”: “التحرر ليس أن تطرد المستعمر فحسب، بل أن تطرد فكرته من راسك”، ولهذا فإن دعم الجزائر لفلسطين، ووقوفها إلى جانب صمود غزة، وفضحها لجرائم الإبادة، هو تجديد لوصية الثورة الكبرى: أن لا تنام الضمائر حتى تتحرر كل الأرض، ففي كل نوفمبر، تتقاطع الذاكرة الجزائرية والفلسطينية مجدولين من نار ودمع، تقول الجزائر لفلسطين: كنت معنا حين ولدت ثورتنا، ونحن معك حين تكتمل ثورتك، وكما قال الرئيس “هواري بن مدين”: نحن مع فلسطين ظالمة ومظلومة، فلسطين هي الأسمنت الذي بجمعنا، والديناميت الذي يفجرنا.

في كلّ نوفمبر، يلتقي الزمن الجزائري بالزمن الفلسطيني في لحظة كونية مقدسة: لحظة الإنسان حين يقول “لا” للمستعمر، وحين يختار أن يحيا حرًّا أو لا يكون، وهكذا تظل الجزائر بالنسبة للفلسطينيين ثورةً ملهمة لا تهرم، وتظل فلسطين بالنسبة للجزائريين وصيّة الثورة التي تكتب المستقبل بالصمود والدم.

وفي غزة اليوم، حيث تتقاطع النار بالصبر، نسمع صدى من بعيد: من الأوراس إلى غزّة… الثورة مستمرة، والذاكرة لا تموت.

نوفمبر لحن جميل يردده الأحرار

بقلم: مصطفى النبيه

يقول الشاعر الفلسطيني “محمود درويش”: “في الجزائر لا تشعر أنك غريب، لأن كل حجر فيها يذكرك بأنك لست وحدك في هذه الأرض”.

اليوم ونحن تقتلع من أرضنا ويتم إبادتنا وتستهدف ذاكرتنا حتى نصبح نسيا منسيا، نسترجع ثورة الجزائر لنزداد ثباتاً ويقيناً بأننا متجذّرون في الأرض وحتما أننا لمنتصرون.

فكما حمل الجزائريون راية الحرية فنحن مدعوون اليوم إلى حمل راية فلسطين ونحلق بها عاليا. فالثورة حين تترجم إلى فعل ووعي وموقف تصبح في الواجهة وتحرك أحرار العالم لينتصروا لأعدل قضية فشلنا أحيانا في التعبير عنها.

من نوفمبر الجزائر إلى نوفمبر فلسطين: تشكّلت صورتنا الجميلة التي نبحث عنها في مرآة الواقع، روح واحدة في جسدين يؤمنان أن الحرية ثمنها غال لا يستطيع دفعه إلا الثوار.

ينهض نوفمبر واثق الخطى، يهز ذاكرة الأمة العربية على وقع الرصاصة الأولى التي دوت في جبال الأوراس عام 1954 مفجرة الثورة الجزائرية المباركة، التي لم تكن حدثا محليا بقدر ما كانت ميلادا جديدا للكرامة العربية.

في الجزائر، وطن المليون ونصف المليون شهيد، حلقت الأرواح الثائرة صوب القدس، التقت أرواح شهداء الجزائر بشهداء فلسطين وقررت ألا تبرح الأرض حتى يرسم عالم الأحرار. من الجزائر، تعلمنا أنّ الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع بثمن باهظ من الدم والكرامة.

وفي هذه الذكرى المزدوجة – نوفمبر الثورة ونوفمبر الدولة – بعد أربعة وثلاثين عامًا، في 15 من نوفمبر 1988، ارتفعت في الجزائر كلمات الرئيس “ياسر عرفات” لتعلن ميلاد دولة فلسطين. لم يكن ذلك صدفة بل كان قدرا في المسيرة؛ كأن الجزائر أرادت أن تهدي ثورتها لأختها فلسطين، وأن تقول لها: “الثوار يصنعون المعجزات ولا يضيع حقا وراءه مطالب”.

إنّ العلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست مجرد تضامن سياسي، بل هي تآخٍ روحي تشكل في المحنة والمقاومة. كما قاومت الجزائر استعمارًا حاول طمس هويتها، تقاوم فلسطين استعمارًا يحاول إبادتها وسرقة وجودها. وكما لم تنكسر الجزائر، لن تنكسر فلسطين يومًا.

ومن المصادفات القدريّة المفعمة بالرمز المبشرة بالخير، أن يكون الخامس عشر من نوفمبر 1988 يوما آخر من أيام الجزائر الخالد، حين وقف القائد الفلسطيني “ياسر عرفات” في قاعة قصر الصنوبر بالعاصمة الجزائرية ليعلن من على منبرها: “باسم الله، وباسم الشعب العربي الفلسطيني، نعلن قيام دولة فلسطين على أرض فلسطين”.

ذلك الإعلان لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان وعدا بالوفاء بين ثورتين، الجزائر التي حررت أرضها بالسلاح، وفلسطين التي تحرر وعي الأمة بصمودها وصبرها وإيمانها المطلق أن النصر قادم، رغم حرب الإبادة وإصرار الاحتلال على خلعنا من جذورنا وطمس هويتنا.

لم يكن الشهيد “ياسر عرفات” يُخفي عمق العلاقة حين قال في أكثر من مناسبة: “الجزائر أول من آمن بنا، وأول من فتح لنا قلبها قبل أرضها، وفي الجزائر أعلنت إقامة دولة فلسطين، لأن الجزائر لا تعرف إلا أن تكون وفية للحرية”. ومنذ انتصار الجزائر وهي صوت فلسطين في المحافل الدولية، تدعمها سياسيا ودبلوماسيًّا وماديًّا ولا تتوانى عن موقفها الثابت ضد الاحتلال “الإسرائيلي”.

لقد حمل الجزائر – كما قال الرئيس الراحل هواري بومدين – “قضية فلسطين في القلب، لأنها قضية من عرف معنى الاستعمار”. ولم يغب الشعر الفلسطيني عن هذا الوفاء، قال الشاعر الفلسطيني “محمود درويش” في إحدى قصائده مخاطبًا الجزائر: “شكرًا للجزائر… أعادت إلينا ثقتنا بالعروبة وأعادت إلى العروبة وجهها المشرق”؛ وقال “سميح القاسم”: “في الجزائر أشعر أنني أعود إلى فلسطين محررة”. أما “إبراهيم طوقان” فقد أشار في كتاباته إلى أن الثورة الجزائرية “أعادت تعريف معنى المقاومة العربية” بعد نكبة فلسطين.

ارتبطت فلسطين بالجزائر ارتباط الروح بالروح؛ لم تتقاسمَا الجراح فحسب، بل تشاركتا الحلم ذاته، حلم التحرير الكامل. ولم يقتصر أثر الجزائر على المواقف السياسية والدبلوماسية فحسب، بل امتد عميقا إلى وجدان الثقافة الفلسطينية وآدابها وفنونها. حيث شكّلت تجربة التحرير مصدر إلهام للأدباء والمبدعين الفلسطينيين الذين وجدوا أنموذجًا حيًّا لانتصار الإرادة على المستحيل. انعكس ذلك في القصيدة والرواية والمسرح والسينما، حيث استحضرت الجزائر رمزًا للصمود والتحرر، كما في قصائد “محمود درويش” و”سميح القاسم”، وفي أعمال “غسان كنفاني” الذي رأى في الثورة الجزائرية ملامح الحلم الفلسطيني.

وفي السينما الفلسطينية، ظهر الأثر الجزائري من خلال الأفلام التي تناولت التضامن بين الثورتين، حيث تجسدت روح الأخوة والنضال المشترك في الصورة والموسيقى والحكاية. كما شارك الفنانون الجزائريون في مهرجانات السينما الفلسطينية، مؤكدين أن الكاميرا يمكن أن تكون رصاصة في وجه النسيان.

لقد أصبحت الجزائر، في المخيال الثقافي الفلسطيني، ليست مجرد بلد شقيق، بل فضاء رمزيا للحرية ومختبرات للوعي الثوري الذي ألهم أجيالا من المبدعين الفلسطينيين على تحويل الجرح إلى أغنية، والمنفى إلى نص يحتفي بالحياة رغم القيد.

وحين نحتفي بنوفمبر، فإننا نحتفي بمعنى النهوض من الركام، والقدرة على تحويل الألم إلى فعل، والذاكرة إلى طاقة نضال. إنّ هذا التوأم التاريخي بين نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين ليس مجرد تكرار للتواريخ، بل تجسيد لوحدة المصير العربي، حيث تتعانق البنادق والأقلام، والدموع والأغاني، والحرية والكرامة ويحكي المرئي والمسموع ما لم يحكى.

وفي هذا اليوم المجيد، نعيد التذكير بما قاله الشهيد القائد “ياسر عرفات” يومًا، وقد امتزج صوته بدمعة وفاء: “من الجزائر بدأت ثورتنا، ومن الجزائر سنعلن نصرنا، لأن الجزائر كانت وما زالت بيت العرب الأحرار”.

ومن روح القائد الشهيد أبو عمار وروح درويش وكنفاني وطوقان والقاسم وغيرهما من المبدعين الفلسطينيين، يتجلى المشهد التعبيري الذي يقول: أن الجزائر لم تكن فقط بلد المليون ونصف المليون شهيد، بل بلد 47 مليونا ونصف المليون أخ لفلسطين. فلنكتب اليوم كما كتب الثوار، ولنؤمن كما آمنوا أن الكلمة مقاومة وأن الذاكرة سلاح. ولتبق الجزائر وفلسطين معا: في التاريخ، في الوعي، وفي القلب، شاهدتين على أن الحرية لا تموت، وأن الأمم التي تنجب شهداءها لا تُهزم أبدا.

الجزائر وفلسطين.. روح واحدة في جسدين

بقلم: نهى عودة (كاتبة وشاعرة فلسطينية)

إنّ الجزائر الحبيبة حملت فلسطين كما لو كانت ابنتها، ولربما هناك جزائريون ينتمون إلى فلسطين بروحهم ووجدانهم، يذوبون عشقًا لها كما يذوب القلب في نبضه. هذا الوطن الممتد على امتداد الحب، حيث تختلط الدماء بالعقيدة، وتتشابك الذاكرة بين الثورة والقداسة، بين الجزائر وفلسطين. فالعلاقة بين الشعبين ليست مجرّد تضامنٍ سياسي أو عاطفي، بل هي قرابة نضالٍ ومصيرٍ ومبدأ واحد، تتوارثه الأجيال كما يُورّثون الأرض والكرامة.

نقف اليوم أمام ذكريين خالدتين في وجدان الأمة العربية: الذكرى الحادية والسبعون لاندلاع الثورة التحريرية الجزائرية في الأول من نوفمبر عام 1954، والذكرى السابعة والثلاثين لإعلان استقلال دولة فلسطين في الخامس عشر من نوفمبر عام 1988. مناسبتان تتقاطعان في المعنى والرسالة، وتلتقيان على أرض الجزائر، أرض المليون ونصف المليون شهيد، التي كانت ولا تزال قبلة الأحرار ومنبر المظلومين.

لقد كانت الثورة الجزائرية ملحمة نضالية خالدة، وواحدة من أعظم ثورات القرن العشرين. اندلعت بعد قرنٍ ونيف من الاحتلال الفرنسي الذي حاول اقتلاع هوية الجزائر العربية والإسلامية، وتغيير لغتها وثقافتها وذاكرتها. وفي فجر الأول من نوفمبر، انطلقت الشرارة الأولى للثورة حين أعلنت جبهة التحرير الوطني بيانها التاريخي، لتبدأ رحلة النضال المسلح ضد أعتى قوى الاستعمار، وتستمر الثورة سبع سنواتٍ ونصف سنة من التضحيات، قدّم فيها الشعب الجزائري أكثر من مليون ونصف المليون شهيد.

وفي مسيرة الثورة، خلدت الجزائر أسماءً سطّرها التاريخ بحروفٍ من نور: مصطفى بن بولعيد، قائد الولاية الأولى وأحد مهندسي الثورة. ديدوش مراد، الذي قدّم شبابه فداءً للوطن. زيغود يوسف مهندس هجوم الشمال القسنطيني الشهير. العقيد عميروش رمز القيادة الميدانية والإصرار الثوري. وجميلة بوحيرد، المرأة التي جسّدت شموخ الجزائر وصارت أيقونة للحرية في العالم. هؤلاء وكل رفاقهم من المجاهدين جسّدوا المعنى الأسمى للعطاء، فكانت ثورتهم مصدر إلهامٍ للشعوب المستضعفة، وفي مقدّمتها فلسطين.

ومن رحم هذه الثورة، التي لقّنت الاستعمار درسًا في الصمود، وُلدت علاقة روحية خالدة بين الجزائر وفلسطين. علاقة لم تُبنَ على المواقف السياسية فحسب، بل على قناعةٍ راسخة بأن الحرية واحدة وإن اختلفت الجغرافيا.

وفي الخامس عشر من نوفمبر عام 1988، كتب التاريخ صفحةً جديدة على أرض الجزائر، حين وقف القائد الرمز “ياسر عرفات”، في قاعة الشعب بالعاصمة الجزائرية، وألقى بصوته الجهوري إعلان استقلال دولة فلسطين باسم المجلس الوطني الفلسطيني.

تلا “أبو عمار” نص الإعلان: “بسم الله الرحمن الرحيم، على أرض الرسالات السماوية، على أرض فلسطين، وُلد الشعب الفلسطيني..”، ثم أعلن للعالم: “وباسم الله، وباسم الشعب العربي الفلسطيني، نعلن قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف”.

كانت الجزائر في تلك اللحظة تضم أنفاس الأحرار، فصفّق ممثلو الدول والشعوب، وارتفعت الأصوات بالهتاف لفلسطين والجزائر معًا. كان المشهد امتدادًا طبيعيًّا لروح الثورة الجزائرية التي علّمت الأجيال أن النصر يُولَد من الإيمان بالحق، وأن الحرية لا تتحقق إلا بالتضحية.

الجزائر التي تحررت بدماء أبنائها، كانت تدرك أن فلسطين تسير على الدرب نفسه، وأن الشعوب التي تقاوم لا تُهزم مهما طال ليل الاحتلال. وكما هزمت الجزائرُ الاستعمارَ الفرنسي، ستكسر فلسطين قيودها يومًا، لأن التاريخ لا يرحم الظالم، ولأن الشعوب الحرة لا تموت.

إن التقاء هاتين المناسبتين في شهر نوفمبر، شهر الثورة والكرامة، هو تأكيد على وحدة المصير بين الجزائر وفلسطين. من هناك انطلقت رصاصات الحرية الأولى، ومن هنا أعلن قيام الدولة الفلسطينية. وبين الفجرين، فجر الجزائر وفجر فلسطين، يمتد خيط واحد من الدم والإيمان والعزيمة.

الجزائر وفلسطين، ثورتان، وعلَمان، وذاكرتان متّحدتان في وجدان الأمة، ترويان للعالم حكاية شعبين لم يركعَا، ولم يعرفا طريق الانكسار، لأن جذور الحرية أقوى من كل قيد، وصوت الحق أعلى من كل احتلال.

نوفمبر والفلسفة المزدوجة للكرامة العربية

بقلم: وفاء داري

يأتي نوفمبر في الذاكرة العربية لا كتاريخٍ عابر، بل كفصلٍ من فصول الوعي الجمعي للأمة، حيث تتجدد فيه معاني الحرية والكرامة، تتعانق الجزائر وفلسطين في وحدةٍ روحية وسياسية صنعتها إرادة الشعوب.

لكن، هل كانت هذه المصادفة الزمنية بين نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين مجرّد التقاء في التاريخ، أم هي إشارةٌ فلسفية إلى أن الوعي العربي لا يولد إلا من رحم الألم والمقاومة؟

في الأول من نوفمبر عام 1954، انطلقت من جبال الأوراس شرارة الثورة الجزائرية لتكسر قيود الاستعمار الفرنسي، وتعلن ميلاد فجرٍ جديد من رحم الظلمة. لم تكن الجزائر وحدها من انتفضت، بل الأمة العربية كلّها، إذ ترددت أصداء الرصاصة الأولى في وجدان الشعوب الباحثة عن التحرر، لتقول إنّ الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالإيمان والصمود.

لقد تجاوزت ثورة نوفمبر الجزائرية حدود الجغرافيا، لتصبح مدرسةً في المقاومة، ومصدر إلهام لكل من رأى في الكرامة هدفًا أعلى من الحياة نفسها.

وبعد أربعةٍ وثلاثين عامًا، وفي الخامس عشر من نوفمبر عام 1988، كانت الجزائر ذاتها على موعدٍ مع حدثٍ تاريخي آخر، حين أعلن القائد ياسر عرفات من أرضها قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. لم يكن ذلك الإعلان مجرد فعل سياسي، بل امتدادًا لروح نوفمبر الأولى؛ وعدًا بالوفاء (فلسطين والجزائر) جمعتهما البسالة والإيمان بعدالة الحق.

الجزائر حررت أرضها بالسلاح، وفلسطين ما زالت تحرر وعي العالم بعدالة قضيتها. كلا الشعبين واجه استعمارًا حاول طمس الهوية، وكان الردّ واحدًا: “نحن هنا، وسنبقى”.

إنّ التزامن بين نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين ليس مصادفة تاريخية، بل دلالة على وحدة المصير العربي. تمثلان معًا فلسفة الكرامة التي لا تعرف الاستسلام. الجزائر علّمت أن النصر ممكن مهما طال الزمن، وفلسطين تذكّرنا كل يوم أن الصمود فعل وعي وإيمان قبل أن يكون فعل مقاومة.

من الجزائر إلى فلسطين، ومن الأوراس إلى القدس، يمتد خيط واحد من البطولة، عنوانه أن الشعوب لا تُهزم حين تؤمن بحقها في الحياة. وما بين الرصاصة الأولى في 1954 وإعلان الدولة في 1988، يتجسد المعنى الأعمق للعروبة: أن المقاومة ليست حدثًا يُحتفى به، بل مسار يُستكمل جيلاً بعد جيل.

اليوم، ونحن نستعيد هاتين المحطتين، نستحضر المعنى الأصيل لنوفمبر، شهر الحرية والوفاء. فكما نهضت الجزائر من بين الركام لتعلن استقلالها، ستنهض فلسطين من جراحها لتكمل الطريق الذي بدأه “ياسر عرفات” نحو الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. ذلك هو وعد التاريخ، وتلك هي فلسفة نوفمبر: أن الكرامة لا تموت، وأن الحرية حين تولد في أمةٍ لا تعرف الهزيمة، تبقى حيّة في ضميرها إلى الأبد.

قسما… على أرض تمتد من الأوراس إلى القدس

بقلم: وصال أبو عليا

تتّقد الذاكرة كجمرٍ في ليل الوعي العربيّ في الأول من تشرين الثّاني من كل عام، في ذكرى ثورة التّحرير الجزائرية، كأنّها لا تعود إلينا من الماضي، بل من جوهر الإنسان نفسه، لتسائلنا: هل الحريّة حدثٌ في التاريخ، أم هي جوهر الوجود كما تخيّلها هايدغر، حين قال إن الإنسان كائن منفتح على الإمكان؟ في الجزائر، تجسّد الإمكان في دمٍ طاهرٍ وصرخةٍ اخترقت العدم: “قسماً بالنّازلات الماحقات…”.

لم يكن النّشيد الوطنيّ الجزائريّ مجرد كلمات، بل موقف أنطولوجيّ؛ إعلان الإنسان عن حضوره الكامل في وجه محوٍ استعماري أراد أن يجعل الوجود ذاته فراغاً.

لقد فهم الجزائري، بشكل حدسيّ، ما قاله كامو ذات يوم عن العبث والتمرّد، لكنّه تجاوزه بالفعل لا بالقول. لم يكن التمرّد عنده فلسفة تأمليّة كما كتبها كامو في “الإنسان المتمرّد”، بل ممارسة مطلقة للحياة ضدّ الّلاجدوى، كأنّه يجيب بصمتٍ على سؤال الوجود: “أنا أقاتل، إذن أنا موجود.”

كان كلّ شهيدٍ في الأوراس أو قسنطينة أو العاصمة يجسّد فكرة سارتر حين ربط الحريّة بالاختيار: “الإنسان محكوم عليه أن يكون حرّاً”، وكان الجزائريّ يختار – رغم الدّماء والدّمار – أن يكون حراً، لا محكوماً إلا بشرفه.

ولذلك لم تكن الثّورة الجزائريّة فقط فعلاً سياسيّاً، بل حدثاً ميتافيزيقياً. لقد نزعت عن الحريّة معناها المجرّد، وجعلتها مادة محسوسة، تُلمس بيدٍ مضرّجة وتُشمّ في هواءٍ مبللٍ بالبارود. في تلك الجبال، كانت الفلسفة تتجلّى من الكتب إلى الأرض، وكان الإنسان يصنع فكره بالرّصاص، لا بالحبر.

ومن هناك، حيث التحوّل من الفكرة إلى الفعل، وُلدت تلك الصّلة الروحيّة العميقة بين الجزائر وفلسطين. كلا الشعبين قرآ العالم من موقع الجرح، وكأنّهما يتبادلان السّؤال الوجودي ذاته: كيف نستعيد معنى الإنسان في عالمٍ فقد قلبه؟

لذلك لم يكن إعلان الرّئيس الخالد ياسر عرفات استقلال دولة فلسطين في الجزائر عام 1988 صدفة تاريخيّة؛ بل كان تجليًّا لوعيٍ جمعيّ يرى في الجزائر المكان الرّمزي الذي تُستعاد فيه المعاني الكبرى. كان عرفات يدرك أنّ الذّاكرة الجزائريّة لا تحتضن فقط ثورة، بل نموذجاً للقيامة من الرّماد. ومن أرض المليون شهيد، أعلن أن لفلسطين الحقّ في أن تكون، لأنّ الجزائر قالت يوماً “أنا أكون”.

ولأنّ الجزائر لم تفصل يوما بين الإنسان والإنسان، كان دعمها لفلسطين امتداداً لوعيها الوجوديّ بالعدالة. الجزائري الذي جرّب نصل المستعمر، لا يمكنه أن يصمت على جرح شقيقه في غزّة أو نابلس أو القدس. ذلك أنّ الحريّة عنده ليست فكرة وطنيّة فحسب، بل قيمة كونيّة تتجاوز الحدود، كما قال “فرانز فانون” في “معذّبو الأرض”: إن الاستعمار ليس حالة سياسية، بل مرض في الوعي الإنساني.

و”فانون”، الطبيب والمناضل في صفوف الثورة الجزائرية، كان يرى في الجزائر مختبرا للإنسانية الجديدة. ومن هذا المختبر انطلقت الفكرة التي لم تمت: أن التحرّر لا ينتهي بخروج المحتلّ، بل يبدأ بتحرير الوعي من الخوف.

وهكذا تتقاطع الجزائر وفلسطين في جدلية الخلاص والجرح؛ كلاهما يعلمان أن الحرية اختبار دائم للروح. الجزائر التي أضاءت ليلها بالدم، تعرف أن الطريق إلى القدس لا يُضاء إلا بالوجع ذاته. وكأنّ قدر الشعوب النبيلة أن تظلّ على الحافة بين الموت والمعنى، بين ما قاله “دوستويفسكي” عن “جمال ينقذ العالم” وبين ما فعله الشهداء حين جعلوا من الموت نفسه جمالاً ساميا.

وفي هذه الذّكرى، لا نحتفي بالثّورة كواقعةٍ ماضية، بل نستعيدها كأفقٍ دائم للوجود العربي. فالثورة الجزائرية لا تزال تسكن الفكر، لأنّها كانت قبل كلّ شيء فلسفة في أن تكون رغم المستحيل.

وفي هذا الامتداد، تظلّ فلسطين مرآتها اللّامرئية، تنظر إليها الجزائر فتراها صورةً أخرى لذاتها: بلدٌ يقاتل كي يبقى، وذاكرةٌ ترفض أن تُختصر في النّسيان. إنّها الحريّة إذًا، وعيٌ أبدي بأنّ الإنسان هو الكائن الذي يقف دائما في مواجهة العدم، ويقول: قسما.

في رياح الجمل الصمّاء

بقلم: علاء عاشور

في رياحِ الجملِ الصمّاءِ

وُلدت حكايةُ تحرير،

والدماءُ تموجُ بذكرى البطولة

في رملِ الصحراءِ،

تُغنّي الأرضُ أناشيدَ الرثاءِ

لشهداءِ المليون

بصوتِ الوفاءِ الأبدي.

**

تبدأ القصةُ من قطراتِ دمٍ

سقطت في أرضِ كنعان،

ومن أنفاسِ الجزائرِ التي

صارت أيقونةَ النضال،

ووشوشاتِ بطولةٍ

تناساها الفتيان.

* *

ودمي ينبضُ بالعروبة،

وجزائراه وغزّتاه تنهضانِ معًا،

آهٍ… أينَ أنتِ يا معتصماه!

* *

تراتيلُ صلاةٍ

على أحبّةِ يسوعَ

في ذروةِ النور،

وفاتحةٌ تُتلى على أرواحِ

ثورةٍ وُلدت من بينِ الركام.

بوحيردُ مرّت من هنا،

في حكاياتِ الصحراءِ،

حافيةَ القدمين،

تحملُ صليبَ الوطنِ

وتُشعلُ القناديلَ في ظلامِ المستعمر.

* *

وأولادُ الجزائرِ

يتنفّسون الحريةَ

بعد أنهارٍ من الدماءِ،

والمغتصبُ الفاشيّ

ما زال يتشدّقُ بالسلام،

لكنّ هذا الزيفَ

لن ينطلي على زهور ولدت

من رحم الثورة وروح الإنسان

* *

في عنقي أمانةٌ للثوّار،

وفي صحارى الحقيقةِ

تسبحُ أدمعي

على أفكارٍ سوداء

تُقدّسُ الموتَ

وتنسى أنَّ في الوردِ

حكايةً مع البقاء.

* *

في شموسِ الحياة

نحيا رغم أنفِ المستعمر،

ورغمَ جنونِ الموتِ

في رؤوسِ من طمعوا بوهمٍ

يُباع على أبوابِ الجِنان.

* *

يا وطنًا،

أنتَ الأغلى،

والحياةُ فيكَ

رغبةُ الشجعان.

* *

مليونَ وردةٍ

قتلها أوغادٌ

يدّعون حضارةَ الإيمان،

ويغنّون للحرية

في عُريِ الأكاذيب

وسُكرِ الأوهام.

* *

يا جزائر،

يا موطنَ الأحرار،

في فيافي القحطِ،

وفي غيومِ النسيان،

يبقى اسمُكِ

رايةً لا تميل،

وصوتًا لا يصمت،

وحلمًا لا يُدفن.

الجزائر وفلسطين.. توأم الثورة وروح الأمة

بقلم: هبة محمد تيم

مع حلول الأول من نوفمبر، تستعيد الأمة العربية أحد أنبل فصولها التاريخية: ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية المجيدة، التي فجّرت شرارة التحرر العربي الحديث، وكتبت للعالم درسًا خالدًا في الصمود والإصرار. وبعد ثلاثة عقود ونيف، وفي اليوم نفسه من شهر نوفمبر، من أرض الجزائر ذاتها، أعلن “ياسر عرفات” قيام دولة فلسطين، لتلتقي في هذا الشهر روحان عربيتان عظيمتان: روح الجزائر التي حررت أرضها، وروح فلسطين التي تحرر وعي العالم بعدالتها وصمودها.

في الأول من نوفمبر 1954، لم تكن رصاصة الجزائر مجرد طلقة في وجه استعمارٍ غاشم، بل كانت ولادةً جديدة لأمّةٍ قررت أن تحيا بحرية، وأن تكتب تاريخها بدم أبنائها. ومنذ ذلك اليوم، صار نوفمبر عنوانًا للكرامة، وميلادًا لروحٍ عربيةٍ لا تعرف الانكسار.

وفي الخامس عشر من نوفمبر 1988، صدحت في الجزائر كلمات إعلان قيام دولة فلسطين، لتثبت أن أرض المليون شهيد ما تزال تحتضن أحلام المقهورين، وأن الثورة لا تموت ما دام في الأمة من يؤمن بأن الحرية حقٌّ لا يُستجدى. كان ذلك الإعلان امتدادًا طبيعيًا لتلك الرصاصة الأولى التي دوّت في جبال الأوراس، واستمرارًا لذات المعنى: أن الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها قادرة على مواجهة العالم، ولو وحيدة.

إن الجزائر وفلسطين ليستا محطتين منفصلتين في الذاكرة العربية، بل هما توأم نضالي يجسّد وحدة المصير والموقف؛ فكما حررت الجزائر أرضها، تواصل فلسطين تحرير وعي العالم بعدالتها التي لا تُنكَر وصمودها الذي لا ينكسر. وبينهما يمتد جسرٌ من الدم والكرامة والذاكرة، يصنع معنى العروبة الحقّة، ويذكّرنا بأن التحرر ليس حدثًا مضى، بل وعدٌ يتجدّد في كل جيلٍ يرفض الخضوع.

علّمتنا الجزائر أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن الكفاح الطويل قد يرهق الجسد، لكنه يُخلّد الروح. وتعلّمنا فلسطين، كل يوم، أن البقاء فعل بطولة، وأن مواجهة الجرح بالثبات نوعٌ آخر من النصر. فما أشبه الأمس باليوم، وما أشبه رصاص نوفمبر بحجارة القدس وصمود غزة؛ كلاهما يقول إن الضعف ليس قدرًا، وإن الإرادة أقوى من المدفع وأبقى من الاحتلال.

إن الثورة الجزائرية لم تكن ثورة وطنٍ فقط، بل كانت ثورة وجدانٍ عربيٍ جمعيٍّ ضد القهر والهيمنة، تمامًا كما أن فلسطين ليست قضية جغرافيا، بل قضية معنى وكرامة وهوية. كلاهما كتب بالدم ما عجزت عن قوله بيانات السياسة: أن الكلمة يمكن أن تكون طلقة، وأن الذاكرة يمكن أن تصنع معركةً لا تُهزم.

وبين الأوراس والقدس يمتد خيطٌ من نورٍ لا ينقطع: من دم الشهداء إلى حبر المثقفين، من نداءات الفجر الأولى إلى أصوات الأطفال التي تهتف باسم الحرية. في هذا الخيط تسكن وحدة الأمة ومجدها المعلّق في سماء النضال.

ولتظلّ الذاكرة حيّة، والروح مشتعلة، والوعي يقظًا كجمرةٍ لا تنطفئ في ليل الأمة الطويل؛ ففي الجزائر وُلد المعنى، وفي فلسطين يستمر، وفي وحدة الدم والكرامة تُكتب قصة الحرية التي لا تموت.

من الجزائر إلى فلسطين.. حين تنفخ الروح في التراب ويصير الإنسان وطنا

بقلم: رانية مرجية

في الفاتح من نوفمبر، لم تكن الجزائر تكتب سطرًا جديدًا في تاريخها فقط، بل كانت تكتب اسم الإنسان العربي في سفر الخلود. ومن تلك اللحظة، صار للحرية وجهٌ عربيٌّ واسمٌ أنثويٌّ ودمٌ لا يجفّ.

وحين أعلن “ياسر عرفات” قيام دولة فلسطين في أرض الجزائر” بعد أربعةٍ وثلاثين عامًا، لم يكن الأمر صدفة جغرافية ولا مشهدًا بروتوكوليًا، بل اكتمال دورة الروح بين أختين في الوجع والنور: الجزائر التي انتصرت على المستحيل، وفلسطين التي جعلت المستحيل ينهزم أمام الصبر.

الروح لا تُهزم

ما يجمع الجزائر وفلسطين أعمق من التاريخ والسياسة. إنه سرّ الروح التي لا تعرف الانكسار. في الجزائر، كانت البنادق تصنع المعنى. في فلسطين، صارت الكلمة تصنع العالم. الأولى قاتلت لتحرّر جسدها من المستعمر، والثانية تقاتل لتحرّر وعي العالم من الخداع.

في كل حجرٍ يُرمى في فلسطين، صدى لرصاصةٍ أُطلقت في جبال الأوراس. وفي كل دمعة أمٍّ فلسطينية، ملوحةُ البحر نفسه الذي غسلَ جراحَ الجزائر.

التاريخ لا يُعيد نفسه؛ لكنه يتجدد حين تشتعل القيم من رمادها، كما تفعل الشعوب التي تؤمن أن الحرية ليست حدثًا.. بل خُلقًا من أخلاق الله في الأرض.

الكتابة مقاومة، والمثقف جنديّ الضوء

أيها الأدباء والمثقفون، يا من تحرسون الذاكرة في زمن المحو، يا من تكتبون كي لا يُقتل المعنى مرتين، إن أقلامكم اليوم جبهاتٌ جديدة لا تقلّ عن الخنادق.

ففي زمنٍ تُشترى فيه الحقائق وتُباع، تصير القصيدةُ معركة، والمقالُ انتفاضة، والفكرةُ طلقةً في وجه الزيف. اكتبوا كما لو أنكم تنقذون آخر نفسٍ في صدر الأمة. اكتبوا كما يكتب الجندي وصيته الأخيرة. اجعلوا من اللغة خندقًا، ومن الفنّ وطنًا، ومن الذاكرة علمًا يرفرف فوق الركام.

الحرية لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ بقدر ما تحتاج إلى صوتٍ صادق. والشعوب لا تموت ما دامت تمتلك من يروي حكايتها بضمير. فاحملوا القلم كما تُحمل الشعلة، واذكروا دائمًا: أن أول شهيدٍ في كل حربٍ هو الصمت.

من رماد الثورة إلى فجر القيامة

حين أشعلت الجزائر ثورتها في نوفمبر، كانت تصرخ باسم كلّ من سُلب صوته. وحين أعلنت فلسطين دولتها في نوفمبر ذاته، كانت تُكملُ الصرخة وتحوّلها إلى وعدٍ لا ينكسر. كأنّ الزمن قال لهما: “أنتما توأمان من نورٍ واحد. الأولى علّمتِ العربَ كيف يُولد وطن، والثانية تُعلّم العالمَ كيف لا يموت وطن”.

في الجزائر انتصرت الأرض، وفي فلسطين ينتصر الوعي. في الجزائر انتهى الاحتلال بالسلاح، وفي فلسطين سينتهي حين تنتصر الكلمة على الأكاذيب. وهذا هو النصر الأعظم: حين يُهزم الظلم لا برصاصٍ بل بحقيقةٍ لا تموت.

نداء من القلب إلى العالم

يا ضميرَ العالم، إن كنت تبحث عن معنى الكرامة، فأنصت لامرأةٍ فلسطينيةٍ تقول: “نحن بخير”، وهي تقف على أنقاض بيتها. وإن كنت تبحث عن معنى النصر، فاقرأ في تاريخ الجزائر كيف هُزِم الاستعمار أمام صبر النساء قبل بنادق الرجال.

من لا يسمع هذا الصوت، لا يسمع قلب الإنسانية. ومن لا يرى هذا النور، يعيش في ليلٍ أخلاقيٍّ طويل.

لسنا هنا لنستجدي العالم، بل لنذكّره: أن كل ما في الأرض من حريةٍ، وكرامةٍ، وحقٍّ، ووعي، قد كُتب ذات يومٍ بدمٍ عربيٍّ طاهرٍ في الجزائر، ويُكتب اليوم بالحبر نفسه في فلسطين.

خاتمة: الحلم الذي لا يموت

في الجزائر، كانت الثورة وعدًا. وفي فلسطين، صار الوعد رسالة. ما بين الفاتح من نوفمبر والخامس عشر منه، يمتد خيطٌ من النور لا ينقطع،

يقول للبشرية كلّها: “ليس النصر أن تهزم عدوك، بل أن تبقى إنسانًا بعد كل هذا الخراب”. ستظلّ الجزائر تُذكّرنا أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وستظلّ فلسطين تُذكّر العالم أن الحقيقة لا تُقهر مهما طال الليل.

أما نحن – الكتّاب والمثقفون – فعلينا أن نكون الحبر الذي لا يجفّ، والضمير الذي لا ينام، والصوت الذي لا يساوم. لأنّ الكلمة – حين تكون صادقة – تصبح وطنًا، وتصبح غزة والقدس والجزائر رموزًا خالدة لمعنى الإنسان.

الجزائر تُصافح فلسطين

بقلم: قمر عبد الرحمن – فلسطين

في فجرٍ من نوفمبر

نهضت البنادق من نومها

وغسلت وجهها بندى الحرية

وقالت للأرض: “آنَ لكِ أن تنهضي”

من صحراء الجزائر انبثق النداء

ومن زيتون فلسطين جاء الصدى:

“لن ننام ما دام في القلب وطنٌ لم يتحرر”

لم تكن الثورة في الجزائر رصاصةً فحسب

كانت نجمةً كسرت بضيائها ظلام المستعمر

وكانت أمًّا تلد أبناءها من جمرٍ

كي يكتبوا للعالم أن الكرامة تُزرع بالدم

وأن الأرض التي نحملها في صدورنا

لا تُباع ولا تُنسى

وفي تشرينٍ بعيد

بعد ثلاثة عقودٍ من الشهداء والأغاني

أعلنت فلسطين اسمها على الملأ

قالت: “ها أنا، وإن طال الليل، لا أموت”

رفعت رايةً من دمٍ وزيتٍ ودموع

وكتبت على التراب:

“هذا الوطن لنا،

ولو حاصرونا بالكذب المدروس”

ما بين نوفمبر الجزائر

ونوفمبر فلسطين

يمتد خيطٌ من نورٍ وملح

من جرحٍ واحدٍ يشبه الأغنية

ومن قلبين يرفّان في صدر الأمة نفسها

فالتاريخ، حين يُكتب بدم الثائرين

لا يفرّق بين ضفتين

ولا بين شهيدٍ في الأطلس

وشهيدٍ على أبواب القدس

في هذا الشهر

لا نحتفل بالتاريخ فحسب

بل بالنبض الذي ما انكسر

بالنار التي لا تنطفئ

وبالفجر الذي يولد من رحم الثورة

من الجزائر إلى فلسطين

يمشي الحلم حافيًا

يحمل بندقيةً من القصيدة

ويقول للعالم:

“ما دام فينا دمٌ يحب

سيولد الفجر من رحم الثورة

وتشرق الأرض من دعاء الأمهات”

‏الجزائر عشق لا ينضب

بقلم الأسير المحرر: هيثم جابر

‏عندما يُذكر اسم الجزائر، فإن ذاكرتنا تسبح في أمواج فلسطين، نستذكر دمنا المسفوح على مساحة خارطة ‏السكين، دمنا المسفوح فوق كل أرض وتحت كل سماء. نلعق جرحنا بنكهة الجزائر، هو ذاته الدم المراق في كل تشرين، من غزة حتى سطيف وقالمة وخراطة.. نستذكر الثامن من مايو.. ونستذكر دم الشهداء الراحلون إلى الله بالجملة. نرى وجوه القتلة نفسها وهي تتلذذ على آهاتنا وترقص على رفاتنا. خلال أيام قليلة، أكثر من سبعون ألف جزائري يرتقون إلى الله بالجملة. ومثلهم في غزة.. جرحنا ولد من رحم ذات الموت.. وعشقنا اتحد تحت جناح العواصم الثائرة.

ظلت الجزائر لنا نبراس في الدم الثورة، وبقينا نستظل تحت سماء تشرين بأوله وثانيه، كلما علا صوت جرحنا نجد الجزائر تهرع لنجدتنا، تمنحنا دمها وظلها وشمسها وأقمارها، فننهض من جديد، نعتلي صهوة قصائدنا ودمنا ونستل سيوفنا في وجهه وحوش الصحراء، نتعلق بستائر الأول من تشرين الثاني، نحمل كل ذخائره وبنادقه وأصواتنا المبحوحة، ونصرخ ولا نتوقف، إلا تحت عرش إله أضاء لنا طريق عزّته ودرب الكرامة المغمسة بالدماء ووجهة غزة وجنين طولكرم.

كل مساحة مغطاة بثياب ثائر لم يجد نعلا يرتديه إلا نعل وجوه القتلة الساديون. يخرج من رماد جرحه ومن تحت غطاء الرمل ليدق أبواب الحرية الحمراء بتوقيت الجزائر. نمضي حفاة عراة نحو الشارع المؤدي إلى مقابرنا الجماعية، التي أضعنا فيه اسمائنا وصورنا، ولم يسعفنا الوقت لنكتب أسماءنا على الأضرحة، نسينا متى ولدنا ومتى خطفتنا قذيفة غادرة، ومتى نزف دمنا آخر مرة، نجونا من الموت مرة، ولم ننج من الحياة مرات عدة، في كل استراحة محارب كانت الجزائر المتشحة بثوب تشرين تمد لنا يدها، ‏وتفرش لنا أسرتها وتزوجنا من حرائر بناتها وتمدنا بالنار والبارود وعبق البخور الشرقي وقهوة السفر إلى الله..

عندما نذكر الجزائر، يوم ثورتها أو يوم استقلالها أو يوم زفافها، فهذا يعني أنّنا نذكر دمنا ونقيم ولائم أعراسنا على طريقة الجزائر، ورجال الجزائر، فنحن اتخذنا قرارنا منذ العشق الأول للجزائر.. أننا معها في كل ساحة وبقاع، أننا معها ظالمة أو مظلومة، لأن دمنا من فصيلة الدماء النادرة لا يتوافق إلا مع فصيلة دم الأحرار التي أنجبتهم الجزائر. لذلك نفخر عندما نعرّف عن أنفسنا أننا من دولة جزائرسطين.

بين الجزائر وفلسطين.. شعلة التحرر التي لا تنطفئ

بقلم: د. ياسر أبو بكر

في ليلٍ باردٍ من ليالي نوفمبر، كان فلاحٌ جزائريٌّ بسيط يخبّئ تحت عباءته رسالةً كتبها أحد رجال الثورة، ويمضي بها على ضوء قنديلٍ خافت بين جبال الأوراس، غير مدركٍ أنه يسهم في إشعال معركةٍ ستغيّر وجه التاريخ. وفي أحد مخيمات اللجوء بعد ثلاثة عقود، كان طفلٌ فلسطينيٌّ يرسم على جدارٍ مهترئ علمًا بألوانٍ باهتة، لا يدري أنّ الجزائر نفسها التي روَت أرضها بدماء أحرارها ستحتضن حلمه بإعلان الدولة الفلسطينية عام 1988. بين هذين المشهدين، تمتدّ قصة واحدة، قصة الإنسان العربي حين يصرّ على أن يكون حرًّا، مهما تواطأ عليه الزمان والمستعمر والخذلان.

الثورة الجزائرية لم تكن تمرّدًا، بل كانت انتفاضة روحٍ ضدّ قرنٍ من الذلّ. في الأول من نوفمبر 1954، دوّت أولى الرصاصات لتعلن أنّ شعبًا بلا جيشٍ منظم ولا سلاحٍ كافٍ يمكنه أن يصنع معجزة إذا امتلك الإيمان. كان الفلاحون يتركون محاريثهم ليحملوا البنادق، والطلاب يتركون دفاترهم ليكتبوا بدمائهم، والأمهات يخبئن المقاتلين بين جدران البيوت الطينية. هكذا كانت الجزائر: أرضًا تُنبت الشهداء كما تُنبت الزيتون. سبع سنواتٍ ونصف من الجوع والحصار والدم، لكنها انتهت باستقلالٍ صنعه الشعب لا الدبلوماسية، وجعل من الجزائر منارةً أبدية للتحرر في العالم.

وحين ننتقل إلى الخامس عشر من نوفمبر 1988، نجد أن الجزائر نفسها عادت لتشهد حدثًا مكمّلاً لتاريخها الثوري؛ ففي قاعة المجلس الوطني بالعاصمة الجزائرية، أعلن الرئيس “ياسر عرفات” عن قيام دولة فلسطين، على أرضٍ عربيةٍ تحررت بالدم والإيمان. لم يكن ذلك الإعلان مجرّد بيان سياسي، بل كان إعادة ولادةٍ للكرامة العربية، إعلانًا بأنّ فلسطين رغم الاحتلال والشتات، ما زالت تمتلك القدرة على صياغة وجودها. قال “عرفات” يومها: “إنها لحظة تجلٍّ لروح الأمة”، وكان يعني أن الشعلة التي أوقدها الثوار الجزائريون قبل عقودٍ انتقلت لتتوهج في سماء فلسطين.

إنّ ما يجمع بين هذين التاريخين ليس التزامن الزمني، بل وحدة المصير والوجدان. الجزائر التي حاربت استعمارًا أوروبيًّا شرسًا، هي ذاتها التي فتحت ذراعيها لفلسطين حين كان العالم يغلق أبوابه. لقد رأت في فلسطين صورتها قبل التحرر، ووجد الفلسطينيون في الجزائر الحاضنة التي تفهم معنى المقاومة دون شرحٍ أو تبرير. فالثورة عندهما ليست فعلًا سياسيًّا بل حالة أخلاقية، إنها لحظة استيقاظ الضمير الجمعي حين يرفض الظلم ويقرّر أن يصنع مستقبله بنفسه.

الثورة – كما فهمها الجزائريون والفلسطينيون – ليست رصاصةً تُطلق في صدر المستعمر، بل وعيًا يُطلق في عقول الناس. ليست حدثًا في التقويم بل تجربةً وجودية يعيشها الإنسان حين يرفض الخنوع. وما بين جبال الأوراس وشوارع جنين وغزة، ظلّ هذا الوعي مشتعلاً كالجمر تحت الرماد، يشتعل كلما حاولت قوى الظلم إخماده. إنّ ما يربط الثورتين هو هذا الإيمان الصلب بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الحرية لا تُشترى بالتصريحات، بل تُنتزع بالتضحيات.

لقد أدرك الجزائريون باكرًا أن المعركة لا تنتهي بخروج المحتل، بل تبدأ ببناء الإنسان. فبعد الاستقلال، خاضوا ثورةً أخرى أكثر صعوبة: ثورة التعليم والمعرفة. مدارس على أنقاض الحرب، كتبٌ تحلّ محل البنادق، ومناهج تُعيد تشكيل الهوية. ذلك الدرس هو ما يجب أن تستلهمه فلسطين اليوم. فالتعليم في ظل الاحتلال ليس نشاطًا مدنيًا، بل مقاومة يومية، وتحصينٌ للوعي الجمعي ضدّ محاولات الأسرلة والتذويب. فالثورة لا تستمر بالرصاص فقط، بل بالكلمة والقلم والوعي.

وكما أن الجزائر لم تُغلق باب النقد الذاتي بعد الاستقلال، فإن على الفلسطينيين أن يواصلوا مراجعة تجربتهم الوطنية بجرأة ومسؤولية. فإعلان الدولة في حدّ ذاته لا يكفي ما لم يُترجم إلى مؤسساتٍ قويةٍ وعدالةٍ حقيقيةٍ ووحدةٍ وطنيةٍ جامعة. إنّ الثورة التي لا تتجدد تتحوّل إلى ذكرى، أما التي تُقيم في الوعي الجمعي فتبقى حيّةً مهما طال الزمن. ولذلك، فإن فلسطين بحاجةٍ إلى أن تجعل من ثقافة المقاومة مشروعًا تربويًا مستدامًا، لا مجرد ردّ فعلٍ على عدوانٍ متكرّر.

قال الشهيد “العربي بن مهيدي” ذات يوم: “ألقوا بالثورة إلى الشارع، سيحتضنها الشعب”. وقال “ياسر عرفات”: “الثورة ليست بندقيةً فحسب، بل قلمٌ ومعولٌ وكتاب”. بين الكلمتين تولد الحقيقة الكبرى: الثورة في جوهرها ثقافة حياة، وليست مجرّد صراعٍ على البقاء. إنها شجرةٌ تُسقى بدم الشهداء ولكنها لا تزهر إلا بالعلم والعمل والإيمان.

وأنا أكتب عن الجزائر، أشعر أني أكتب عن فلسطين، عن الأمة التي لا تموت مهما تعددت الهزائم، لأنها تؤمن أن الحق لا يُهزم ولو أُرهق جسده. أشعر أن الثورة ليست خلفنا، بل أمامنا في كل طالبٍ يتعلّم رغم الحصار، وفي كل أمٍّ تصنع الخبز لأسيرٍ أو شهيد، وفي كل مثقفٍ يكتب كأنه يحمل بندقية. إنهم الجيل الجديد من الثوار، ثوار الوعي والكرامة والمعرفة.

إن الأول من نوفمبر والخامس عشر منه ليسا محطتين في الذاكرة، بل مسارين متوازيين في معركة واحدة اسمها الحرية. الجزائر وفلسطين ليستا بلدين تفصل بينهما الجغرافيا، بل روح واحدة تقاتل في جسدين. وما دامت هذه الروح حيّة، فلن يُطفأ القنديل الذي أُشعل في جبال الأوراس، ولن تنكسر الراية التي رُفعت في سماء القدس. فالثورة ليست حدثًا مضى، بل وعدٌ يتجدّد: أن نحيا أحرارًا، أن نكتب تاريخنا بأيدينا، وأن نترك للأجيال القادمة وطنًا يليق بدماء الذين حلموا به.

من الجزائر إلى فلسطين.. تظل النار مشتعلة في قلوبٍ تعرف أن الحرية لا تُورَّث، بل تُنتزع، وأن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تموت، لأنها ببساطة صارت هي الثورة ذاتها.

ملحمة نوفمبر واستقلال الحلم.. من جبال الأوراس إلى سماء فلسطين

بقلم: غدير حميدان الزبون – فلسطين

في البدء كان النداء؛ نداء الأرض حين يضيق عليها القهر، ونداء الروح حين تتذكّر أنّ الحرية لا تولد إلّا من رحم النار. ومن رحم تشرينٍ باردٍ خرج نوفمبر دافئًا بدماء الثوّار.

في الأول من نوفمبر عام 1954، دوّى صوت الرصاصة الأولى من جبال الأوراس في الجزائر، إيذانًا بانطلاق واحدة من أعظم الثورات في القرن العشرين، ضدّ استعمارٍ أراد أن يبتلع التاريخ والجغرافيا والهوية معًا.

ومن الجزائر، بعد أربعةٍ وثلاثين عامًا، وفي الخامس عشر من نوفمبر 1988، صدح صوتٌ آخر من قلب قاعة في الجزائر العاصمة، يعلن باسم فلسطين قيام دولةٍ طال انتظارها. كأنّ نوفمبر الجزائري سلّم مشعل النور إلى نوفمبر الفلسطيني، في طقسٍ عربيٍّ واحدٍ من الولادة والميلاد.

هكذا يصبح شهر نوفمبر أكثر من تاريخٍ في تقويم الثورة؛ إنّه رمزٌ للقيامة العربية، حين ترفض الأرض أنْ تموت، وحين يتواطأ الوعي الجمعي على أنْ يظلّ الحلم حيًّا مهما طال ليله.

وفي هذا المقال، سنسافر عبر الذاكرة والجغرافيا، بين الأوراس وجبال القدس، لنقرأ التاريخ من زاوية الحلم، ونتتبّع الخيط السري الذي يصل بين رصاصة الجزائر الأولى وإعلان استقلال فلسطين من أرضها.

جذور الثورة الجزائرية.. النار التي خُبّئت في الرماد

الاحتلال الفرنسي للجزائر لم يكن احتلالًا عابرًا، فمنذ سنة 1830، حين نزلت البوارج الفرنسية على سواحل الجزائر العاصمة، بدأ مشروع اقتلاعٍ شاملٍ للهوية، استهدف الإنسان قبل الأرض.

حاول الاستعمار أن يصنع من الجزائر “فرنسا وراء البحر”، فحاول طمس اللغة، وصادر الأوقاف، وغيّر أسماء المدن، ونفى العلماء والمجاهدين، وأقام منظومةً استيطانية كاملة.

لكنّ الأرض كانت تعرف أبناءها. فمن قلب الجبال، ومن بين وديان القبائل والأوراس، ظلّت جذوة المقاومة مشتعلة من الأمير عبد القادر في القرن التاسع عشر، إلى ثورات المقراني والشيخ الحداد، إلى حركة نجم شمال إفريقيا وحزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج. لقد تعلّم الجزائريون أنّ الاستعمار لا يُهزم إلّا بالوعي، وأنّ المقاومة لا تُقاس إلّا بعمق الإيمان.

ولمّا اشتدّ الليل، وحاول الفرنسيون أن يقنعوا أنفسهم أنّ الجزائر باتت جزءًا منهم، كانت النار تُخبّأ في صدور الفلاحين والرعاة والطلبة. وحين جاء نوفمبر 1954، لم يكن انفجار الثورة مفاجئًا وإنما كان استجابةً طبيعيةً لتاريخٍ طويلٍ من القهر والصبر.

الأوراس.. رحم الثورة

الأوراس ليست جبالا فقط؛ إنّها ذاكرة من صخرٍ ودمٍ وسماء. هناك، في تلك القمم التي تعانق الغيم وتُخفي الثوار في كهوفها، انطلقت الرصاصة الأولى في ليلةٍ ماطرة باردة.

قاد مصطفى بن بولعيد ومعه رفاقه ديدوش مراد، والعربي بن مهيدي، وكريم بلقاسم، ومحمد بوضياف، ورابح بيطاط، وحسين آيت أحمد، عمليةً كانت تبدو مستحيلة، وهي إشعال ثورةٍ في وجه واحدةٍ من أقوى الإمبراطوريات في العالم، لكنّ الإيمان، حين يتحوّل إلى فعل، يصنع المعجزات.

لم يكن للمجاهدين طائرات ولا دبابات، بل كانت بنادقهم صدورهم، وكانت جبال الأوراس حاضنتهم، وكان الليل صديقهم الذي يخبئ خطواتهم.

وفي القرى والبوادي، كانت النساء يخبزن الخبز للمجاهدين في الظلام، ويخفين الرسائل تحت قماش الخبز، وكان الأطفال ينقلون الذخيرة بين الحقول وهم يلهون.

تلك الثورة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أخلاقية وروحية؛ لأنها أعادت تعريف معنى الكرامة. فحين قال العربي بن مهيدي: “ألقوا بالثورة إلى الشارع، وسيحتضنها الشعب”، كان يُعلن فلسفةً جديدةً في المقاومة تتمثّل في أنّ الثورة لا تُصنع في المكاتب وإنما في الدم اليومي للأرض.

الجزائر وولادة الوعي العربي

حين انتصرت الثورة الجزائرية في عام 1962، لم يكن ذلك انتصارًا محليًا فحسب، بل كان حدثًا عربيًا كونيًا. لقد رأى العرب فيها دليلًا على أنّ الاستعمار يمكن أنْ يُهزم، وأنّ الدم العربي ليس عقمًا كما أراد الاستعمار أن يصوّره، فأصبحت الجزائر – كما قال “مالك بن نبي” -مختبرًا للنهضة. ومنها انطلقت رسالةٌ فكرية وروحية إلى الأمة: بأنّ الحرية لا تُستورد من الخارج، بل تُزرع في الداخل.

لقد ألهمت الثورة الجزائرية حركات التحرر في إفريقيا والعالم العربي: من الثورة الفلسطينية، إلى نضالات اليمن، وعُمان، وجنوب إفريقيا. وصار اسم الجزائر يُكتب بجانب كوبا وفيتنام في سجلّ الشعوب التي انتصرت على المستحيل.

وفي الأدب، غنّى لها الشعراء، ففي الجزائر أفقٌ أزرقُ لم تلوّثه يدُ الاستعمار، وفي فلسطين حلمٌ أخضرُ لم يقطفه غاصبُ الديار.

الجزائر وفلسطين.. جديلة النار والزيتون

منذ الأيام الأولى لانتصارها، لم تتردّد الجزائر في إعلان موقفها من القضية الفلسطينية: بأنّ فلسطين هي الامتحان الحقيقي للعروبة. فاستقبلت اللاجئين الفلسطينيين، وفتحت جامعاتها ومدارسها لأبنائهم، وسمحت بتأسيس مكاتب لمنظمة التحرير، وقدّمت الدعم المالي والسياسي بلا تردّد.

ولم يكن ذلك مجاملة سياسية، بل امتدادًا طبيعيا لروح الثورة الجزائرية، فمن عانى من السلاسل لا يمكن أنْ يقف صامتًا أمام أسر غيره. ومن عرف معنى السجن لا يمكن أن يُساوم على حرية الآخرين.

وحين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، كانت قلوب الجزائريين تهتف من بعيد، لأنهم رأوا في أطفال الحجارة وجوههم القديمة. كأنّ التاريخ يكرّر ذاته: هناك كان الفرنسيون، وهنا كان الاحتلال الصهيوني؛ هناك كانت جبال الأوراس، وهنا كانت جبال القدس؛ هناك كان حلم الاستقلال، وهنا حلم العودة.

نوفمبر 1988.. ميلاد الدولة الفلسطينية من رحم الجزائر

في الخامس عشر من نوفمبر 1988، وقف “ياسر عرفات” في قاعة قصر الأمم بالجزائر العاصمة، ليعلن باسم الشعب الفلسطيني قيام دولة فلسطين.

كان المشهد مهيبًا: علم الجزائر يرفرف إلى جانب الكوفية الفلسطينية، وأصوات التصفيق تمتزج بدموع الحاضرين، لقد كان ذلك المشهد استعادة رمزية للكرامة العربية.

اختار “عرفات” الجزائر تحديدًا، لأنها كانت الأرض التي تفهم معنى النفي والمقاومة والميلاد من النار. ولم يكن صدفة أن يتم الإعلان في نوفمبر، الشهر ذاته الذي حمل للجزائر استقلالها.

لقد أراد التاريخ أن يكتب سطرًا واحدًا بمدادٍ مزدوج: من الأوراس إلى الجزائر العاصمة إلى القدس لا ولن ينكسر الحلم. وبين 1954 و1988، مسافة من الدماء والذاكرة، لكنها أيضًا مسافة من الأمل، تثبت أنّ الثورة قد تتأخر، لكنها لا تموت.

من تجربة الجزائر إلى حلم فلسطين.. الحُجّة بين الواقع والرمز

حين نقرأ التجربتين الجزائرية والفلسطينية، نجد أنّ بينهما توأمة نضالية عميقة تتجاوز تشابه الحدث إلى وحدة المصير. فكلا الشعبين عاش تحت استعمارٍ يزعم الأبدية، وكلاهما قدّم الشهداء بلا عدّ، وكلاهما تعلّم أنّ الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.

والتاريخ ليس مرآة للماضي بل هو خريطة للمستقبل، ومن يقرأ ثورة الجزائر بعين العقل يدرك أنّ الانتصار لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم الوعي والتنظيم والاتحاد الشعبي.

لم تنتصر الجزائر بالبنادق وحدها، بل انتصرت ببناء جبهة التحرير الوطني التي وحّدت المختلفين في بيتٍ واحد. وهذا الدرس هو ما تحتاجه فلسطين اليوم: أن تتوحد راياتها تحت مظلة واحدة، لأنّ العدو واحد وإن اختلفت وجوهه.

لقد فشلت القوى الاستعمارية في الجزائر حين حاولت تقسيم الشعب، ونجحت الثورة حين ردّت بلغة جامعة: نحن أبناء الأرض، نختلف في الأسماء، ونتوحّد في الانتماء.

وهكذا يُمكن القول إنّ الجزائر قدّمت للعرب أنموذجًا عقلانيًّا في المقاومة: بأنّ العقل يجب أن يسبق البندقية، وأنّ التخطيط هو الوجه الآخر للشجاعة.

وفي المقابل، تقدّم فلسطين درسًا آخر في الحِجاج العقلي: بأنّ الاحتلال مهما طال فإنّه هشّ أمام إرادة الحياة، وأنّ كلّ حجر يُرفع في وجه الدبابة يُحدث خللاً في معادلة الرعب، لأنّ الوعي حين يتجذّر يصنع توازنًا جديدًا بين القوّة والحق. فالعقل يخطط، لكن القلب هو الذي يُشعل الثورة. لقد كانت الجزائر ساحةً للحبّ الممزوج بالدم، وكذلك فلسطين.

ففي الجزائر، كانت الأمهات يودعن أبناءهن بعبارة: روح يا وليدي، الجزائر تستناك. وفي فلسطين، تهمس الأم لابنها: ارجع يا بني حرًّا أو شهيدًا.

اللغة واحدة، والدم واحد، والدموع التي سقطت على تراب الأوراس تشبه تمامًا تلك التي تنهمر على أسوار القدس وغزة ونابلس وجنين.

في الحِجاج الوجداني، تتجلّى الحقيقة في صورة الأم، وفي أغاني الأطفال، وفي دفاتر المدارس، وفي مفاتيح البيوت القديمة التي يحتفظ بها اللاجئون جيلاً بعد جيل. هذا هو الرابط الذي لا تقطعه المسافات إنّه الذاكرة العاطفية المشتركة بين الشعبين.

ولذلك، حين قال شاعر الثورة الجزائرية “مفدي زكريا”:

قسماً بالنازلات الماحقات — والدماءِ الزاكياتِ الطاهراتِ

تردّد الصدى بعد عقود في شوارع فلسطين على ألسنة الأطفال بشعر “درويش”:

يا دامي العينين والكفّين… إنّ الليل زائل

كأنّ القصيدتين كُتبتا على ورقة واحدة في دفتر الأمة، وكأنّ الحلم العربي يكتب نفسه بلغة القلب.

فالحرية تخرج عن كونها مطلبًا سياسيا إلى كونها قيمة أخلاقية عليا، ولذلك كان الحجاج الأخلاقي في التجربتين أوضح ما يكون، فالجزائر قالت للعالم إنّ الكرامة لا تُشترى، وفلسطين تذكّره اليوم بأنّ الاحتلال لا يُشرعن مهما تجمّلت أقنعته.

لقد قدّمت الجزائر مليونًا ونصف المليون شهيد دفاعًا عن مبدأ: أنّ الإنسان لا يُباع. وتقدّم فلسطين اليوم عشرات الآلاف دفاعًا عن المعنى ذاته: أنّ الأرض ليست سلعة، وأنّ القدس ليست ورقة تفاوض، بل ضمير الأمة.

وفي هذا المستوى من الحجاج، تنتصر الأخلاق على السياسة، لأنّ منطق القوة زائل، أمّا منطق العدالة فباقٍ. ولذلك تبقى التجربتان الجزائريّة والفلسطينيّة شاهدتين على أنّ الدماء التي تسيل من أجل الكرامة لا تُهزم، وأنّ القيم حين تُصبح سلاحًا، تُرعب الغزاة أكثر من المدافع.

فما بين الجزائر وفلسطين، ثمة لغتان لا تحتاجان إلى ترجمة: لغة الزيتون الذي يرمز إلى الجذور والخلود، ولغة النار التي ترمز إلى الثورة والبعث. في الجزائر كانت النار هي بداية الحرية، وفي فلسطين الزيتون هو وعد البقاء. وحين تلتقي النار بالزيت، يولد النور، ويولد المعنى العربي الذي لا يموت.

فالأرض كائنٌ حيٌّ يتنفس الذاكرة، ففي الأوراس كما في القدس، يتعامل المقاوم مع الأرض كما يتعامل الابن مع الأم. يقبلها قبل المعركة، ويحتضنها عند الشهادة، ويعود إليها في الحلم. وقد عبّر “محمود درويش” عن هذه الفلسفة حين قال: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

وكأنّه يُخاطب الجزائر كما يُخاطب فلسطين، لأنّ الأرض حين تنطق، تنطق باسم الحرية جميعها.

ولم تكن الثورة الجزائرية لتنتصر لولا النساء اللواتي حملن الرسائل والدماء معًا. فجميلة بوحيرد كانت الوجه الناصع لروح الجزائر، كما أنّ دلال المغربي كانت وجه فلسطين الطفلة التي كبرت قبل أوانها. هاتان المناضلتان ليستا مجرد رمزين، بل هما اختزال لكرامة الأمة في جسدين من نور.

المرأة في الجزائر كانت تُطعم الثورة بخبزها ودموعها، والمرأة في فلسطين تُطعم الانتفاضة بصبرها وأناشيدها. كلتاهما عرفتا أنّ الحرية لا تُولد إلّا من رحم الأم، وأنّ الثورة مؤنثة بالضرورة، لأنّها تمنح الحياة وهي تنزف.

واليوم، وبعد مرور عقود على استقلال الجزائر، ما زالت فلسطين تُكمل الطريق، وتظهر الأجيال الجديدة وهي تحمل ذاكرة مزدوجة: ذاكرة الجزائر التي انتصرت، وذاكرة فلسطين التي لا تزال تناضل، لكنّ الفارق الزمني لا يُضعف الصلة، بل يزيدها رسوخًا.

ففي الجامعات الجزائرية اليوم تُرفع الأعلام الفلسطينية، وفي مسيرات غزة تُرفع أعلام الجزائر. ويُردَّد النشيد ذاته بلحنين مختلفين، لأنّ الثورات الحقيقية لا تعرف الجغرافيا، بل تعرف الوجدان المشترك.

نوفمبران.. وشمس عربية لا تغيب

إنّ نوفمبر الجزائري ونوفمبر الفلسطيني هما مفهومان فلسفيان في وعي الأمة. الأول أطلق الرصاصة الأولى على الاستعمار، والثاني أعلن الكلمة الأولى في وجه الاحتلال. الأول حرّر الجسد، والثاني يُحرّر المعنى. الأول أسقط إمبراطورية، والثاني يُعيد تعريف الوطن كلّ يوم.

من جبال الأوراس إلى جبال القدس، تمشي الأمة على دربٍ من لهبٍ وضياء، وتحمل في يدها مفتاح البيت الفلسطيني، وفي الأخرى شهادة الشهيد الجزائري، وبينهما تمتدّ جديلة من زيتون ونار، من عروبةٍ ودمٍ ووعدٍ لا يموت.

سلامٌ على الجزائر، حين أطلقت الرصاصة الأولى وقالت: نحن هنا، ولن نُمحى. وسلامٌ على فلسطين، حين أعلنت الدولة الأولى من أرض الثورة وقالت: نحن هنا، وإن طال المنفى. وسلامٌ على نوفمبر شهر الكرامة العربية، شهرٌ يذكّرنا أنّ الحلم مهما أُطفئت مصابيحه سيعود يومًا ليتّقد من جديد.

ولأنّ التاريخ شعلة تنتقل من يدٍ إلى يد، فإنّ نوفمبر سيبقى العهد المفتوح بين الجزائر وفلسطين، وبين النار والزيتون، وبين الرصاصة والحلم. من الأوراس إلى سماء القدس، يمتدُّ الحلم العربي مثل قصيدةٍ أزليةٍ لا تنتهي، تتناسل من رحم الألم كما تتناسل السنابل من حجرِ الأرض العطشى.

هو الحلمُ الذي لم تُطفئه المنافي، ولم تكسره البنادق، لأنّ جذوره ضاربةٌ في أعماق الروح منذ أول شهقةٍ للحرية في جبال الأوراس، حتى آخر نداءٍ يعلو من مآذن القدس.

سيبقى الحلمُ عربيًّا، يتوضّأ بالدم، ويُصلّي في محراب الكرامة، وينهض من رماده كالعنقاء كلّما ظنّ الغزاة أنّهم أطفأوا آخر شرارةٍ في عيون الأطفال.

سيبقى الحلمُ نهرًا لا يجفّ، يسقي الذاكرة، ويزرع في القلوب نبتةً من يقينٍ أخضر تقول: إنّ فجرَ الأمة آتٍ، وإنّ الشمس مهما طال احتجابها ستعود لتشرق من جبين الشهيد.

من الأوراس إلى القدس، خطّ المجدُ طريقه بالنار والنور، وسار الشهداءُ كنجومٍ تهدي العابرين إلى وطنٍ يولد من الجراح.

وهكذا، سيبقى نوفمبر وعدًا لا يشيخ، تُناديه الجزائر من صمت الجبال، وتجيبه فلسطين من علوّ السماء: ما دام فينا قلبٌ عربيٌّ يخفق، فلن تموت الحرية، وما دام الزيتون يثمر على ضفاف الدم، فلن تُطفأ شمسُ الحلم.

الجزائر وفلسطين.. حكاية وفاء لا تنتهي

بقلم الأسير المحرر: رائد عبد الجليل

لم تنفصل الجزائر، شعبًا وقيادة، في أي يوم من الأيام عن فلسطين. فمنذ اندلاع الثورة الجزائرية وحتى يومنا هذا، كانت فلسطين نقطة التقاء بين الشعب الجزائري وقيادته.

ولا أبالغ إن قلت إن الجزائريين – شعبًا وقيادة – قد اختلفوا في كثير من القضايا، لكنهم لم يختلفوا يومًا في دعمهم الثابت والمبدئي للقضية الفلسطينية.

ويربط بين فلسطين والجزائر تاريخ طويل من المواقف المفصلية؛ فكان أول مكتب لتمثيل الشعب الفلسطيني في الخارج في الجزائر، وتولى قيادته الشهيد القائد “خليل الوزير” (أبو جهاد)، كما أن إعلان استقلال دولة فلسطين عام 1988 تم على أرض الجزائر، في موقف خالد يجسد عمق الأخوة والتلاحم بين الشعبين.

واستمر هذا الترابط بين الجزائر وفلسطين عبر الأجيال، فكل جيل من الشعب الجزائري يورّث الجيل الذي يليه حبَّ الوطن الأم الجزائر، وحبَّ فلسطين التي تسكن الوجدان.

ولم يكن هذا الحب يومًا نزوةً عابرة تتأثر بتقلبات السياسة أو مزاج الأنظمة، بل ظل ثابتًا، يزداد رسوخًا مع مرور الزمن.

ونرى تعبيرات هذا الموقف المبدئي للشعب الجزائري في كل مكان – من مواقع التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي، إلى مدرجات ملاعب كرة القدم، وصولًا إلى المحافل الدولية – لتؤكد أن هذا الدعم ليس مجرد عاطفة آنية، بل هو موقف وطني أصيل مبني على أسس تربوية وثقافية راسخة.

فالإعلام الجزائري، ومناهج التعليم، ومواقف قادة الجزائر المتعاقبين، كلها ساهمت في ترسيخ هذا الانتماء العميق لفلسطين، التي تعتبرها الجزائر قضية وطنية بقدر ما هي قضية عربية وإنسانية.

وعلى النقيض من ذلك، نرى – للأسف الشديد – بعض الدول العربية التي سخّرت أدواتها وأموالها وإعلامها للتحريض على الشعب الفلسطيني بدل دعمه، في مشهد مؤلم ومخالف لكل قيم العروبة والكرامة التي نادى بها أحرار الأمة.

وهكذا تبقى الجزائر – شعبًا وقيادة – وفية لمبادئها التاريخية، حاملةً راية فلسطين في كل المحافل، ومؤكدةً أن من ناضل من أجل حريته لا يمكن إلا أن يكون نصيرًا لكل شعبٍ يناضل من أجل كرامته واستقلاله.

فلسطين.. وعد الحلم المؤجل

بقلم: سماحه حسون

الافتتاحية:

في الخامس عشر من نوفمبر،

لم تُعلن الورقة استقلال دولة فقط،

بل أعلنت الروح ميلاد كرامتها من جديد،

وأزهرت الحروف زيتونًا في سماء الجزائر.

كان ياسر عرفات يقرأ البيان

كأنه يقرأ من سفر التاريخ صلاة وداع للألم،

وصلاة الفجر للحلم،

وصوتُه يخرج من جرح لم يجف،

ومن وطن لم يُولد بعد بالكامل.

فلسطين الأم

في ذلك اليوم،

كانت فلسطين أمًّا تعانق صورتها المعلقة على جدار العالم،

تقول: “ها أنا ذا… لم أمت، ولن أُمحى”.

كانت تُعيد ترتيب الذاكرة كي لا تضيع

بين خريطة مبتورة ومفتاح بيت ينتظر العودة.

يا فلسطين،

يا أنشودة الطين حين يرفض الانكسار،

يا قبلة الأرض التي علّمتنا

أن الوطن ليس جغرافيا فقط،

بل وجدان يُقام في القلب كما تُقام الصلاة.

الصمود والبيان

في الخامس عشر من نوفمبر،

توضأت الحروف بدم الشهداء،

وحمل البيان وجهك إلى الأمم،

كطفلة ترفع يدها لتقول للعالم:

“أنا هنا… ولو تحت الركام”.

ومنذ ذلك اليوم،

صار الاستقلال وعدًا مؤجلًا،

لكنّه وعد لا يموت،

يمشي حافيًا في شوارع الذاكرة،

ويضيء ليل المقهورين بنجمة من صبر.

يا أبناء فلسطين،

أنتم الذين كتبتم بدمكم معنى الانتظار،

فلا تتركوا الحلم وحيدًا،

ولا تسمحوا للغيم أن يغطي وجه القدس،

فما زال فينا من يكتب البيان من جديد،

وما زال فينا من يُقسم أن الوطن سيقوم…

ولو بعد ألف عاصفة.

رسالة إلى الجيل القادم

يا أبناء الغد،

أنتم الذين ستورثون الوجع كما نُورث الاسم والحلم،

احملوا فلسطين في وجدانكم لا في خريطتها فقط،

فالأوطان لا تُقاس بالحدود بل بالنبض الذي يسكن القلب.

تذكّروا أن الاستقلال ليس ورقة تُوقَّع،

بل وعد يُكتب بالعرق والإصرار والدمع،

وأن الحرية لا تأتي دفعة واحدة،

بل تمشي إلينا حافية على شوك الصبر.

حين تكبرون،

لا تبحثوا عن فلسطين في الأخبار،

بل ابحثوا عنها في وجوه أمهاتكم،

في ظل زيتونة ما زالت تهمس للريح:

“ما زلت هنا…”

اكتبوا حلمكم كما كتب الذين من قبلكم وجعهم،

ازرعوه في الطريق وإن لم تروا ثمره بأعينكم،

فربما يولد وطن كامل من نُطفة كلمة صادقة.

وسيبقى الخامس عشر من نوفمبر،

يذكّرنا أننا لم نفقد الطريق،

وأن فلسطين ليست ماضينا فقط،

بل مستقبل الإنسان فينا…

حين يجرؤ على أن يحلم رغم كل شيء.

في يوم الاستقلال

بقلم: همام الطوباسي

وطني الحبيب…

حرٌّ وعزيز، مرفوع الراية، راية السلام والأمان.

ياسر أعلن الدولة، ياسر أعلن الاستقلال،

أعلن قيام دولة فلسطين الحبيبة على أرض الجزائر الشقيقة،

ورفع راية السلام، ومجّد الحلم بالأمان.

من يافا تهتف فتاة: أنا فلسطينية!

وشاب من عكّا يكتب قصيدةً تفيض حرية،

وعجوز يضرب بالمنجل أرضه،

كي تُخرج من أحشائها ثمارها الزكية.

وضابط يقف على الحاجز، يحرس الوطن،

يحمل على كتفه بندقيته، لا يخشى الأعداء.

وعشّاق يتشابكون بالأيدي،

يجتمعون عند النهر ليملؤوا الجرار بالماء والحب.

وامرأة عجوز تخبز خبز الطابون بيديها الطاهرتين،

وياسر أبو عمار، الختيار،

يعلن الاستقلال بكل عزيمةٍ وإصرار.

وطناً حرًّا، مليئًا بأزهار شقائق النعمان،

وشمسًا تشرق كل صباح على أنغام نشيد الأحرار،

وعصافير تمجّد الخالق وتوحّد رب السماء،

وتعزف للوطن أجمل الألحان.

وأقصانا يؤذن بأذان الحرية مع صوت الفجر،

ويمجّد حروف الوطن حرفًا حرفًا.

يخرج ثائرٌ من بين الزحام،

ويرتمي بين أحضان أمّه، ووجهه يضيء بالابتسام.

ليس لي في الخامس عشر من نوفمبر

إلا تقديس الأوطان،

وإنشاد قصيدةٍ تروي ظمأ كل مغتربٍ عن هذه الأوطان.

من الجزائر إلى فلسطين.. شعب واحد ثورتان وقضية لا تموت

بقلم: أسماء ناصر أبو عيّاش – فلسطين المحتلة

من “الأوراس” إلى “الجليل”، ومن “الهقار” إلى “النقب”، تتجلى وحدة الطلقة والثورة والدم.

في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، تتجدد ذكرى الثورة الجزائرية المجيدة، تلك الشرارة التي اندلعت عام 1954 لتُشعل مسار التحرر العربي والإفريقي، وتؤكد أن إرادة الشعوب لا تُقهر مهما طال ليل الاستعمار. الثورة الجزائرية لم تكن حدثًا محليًا فحسب، بل كانت نداءً للأحرار في كل بقاع الأرض، تُعلّم معنى التضحية والفداء في سبيل الكرامة والسيادة. ومن رحم هذه الثورة وُلدت قيمٌ سامية جعلت الجزائر منارةً للمقاومة، وصوتًا صادقًا لكل من يناضل من أجل الحرية، وكم تغنينا ونحن على مقاعد الدراسة حين كانت الثورة الجزائرية لبنة الأساس في بنيان وعينا الثوري وكم رددنا شعر مُدَّرِّستنا الشاعرة الفلسطينية شهلا كيالي في انتصار الثورة الجزائرية:

إن “الجزائر” للشباب كرامة — من أجلها جعلوا الدماءَ جزائرا

الجزائر وفلسطين.. وحدة الدم والمصير

منذ فجر استقلال الجزائر عام 1962، لم تتأخر في إعلان وقوفها إلى جانب فلسطين، إيمانًا بأن الاحتلال واحد وأن الحرية لا تتجزأ. فقد رأت الجزائر في نضال الشعب الفلسطيني امتدادًا لثورتها وأن معركة التحرير لم تنتهِ بعد ما دام هناك وطن عربي مغتصب. لذلك، فتحت أرضها وقلوبها للفلسطينيين، واستضافت مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، واحتضنت مؤتمرها ومثقفيها ومقاتليها، وقدّمت الدعم السياسي والمادي والمعنوي بلا حدود وكانت شريكة في المعركة، تدافع عن فلسطين في المحافل الدولية، وتؤكد على الدوام أن فلسطين هي قضية الأمة المركزية، وأن لا حرية حقيقية في العالم العربي دون تحرير القدس. لقد كانت الجزائر – بثورتها وقادتها وشعبها – الحاضنة التي وجدت فيها فلسطين نفسها، تشاركها الذاكرة، والجرح، والأمل.

من الثورة إلى الدولة.. فلسطين في الجزائر

في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988، خطّ التاريخ صفحة خالدة حين أعلن الرئيس ياسر عرفات من العاصمة الجزائرية قيام دولة فلسطين. لم يكن اختيار الجزائر صدفة، بل كان اختيارًا رمزيا وتاريخيا عميق الدلالة: فمن أرض الثورة والنصر، وُلد إعلان الدولة الفلسطينية، تأكيدًا على أن درب الحرية واحد، وأن شعوبنا قادرة على تحويل الألم إلى أمل، والهزيمة إلى ولادة جديدة.

ذلك الإعلان لم يكن مجرد حدث سياسي، بل كان فعلًا ثقافيا ووجدانيا، يستحضر كل معاني الصمود، ويعيد وصل الذاكرة بين ثورتين: الثورة الجزائرية التي كسرت قيود الاستعمار الفرنسي بعد أكثر من مليون شهيد، والثورة الفلسطينية التي ما زالت تقاوم مشروعًا استيطانيا استعماريًا لا يختلف في جوهره عن الاستعمار القديم، سوى بأنه أشد قسوة وأعمق عنصرية ولا يزال شلال الدم الفلسطيني هادرًا من غزة وحتى جنين ومن نهر دم فلسطيننا حتى بحرها.

الثقافة والمقاومة.. الجسر بين الثورتين

كما كانت الكلمة في الجزائر سلاحًا من أسلحة التحرير، هي كذلك في فلسطين. الأدب، والشعر، والمسرح، والفن، ساحات مواجهة موازية للبندقية، تصوغ الوعي وتُبقي جذوة الثورة مشتعلة في النفوس. فمن صوت شاعر الثورة مفـدي زكريـا و”… الله أكبر فوق كيد المعتدي…”، إلى فتى الثورة الشاعر سعيد المزين و”… فدائي يا أرضي يا أرض الجدود…”، إلى صوت محمود درويش، تشكّل الوجدان الجمعي المقاوم عبر الحروف التي تنبض وطنا.

لقد ربطت الثقافة بين الثورتين بوشائج لا تنفصم عراها، فكلتاهما وُلدت من رحم المعاناة، وكلتاهما واجهت مشروعًا استعماريًا هدفه اقتلاع الإنسان من أرضه وتاريخه وهويته، لكنهما أثبتتا أن الكلمة حين تتسلح بالحق تصبح رصاصة في وجه الباطل، وأن الفن حين ينحاز إلى الإنسان يصبح جزءًا من معركة التحرر.

الجزائر وفلسطين.. من الوفاء إلى الاستمرار

تلك هي جزائر الأحرار جزائر الشهيد “أحمد المطروش” والزعيم الحر “هواري بو مدين”، جزائر الشعب الجزائري الذي سطر أروع صور الوفاء لفلسطين عصيٌة على التطبيع والمساومة ولم تفرّط بثوابتها فما زال صوتها في المحافل الدولية صادقًا، ينادي بالحق الفلسطيني وما زال الفلسطيني يرى في الجزائر وشعبها إخوة في الدم والذاكرة والمصير.

إن علاقة الجزائر بفلسطين ليست علاقة تضامن عابر، بل علاقة انتماء روحي وتاريخي متجذر في الوعي الجمعي للأمتين، تجسّد معنى الوفاء للثورات، والالتزام بقيم الحرية والعدالة، في وجه كل أشكال القهر والاستعمار.

ختامًا، الحق أقول إن ذكرى انتصار الثورة الجزائرية ليست مجرد استحضار لبطولات الماضي، بل هي تجديد للعهد مع كل الثورات العادلة، وفي مقدمتها الثورة الفلسطينية من الجزائر التي حررت أرضها بدماء أبنائها، إلى فلسطين التي لا تزال تسير على درب الحرية، تمتدّ رسالة واحدة: إن الشعوب لا تُهزم إذا آمنت بحقها في الحياة، وأن الأرض، كما في الجزائر وفلسطين، لا تعرف الانكسار. ومن وحي التاريخ ومن نبض الذاكرة، نردد معًا: من الجزائر إلى فلسطين… شعب واحد، ثورتان، وقضية لا تموت.

نوفمبران في الذاكرة.. قصيدة واحدة بلحنين لا يفترقان

بقلم: د. منى أبو حمدية – أكاديمية وباحثة

مطلع الذاكرة.. حين دوّى الحلم الأول

في الأوّل من نوفمبر، انشقّت سماء الجزائر عن رصاصةٍ كانت أكثر من صوت، كانت وعداً، كانت قسماً بأن لا نامت أعين المستبدّين.

في جبال الأوراس، حيث تتعانق الحجارة مع الشرف، وُلد فجرٌ من رحم الليل الطويل.

لم تكن الثورة الجزائرية حدثا تاريخيا، بل كانت التاريخ نفسه ينهض على قدميه، يخلع ثياب الهزيمة ويرتدي عباءة الكبرياء. ومن هناك، من أرض المليون شهيــد، تُشهد العالم أن الحرية لا تُمنح، وأنّ الدم حين يُسكب من أجل الوطن يتحوّل إلى نشيدٍ خالد.

وما بين رصاصةٍ وبيان.. خيط من نور لا ينقطع

يمضي الزمان إلى نوفمبر آخر، يحمل الرقم ذاته لكن الوجع مختلف، الوجع فلسطيني هذه المرّة. في الخامس عشر من نوفمبر، وعلى أرض الجزائر ذاتها، وقف الراحل الشهيد ياسر عرفات – بملامحه التي تشبه وجه التاريخ المشرف – ليعلن قيام دولةٍ وُلدت من تحت الركام.

لم تكن فلسطين في تلك اللحظة تُعلن حدوداً، بل كانت تُعلن هويةً، وتكتب اسمها على صفحة الوعي العربي بحبرٍ من دمٍ وصبر.

كأنّ الجزائر – وهي تصغي لذلك البيان – كانت تبتسم من خلف الزمن، تقول لفلسطين: “ها هو الطريق ذاته، طويلٌ لكنه يُفضي لاحقا إلى النور، مثقلٌ لكنه يُثمر وطناً وحرية.”

توأم الثورة.. من الرصاصة إلى الكلمة المقاومة

بين نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين، لا مسافة إلا مسافة القلب. الأول علّمنا أن الكفاح يمكن أن يُغيّر وجه الأرض، والثاني علّمنا أن الإصرار يمكن أن يُبقي الحلم حياً ولو ضاقت الأرض بما رحبت. الأول رفع البندقية، والثاني رفع الكلمة، وكلاهما رفع راية الكرامة والحرية.

نوفمبر الجزائر هو البداية التي أطلقت الفجر، ونوفمبر فلسطين هو الاستمرار الذي حفظ للصبح نوره، فصارت القصيدة واحدة، بلحنين متوازيين: لحن النار ولحن الندى، لحن الثورة ولحن الذاكرة.

حين تصير الجزائر أمًّا.. وفلسطين ابنة الحلم

في ذاكرة العرب مشهدٌ لا يُمحى: الجزائر تمدّ ذراعيها لتحتضن فلسطين.

ليست أمًّا بالتاريخ فقط، بل بالعاطفة والوجدان. هي التي ذاقت مرارة الاستعمار حتى الإدمان، وهي التي عرفت معنى الشهادة حتى الفداء. ومن رحمها خرج البيان الفلسطيني، كأنّها تقول للعالم: “أنجبتُ اليوم وطناً آخر يشبهني، اسمه فلسطين”. ومنذ تلك اللحظة، صار بين البلدين حبلٌ سرّيٌّ من الوفاء، تغذّي الجزائر فلسطين بالصبر، وتغذّي فلسطين الجزائر بالأمل.

الكلمة التي لا تشيخ.. والنشيد الذي لا يصمت

يا أدباء العرب، يا من تحملون في أصواتكم ما تبقّى من الذاكرة، هذا نوفمبر يعود إلينا لا ليذكّرنا بالماضي، بل ليختبر مدى وفائنا له. هل ما زال فينا ما يكفي من الحبر لنكتب عن الحرية؟ هل ما زال فينا ما يكفي من الحلم لنحمل الشعلة والتي أوقدها شهداء الجزائر وورثها أحرار فلسطين؟

اكتبوا كي لا تذبل القصيدة. اكتبوا كي لا يشيخ النشيد. اجعلوا من حروفكم جسوراً تعبر من القدس إلى تلمسان، ومن غزة إلى وهران، لأنّ ما يجمعنا ليس الجرح فحسب، بل الإيمان بأنّ الوطن يولد كلّما كتبنا عنه.. بصدق وانتماء.

نشيد لا ينتهي

هكذا يبقى نوفمبران في الذاكرة العربية كشمعتين لا تنطفئان. الأول أضاء درب التحرير، والثاني أضاء درب الحلم. وحين نغنّي لهما معا نغنّي لأنفسنا، لأمتنا، للحرية التي لا تموت.

فلنرفع الصوت عاليا:

من الجزائر بدأ الفجر، وفي فلسطين سيكتمل النور. وبينهما – في ذاكرة الأمة – ستبقى القصيدة واحدة.. بلحنين لا يفترقان.

الثورة الجزائرية ملهمة الشعوب المضطهدة

بقلم: ناصر عطا الله

عثرتُ في جيب والدي الثائر، في يومٍ شتائيٍّ بارد، على ورقةٍ تشبه رسالةً موجَّهةً إليه من رفيقِ سلاحه، يذكِّره فيها بالبطولات التي قدَّمها الثوار الجزائريون في الجبال والأودية، وبحبِّهم لفلسطين ودعمهم الكامل للثائرين في الكرامة وأحراش جرش.

قرأتُها وعمري يومها لم يتجاوز العاشرة، ولم أفهم الكثير من المصطلحات مثل أسماء الأماكن، خاصةً (الجزائر – أحراش جرش – الكرامة).

إلّا أنني منذ صغري كنتُ قنّاصَ الغموض والمبهم. رجعتُ إلى دفتر مذكّرات والدي هذا بعد عشر سنين أو أكثر، حيث بدأتُ أفكّك بالتعليم الكلماتِ والعبارات، وبالمعرفة استطعتُ التوسّع حتى عرفتُ الكثير عن ثوّار الجزائر وقادة الثورة التحريرية، وعن علاقة الثورتين الفلسطينية والجزائرية.

وهذا المبتدأ الصافي خلق لديَّ وجدانًا مختلفًا، حتى قرأتُ لكثيرٍ من شعراء الجزائر برابطٍ شعوريٍّ ومعرفيٍّ، لأُسند نفسي بالأمل وأنا الفلسطيني المنفي عن وطنه السليب.

بعد بضع سنين حطَّ ترحالي في مدينةِ غدانسك البولندية طلبًا للعلم، وفي السكن الجامعي تعرَّفتُ على مصطفى وعبد القادر وشاهر، ثلاثةِ شبّانٍ من وهران.

لا أعرف كيف اختلطت أيامُنا وأصبحت واحدةً في المسار والمعيشة، حتى نسيتُ كلَّ من هم دونهم من أصدقاء. الكلام هنا نظريًّا مفهوم، ولكنّ المشاعر والعاطفة يومها لعبت دورًا استثنائيا في حياتي، لأن الثلاثة أقنعوني بالبراهين والأدلّة أن فلسطين أقربُ ما تكون إلى الحرية، وإلى أن تكون دولةً ذات سيادة.

ولأنهم أخلصوا لي معاملةً ورفقةً، غرقتُ بحبِّ الجزائر أكثرَ وأكثر، وأصبح لديَّ هاجسٌ وحُلمٌ صادق أن أزور بلدَ الشهداء وصُنّاع الحرية بعد احتلالها من قِبَل فرنسا مئةً واثنتين وثلاثين سنة.

في عام 2019 دُعيتُ إلى جامعة الفيوم في مصر لمهرجانٍ ثقافيٍّ جامع، وهناك التقيتُ بشعراء وأدباء من الجزائر، وفيه توسّعت حدود معرفتي الواقعية بالجزائر بعد أن بقيت محدودةً بالشبّان الثلاثة الأوائل.

لتزداد مشاعري يقينًا بالجزائر بلدًا وشعبًا. وبحكم طفرة التكنولوجيا المعاصرة، بقي التواصل ممكنًا مع أغلب الأصدقاء والأخوات الجزائريين، لكنها توطدت مع الأخت الروائية نور شمس نعيمي، ابنة باتنة المسوّرة بجبال الأوراس، ومنها جبل شيليا.

في ذات يومٍ قريبٍ من الذكرى المجيدة لانتصار الثورة الجزائرية، اقترحتُ على الأستاذة نور أن تشاركني في كتابٍ يخلّد الثورتين الجزائرية والفلسطينية من خلال رسائل متبادلة، يكون فيها الجبلان شيليا والجرمق بطلي الكتاب.

وافقت، وأنجزناه بسرعةٍ غير متوقَّعة، وقام الصديق صالح عباسي، صاحب دار كلّ شيء الحيفاوية، بإصدار الكتاب الذي توافقنا والأستاذة نور على عنونته بـ(شيليا وحُلم الجرمق).

وقد أُعلن عنه في قاعة الهلال الأحمر في مدينة غزة يومَ إحياء الثورة الجزائرية التحريرية، وتمّت استضافتي والأستاذة نور لإشهار الكتاب الذي حقّق اهتمامًا واسعًا في الوسطين الثقافيين الفلسطيني والجزائري.

وهنا أذكر الوزير المحترم إبراهيم أبو النجا، الذي عاصر رجالات الثورة الجزائرية في الجزائر نفسها، إذ قدّم للكتاب صفحاتٍ أثرت فكرتنا وأوضحت مبتغانا، فاكتملت أهلّته في سماءٍ صافية تؤكّد متانة العلاقة بين الشعبين الجزائري والفلسطيني.

ما زادني تمامًا في ارتباطي العاطفي بالجزائر كان في سنتنا هذه (2025)، عندما تلقيتُ دعوةً من الصديق الكاتب أحمد دلباني لحضور مهرجانٍ شعريٍّ في ولاية بسكرة، ناصيةِ الصحراء العامرة. وكانت الزيارة بمثابة تحوّلٍ كبيرٍ لمشاعر مكنونةٍ وعميقة، بدأت برسالة صديق والدي ولم تنتهِ بعلاقاتٍ واسعةٍ اليوم مع الجزائر التي أكّدت في كل محطةٍ من محطات عمري أنها ملهمةٌ وفيّةٌ لحرية فلسطين، ومرتكزٌ وجدانيٌّ لكلّ فلسطينيٍّ أصيلٍ يتطلّع إلى الخلاص من الاحتلال الغاشم.

وفي ذكرى ثورتها التحريرية، وبعد زيارتي لها، وشربي من مائها، وأكلي من رُطبها، وخطواتي التي تركتُها في شوارعها، ومودّتي التي جمعت كلَّ من عرفتُهم فيها، أقول: الجزائر نبضُ قنديلِنا المنير في عتمة المسلك، وستبقى مع فلسطين ظالمةً ومظلومة.

هكذا.. عشت الجزائر!

بقلم: حسن حميد

يا إلهي، كم كان الوقت بركة، وكم كان النور عظيما، وكم كانت المعاني كائنات ألوفة تماشينا، وتحدثنا، وتسألنا عن كل نبيل وجليل، وكم كانت الأفعال جمالاً يفيء إلى ظلال المجد من أجل العزة والكبرياء.

كنت تلميذا في سنتي الدراسية الأولى من المدرسة الابتدائية، المكان المحروس بالقداسة، والمهابة، وما حفظته الكتب بين تضاعيفها، وبأنوار النهارات الطالعة كل صباح، وقد لفتني غيبوبة الدهشة، فكل ما هو حولي عالم من الدهشة. مكان المدرسة، وأبوابها، ونوافذها، ومقاعدها، وباحتها الرملية، وأشجار حديقتها الوسيعة، والشريط الشائك الذي يسوّرها، وأعشاب النجيل المغمورة بالندى والخضرة، والأساتذة، واللوح الأخضر، والكتب، والدفاتر، وأقلام الرصاص، وسلة المهملات البلاستيكية، وجرس المدرسة الذي يقرع فتتنبه حواسنا، ونداءات الأستاذ والتفاتاته، وخروجنا إلى اللوح الأخضر كي نمسح ما كُتب عليه، أو نكتب عليه ما يطلبه الاستاذ منا، أو نعلق فوقه صور الحيوانات والخضار والفواكه.

المدرسة كلها كانت دهشة، وحراكي فيها كان غيبوبة، وأحاديثي عنها في بيت جدّي الذي عشت فيه، لا تنتهي، لكن أكبر حالات الدهشة كانت ماثلة في ذلك النشد الذي كنا نردده في الصباح الباكر، ونحن ننتظم في صفوف متوازية، النشيد الحماسي الذي شد إليه نساء القرية الذاهبات إلى الحقول، ونبعة الماء، ومواقد الخبز صباحاً، فيقفن بمحاذاة الشريط الشائك يستمعن للكلام الجميل الذي ننادي به بأعلى أصواتنا، قسماً بالنازلات الماحقات.

  كان الزمن في السنة الأولى من عقد الستينيات، وكان النشيد هو النشيد الوطني للثورة الجزائرية، وكان أستاذنا رشيد العامري الطويل، صاحب الثياب النظيفة، والشعر اللامع، والابتسامة البيضاء، يحدثنا عن الجزائر، فلا تعلق في أذهاننا إلا قولات قليلة، ومنها أن الجزائر بلاد عربية، وشعبها يقاتل في الجبال التي يتحدث عنها النشيد من أجل الحرية والتحرر من ظلم الجيش الفرنسي الذي يقتل، ويجرح، ويهجر، ويدمر البيوت، ويحرق الأراضي والمحاصيل؛ يحرق حقول القمح قبل أن تحصد، ويحرق البيادر أيضا، ويقتل الأبقار والأغنام والخيول والحمير وطيور الدجاج والبط والأوز، ويرمي ما في الدكاكين من بضائع وأطعمة وبسكويت وحلويات على الأرض كي تدوسها الخيول..

وكم كنا نتأثر بهذا الكلام، وكم كنا نبكي حين يتحدث عن دمار البيوت، والمساجد، والأسواق، ودفع الناس، رجالاً ونساء وأطفالاً إلى ساحات القرى، وهم يهمهمون ويسألون ويعاتبون حالات حلي الخوف التي عوّقت أقدامهم عن الاندفاع والمشي، كل ذلك حفظته ذواكرنا، وكل هذا الحديث نقله إليّ جدتي وجدي اللذين عشت عندهما، وكانت جدتي تبكي، أما جدي فكان يسألني أسئلة صعبة، ومنها.. أين تقع الجزائر، وهل هي بعيدة، ولماذا يفعل الفرنسيون هذا، ولماذا يحتلون الجزائر، ولماذا يقتلون الناس أو يسوقونهم إلى السجون؟ وكنت لا أجيب إلا بما قاله لنا أستاذنا رشيد العامري، وكان جدي يدرك عجزي عن الإجابة مباشرة، ويقول لي: سأدعو أستاذك العامري إلى بيتنا، نأكل ونشرب وإياه، كي يحدثنا عن الجزائر.

  أجل، كانت الجزائر آنذاك الخبر الطالع والمدهش والكبير ليس في قريتنا فقط، ولا في أحاديثنا التي ننقلها عن استاذنا رشيد العامري، وإنما كان رعيان القرية يتحدثون عن الجزائر، وكانت نساء القرية الملتفات حول طوابين الخبز يتحدثن عن الجزائر، عن النساء الثائرات، وعن امرأة جميلة جدا، تركت حياة أهلها، ورفقة صديقاتها، وذهبت مع أخريات من رفيقاتها إلى الجبال والأودية والغابات كثائرات بوجه الفرنسيس الذين يقتلون ويجرحون ويخربون، ويدمرون، ويطاردون، ويسجنون.. كان اسم المرأة: جميلة بوحيرد! قال لنا أستاذنا العامري إنها صبية شابة قوية، وجميلة، وتلبس ملابس الثوار الجزائريين، الثياب الكاكية، وتحمل البندقية، والقنابل، ولم تكن متزوجة، وبالتالي ليس لها أولاد، وقال لنا الأستاذ: إنها قالت حين التحقت بالثوار: الآن أصبح لي أمان، أمي زينب، والجزائر.

آنذاك كنا نفتح بوابة النهار بنشيد “قسما بالنازلات الماحقات”، ونعيش أخبار الجزائر وأحداثها في غرفة الصف، ننصت ونسأل، ونبكي!

  ومما لا أنساه، أمران جليلان، أولهما ذلك الاجتماع الكبير لأهالي قريتنا، صغارا وكبارا، ونساء ورجالاً، في باحة المدرسة الوسيعة، حيث التف مدير مدرستنا (الذي نخافه) والأساتذة حول أساتذة آخرين جاؤوا من المدينة، يحملون حقائب جلدية جميلة، ذات ألوان مختلفة، وقد خطب المدير بأهالي القرية، وبنا نحن التلاميذ الذين تراصت صفوفنا وتوازت، وانضبط هدوؤنا، واستقامت قاماتنا، خطابا دار حول الجزائر، وكنا نصفق حين رأينا أساتذتنا يصفقون، ثم خطب أستاذ لا نعرفه، جاء من المدينة، فتحدث عن الجزائر، وعن الثائرين الأبطال، والثائرات صاحبات الشجاعة، حاملات السلاح، المناديات: قسما بالنازلات الماحقات، النساء المرتديات للثياب العسكرية، وهنا كانت دهشتنا، وهنا درنا دورات مع خيالنا لنتصور نساء مثل أمهاتنا يرتدين الثياب العسكرية، لقد فهمنا أن اجتماع أهالي القرية في باحة المدرسة كان من أجل التبرع للثورة الجزائرية، وكان المدهش أن أكياس القمح والذرة الصفراء والبيضاء، والشعير، والحمص، والتبن، رأيناها تحمل فوق عربات الجر إلى باحة المدرسة، وأن جزز الصوف كانت تتراكم قرب الشريط الشائك الذي يسور المدرسة جزة فوق جزة، وأن بعض الخراف والأغنام، والماعز دخلت إلى باحة المدرسة للمرة الأولى أيضا، ولم ندرك أن هذا كله يشكل تبرعات أهالي القرية للثورة الجزائرية، إلا عندما فرش أحد طلاب الصف السادس الابتدائي ثلاثة شراشف كانت تغطي طاولات الأساتذة، وقد أخرجها التلاميذ الكبار من الصفوف، وجعلوها متقاربة فوق رمال الباحة، لكن الأكثر دهشة كان مشهد قدوم العجوز “عليا الفايز” إلى باحة المدرسة وهي تجر قدميها جرًّا، لقد رأيناها تقترب من الشراشف لترمي حلقة ذهبية دائرية راهجة فوقها، ويداها مشغولتان بالبحث عن الحلقة الذهبية الثانية تحت منديلها، والناس ينظرون إليها ويترقبون فكها وسلها من ثقب أذنها ورميها فوق الشراشف، لكن الوقت طال، وهمهمات العجوز “عليا الفايز” تكاثرت، وعضها على شفتيها، وكزها على أسنانها، اشتدَّا أيضا، وأصوات الأساتذة تعالت، تدعوها شاكرة بأن ما قدمته يكفي، لكن العجوز، وبلحظة واحدة شدت ذراعها إلى الأسفل بقوة، ولم ندر من أين جاءت بهذه القوة، فلمعت حلقة أذنها الذهبية الدائرية الثانية بين يديها، ولحق بها خيط دم بارق، وقالت بصوت عال: هذا ما لدي ( ورفعت يديها البليلتين بالدم) وأضافت، يشهد الله عليّ بأنني لا أملك سوى هذا، وها أنا أتخلى عنه فداء للجزائر.

  كان أمر العجوز “عليا الفايز” مدهشا، فقد تقدم منها أحد أساتذة المدينة.. وقبّل رأسها، وكان المدهش أيضا، هو ما قاله أستاذنا رشيد العامري: يا ربي، من أخبر هذه العجوز بقصة التبرعات لثورة الجزائر.

  الأمر الجليل الثاني، كان في السنة الثانية، حين أصبحت طالبا في الصف الثاني الابتدائي، أي في سنة استقلال الجزائر، فقد جاءت جميلة بوحيرد، لتزور المواقع الأمامية للجيش قرب جسر بنات يعقوب، ونهر الأردن المقدس، لقد خرجنا نحن تلاميذ المدرسة، مع الأساتذة، وكل واحد منا يحمل علم الجزائر، يا لذلك العلم ما أبهجه، ما أجمله، لقد حاذينا نحن التلاميذ، جانبي الطريق المسفلت، ونحن نشد علم الجزائر إلى صدورنا، منتظرين قدوم السيارة التي تحمل الثائرة جميلة بوحيرد، وقد جاءت، واقتربت منا، فصوّبنا أنظارنا إليها، وأساتذتنا يطلبون منا الانضباط والثبات في وقفاتنا، كانت السيارة مذهلة في جمالها حين توقفت في منتصف الطريق، وحين فتح الباب، خرجت امرأة، ليست بالطويلة أو القصيرة، تلبس الثياب العسكرية، خرجت مبتسمة، فصرخنا بصوت واحد: قسما بالنازلات الماحقات، فاعتلت المرأة التي لا بد وأنها هي جميلة بوحيرد، مقدمة السيارة، ورفعت ذراعيها تلوح بهما، فهب هواء لطيف ناعم لفّ وجوهنا بصحو مضاف، وامتد طول جميلة بوحيرد، وامتد ذراعاها، وارتفعا نحو سماء بدت كما لو أنها دنت منا أكثر فأكثر، ثم مضت السيارة بها نحو جسر بنات يعقوب، نحو نهر الأردن المقدس، عندئذ عدت مع رفاقي، وبين يدي كل واحد منا علم الجزائر، كأجمل هدية، وقررت فورًا بأنني سأقدّم العلم لجدّي، أما جدّتي فسأحدثها عن جميلة بوحيرد المرأة الثائرة التي تلبس الثياب العسكرية.

بلى، إن نسيت، لن أنسى انحناءة جدي للعلم، وهو يقبّله، ويبلله بدموعه السواكب.

بين نوفمبر الثّورة وتمّوز الاستقلال.. وطن يضيء دربه بالذاكرة

بقلم: أسمى وزوز

في مثل هذه الأيام التي تتجدّد فيها أنفاس التّاريخ، تعود الجزائر لتُذكّر العالم بأنّ الشّعوب التي تعرف معنى الكرامة لا تُهزم.

ففي الخامس من نوفمبر عام 1954 انطلقت الشّرارة الأولى لثورةٍ غيّرت مجرى القرن، حين قرّر الشّعب الجزائريّ أن يكتب بدمه بيان الحرّيّة، وأن يجعل من الجبال منابرَ للكرامة، ومن العزم سلاحًا لا ينفد. كانت تلك اللّحظة وعدًا بالنّهار، إشعالًا لفتيل النّور في زمنٍ أطبق عليه ليلُ الاستعمار لأكثر من قرنٍ وثلث.

ومن نوفمبر الثّورة إلى تمّوز الاستقلال، ظلّ الوطن يمشي على الجمر بثبات، يقدّم الشّهداء قرابين الفجر، حتى بزغت شمس الحرّيّة في الخامس من يوليو/ جويلية عام 1962، اليوم الذي أعلنت فيه الجزائر للعالم أن صبرها أثمر، وأنّ الدم الذي سُفك لم يكن عبثًا، بل هو ماءُ الحياة الذي أعاد للوطن روحه.

يجتمع التاريخان في ذاكرة الجزائر كما يلتقي الحلم بالتّحقّق، والنّبضة بالولادة: فـ”نوفمبر” هو النّداء الأوّل، صوت الأرض حين قالت “كفى”، وتمّوز هو الصّدى المضيء، لحظة الانعتاق والاكتمال. وبينهما سيرة وطنٍ آمن أنّ الحرّيّة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأنّ استقلال الرّوح يسبق استقلال الأرض.

تحيّةً للجزائر، الأرض التي علّمت الأوطان كيف يكون الصّبر زادًا، وكيف تكون البطولة نَفَسًا يوميًّا في حياة الشعوب.

وتحيّةً للشّهداء الذين رحلوا بأجسادهم وبقيت أرواحهم تحرس الوطن من الغياب، وللأمّهات اللاتي غزلن بالكحل والدّمع راية الوطن في صمت البيوت.

وتحيّةً لأجيالٍ وُلدت بعد الاستقلال، لكنها وُرِّثت الحكاية كاملة: حكاية المجد الذي لا يبهت، والهُوِيّة التي لا تموت.

كلّ عامٍ والجزائر حاضرةً في وجدان الأمّة، تمضي بثقةٍ في دروب البناء كما مضت يومًا في دروب التّحرير.

وكلّ عامٍ وأنتِ، يا جزائر، أنشودةً حيّةً في ذاكرة العرب، تُذكّرينهم أنّ الحرّيّة ليست ذكرى تُحتفل بها، بل عهدٌ يُتجدّد كلّ صباح، حين نُحبّ الوطن كما أحببتِه أنتِ، وندافع عن الكرامة كما دافعتِ عنها بدمائكِ ودموعك.

نوفمبر الحرية.. الجزائر التي انتصرت بالسلاح.. وفلسطين التي تنتصر بالصمود

بقلم: وسام زغبر (عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)

في كل عام، يعود شهر نوفمبر محمّلًا بروح الثورة والكرامة في الوجدان العربي. ففي الأول من نوفمبر عام 1954، دوّى صوت الرصاص في جبال الأوراس معلنًا انطلاق ثورة الجزائر المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي؛ الثورة التي غيّرت وجه التاريخ وأثبتت أن الشعوب الحرة لا تُهزم مهما طال ليل الاحتلال.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وفي الخامس عشر من نوفمبر عام 1988، أعلن الفلسطينيون قيام دولة فلسطين من قلب المنفى، في لحظةٍ رمزية حملت الحلم ذاته: التحرر من الاستعمار، وبناء الدولة المستقلة على أرض العدالة والكرامة.

اليوم، وبين نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين، تتقاطع الذاكرة والواقع في مشهدٍ واحد: شعبٌ انتصر بعد قرنٍ وثلث من الاحتلال، وآخر لا يزال يقاوم حرب إبادة استعمارية وتطهيرًا عرقيًّا، يواجه فيها الموت بالكرامة والحصار بالصمود.

لقد كانت ثورة الجزائر أكثر من انتفاضة مسلّحة، كانت مشروعًا وطنيا لتحرير الإنسان قبل الأرض. آمنت بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن المستعمر، مهما بلغ جبروته، لا يستطيع أن ينتصر على إرادة الحياة. واليوم، في غزة والضفة والقدس، تتجسد هذه الحقيقة مرة أخرى، حيث يواصل الفلسطينيون معركتهم من أجل البقاء، بعد أكثر من سبعة عقود من النكبة والتشريد، ورغم آلة الحرب الإسرائيلية التي دمّرت المدن والمخيمات.

وبعد أيام قليلة على وقف حرب الإبادة في غزة، يستحضر الفلسطينيون روح نوفمبر، لا كذكرى عابرة بل كإرثٍ نضاليٍّ متجدد. فكما صمدت الجزائر رغم المجازر والتعذيب والنفي، صمدت فلسطين رغم القصف والدمار والخذلان الدولي.

وبين التجربتين خيط واحد من الضوء: أن العدالة المؤجلة لا تموت، وأن الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها تُعيد كتابة التاريخ مهما طال الزمن. إنّ نوفمبر ليس شهرًا في التقويم، بل رمزٌ متجددٌ للإرادة العربية في وجه الاستعمار والاستبداد.

ومن الجزائر التي كسرت قيودها بالنار، إلى فلسطين التي تُعيد تعريف معنى الصمود تحت الرماد، تمتدّ حكاية الحرية كجسرٍ من الدم والأمل، يُثبت أن التاريخ لا يرحم المحتل، وأن فجر فلسطين آتٍ كما أتى فجر الجزائر.

من نار الأوراس إلى بيان الجزائر.. حين حملت الجزائر فلسطين في قلب استقلالها

بقلم الأسير المحرر: محمد التاج

في فجر الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1954، دوى الرصاص الأول في جبال الأوراس، معلنا ميلاد الثورة الجزائرية الكبرى التي أصبحت لاحقا رمزا عالميا للتحرر الوطني ومثالا لكل الشعوب المكافحة من أجل كرامتها وحريتها. لم يكن ذلك الرصاص مجرد صدى لتمرد محلي على استعمار فرنسي طال أكثر من قرن، بل كان نداء إنسانيا عميقا حملته الجزائر إلى ضمير العالم: أن الحرية ليست هبة من أحد، بل حق ينتزع بالدم والإصرار والصمود.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الجزائر فقط أرضا للثوار، بل صارت مدرسة للثورة، ومحرابا للأحرار، ومنارة تهتدي بها كل حركة تحرر في العالم، وعلى رأسها الثورة الفلسطينية التي وجدت في التجربة الجزائرية مصدر إلهام وسندا لا ينضب.

لم تكن العلاقة بين الجزائر وفلسطين مجرد تضامن عابر بين شعبين، بل هي علاقة مصير مشترك، إذ رأى الفلسطينيون في الجزائر صورة مستقبلهم المنشود، كما رأت الجزائر في فلسطين امتدادا لمعركتها التي لم تنتهِ بعد. فالتحرر من الاستعمار لا يكتمل ما دام هناك احتلال في مكان آخر، والكرامة الوطنية لا تكتمل ما دامت كرامة شعبٍ آخر تسحق تحت أقدام المحتلين.

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، فتحت الجزائر قلبها وبيتها للفلسطينيين. استقبلت المقاتلين والطلاب والقادة، وقدمت الدعم السياسي والمادي بلا منّة ولا حساب، لأن الجزائر كانت ترى في فلسطين استمرارا لمعناها هي، ولأنها خبرت معنى الاحتلال، وذاقت وجع الأسر، وعرفت أن الثورة لا تقاس بعدد البنادق، بل بصدق القضية وعدالة الموقف.

لم يكن حضور فلسطين في وجدان الجزائر طارئا ولا مناسباتيًّا؛ بل كان ثابتا في خطاب قادتها وشعبها. يكفي أن نستعيد كلمات الرئيس الراحل “هواري بومدين” حين قال: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، لأن فلسطين هي التي تعني الظلم كله أو العدالة كلها”. كانت تلك العبارة أكثر من شعار سياسي، كانت ميثاقا أخلاقيا التزم به الجزائريون حتى اليوم، ولم يتزحزحوا عنه رغم تبدل الأزمنة وتغير الموازين.

ولعل ذروة هذا الالتحام الروحي والسياسي تجلت في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988، حين اختارت الثورة الفلسطينية أن تعلن استقلال دولة فلسطين من الجزائر. لم يكن الاختيار صدفة، بل كان وفاء متبادلا بين شعبين جمعتهما الثورة والدم والنضال المشترك. ففي قاعة قصر الأمم بالجزائر العاصمة، وقف الرئيس الراحل “ياسر عرفات” يقرأ بيان الاستقلال الفلسطيني، محاطا بعلم الجزائر وأصوات المقاومين الذين رأوا في اللحظة صدى بعيدا لبيان أول نوفمبر 1954.

كان المشهد أشبه بعودة التاريخ إلى ذاته: الجزائر التي انتصرت لكرامتها، تحتضن فلسطين التي ما زالت تسعى لاستقلالها. هناك، على أرض الجزائر، ولد حلم الدولة الفلسطينية الحديثة، حلم لم يتحقق بعد، لكنه ولد في المكان الصحيح وبين الأيادي التي تعرف معنى الاستقلال وتكلفته.

إن قراءة متأنية لتاريخ العلاقات الجزائرية الفلسطينية تكشف أنها لم تكن علاقة مصلحية أو مرحلية، بل علاقة هوية وذاكرة. فمنذ أن انتصرت الجزائر عام 1962، جعلت من دعم حركات التحرر أحد ثوابت سياستها الخارجية. لم تنخرط الجزائر في التطبيع أو التسويات، ولم تتورط في المزايدات، بل ظلت وفية لمبدئها الأصيل: أن فلسطين ليست قضية شعب بعيد، بل قضية تخص كل عربي حر وكل إنسان يؤمن بالعدالة.

وفي المقابل، حمل الفلسطينيون الجزائر في قلوبهم، واستفادوا من تجربتها دروسا لا تقدر بثمن: أن الوحدة الوطنية شرط النصر، وأن الثورة لا تنتصر إلا حين تظل أخلاقها أنقى من بنادقها، وأن التضحية لا تقاس بعدد الشهداء فقط، بل بقدرة الأمة على البقاء متمسكة بحقها رغم طول الطريق.

اليوم، ونحن نحيي الذكرى الحادية والسبعين لاندلاع الثورة الجزائرية، والذكرى السابعة والثلاثين لإعلان استقلال فلسطين، تبدو الصورتان كأنهما مرآتان تعكسان بعضهما البعض. الجزائر خرجت من رماد النار إلى شمس الحرية، وفلسطين لا تزال تسير على درب الجمر، تحمل الحلم نفسه والإصرار نفسه، مدفوعة بإيمانها أن الحرية لا تموت، وأن الحق وإن طال غيابه سيعود إلى أصحابه.

في زمنٍ يتراجع فيه الموقف العربي الرسمي أمام موجات التطبيع والانقسام، تظل الجزائر شوكة في حلق الخضوع، وصوتا صافيا في زحمة المساومات. من شوارع العاصمة إلى مدرجات الجامعات، من الميادين الشعبية إلى خطابات الدولة، لا تزال فلسطين حاضرة كجزء من الوعي الجمعي الجزائري، وكأنها قطعة من الروح الجزائرية ذاتها.

ولعل ما يميز العلاقة بين الشعبين هو أنها لا تقوم على العواطف وحدها، بل على قناعة عميقة بأن مصيرهما واحد. فحين تنتصر فلسطين، يكتمل استقلال الجزائر، وحين تسقط فلسطين، يتصدع معنى الحرية في العالم العربي بأسره. ولهذا، فإن الاحتفاء بثورة نوفمبر ليس فقط تذكيرا بتاريخ المجد الجزائري، بل هو أيضا تأكيد على أن طريق التحرير لا يزال مفتوحا أمام الفلسطينيين، وأن التجربة الجزائرية بما فيها من تضحيات وصبر وانتصار هي الدليل الحي على أن المستحيل يمكن أن يهزم.

من الأوراس إلى غزة، ومن القصبة إلى جنين، ومن العاصمة الجزائرية التي احتضنت بيان الاستقلال إلى القدس التي تنتظر الاستقلال الفعلي، يمتد خيط من الدم والكرامة والعناد الوطني. خيط يربط بين ثورتين لم ترفعا إلا شعارا واحدا: “الحرية أو الشهادة”.

وهكذا، حين تضيء الجزائر في كل أول نوفمبر شعلة ثورتها، يراها الفلسطينيون كأنها تضيء لهم الطريق أيضا، طريقا ربما يطول، لكنه يحمل في نهايته الأفق نفسه الذي أشرقت فيه شمس الجزائر ذات فجر.

إن الوفاء للثورة الجزائرية لا يكون فقط بإحياء ذكراها، بل بإبقاء رسالتها حية في ضمير الأجيال، تماما كما أبقت الجزائر رسالة فلسطين حية في وجدانها.

ومن هنا، فإننا.. كفلسطينيين.. لا نحيي الجزائر فقط في عيد ثورتها، بل نحيي أنفسنا فيها، لأننا نرى في وجهها ملامحنا، وفي نصرها بشارة خلاصنا الآتي.

الجزائر وفلسطين توأم الثورة والحرية

بقلم: الإعلامي والكاتب فراس الطيراوي – شيكاغو. (ناشط سياسي وكاتب فلسطيني عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام)

 الجزائر.. فلسطين.. نوفمبر

يطلّ شهر نوفمبر كل عام محمّلًا برمزيةٍ مضاعفة في الوجدان العربي؛ فهو الشهر الذي شهد انطلاق ثورة الجزائر المجيدة في الأول من نوفمبر 1954، وهو ذاته الذي شهد بعد أربعة وثلاثين عامًا إعلان قيام دولة فلسطين في الخامس عشر من نوفمبر 1988 من أرض الجزائر. حدثان يفصل بينهما جيلٌ من الزمن، لكن يجمع بينهما جوهر واحد: روح الثورة والتحرّر، والإيمان بأنّ الحرية تُنتزع ولا تُمنح.

الفاتح من نوفمبر.. ميلاد الثورة الجزائرية

في فجر الأول من نوفمبر 1954، دوّت أولى رصاصات جبهة التحرير الوطني الجزائرية في جبال الأوراس، إيذانًا ببدء الثورة ضد الاستعمار الفرنسي الذي دام أكثر من 130 عامًا. كانت تلك اللحظة ميلادًا لثورةٍ عربيةٍ كبرى، لم تكتفِ بتحرير الجزائر فحسب، بل أعادت تعريف معنى الكفاح العربي الحديث، وألهبت مشاعر الشعوب المقهورة من المحيط إلى الخليج. “كانت الثورة الجزائرية مدرسةً للأحرار، وبيانًا عمليًّا بأنّ الاستقلال لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع في الميدان”، كتب أحد المؤرخين العرب لاحقًا.

قدّمت الجزائر في تلك الثورة أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، لتصبح رمزًا عالميًا للتحرّر والصمود. وحين نالت استقلالها في يوليو/ جويلية 1962، لم تنكفئ على جراحها، بل مدّت يدها لكل الشعوب التي تناضل ضد الاستعمار، وفي مقدّمتها فلسطين.

الجزائر وفلسطين.. وحدة الذاكرة والمصير

منذ استقلالها، تبنّت الجزائر القضية الفلسطينية كقضية وطنية عربية مركزية. لم يكن موقفها سياسيًّا عابرًا، بل خيارًا مبدئيًّا تأسّس على تجربة مشتركة من المقاومة والاحتلال.

احتضنت الجزائر الثوار الفلسطينيين، وقدّمت الدعم السياسي واللوجستي، واستضافت المكاتب والقيادات، وفتحت منابرها الإعلامية والدبلوماسية للدفاع عن فلسطين في المحافل الدولية.

في عهد الرئيس الراحل “هواري بومدين”، تحوّل الموقف الجزائري إلى صوتٍ جهوريّ باسم فلسطين في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، مؤكدًا أنّ “الحقّ لا يسقط بالتقادم، وأنّ فلسطين ليست قضية إنسانية فقط، بل قضية تحرّر وكرامة عربية”.

“نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.. شعارٌ رفعته الجزائر منذ عقود، ولا يزال يختصر جوهر موقفها الأخلاقي الثابت الخامس عشر من نوفمبر 1988.. إعلان الاستقلال من أرض الأحرار.

لم يكن من قبيل المصادفة أن يُعلن الزعيم الفلسطيني “ياسر عرفات” قيام دولة فلسطين من الجزائر العاصمة في 15 نوفمبر 1988. في قصر الأمم، وأمام أكثر من مئة دولة، أعلن عرفات وثيقة الاستقلال الفلسطيني التي صاغت هوية الدولة المنشودة، مؤكدًا أن “الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والشتات، يملك شرعية الأرض والتاريخ”.

كان اختيار الجزائر مكانًا للإعلان رمزًا سياسيا بليغًا؛ فمن أرض المليون شهيد، التي حرّرت نفسها بالسلاح، ارتفع صوت فلسطين ليقول للعالم إنّها لا تزال حيّة، صامدة، وشرعية وجودها مستمدّة من تضحيات أبنائها.

“من الجزائر، وُلد الحلم الفلسطيني في صورته الدولية، ومن الجزائر ارتفعت أول مرة أعلام فلسطين في الأمم المتحدة والعواصم العالمية”. لقد تحوّل ذلك اليوم إلى محطةٍ مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث اعترفت أكثر من مئة دولة فورًا بالدولة الفلسطينية الوليدة، وكان الدعم الجزائري في مقدّمة العوامل التي منحت هذا الإعلان ثقله وصداه العربي والدولي.

الجزائر.. الثبات على المبدأ رغم تغيّر الأزمنة

على امتداد العقود، ظلّت الجزائر وفيّة لفلسطين، لم تغيّر مواقفها رغم تبدّل التحالفات والمصالح. وفي زمنٍ تزايدت فيه موجات التطبيع والانقسام، بقيت الجزائر صوتًا صافيًا في المحافل الدولية، تذكّر بأنّ الحق لا يُقايض، وأنّ فلسطين لا تُباع ولا تُنسى.

وقد أكّد الرئيس عبد المجيد تبون مرارًا أن “القضية الفلسطينية مقدسة بالنسبة للجزائر، ولن تتخلّى عنها تحت أي ظرف”. وكانت قمة الجزائر العربية عام 2022 شاهدًا على هذا الالتزام، حين جمعت الجزائر الفصائل الفلسطينية في حوار مصالحة، حرصًا على وحدة الصف الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

توأم الثورة والحرية

إنّ التقاء نوفمبر الجزائر ونوفمبر فلسطين ليس صدفةً زمنية، بل رمزا لتوأمٍ وطنيٍّ يجسّد وحدة المصير العربي. فالجزائر التي كتبت استقلالها بدماء الشهداء، تحتضن فلسطين التي ما تزال تكتب روايتها بالصمود والمقاومة. كلا الشعبين يعرف معنى الاحتلال، وكلاهما أدرك أنّ الكرامة لا تُشترى، وأنّ الشعوب التي تؤمن بحقها لا تُهزم.

من جبال الأوراس إلى القدس وغزة، تمتدّ خيوط الذاكرة، تتحدّث بلغة واحدة: أنّ الحرية ليست شعارًا، بل مسؤولية ورسالة. وأنّ الجزائر ستظلّ مهد الثورة وحارسة الوعي العربي، كما ستظلّ فلسطين بوصلته الأخلاقية والإنسانية.

ختاما

بعد أكثر من سبعين عامًا على اندلاع ثورة نوفمبر، وسبعة وثلاثين عامًا على إعلان الدولة الفلسطينية من الجزائر، يبقى المشهد كما هو: الجزائر رمزُ الوفاء والمبدأ، وفلسطين رمزُ الصمود والإصرار. وفي كل نوفمبر، يتجدّد العهد بين الثورتين: أن تبقى الكلمة للحرية، والولاء للأرض، والحقّ للأمة التي لا تنكسر.

“من الجزائر انطلقت رصاصة الحرية الأولى، ومنها ارتفع صوت فلسطين إلى العالم.. وبين الرصاصة والصوت، كتبت الأمة العربية أجمل فصول كفاحها”.

نوفمبران.. والوطن الذي لا ينام

بقلم: سماحه حسون

في نوفمبر،

تتفتحُ الذاكرةُ كما لو كانت شجرةً من نارٍ وحنين،

تشمُّ الأرضُ رائحةَ أبنائها،

وتستيقظُ الجبالُ من صمتها الطويلِ على صوتِ التكبيرِ والرصاص.

في الجزائر،

لم تكن الثورةُ قصيدةً تُلقى،

بل كانت جرحًا يتوضأُ بالعزم،

وكان الفقرُ يكتبُ وصاياهُ على الأكفِّ المبلّلةِ بالحلم،

وكانت الأمُّ تُرضِعُ أبناءَها شيئًا من الوطنِ مع الحليب.

يا وطنًا خُلِقَ من العناد،

يا نجمةً لم تُطفِئها سبعةُ عقودٍ من العواصف،

يا صرخةً من ترابٍ تعرفُ أنَّ الحريةَ لا تُستجدى،

بل تُنتَزَعُ كما تُنتَزَعُ الروحُ من الخوف.

في كلِّ عامٍ،

نعودُ إلى نوفمبرَ لا كحدثٍ في كتاب،

بل كصلاةٍ في دمِ الذاكرة،

نستعيدُ الوجوهَ التي مضت ولم تَمُت،

نستعيدُ الأطفالَ الذين صاروا نجوماً في سماءِ العزة.

نوفمبرُ ليس ذكرى…

إنه نبضٌ ما زالَ يركضُ في شرايينِ كلِّ من عرفَ معنى الوطن،

وكلُّ طلقةٍ فيه كانت تقولُ:

“أنا الإنسانُ حين يختارُ أن يكونَ حرًّا”.

ومن نوفمبر إلى نوفمبر

ومن نوفمبر الجزائر..

يمتدُّ الضوءُ إلى نوفمبر فلسطين،

كأنَّ الروحَ تُكملُ دورتَها بين شجر الزيتونِ وعرقِ الشهداء.

هناك، في الجزائر، كُتِبَ الفجرُ بالحبرِ والدم،

وهنا، في فلسطين، ما زال القلمُ يبحثُ عن ورقةٍ لا تحترق.

كم يشبهُ صبرُ الجزائريين صمودَ الفلسطينيين،

وكأنَّهما جناحانِ لطائرٍ واحدٍ

يحاولُ أن يعبرَ سماءً محروسةً بالبارودِ والدعاء.

يا أبناءَ نوفمبرين،

أنتم لحنُ الأرضِ حين ترفضُ الصمت،

أنتم ذاكرةُ الحريةِ وهي تمشي على الجمرِ بأقدامٍ من أمل.

من جبال الأوراس إلى جبال الكرمل،

من قصبة الجزائر إلى أزقّة القدس،

ينسابُ النداءُ ذاته:

“لن تموتَ الأوطانُ ما دام فيها من يحلمُ ويقاوم”

وفي كلِّ نوفمبر،

نضعُ قلوبَنا على حافةِ الزمنِ ونقول:

ها نحنُ هنا،

نحرسُ الحلمَ الذي أشعلتموه،

ونكتبُ بأسمائكم نشيدَ الذين لا يُهزمون.

نداء إلى الجيل الجديد

يا أبناءَ اليوم،

أنتمُ الذين وُلِدتم بعد أن هدأَ صوتُ المدافع،

لكنَّ صدى البطولةِ ما زالَ يطرقُ جدرانَ قلوبكم.

لا تظنّوا أن الثورةَ كانت بندقيةً فقط،

كانت فكرةً تسكنُ في العيون،

وكانت كرامةً تمشي حافيةً على دروبِ العُمر.

احملوا ذاكرةَ نوفمبر كما تُحمَلُ القصيدةُ المقدّسة،

واسقوها من ضوءِ أرواحكم كي لا تذبل،

فالثوراتُ لا تُدفَن،

إنّها تُزهرُ كلّما مسَّها جيلٌ صادقُ الإيمانِ بالإنسان.

من الجزائرِ التي غسلت وجهَها بالنور،

إلى فلسطينَ التي ما زالت تكتبُ حلمَها على الجدران،

يمتدُّ وعدُ الحريةِ كقوسِ قزحٍ في قلبِ الليل.

وسيبقى نوفمبر،

في كلِّ عامٍ،

يوقظُ فينا المعنى،

ويذكّرنا أن الوطنَ لا يُشترى…

بل يُحَبُّ حتى آخر نبضٍ في القلب.

جميلة بوعزة.. حين تتكلم الأرض بلسان امرأة

بقلم: رانية مرجية

لم تمت جميلة بوعزة. بل تغيّرت ملامحها، فصارت وجه الوطن حين يتعب، وصوت الأنثى حين تصمت الجموع. جميلة التي مرّت كوميضٍ في ليل الجزائر، ما زالت تسكن في صدورنا كحقيقةٍ مؤلمة وجميلة في آنٍ واحد، كأنها تقول لنا من وراء الغياب: “احذروا أن يشيخ الوطن حين تنسون نساءه”.

الأنثى التي هزمت السجن

كانت جميلة بوعزة امرأةً لا تشبه سواها. لم تحمل السلاح لأن أحدًا أمرها، بل لأن الضمير هو الذي ناداها. كانت تعرف أن الثورة لا تكتمل إن ظلّت حكرًا على الرجال، وأن الجمال لا معنى له إذا لم يتّسخ بالتراب، وأن الحرية ليست شعارًا بل جرحًا مفتوحًا لا يندمل إلا بالكرامة. في زنازين الفرنسيين، كانوا يظنون أن جسدها سينكسر، لكنهم نسوا أن ما بداخلها ليس لحمًا، بل لهيبُ فكرةٍ خالدة. عذّبوها، لكنهم فشلوا في انتزاع صمتها، ذلك الصمت الذي كان أقوى من اعترافات ألف جندي.

جميلة.. التي ما زالت تُربي الشجاعة في صدور البنات

كل فتاةٍ جزائرية اليوم تشبهها قليلًا، في العناد، في الكبرياء، في الإيمان بأن الوطن لا يُورّث، بل يُحمَل على الكتف كما تُحمَل القصيدة. لقد أنجبت جميلة بوعزة وطنًا من النساء اللواتي يكتبن، ويحتججن، ويعشقن بلا خوف. نساء لا يطلبن الإذن ليحضرن التاريخ، بل يصنعنه بأظافرٍ مضرّجة بالكرامة.

كم نحتاج اليوم إلى “جميلة” في كل أرضٍ تُستباح، في فلسطين، في سوريا، في اليمن، في كل مكانٍ نُعيد فيه تعريف البطولة. ليس لأننا نعشق الدم، بل لأننا تعبنا من الخنوع.

جميلة لم تكن بطلةً من رخام، كانت إنسانةً ترتجف وهي تحمل القنبلة، لكنها تمضي لأنها تعرف أن الخوف لا يمنع الموت، بل يمنع الحياة.

جميلة.. والأنوثة التي صارت ثورة

حين كانت تُحاكم، أرادوا أن يُهينوا أنوثتها. لكنها كانت تعرف أن أنوثتها هي سلاحها الأخير. ابتسمت في وجههم، كأنها تقول: “أنتم تخافون المرأة التي لا تخاف”. وها نحن بعد كل هذه السنين، ما زلنا نردد: كانت جميلة بوعزة أجمل من أن تُهزم، وأقوى من أن تُنسى.

إلى روحك يا ابنة الجزائر

نامي يا جميلة، فالأرض التي ابتلعت صرخاتكِ تنبت اليوم نساءً يُشبهْنَكِ، ينزفن الكلام كما نزفتِ الدم، ويحملن حلمكِ كعهدٍ في أعناقهن.

سلامٌ عليكِ، على وجهكِ الذي صار ذاكرة، على اسمكِ الذي ما زال يدوّي كلما نطقت امرأةٌ بالحق. سلامٌ عليكِ يا من جعلتِ من الثورة وردةً تنبت في يد الأنثى.

ستبقى جميلة بوعزة حديث الناس كلما ذُكر الوطن، وكلما سُئل الجمال عن معنى الحرية.

الجزائر بوصلة فلسطين التي لا تحيد

بقلم: الدكتورة رولا خالد غانم

“مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” مقولة تتردد على لسان كل فلسطيني وجزائري، في بلد المليون ونصف المليون شهيد، البلد العظيم الذي أنجب أبطالا رسخت أسماؤهم في سجلّ التاريخ، من أمثال “هواري بومدين” والعظماء الذين خلدهم التاريخ إلى الأبد في الذاكرة.

الجزائر الشقيقة لها أفضال على فلسطين لا تُعد ولا تُحصى منذ احتضان ثورتنا الفلسطينية المعاصرة ومنذ الاستعداد لانطلاقتها عام 1963، أي بعد عام من نيلها لاستقلالها الوطني بتحرّرها من الاستعمار الفرنسي، بعد تقديم تضحيات كبيرة، لتصبح الجزائر رمزا للحرية، ومدرسة في الصمود والتضحية.

ويشهد العالم للجزائر بدورها الكبير والمهم في إسناد الطلقة الأولى للثورة الفلسطينية في يناير/ جانفي 1965. هذه الثورة التي تمردت على الاحتلال، ورفضت جميع أشكال الظلم، وطالبت بتحقيق الاستقلال الوطني، وتقرير المصير، وتلبية مطالب اللاجئين، وأكدت على حق العودة، وتصدّت لبيع الأراضي، وأكدت على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

كيف لنا في هذا التاريخ الحاسم والراسخ أن ننسى الجزائر، ذلك البلد الذي احتضن مخيمات الأشبال والزهرات، وانتشر في أرجائه الفلسطينيون الفدائيون، الذين تلقوا التدريبات فيه، فأصبحوا أبطالا يدافعون عن وطنهم. وكيف لنا أن ننسى استيعاب الجامعات الجزائرية لآلاف الطلبة الفلسطينيين مجانا..

ولم يقف دور الجزائر عند هذا الحد؛ بل كانت خط الدفاع الأول للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ولسان حاله في المحافل العربية والإقليمية والدولية، وبهذا فقد استمدت فلسطين من الجزائر قوة سياسية كبيرة، ساعدتها في رفع قضيتها إلى العالم، وفي الهيئات الدولية، لا سيما هيئات الأمم المتحدة؛ لتدافع عنها كصاحبة حق لا يختلف عليه اثنان.

واستمر التضامن والدعم والإسناد من أهلنا في الجزائر، بمختلف أشكاله، وقد تجسد في الكثير من المواقف الوطنية المشرفة والتي هي موضع فخار على مدى الزمن.

اعتزازا بنضالات الشعب الفلسطيني، وحفاظا على شرعية القضية الفلسطينية، احتضنت الجزائر العاصمة جلسات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني (دورة الانتفاضة)، ليعلن الرئيس الفلسطيني الراحل الزعيم “ياسر عرفات”، من على منبرها الحر بتاريخ (15/ 11/ 1988)، استقلال دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، لتتجسد مع ذلك الإعلان ملامح مرحلة سياسية جديدة، تحمل في طياتها الأمل، ويخوض غمارها شعبنا الفلسطيني بدعم وإسناد الأشقاء الجزائريين.

وإيمانا من الجزائر بالوحدة الوطنية الفلسطينية، جمعت القوى والفصائل الفلسطينية تحت مظلّتها، ونادت بحوار وطني شامل، بحضور وإشراف سيادة الرئيس عبد المجيد تبون الذي أعلن عن توحيد الشعب الفلسطيني، وقد كان لهذا الإعلان كبير الأثر في نفوس الفلسطينيين الذين وحدوا طاقاتهم لمواجهة التحديات، مع القمة العربية التي عقدتها الجزائر على أرضها باسم فلسطين، تلاها إرسال برقيات دعم ومساندة في يوم التضامن العالمي مع فلسطين.

محطات ومواقف وطنية مشرفة، وأدوار سياسية محفورة في الذاكرة تقوم بها الجزائر الشقيقة، وما هي إلا تعبير عميق عن عراقة شعبها ووطنية قيادتها وحكمتها وحنكتها السياسية.

وبعد أن كانت تجربة الجزائر ملهمة لشعبنا الفلسطيني، فقد أصرّ على دحر الاحتلال مهما كان جبروته رغم عدم تكافؤ المعركة، إيمانا منه بأن أيّ احتلال مهما كانت قوته فهو إلى زوال، وسيُجتث كما الاحتلال الفرنسي. فالأمل دائما يحذونا مثلما كان يحذو الشعب الجزائري الذي فجّر وخاض ثورته العظيمة، وطرد أسوأ استعمار عن أرضه، ونال الحرية والاستقلال الوطني.

ولا تزال الجزائر مناصرا لنا، فخلال هذا العدوان الغاشم، الذي لم يرحم أصغر طفل في فلسطين، هبّ الشعب الجزائري إلى نصرة فلسطين، ومقدساتها التي تُنتهك بلا رحمة. الجزائر وفلسطين شعب واحد، وحّدته المواقف، ولم تفرقه الحدود، وإذا مررت على مُدن الجزائر، مثل مدينة فلسطينية، حتما ستجد علم الجزائر يرفرف في شوارعها كما علم فلسطين.

إن أطفال فلسطين تربّوا على عشق الجزائر، التي تسري محبتها في عروقنا. ولا يزالون يرددون نشيدها الوطني في كل ذكرى استقلال والذي حفظناه عن ظهر غيب منذ طفولتنا.

النصر لفلسطين، وكل عام والجزائر بخير.. والمجد والخلود للشهداء الأبرار.

الثورة الجزائرية وإرثها الخالد في قلب فلسطين الثائرة

فادي قدري أبو بكر (كاتب وباحث فلسطيني)

في الذكرى الحادية والسبعين لثورة الفاتح من نوفمبر 1954، نقف إجلالاً أمام أرواح الشهداء الذين كتبوا بدمائهم بداية فصلٍ جديدٍ من الحرية العربية، فالثورة الجزائرية لم تكن مجرّد ثورة ضد الاستعمار الفرنسي، بل كانت شرارةً أضاءت الوعي العربي وأعادت تعريف معنى النضال، فغدت مدرسةً للأحرار ومصدر إلهامٍ لشعوبٍ تبحث عن خلاصها، وفي مقدّمتها فلسطين.

لم تكن الجزائر بعيدة عن فلسطين يومًا، لا في الوجدان ولا في الموقف. فحين دوّى صوت الثورة الجزائرية معلنًا انطلاق رصاصة الغضب في نوفمبر 1954، كانت فلسطين تتابع تفاصيلها، تستلهم من إرادة الثوار الذين حوّلوا الألم إلى أملٍ، والمستحيل إلى معجزة. وبعد أحد عشر عامًا، في الفاتح من يناير/ جانفي 1965، انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة “فتح”، حاملةً شعلة الثورة ذاتها التي أضاءت سماء الجزائر من قبل. وحين قالوا إن ثورة الفلسطينيين لن تدوم، كانت الجزائر تشهد بأن المستحيل يمكن أن يُهزم بإرادة الشعوب.

الثورة الجزائرية لم تكتفِ بالتحرر الوطني، بل رسّخت رؤية سياسية جعلت من دعم قضايا التحرر الأخرى جزءًا من هويتها الثورية. فبعد الاستقلال، حملت الجزائر راية فلسطين في كل محفل، واعتبرت الدفاع عنها امتدادًا لثورتها. واليوم، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تواصل الجزائر موقفها الثابت من القضية الفلسطينية في زمنٍ تتهاوى فيه المواقف وتتبدّل المصالح. كما يقف الإعلام الجزائري وصحفيّوه في الصف الأول دفاعًا عن فلسطين في وجه الإبادة والتطهير العرقي والاحتلال الاستعماري الاستيطاني “الإسرائيلي”، مؤكدين أن صوت الحق لا يُسكت، وأن ذاكرة الجزائر لا تعرف الحياد في معركة الحرية.

كانت الثورة الجزائرية ملحمة إنسانية بامتياز، أنتجت رموزًا أصبحت أيقونات عالمية للنضال، أبرزها جميلة بوحيرد، التي تحوّلت إلى رمز لكل امرأة تواجه الظلم بعزّة وشجاعة. وقد تأثرت بها فدائيات فلسطين، فارتدين راية المرأة المقاومة، وعلى رأسهن دلال المغربي وليلى خالد، ليكتبن بدمائهن وتضحياتهن فصولاً جديدة من الكفاح، وأصبحن بدورهن أيقونات عالمية تحاكي روح الثورة الجزائرية.

إرث الفاتح من نوفمبر لا يزال حيًّا بعد أكثر من سبعة عقود، حيث علّمت الثورة الجزائرية الشعوب أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن النضال ليس فعلاً آنيًّا بل مسيرة متواصلة عبر الأجيال. ومن رحم تلك التجربة، وُلدت حركة “فتح”، التي أعادت للأمة العربية روحها بعد نكسة 1967، وكانت أول الرصاص وأول الحجارة، تحمل ذات المبدأ: أن إرادة الشعوب لا تُهزم.

ومثلما ناضلت الجزائر من أجل حرية أرضها وانتصار شعبها، تواصل “فتح” اليوم نضالها من أجل حرية الأرض الفلسطينية وأسرى الحرية القابعين في سجون الاحتلال، مستندةً إلى إرادةٍ لا تنكسر، وإلى نهجٍ رسّخه الشهداء، تحت قيادة الرئيس محمود عباس الذي يواصل المسيرة رغم صعوبة المرحلة.

إن الثورة الجزائرية لم تكن صفحةً من الماضي، بل نهرًا جاريًا من القيم والإلهام. ولا تزال تلهم الأجيال العربية، وتُذكّرنا بأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتضحيات، وأن القلم والكلمة لا يقلّان أثرًا عن البندقية في معركة الوعي والكرامة.

في الفاتح من نوفمبر، نترحّم على الشهداء الذين أناروا طريق الأمّة، ونحيّي الجزائر شعبًا وقيادةً وإعلامًا على وفائها لفلسطين، مؤكدين أن التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن من يعرف معنى الثورة لا يقبل إلا بالحرية.

رابط دائم
https://elayem.news/uyu40