الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

صوت الأسرى.. بيان ذاكرة فلسطين

Author
خالد عز الدين 08 أكتوبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

في زمن الإبادة المفتوحة على الجسد الفلسطيني، يظلّ الأسرى في سجون الاحتلال الصفحة الأكثر صدقا في رواية الصمود. هناك، حيث يختبر الإنسان حدوده القصوى، تتحوّل الزنازين إلى مساحة مقاومة، ويتحوّل الصمت إلى بيانٍ يوميّ عن البقاء.

أكثر من أحد عشر ألف أسير فلسطيني يعيشون اليوم بين العزل والتعذيب والإهمال الطبي، في سجونٍ تُدار بمنطق الانتقام لا القانون. ومع كلّ موجة قمع جديدة، يثبت الأسرى أن الحرية ليست امتيازًا سياسيًا، بل جوهر الوجود الفلسطيني نفسه.

من خلف الجدران، يكتبون رسائلهم بدمهم وصبرهم، ليذكّروا العالم أن الاحتلال لا يملك مفاتيح الوعي، وأن الكرامة لا تُكسر بالسلاسل. هم لا ينتظرون الشفقة، بل الاعتراف بأن ما يجري في الزنازين جريمة مستمرة، وأنّ الصمت الدولي صار شريكًا في استمرارها.

من هنا يولد هذا الملف «صوت الأسير»، مشروعًا توثيقيًا وإنسانيًا يجمع بين الحقيقة والشهادة، بين التحليل الحقوقي وسرد الحكاية. وعبر «سلسلة المؤبّدات»، يخرج الصوت من قلب العتمة، لا ليروي الألم فحسب، بل ليؤكد أن الأسرى هم حراس الذاكرة الفلسطينية، وأن حريتهم هي معيار حرية العالم بأسره.

هنا لا نتحدث عنهم، بل بأصواتهم. لأنهم، ببساطة، آخر من يذكّرنا بأن فلسطين ما زالت تنبض، وأن الكرامة ما زالت ممكنة رغم كل شيء.

السجون الصهيونية.. عوالمِ منسية

مكتب: إعلام الأسرى

هنا… في العوالمِ المنسية، حيثُ تنطفئُ الأنفاسُ ببطء،

كلَّ يومٍ تمرُّ الساعةُ نفسُها:

ساعةُ التعذيب…

ساعةُ التجويع…

ساعةُ الإهمالِ الطبيِ القاتل…

لكنَّ الساعةَ الأقسى هي تلك التي لا تُسمع:

ساعةُ صمتِ العالم.

الأسيرُ هنا يدفعُ الثمنَ مرتين:

مرةً تحتَ أقدامِ الجلاد…

ومرةً تحتَ سقفِ الصمتِ الدوليِ العالي.

ما يحدثُ ليس إهمالاً… بل سياسة.

ليس خطأً… بل خطة.

اغتيالٌ بطيءٌ بموافقةٍ ضمنيةٍ من كلِ من يعلمُ ولا يتحرك.

الزنازينُ اليومَ أصبحت مختبرات:

كيف تموتُ الكرامةُ الإنسانية؟

كيف تُقتلُ الروحُ قبل الجسد؟

والمجتمعُ الدوليُ يراقب… يسجّل… ثم يطوي الصفحة.

لكن انتبهوا…

فالصمتُ أيضاً له ثمن.

وكلُ شهيدٍ خلفَ القضبانِ لا يموت…

بل يتحولُ إلى ألفِ سؤالٍ في وجوهِ من تخلَوا عن إنسانيتِهم.

اليوم…

الأسيرُ يحملُ أثقالَ الأرضِ كلَّها:

أثقالَ الجسدِ المنهك…

وأثقالَ الضميرِ العالميِ الميت.

إذا كانَ الصمتُ موقفاً…

فليعلمِ التاريخُ أن دماءَ الأسرى ستكونُ العارَ الأبديَ

على جبينِ حضارةٍ تدّعي الإنسانية.

واقع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال – أكتوبر 2025

• يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 11,000 أسير فلسطيني، موزعين على أكثر من 27 معتقلًا ومركز توقيف وتحقيق، استُحدث بعضها بعد السابع من أكتوبر 2023 لاستيعاب موجات الاعتقال الجديدة، ولا سيما من قطاع غزة.

• من بين الأسرى 51 أسيرة و450 طفلًا لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة، إضافة إلى 2,650 أسيرًا مريضًا يعانون أوضاعًا صحية صعبة، بينهم مصابون بالسرطان والإعاقات المزمنة.

• كما يحتجز الاحتلال مئات من معتقلي قطاع غزة تحت تصنيف “مقاتلين غير شرعيين”، وهو تصنيف يُسقط عنهم الحماية القانونية التي تكفلها المواثيق الدولية للأسرى.

• منذ عام 1967، استشهد 314 أسيرًا فلسطينيًا داخل السجون، بينهم 77 شهيدًا منذ بدء حرب الإبادة على غزة، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي والقتل المباشر بعد الاعتقال.

• لا يزال الاحتلال يحتجز جثامين 85 شهيدًا من شهداء الحركة الأسيرة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

• ورغم السياسات القمعية والعزل والتعذيب، تظل الحركة الأسيرة الفلسطينية عنوانًا ثابتًا للصمود الوطني، وتجسيدًا لمعركة الحرية والكرامة في وجه منظومة الاحتلال.

*المصدر: مركز فلسطين لدراسات الأسرى

الخلود خلف القضبان

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

في عمق السجون الإسرائيلية، حيث يذوب الزمن ويتحوّل اليوم إلى عمر، يقف أكثر من خمسمئة أسير فلسطيني محكومون بالمؤبدات، يعيشون على حافة الموت البطيء، يكتبون فصول الخلود بأجسادٍ أنهكها القيد، وأحلامٍ لا تنكسر. ليست مجرد أرقام على قوائم الاعتقال، بل وجوه محفورة في الذاكرة الفلسطينية، تحمل حكايات وطن بأكمله. في كل زنزانة، هناك شهيد مؤجل، وأم تنتظر، ووطن يخبئ أسماءهم في صدره كآياتٍ من صبرٍ وكرامة.

هؤلاء الأسرى، بعضهم تجاوز في السجن الثلاثين والأربعين عامًا، من دون أن تضعف عزيمتهم أو تخفت جذوة انتمائهم. الأسير نائل البرغوثي مثلًا، أمضى ما يزيد عن 44 عامًا متقطعة في الأسر، يُلقب اليوم بـ”شيخ الأسرى”، صامدًا أمام كل محاولات الكسر والتهميش. إلى جانبه يقف كريم يونس، الذي أصبح رمزًا للثبات والإرادة بعد أكثر من أربعة عقودٍ في السجن قبل أن يتحرر، تاركًا خلفه إخوة له ما زالوا هناك ينتظرون أن تفتح لهم الشمس بوابة الحرية.

القائمة طويلة، تبدأ من جنين ونابلس ولا تنتهي في الخليل وغزة. هناك من أمضى عمره في الزنازين منذ انتفاضة الثمانينات، وهناك من اعتُقل فتىً وصار جدًّا خلف الجدران. إنهم أسرى الزمن الفلسطيني، أحياء في جسد الوطن، وموتى في ذاكرة العالم. أحكام المؤبد ليست عدالة، بل إعلان انتقام، تفرضه منظومة احتلال تخاف من الحلم، وتتعامل مع المقاومة كجريمة أبدية.

في سجن “ريمون” يقبع الأسير محمود عيسى، صاحب أطول حكمٍ في التاريخ المعاصر، ثلاثة مؤبدات وأربعون عامًا إضافية. كتب في إحدى رسائله: “المؤبد الحقيقي هو أن يُقتل الحلم فينا، لكننا نحيا ما دام فينا الإصرار على العودة”. تلك الرسائل الخارجة من الزنازين هي الشهادات الأصدق عن صراع الإرادة بين جلادٍ يملك السلاح وأسيرٍ يملك المعنى.

وفي سجن “هداريم”، يقبع مروان البرغوثي، الذي تحوّل إلى رمز وطني جامع، يرسم بخط يده خارطة فلسطين من زنزانة ضيقة لا تتجاوز مترين، لكنه يفتح فيها نوافذ إلى كل المخيمات والقرى التي لم تزل تؤمن بعدالة قضيتها. إلى جانبه آلاف الأسرى الذين حُكم عليهم بالمؤبد، بعضهم أسرى محررون أُعيد اعتقالهم في خرقٍ فاضح لاتفاقات الإفراج، وبعضهم لم يعرفوا العالم خارج القضبان قط.

كل أسيرٍ في هذه القائمة هو فصل من حكاية أمةٍ لم تستسلم، فها هو أحمد المغربي من بيت لحم، المحكوم بـ18 مؤبدًا، يكتب شعرًا في السجن عن الحرية كأنها امرأة تنتظره على بوابة السماء. وها هو عبد الله البرغوثي، مهندس المقاومة، يواجه أكثر من 60 حكمًا بالمؤبد، لكنه ما زال يكتب رسائل لابنته الصغيرة التي لم يرها منذ ولادتها. بين تلك الجدران الخرسانية الباردة، تتحوّل الرسائل إلى أجنحة، تحملها رياح الحرية عبر الأسلاك الشائكة، لتصل إلى الأمهات اللواتي يفتحنها كل مساء وهنّ يهمسن: “ما زال حيًا… ما زال يقاوم”.

هؤلاء الأسرى المؤبدون ليسوا مجرد ضحايا، بل هم صُنّاع التاريخ الفلسطيني الحديث. إنهم جيلٌ كامل تربى على الوعي والوجع، على الانتماء الذي لا تُطفئه المسافة ولا يكسره العزل الانفرادي. في الزنازين تُصاغ المعاني الكبرى، هناك يتعلم الإنسان كيف يُحب الوطن بلا مقابل، وكيف يزرع الأمل في الظلمة. إنهم أبناء فكرة لم تمت رغم كل القهر، فكرة الحرية التي لا تُقهر.

في المقابل، تُصرّ سلطات الاحتلال على التعامل مع ملف الأسرى كملف أمني بحت، متجاهلة أن استمرار احتجازهم بهذا الشكل يُعدّ خرقًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، الذي يُلزم قوة الاحتلال بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية، والسماح لهم بالاتصال بالعالم الخارجي، وعدم فرض أحكامٍ غير متناسبة. غير أن الاحتلال يستخدم المؤبد سلاحًا سياسيًا للانتقام الجماعي، في محاولة لكسر الإرادة الفلسطينية.

الواقع أن كثيرًا من أسرى المؤبدات خضعوا لمحاكم عسكرية غير عادلة، تُبنى على اعترافاتٍ انتُزعت تحت التعذيب. ومع ذلك، لم يتمكن الاحتلال من كسر معنوياتهم، بل تحوّلت السجون إلى مدارس للوعي الوطني والفكر المقاوم. لقد أنتجت تلك الزنازين شعراء وكتّابًا ومثقفين، من أمثال وليد دقّة، الذي كتب من خلف الجدران واحدة من أعمق المرافعات الإنسانية عن حق الفلسطيني في الحياة والحرية.

في كل مرة يطل فيها اسم أسير مؤبد جديد على شاشة الوعي العربي، يعود السؤال المرّ: كم مؤبدًا يحتاج هذا الاحتلال ليقتل فكرة الحرية؟ وكم عمرًا سيقضي هؤلاء الرجال قبل أن تُفتح أبواب السجون على شمسٍ لا تفرّق بين قاتلٍ ومقاوم؟ إن استمرار هذا الملف جرحٌ مفتوح في الضمير الإنساني، وعارٌ على العالم الذي يرى الجريمة ويتواطأ بالصمت.

لكن الأسرى أنفسهم يعرفون أن الصمت لا يدوم. في كل ذكرى، في كل إضراب عن الطعام، في كل زيارة أمٍ لابنها عبر الزجاج السميك، ينهض الأمل من الرماد. يقول أحدهم في رسالة مسرّبة: “لا تخافوا علينا، فنحن نحرس الحلم من خلف القضبان”، وتلك الجملة وحدها تكفي لتختصر معنى المؤبد الفلسطيني: أن تعيش محكومًا بالحب، لا بالخوف.

هكذا، تظل قائمة أسرى المؤبدات مرآةً مكشوفة لوجه الاحتلال الحقيقي، وتاريخًا مفتوحًا للوجع الفلسطيني. إنها ليست مجرد أسماء، بل خريطةٌ للوجدان الجمعي الفلسطيني، تُذكّر بأن الحرية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حقٌ إنساني مقدس لا يسقط بالتقادم. سيبقى هؤلاء الرجال عناوين للكرامة، وسيرهم حبرًا لا يجفّ، إلى أن يفتح الوطن بواباته ويستقبل أبناءه واحدًا واحدًا، كما يُستقبل العائدون من سفرٍ طويل إلى حضن أمٍّ لم تيأس يومًا من الانتظار.

أسرى المؤبدات.. الذاكرة الحية لفلسطين

بقلم: فادى أبو بكر- كاتب وباحث فلسطيني

منذ اللحظة الأولى لولادة المشروع الصهيوني، كان الاعتقال واحداً من أبرز أدواته لقمع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته. وعلى مدار العقود، تحوّلت السجون الإسرائيلية إلى مقابر للأحلام ومحطات للعذاب، لكنها في الوقت نفسه صارت مدارس لتفجير الطاقات الوطنية وصقل الهوية الجماعية. وفي قلب هذه الملحمة يقف أسرى المؤبدات، أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام تصل إلى عشرات بل مئات المؤبدات، كرمز واضح على قسوة الاحتلال وإصراره على تغييب قادة الحركة الوطنية خلف الجدران. تشير تقارير هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى وجود ما يفوق 300 أسير محكوم بالمؤبدات داخل السجون الإسرائيلية، فيما تجاوز العدد الكلي للأسرى أكثر من 11 ألف أسير فلسطيني، بينهم 53 أسيرة وأكثر من 400 طفل و5000 آلاف مريض و50 صحفياً و328 من قدماء الأسرى الذين مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً، إضافة إلى أكثر من 3500 معتقل إداري محتجزين بلا تهمة أو محاكمة. وقد بلغ عدد الشهداء الأسرى منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر 2023 76 شهيداً، ليتجاوز بذلك العدد الكلي لشهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 أكثر من 313 أسيراً، بينهم من الأسرى المحكومين بالمؤبدات مثل فارس بارود وسامي أبو دياك وسعدي الغرابلي وكمال أبو وعر وغيرهم من الشهداء الأبطال. وما يزال الاحتلال يحتجز جثامين 85 شهيداً من شهداء الحركة الأسيرة.  بعد السابع من أكتوبر 2023، أعلن قادة الأمن الإسرائيلي الانتقال من عقيدة الردع إلى نهج القوة الاستباقية، فجعلوا ملف الأسرى في قلب هذه السياسة عبر تشديد الإجراءات وعزل القادة وحرمانهم من أبسط الحقوق. غير أنّ إرادة الأسرى أثبتت أن القمع مهما اشتدّ يبقى عاجزاً عن كسر الروح، وهو ما يلخّصه قول والدي الأسير المحرر الشهيد قدري أبو بكر: “تستطيع قوة القمع أن تدرك أشياء كثيرة، لكنها أعجز ما تكون عن إدراك أن مضطهديها سيستطيعون يوماً سحقها”. قضية أسرى المؤبدات ليست مجرد ملف إنساني، بل هي جوهر الهوية الفلسطينية وكرامتها الوطنية. فهم الصوت المغيّب قسراً والذاكرة الحية التي تذكّر العالم في كل يوم بأن الشعب الفلسطيني يدفع ثمن حريته كاملة بلا مساومة. أما رسالتهم الحاضرة رغم الجدران، فتقول بوضوح: “الزمن خلفنا، والصبر والإرادة أمامنا، والحرية موعدنا”. اليوم، ومع اشتداد الهجمة الصهيونية، يصبح واجباً على كل صوت فلسطيني وعربي حر أن يرفع قضية أسرى المؤبدات إلى واجهة المشهد، وأن يمنع محاولات طمسها أو اختزالها. ولا يقتصر دعمهم على الجانب الإعلامي، بل يتطلب ضغطاً قانونياً وسياسياً وحقوقياً متواصلاً، ووعياً شعبياً بأن هؤلاء الأسرى هم الركيزة الأخلاقية للمشروع الوطني الفلسطيني.

الحرية موعدنا، والوفاء عهدنا، وأسرى المؤبدات سيبقون شاهداً على أن الوطن لا يُباع، وأن الكرامة لا تُكسر، وأن فلسطين أكبر من جدران السجون

////////////////////////////////////

إعدام الأسرى بين الرصاصة والقانون.. حين يسعى الاحتلال لتقنين القتل

أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن قانون إعدام الأسرى الذي أقرته ما تسمى “لجنة الأمن بكنيست الاحتلال” بالقراءة الأولى مطبق فعلياً على أرض الواقع، لكن الاحتلال يسعى لتشريعه بشكل رسمي.

وأوضح مركز فلسطين أن الاحتلال يقتل الأسرى بعدة وسائل ولا يحتاج إلى تشريع قانون لذلك، معتبراً أن ارتقاء (77) شهيداً من المعلومة هوياتهم منذ أقل من عامين يؤكد أن الاحتلال يعدم الأسرى، سواء بإطلاق النار المباشر على الأسير بعد الاعتقال والتمكن منه، أو خلال التعذيب المميت أثناء التحقيق كما يجري في معتقل “سيديه تيمان”، ولاحقاً بالإهمال الطبي والتجويع والاغتصاب وغيرها من الوسائل التي تؤدي في النهاية إلى قتل الأسرى.

واستطرد أن العشرات من الأسرى اعتقلوا بصحة جيدة أو حتى مصابين إصابات بسيطة، وبعد أيام أو أسابيع يعلن الاحتلال عن وفاتهم داخل السجون دون الكشف عن السبب الحقيقي الذي أدى للوفاة، وهذا يأتي في إطار تنفيذ سياسة الإعدام المتعمد للأسرى داخل السجون أو حين الاعتقال. كذلك أعدم الاحتلال بدم بارد العشرات إن لم يكن المئات من أسرى غزة بعد اعتقالهم لساعات أو أيام أو أسابيع، سواء من خلال التحقيق المميت بأساليب محرمة دولياً بما فيها الاغتصاب، أو إطلاق النار عليهم بشكل متعمد وقتلهم بدم بارد وهم مقيدون بالقيود من أيديهم وأقدامهم، مما يدل على السيطرة الكاملة عليهم دون أن يشكلوا خطراً على الاحتلال يستخدمه كمبرر لإعدامهم، ولا زالوا مجهولين ولم يكشف الاحتلال عن أسمائهم أو هوياتهم، حيث لا يزال يمارس جريمة الإخفاء القسري بحق أسرى غزة.

وأشار مركز فلسطين إلى أن الضجة التي افتعلها إعلام الاحتلال حول مصادقة الكنيست على مشروع إعدام الأسرى تأتي في هذا الوقت تحديداً للضغط على المقاومة في غزة لتقديم تنازلات، إضافة إلى محاولة فرض سياسة ردع للحد من العمليات التي ينفذها فلسطينيون من الضفة الغربية والقدس في الداخل الفلسطيني، ولإرضاء المتطرف “بن غفير” الذي يقف شخصياً خلف هذا القانون ويحاول فرضه منذ سنوات.

وكشف مركز فلسطين أن هذه ليست المرة الأولى التي يصادق فيها الاحتلال بقراءة أولى على قانون إعدام الأسرى، حيث أقره الكنيست بالقراءة التمهيدية في نوفمبر 2018 بتأييد 52 عضواً، ومعارضة 48 عضواً، وكان أحد أهم شروط المتطرف “بن غفير” للانضمام إلى حكومة الاحتلال أواخر عام 2022، وفي مارس 2023 صادق كنيست الاحتلال بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون إعدام الأسرى الذي تقدم به “بن غفير” في ذلك الوقت.

وبيَّن مركز فلسطين أن الاحتلال بالفعل يقتل الأسرى، حيث وصل عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى (314) شهيداً، بينما وصل عددهم منذ حرب الإبادة على غزة إلى (77) شهيداً، وهذا رقم كبير جداً في تلك الفترة مما يشير إلى تطبيق قانون إعدام الأسرى فعلياً، بينما يحتاج الاحتلال إلى شماعة يعلق عليها جرائمه وإقرار رسمي من أعلى سلطة تشريعية في الكيان وهي “الكنيست” ليضمن عدم المساءلة حتى لو كانت شكلية على الورق.

وقال مركز فلسطين إن قانون إعدام الأسرى قانون عنصري ويستهدف الأسير الفلسطيني دون “الإسرائيلي”، حيث تمت إضافة بند خاص يمكن وصم الأسير الفلسطيني به بينما لا ينطبق على الأسير “الإسرائيلي” الذي يمكن أن يرتكب نفس المخالفة من وجهة نظر الاحتلال، وهو بند “أن يكون هذا العمل ضد نهضة الشعب اليهودي على أرض “إسرائيل””، وهذا لا ينطبق على المعتقل “الإسرائيلي” الذي يرتكب عملية قتل لفلسطيني.

وطالب مركز فلسطين المنظمات الحقوقية الدولية بالتدخل وتشكيل لجان تحقيق لكشف جرائم إعدام الأسرى داخل السجون التي نفذها الاحتلال خلال الشهور والسنوات الماضية، والضغط لمنع تطبيق قانون إعدام الأسرى كونه غير قانوني ولا يستند إلى أي شرعية، ويهدف لتبرير وتشريع جرائم القتل بحق الأسرى.

رامي نور.. الحب والبندقية، الفلسفة التي لا تُقهر

بقلم الأسير المحرر: رائد عبد الجليل

بين الجدار الصمّ وأسوار عزل الأجساد، ترفرف أرواح أحبّةٍ لنا — إخوةٌ صنعوا من أعمارهم جسورًا لحرية شعبهم. ومن بين هذه الأرواح يسطع اسم رامي نور، صديق العمر ورفيق السلاح، وتوأم الروح في الأسر. أحكام المؤبد لم تكن سوى محاولة يائسة لتقييد جسده، أمّا روحه فبقيت حرة تحلّق، تختزل في حكايتها مسيرة الفدائيين الأحياء على الأرض أو الأحياء في السماء.

فتى تعلّم الحب بالحجارة

في الانتفاضة الأولى، كان رامي فتىً غضًا، لكن قلبه كان كبيرًا بحجم فلسطين. واجه جنود الاحتلال بالحجارة والهتافات، في أزقة نابلس القديمة. أصيب واعتُقل، لكن الجرح لم يُطفئ شعلة الحب، بل صقله وجعل منه فتىً يعرف أن العدل يحتاج إلى أنياب، وأن الحب للوطن لا يُقاس بالكلمات، بل بالثمن الذي يُدفع لأجله.

الشبيبة الطلابية.. حين يزرع الحب بذور المواجهة

بعد أوسلو، انخرط في الشبيبة الطلابية. هناك لم يكن مجرد ناشط، بل كان القدوة التي تزرع في نفوس الشباب أن الانتماء ليس انفعالًا عابرًا، بل مشروعًا طويل النفس. الحب عنده لم يكن ضعفًا، بل قوة تُترجم إلى استعداد دائم لمواجهة العدو.

الحب والبندقية.. اكتمال المعادلة

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، أدرك رامي أن الزمن تغيّر، وأن المعركة لا تُدار بالحجارة وحدها. فاستبدل الهتاف بالصمت، والحجر بالبندقية. وهنا تجلت فلسفته الثورية: الحب والبندقية معًا. البندقية لم تكن نقيضًا للحب، بل امتداده الطبيعي؛ فمن يحب شعبه حقًا لا يتركه عاريًا أمام آلة القتل، ومن يحب وطنه لا يرضى له القيد ولا الاستسلام.

اطلبوا الموت تهب لكم الحياة

كان رامي يرى في الفداء خلاصة المعنى: اطلبوا الموت تهب لكم الحياة. لم يقبل أن يقف متفرجًا أو محايدًا. لاحق الاحتلال على الطرق الالتفافية، في المعسكرات وعلى الحواجز، حتى قرر اقتحام رأس الأفعوان، قيادة المنطقة الوسطى للاحتلال في القدس. قبّل يد والده، وخرج يتفادى دمعة أمه كي لا تردعه نظرتها الأخيرة. هناك اشتبك حتى آخر رصاصة. تلقّى جسده 29 رصاصة، لكنه لم يولِّ الدبر. اعترف العدو بخسارة خمسين جنديًا وضابطًا ما بين قتيل وجريح، فيما بقيت روح رامي أكبر من الرصاص.

الفدائي ابن جبل النار

هكذا كان رامي: ابن جبل النار، ابن نابلس، المدينة التي أنجبت الشهداء الكبار، وسلّمتنا دربًا مرصوفًا بدمائهم. رامي لم يكن مجرد مقاتل، بل كان تجسيدًا لفلسفة المقاومة: أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن الحياة الحقيقية لا تُعاش إلا تحت سماء الكرامة.

الأسير الذي لم يُهزم

اعتُقل رامي من جديد، وحُكم بالمؤبدات. لكن الأسر لم يكن هزيمة، بل محطة أخرى لصناعة الأمل. خلف الجدران، ظلّ نورًا لرفاقه، يوزّع المعنى، ويحمل في عينيه نفس البريق الذي حمله يوم كان يركض بين الأزقة بحجر صغير في يده.

رسالة إلى رامي

يا رامي، يا توأم الروح،

لم تكن حياتك مجرّد فصول متقطعة، بل رواية واحدة اسمها الحب والبندقية. علمتَنا أن الحب لا يُعاش بالقصائد وحدها، وأن البندقية لا تُحمل كرهًا، بل تُرفع حبًا لشعبٍ يستحق الحياة. أنت اليوم خلف القضبان، لكنك أحرّ من سجّانيك، وأوسع من الزنزانة. سلام عليك يا صديقي، سلام على روحك التي لم تُهزم، وسلام على فلسفتك التي صارت وصيةً للأجيال: من أحبّ حقًا لا يقف على الحياد. ومن أراد الحياة الكريمة لا يخشى أن يطلب الموت فداءً لها

الاعتقال الإداري في فلسطين.. سياسة عقابية خارج القانون

بقلم: ثامر سباعنه – جنين

يُعدّ الاعتقال الإداري أحد أبرز أدوات الاحتلال الإسرائيلي في إدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني، حيث يُستخدم كسلاح سياسي وأمني لتقييد الحريات وفرض السيطرة بعيدًا عن المعايير القانونية الدولية. هذه السياسة ليست جديدة، لكنها شهدت تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ماهية الاعتقال الإداري وأُسسه

الاعتقال الإداري هو احتجاز الأفراد دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة عادلة، استنادًا إلى “ملف سري” تدّعي سلطات الاحتلال أنه يحتوي على معلومات أمنية لا يمكن كشفها. مدة الاعتقال عادةً ما تكون من 3 إلى 6 أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، ما يجعل المعتقل رهينة قرار جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك).

الاعتقال الإداري في ضوء القانون الدولي

من منظور القانون الدولي الإنساني، يُسمح بالاعتقال الإداري في حالات استثنائية ضيقة جدًا تتعلق بضرورات أمنية قاهرة، على أن يكون محدد المدة وخاضعًا للمراجعة القضائية. لكن الاحتلال الإسرائيلي يحوّل هذا الاستثناء إلى قاعدة عامة، في خرق واضح:

• اتفاقية جنيف الرابعة (1949): تمنع الاعتقال التعسفي وتفرض ضمانات قضائية.

• العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966): يكفل الحق في المحاكمة العادلة وعدم الاعتقال دون تهمة.

وبذلك، فإن سياسة الاعتقال الإداري كما تطبقها إسرائيل تُصنّف ضمن الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى مستوى جريمة حرب.

دوافع الاحتلال للجوء إلى الاعتقال الإداري

يلجأ الاحتلال لهذه الأداة لعدة أسباب:

1.  تفادي المحاكمات العلنية: إذ يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأدلة التي تبرر اعتقال الفلسطينيين أمام المحاكم.

2.  الضغط النفسي والسياسي: يستخدم الاعتقال الإداري كوسيلة لابتزاز المعتقل وعائلته.

3.  كسر الفعل النضالي: عبر تعطيل نشاط قيادات المجتمع، الصحفيين، الطلبة، والناشطين السياسيين.

إحصائيات وتطورات

وفقًا لمؤسسات حقوق الأسرى الفلسطينية (2024–2025):

• بلغ عدد المعتقلين الإداريين أكثر من 3500 معتقل، وهو أعلى رقم منذ عام 2003.

• بينهم قرابة 80 امرأة وأكثر من 200 طفل.

• نسبة المعتقلين الإداريين تشكّل نحو 40% من مجموع الأسرى في سجون الاحتلال.

التصاعد بعد السابع من أكتوبر 2023

بعد عملية “طوفان الأقصى”، استخدم الاحتلال الاعتقال الإداري بشكل غير مسبوق:

• شنّ حملات اعتقال واسعة في الضفة الغربية، استهدفت بشكل خاص النشطاء والسياسيين.

• تم تجديد أوامر الاعتقال الإداري لمئات الأسرى بشكل متكرر، دون سقف زمني.

• تحوّل الاعتقال الإداري إلى أداة انتقام جماعي في ظل غياب أية محاكمات حقيقية.

النساء والأطفال تحت الاعتقال الإداري

لم يسلم الأطفال والنساء من هذه السياسة:

• الأطفال: يُحرمون من التعليم، ويُحتجزون في ظروف قاسية تؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي. بعضهم يُعتقل إداريًا لفترات طويلة دون أي تهم.

• النساء: استُخدم الاعتقال الإداري ضد الأسيرات كأداة لإرهاب المجتمع الفلسطيني وإرسال رسالة ردع. وغالبًا ما يترافق مع الإهمال الطبي والمعاملة المهينة.

خلاصة

الاعتقال الإداري في فلسطين يُمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وأداة سياسية بيد الاحتلال لفرض هيمنته وتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني. تصاعده بعد السابع من أكتوبر يكشف عن طبيعته العقابية والانتقامية أكثر من كونه أداة أمنية. إن مواجهة هذه السياسة تتطلب ضغطًا دوليًا مستمرًا وملاحقة الاحتلال أمام المحافل القانونية الدولية باعتباره يمارس جريمة اعتقال جماعي بحق شعب بأكمله

حملة ممنهجة لإعادة أسرى التبادل إلى السجون.. الاحتلال يطارد الحرية

قال نادي الأسير الفلسطيني إنّ الاحتلال يواصل تصعيد استهدافه للأسرى المحررين في صفقة التبادل الأخيرة، من خلال تنفيذ عمليات اعتقال وتحقيق ميداني واستجواب متواصلة بحقهم، وكان آخرها اعتقال المحررة حنان البرغوثي صباح اليوم من منزلها في بلدة كوبر قضاء رام الله.

وأضاف نادي الأسير أنّ هذا التصعيد يأتي في إطار سياسة ممنهجة، تمثل خرقاً واضحاً وجديداً لبنود الصفقة، ورسالة صريحة إلى جميع المحررين بأنهم سيظلون داخل دائرة الاستهداف والملاحقة المستمرة.

وأوضح النادي، استناداً إلى توثيقاته اليومية لعمليات الاعتقال، أنّ قوات الاحتلال اعتقلت ما لا يقل عن (40) أسيراً محرراً من صفقة التبادل الأخيرة التي جرت في شهري يناير وفبراير الماضيين، وأبقت على اعتقال (16) منهم، بينهم ثلاث نساء، وقد جرى تحويل معظمهم إلى الاعتقال الإداري، ومن أبرزهم الأسير وائل الجاغوب من نابلس الذي أمضى 23 عاماً في سجون الاحتلال.

وبيّن نادي الأسير أنّ عدداً من المحررين تعرضوا للاستهداف أكثر من مرة عبر الاعتقال المتكرر أو التحقيق الميداني، مشيراً إلى أنّ هذه الإجراءات تأتي ضمن سلسلة سياسات وأدوات اعتمدها الاحتلال منذ سنوات طويلة ضد الأسرى المحررين، لكنها برزت بشكل أوضح منذ إعادة اعتقال العشرات من محرري صفقة “وفاء الأحرار” عام 2014.

ولفت نادي الأسير إلى أنّ الاحتلال رسّخ سياسة ملاحقة الأسرى المحررين عبر إصدار أوامر عسكرية تمنحه غطاءً قانونياً لمواصلة استهدافهم، إلى جانب سنّ قوانين ومشاريع قوانين جديدة. وفي الصفقة الأخيرة، تصاعدت هذه السياسة إلى مستوى عمليات إرهاب منظمة نُفِّذت بحق المحررين حتى آخر لحظة من حريتهم، حيث تعرّض العديد منهم لاعتداءات وضرب مبرح قبيل الإفراج عنهم، واستمر استهدافهم بعد التحرر، كما طالت التهديدات والملاحقات عائلاتهم التي ما تزال تتعرض لانتهاكات وضغوط متواصلة حتى اليوم.

الأسرى الفلسطينيون.. صمود فوق جدار الإهانة

بقلم: وسام زغبر – عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين

في زنازين الاحتلال الإسرائيلي، لا يُقاس صمود الفلسطينيين بالحرية الجسدية فقط، بل بقدرتهم على الحفاظ على الكرامة والهوية وسط ظروف قاسية تتجاوز الوصف. آلاف الأسرى يقبعون في السجون الإسرائيلية، يواجهون سياسة ممنهجة من الإذلال، والعزل، والحرمان من الحقوق الأساسية، بينما يواصل العالم صمته أمام هذه المأساة الإنسانية.

معاناة الأسرى ليست مجرد قصص فردية، بل هي جزء من استراتيجية احتلال تهدف إلى تحطيم الروح الفلسطينية. من الاعتقالات التعسفية التي تطال الأطفال والشباب، إلى ظروف الاحتجاز المزرية، مرورًا بالحرمان من الرعاية الصحية والتعليم، وصولًا إلى التعذيب النفسي والجسدي، يعيش الأسرى تجربة قاسية تجعل كل يوم في السجن اختبارًا للصبر والصمود.

ولعل الإضرابات المفتوحة عن الطعام، والاحتجاجات السلمية داخل السجون، خير دليل على قوة الإرادة الفلسطينية في مواجهة الانتهاكات المستمرة. هذه المعركة اليومية ليست ضد الجدران وحدها، بل ضد محاولات محو الهوية الوطنية، وإسكات صوت المقاومة، وطمس التاريخ الشخصي والجماعي للأسرى وعائلاتهم.

صمود الأسرى الفلسطينيين يذكّرنا بأن الحرية ليست مجرد حق سياسي، بل قضية كرامة إنسانية وأرضية صلبة للحفاظ على الهوية الوطنية. ويظل السؤال الأكبر أمام المجتمع الدولي: إلى متى سيبقى صمت العالم تغطية على المعاناة المستمرة؟ وإلى متى ستستمر السياسة الإسرائيلية في استخدام الاعتقال كأداة لإرهاب وإذلال شعب بأكمله؟

في النهاية، الأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد سجناء، بل رمز لصمود الأمة، وتذكير حي بأن العدالة والكرامة الفلسطينية لا تموت مع جدران السجون.

السجون والمعسكرات الإسرائيلية المستحدثة بعد حرب أكتوبر 2023 على غزة:

1 – معسكر “نفتالي” (شمال): احتجاز معتقلين في ظروف قاسية، مع ضرب، حرمان من النوم والطعام، وتوقيع وثائق بالعبرية دون فهمها.

2 – معسكر “سديه تيمان” (صحراء النقب): أربعة أقسام تحت الصفيح، مع تعذيب، تجويع، حرمان من العلاج والفرش، وإجبار على الوقوف لساعات طويلة.

3 – معسكر عوفر (غرب رام الله): إدارة عسكرية مباشرة، انتهاكات تشمل الضرب المبرح، الصدمات الكهربائية، التكبيل الدائم، الحرمان شبه الكامل من الاستحمام والطعام، وإجراءات قانونية شكلية عبر “زووم”.

4 – معسكر “عناتوت” (القدس): إعادة تفعيل مركز اعتقال قديم، ممارسات تعذيب وإخفاء قسري ونقص الرعاية الأساسية.

5 – معسكر “منشة” (شمال الضفة): امتداد لسياسة التنكيل المعتادة، مشابه لمعسكرات أخرى.

6 – سجن “راكيفت” في الرملة: جناح سري تحت الأرض، يطبق نظامًا صارمًا للسرية، منع تواصل المعتقلين مع المحاكم والمحامين، ظروف قاسية للغاية.

الانتهاكات:

–  التعذيب الجسدي والنفسي، الصعق الكهربائي، الضرب المبرح، الاعتداءات الجنسية.

–  الإخفاء القسري وحرمان من التواصل مع الأهل والمحامين.

–  الحرمان من الطعام، الماء، الرعاية الطبية، النظافة، وحقوق أساسية أخرى.

الأبعاد القانونية:

1 – تشكل هذه الممارسات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي.

2 – المجتمع الدولي مطالب بالتحرك لإغلاق هذه المعسكرات وضمان الإفراج عن المعتقلين أو توفير حقوقهم القانونية والإنسانية.

 تمديد الاعتقال بدل العلاج.. الاحتلال يحكم على فداء عساف بالموت البطيء

اعتبر مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن قرار محكمة الاحتلال تمديد اعتقال الأسيرة المصابة بالسرطان فداء سهيل عساف (49) عاماً لمدة شهر إضافي هو حكم بالإعدام وقرار بالموت البطيء للأسيرة التي تعاني من ظروف صحية صعبة في سجون الاحتلال.

وأوضح مركز فلسطين أن محكمة الاحتلال رفضت مؤخراً إطلاق سراح الأسيرة “عساف” نظراً لظروفها الصحية الصعبة وحاجتها الشديدة للعلاج والمتابعة في المستشفى، وقررت تمديد اعتقالها حتى 21/10/2025 لعرضها على المحكمة مرة أخرى، حيث تتهمها سلطات الاحتلال بالتحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تهمة فضفاضة توجهها مخابرات الاحتلال لغالبية الأسيرات.

وبيَّن مركز فلسطين أن قوات الاحتلال كانت قد اعتقلت “عساف” بتاريخ 24/2/2025 بعد توقيفها على حاجز عسكري مؤقت على مدخل قريتها كفر لاقف قضاء قلقيلية، حيث كانت عائدة إلى قريتها بعد إجراء فحوصات في مستشفى مجمع رام الله الطبي، وبعد التأكد من هويتها تم التنكيل بها وتوجيه شتائم لها، ثم نُقلت إلى زنزانة صغيرة متسخة قبل أن تُنقل إلى مركز التحقيق.

وأشار مركز فلسطين إلى أن الأسيرة “عساف” تعاني من مرض سرطان الدم قبل اعتقالها، وكانت تتنقل من مستشفى إلى آخر للعلاج نظراً لخطورة مرضها، بينما تعاني خلال الاعتقال من أوضاع صحية متردية مع تواصل سياسة الإهمال الطبي والقمع بحقها، والحرمان من زيارة ابنتها الوحيدة “قطر الندى”، بينما توفيت والدة زوجها التي كانت قريبة منها وترعى ابنتها، ولم تتمكن من إلقاء نظرة وداع أخيرة عليها.

وحمّل مركز فلسطين سلطات الاحتلال وإدارة السجون المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة الأسيرة “عساف” التي تتعرض لجريمة إهمال طبي متعمد رغم خطورة حالتها ومعاناتها من سرطان الدم، وعدم تقديم أي رعاية صحية مناسبة، معتبراً أن رفض إطلاق سراحها لتتلقى العلاج خارج السجون واستمرار اعتقالها هو حكم بالإعدام بحقها، حيث إن حالتها لا تتحمل المزيد من ظروف الاعتقال القاسية والحرمان من العلاج المناسب.

وكشف مركز فلسطين أن الاحتلال يعتقل الأسيرة “عساف” بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تهمة فارغة المضمون وليس لها دلالة على ارتكابها أي مخالفة تستوجب اعتقالها لهذه المدة وتمديد اعتقالها مؤخراً، وهي التهمة التي يعتقل بموجبها 90% من الأسيرات الفلسطينيات ليبرر الاحتلال احتجازهن أو تحويلهن إلى الاعتقال الإداري.

وطالب مركز فلسطين المؤسسات الدولية بالتدخل لوقف الجريمة المستمرة بحق الأسيرة “عساف”، والضغط على الاحتلال للإفراج عنها لإكمال علاجها ورعاية ابنتها الوحيدة، وضمان تقديم رعاية طبية لكافة الأسيرات المريضات في سجون “إسرائيل”.

وجه عرابة البشوش.. قصة مستوحاة من سيرة الأسير المحرر محمد العارضة

بقلم: ثورة ياسر عرفات

عرّابة، تلك البلدة التي تهمس بها التلال، وتحنو عليها الزيتونات، أنجبت وجهاً ما غاب عن قلوبنا يوماً. وجهٌ تعرفه الزنازين وتخشاه القضبان… وجه محمد العارضة.

كان محمد فتىً لا تُخطئه عيون البلدة، يحمل في قسماته وسكينة صوته ما يُشبه البرق إذا توعّد، والندى إذا همس. ابن الجهاد، وحفيد الأرض التي لا تُساوم.

في ليلة شتوية من عام 2002، غابت شمسه عن البيت. دخل محمد إلى سجون الاحتلال، وأغلقوا عليه الباب كأنهم أغلقوا على وطنٍ صغير. لكنه لم يُطفئ النور في قلبه. هناك، بين جدران الأسر، بدأ من جديد: قرأ، كتب، صلّى، وصمت حين كان الصمت أشد وقعاً من الكلام.

لم تكن السنين تمضي، بل كانت تسير بثقل الحديد، إلا على أمه. تلك المرأة الفلسطينية الطاعنة في الصبر، التي كانت تقول في كل زيارة:

“الله يرضى عليك يا محمد، ما دام وجهك بشوش، أنا بخير”.

وكان يبتسم، رغم الألم، كي لا يخدش قلبها.

ثم جاء السادس من أيلول 2021، لتهتز الأرض من تحت أقدام المحتل، وتُشرق شمس الحرية من تحت سرير زنزانة في جلبوع. محمد العارضة، العقل المدبّر، يحفر نفقاً بأظافره، ليحفر في ذاكرة الشعب ملحمة من نور.

ستة أبطال خرجوا من ظلام القهر، إلى ضوء السماء الفلسطينية. وعلى الرغم من إعادة اعتقالهم، لم تُغلق الحكاية، بل بدأت من جديد. فالنفق لم يكن طريق هرب، بل طريق كرامة.

عاد محمد بعد سنوات، حراً، متقدماً نحو بيته. كانت أمه واقفة على الباب، تحمل قلبها بيد، والزغرودة باليد الأخرى. لم تنتظر أن تراه، بل صاحت بصوتٍ كسّر صمت القرية:

“حيّوا وجه عرابة البشوش… حيّوا النصر اللي رجع بإيده.”

ولمّا اقترب منها، مسح على رأسها، وقال:

“أماه… لم أهرب، بل عدتُ كي أقبّل تراب قدميك.”

الأسير المحرر رائد عبد الجليل: الأمل ينبض في قلوب الأحرار

في عمر يملؤه الأمل، كان رائد عبد الجليل شابًا يعشق الحياة ويحلم بمستقبل مشرق. كان يفترض أن يكون في هذه المرحلة من عمره حرًا، يختبر الحياة، يتعلم، يبني أحلامه وينطلق نحو غدٍ أفضل. لكن القدر شاء أن تتحول سنوات شبابه إلى سجن مظلم، حيث قضى خلف القضبان، بعيدًا عن عائلته وأصدقائه، بعيدًا عن الحياة التي كان يتخيلها.

كانت الزنازين الباردة مكانًا قاسيًا، تتسرب إليه البرودة ليس فقط من جدران السجن، بل من وحدته وغربة قلبه. كان كل يوم يمر كأنه سنة، لكن رغم ذلك لم يسمح رائد لأن تنهش اليأس روحه. شاب صغير في جسد سجين، لكنه كبير في عزيمته وإرادته. في وسط ذلك الظلام، صمم أن يحافظ على نور داخله، أن يبقي شعلة الأمل متوهجة.

لم يكن مجرد أسير ينتظر انتهاء عقوبته، بل كان مقاتلًا في معركة داخلية، يناضل للحفاظ على إنسانيته وكرامته. رغم التعذيب والألم، ورغم الرصاصة التي أصابته في رجله ولم تتركه بدون أثر، ظل رائد متشبثًا بحلمه. تعلم كيف يحول الألم إلى قوة، والظلم إلى دافع للمقاومة.

وفي السجون، حيث تُقطع كل سبل الحياة الطبيعية، وجد طريقه إلى التعلم. التحق بالجامعة العبرية، واستغل كل دقيقة في زنزانته لتطوير ذاته، محاولًا أن يكون أفضل مما كان عليه قبل الاعتقال. لم تسمح له ظروف السجن بأن يكمل دراسته، لكن المعرفة التي اكتسبها كانت وقودًا لروحه التي لم تنكسر.

خاض إضراب الكرامة مع رفاقه الأسرى، مطالبًا بالحقوق الإنسانية، يرفع صوته في وجه الظلم بقلب لا يعرف الخوف. كان رائد نموذجًا للصمود والتحدي، شابًا ضاع شبابه لكنه لم يضِع قيمه ولا عزيمته.

وبعد 23 سنة من الأسر، جاءت لحظة الحرية التي انتظرها طويلاً، لكن الحرية لم تكن كاملة، فقد أبعدته سلطات الاحتلال إلى مصر، حيث وجد نفسه في غربة جديدة، بعيدًا عن وطنه وعائلته. رغم الألم الجديد، ظل رائد صامدًا، يؤمن أن هذه المحنة أيضًا جزء من طريق النضال.

في مصر، حاول بناء حياة جديدة، حاملًا في قلبه رسالة الصمود وأمل العودة يوماً إلى وطنه. لحظة اللقاء مع والديه بعد الإفراج كانت أكثر من مجرد لحظة، كانت انتصارًا لحياة لم تُقتل رغم كل المحاولات، وبداية جديدة لرائد الذي لم يسمح للظلام أن يبتلعه.

ورغم كل السنين التي مضت والقيود التي لم تكسر عزيمته، يبقى رائد عبد الجليل مثالًا حيًا على أن الأمل لا يموت، وأن الصمود هو اللغة التي يفهمها القلب المكسور. فحتى في غربة المنفى وبعد ضياع سنوات شبابه خلف القضبان، ظل يحمل بريق الحرية في عينيه، وإيمانًا راسخًا بأن الفجر قادم لا محالة.

قصته تعلمنا أن الحرية ليست فقط في الأجساد، بل في الروح التي ترفض الانكسار، وفي الإرادة التي تزرع النور في أحلك الليالي. فكما وقف رائد شامخًا في وجه الظلم، سيظل الأمل ينبض في قلوب الأحرار، وصموده سيكون شعلة تضيء دروب من جاء بعده.

“قطر الندى” تشتاق لحضن أمها الأسيرة وتواجه قسوة الانتظار

تقرير: عزيزة ظاهر- قلقيلية

 في بيت يفتقد للحياة بغياب الأم القسري عنه، بقرية كفر لاقف شرق مدينة قلقيلية، تعيش الفتاة “قطر الندى” (13 عاما)، فراغا كبيرا خلف غياب والدتها الأسيرة فداء سهيل عساف. كل زاوية في البيت تذكرها بها، من ضحكتها إلى أصوات خطواتها، وحتى الخيوط التي كانت تحيكها والدتها في تطريز فلسطيني يروي قصة الوطن، في قلب قطر الندى، يمتزج الحنين بالألم، والاشتياق بالأمل، لتظل تنتظر يوم عودتها إلى حضن أمها، حيث تشعر بالأمان والحب الذي لا يعوض.

أمومة مؤجلة وأمل طويل

عاشت فداء (49 عاما) سنوات طويلة من الحرمان قبل أن ترزق بطفلتها الوحيدة بعد رحلة علاج طويلة في الأردن، كانت هذه الابنة محور حياتها ورفيقتها قبل أن تكون ابنتها، وكرست فداء كل أيامها لإسعادها وإبعاد أي شعور بالنقص عنها. تقول الفتاة في رسالتها: “ماما كانت ملجأي الوحيد وما حدا بعوضني عنها، حياتي بدونها فراغ تام”. قبل عشرة أشهر، داهم المرض حياة فداء حين شخصت بسرطان الدم، بدأت رحلة علاج صعبة، مستندة إلى دعم أسرتها، ومع كل لحظة ألم كانت تبتسم لتخفف عن محيطها، فالابتسامة كانت سلاحها ضد الألم والمعاناة.

لحظة الاعتقال

في صباح يوم الإثنين 24 شباط/فبراير الماضي، بعد فحص طبي في مدينة رام الله برفقة أختها، اعترضتها قوات الاحتلال قرب بلدة جيت بين مدينتي نابلس وقلقيلية، في لحظات تحولت الطريق إلى صدمة، أوقفوا فداء تحت تهديد السلاح، كبلوها، وصادروا هاتفها، واقتادوها أولا إلى معسكر “أرئيل”، ثم إلى سجني “الشارون” و”الدامون”، محرومة من علاجها اليومي لأسابيع، ووجهوا لها تهمة التحريض، ولم يصدر حكما بحقها حتى اليوم.

حرمان طبي وإهمال

داخل سجن “الدامون”، استمر حرمانها من علاج السرطان، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية، لم تعط سوى مسكنات بسيطة، في حين كانت رسائلها عبر المحامين وزميلاتها الأسيرات تروي صمتها ومعاناتها اليومية من ألم الأسنان والمرض.

وجع الأسرة وحنين الطفلة

غياب فداء ترك فراغا كبيرا في حياة الأسرة، تقول شقيقتها فاطمة: “الجمعات لم تعد كما كانت، ضحكتها غابت وصوتها ينقص كل لحظة”، أما قطر الندى، فقد عبرت عن شوقها الكبير: “ماما، أنا كثير مشتاقة لصوتك، لطبخك، لريحتك، إنت ملجئي الوحيد، وغيابك فراغ كبير ما بيسده حدا”، كلمات الطفلة تختصر حجم الفقد الذي تعيشه الأسرة كلها. وتبقى فداء نموذجا لمعاناة الأسيرات الفلسطينيات اللواتي يواجهن السجن والمرض والحرمان، ورغم ذلك، يصررن على تحويل الألم إلى رسالة صمود، ليبقين شاهدات على ظلم الاحتلال وإرادة الحياة التي لا تنكسر.

في عزلة الأسر وُلد له “عناد”.. طفل سُمّي تحديًا للسجّان وانتقامًا للكرامة

بقلم: أمجد النجار مدير عام نادي الأسير

كل يومٍ في مكتب نادي الأسير، تحمل الجدران بين ثناياها قصصًا تختلط فيها دموع الوجع مع أنفاس الأمل. لكن بعض الحكايات تأبى أن تمرّ مرورًا عابرًا، لأنها لا تطرق القلب فقط، بل تزرع فيه صمتًا عميقًا… يشبه صمت الزنازين.

اليوم الخميس، دخل علينا أحد الأسرى المحررين من سجن النقب الصحراوي. جلستُ معه أسأله عن حال من تبقوا خلف القضبان، عن إخوة الوجع الذين تركهم هناك، في سجنٍ يصادر الأنفاس ويفتش الأحلام. تحدّث عن مرارة العزل، عن الجوع، عن الأشواق التي تُقتل كل يوم على يد السجّان.

سألته: هل التقيت أحدًا من الخليل؟

رفع رأسه، وقال:

“أريد عنوان عائلة الأسير عبد الله عبيدو… كنت معه في نفس الغرفة، وهو منذ اعتقاله لم يحظَ بأي زيارة، لا من محامٍ ولا من أهله… كان في العزل، وتاه بين السجون.”

صُدمت… كيف لإنسان أن يُعزل عن العالم لسنوات، حتى من خبرٍ صغير؟

قال لي بنبرة اختلطت فيها الحسرة بالدهشة:

“عبد الله لا يعلم شيئًا عن عائلته… زوجته كانت حاملًا لحظة اعتقاله، ولا يعرف إن كان المولود بنتًا أم ولدًا… لا يعرف حتى اسمه !”

ابتلعت صدمتي، ولكنها ظلّت عالقة في حلقي. طفلٌ يبلغ عامين من عمره، ووالده لا يعرف أنه جاء إلى الحياة، ولا يعرف ماذا سمّته أمه.

بحثنا عن الاسم. تواصلنا مع العائلة.

وعلمتُ أن الطفل اسمه “عناد”.

اسمٌ اختارته والدته لما مرّت به العائلة من استهدافٍ وقهر، فكان الاسم انعكاسًا لصبرها وصمودها، وصدى لغياب والده المستمر خلف الجدران.

“عناد”… طفل لا يعرف والده، ووالد لم يسمع صوت ابنه يومًا، ولا رأى وجهه، ولا احتضنه. فقط يعرف أنه موجود… في مكانٍ ما… في حضن أمّه التي تقاوم وحدها.

هذه الحكاية ليست استثناء.

كم من أسيرٍ وُلد له ابنٌ ولم يعلم؟

كم من أمٍّ توفيت دون أن تودّع ابنها الأسير؟

كم من زوجةٍ رحلت، ولم يصل الخبر إلى زوجها إلا يوم تحرّره؟

كم من طفلٍ كبر، وصوته تغيّر، ولم يعرفه والده إلا من صورةٍ باهتة؟

الأسير عبد الله عبيدو، من الخليل، لا يزال معتقلًا إداريًا للمرة السادسة دون تهمة، في ظلمٍ مستمر منذ سنوات، تُمدّده محكمة “عوفر” العسكرية دون رحمة، دون محاكمة، دون فرصة عادلة.

زوجته حُلي إبراهيم عبيدو (33 عامًا)، تواصل درب الصبر وحدها، ترعى أبناءها الخمسة، وتُطعمهم من الصبر ما يكفي ليصمدوا حتى يسمعوا طرقات والدهم على الباب يومًا ما.

و”عناد”، الذي لم يعرف أباه بعد، يكبر في ظل الحكايات… حكايات البطش والعناد.

في النهاية…

في مكتب نادي الأسير، نسمع الحكايات يوميًا. لكن حكاية عبد الله و”عناد” تسكن القلب. هي ليست مجرد قصة، بل صرخة في وجه العالم، في وجه الصمت، في وجه الاحتلال الذي لا يكتفي بحبس الجسد، بل يحاول أيضًا أسر الزمن، والذاكرة، والحياة. ولكن… ما دام هناك من يُسمّى “عناد”، فسيبقى فينا الأمل بأن لا شيء يدوم… لا الزنزانة، ولا السجّان، ولا “إسرائيل”.

المفقودون في غزة.. نزيف مستمر في حرب الإبادة

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

مع استمرار حرب الإبادة في غزة، تتواصل مآسي النزوح الجماعي من شمال القطاع إلى جنوبه، حيث تكدست عشرات آلاف العائلات في شارع الرشيد الساحلي هربا من القصف العنيف الذي لم يترك بيتا إلا ودمره. القنابل الضخمة والمتفجرات الهائلة التي ألقيت على الأحياء السكنية لم تكتف بقتل المئات يوميا، لقد دفعت عائلات بأكملها إلى الفرار في لحظات تاركة خلفها أطفالا يتوهون في طرقات النزوح، وأجسادا تذوب تحت الركام، وأسماء تتحول إلى قائمة طويلة من المفقودين. في هذا المشهد الكارثي، أصبح الفقد ظاهرة متواصلة تتسع يوما بعد آخر كلما طال أمد الحرب واشتد قصفها حتى باتت معاناة المفقودين وعائلاتهم أحد أبرز وجوه الإبادة الجارية في غزة.

أرقام متضاربة.. مأساة أكبر من الإحصاءات

تتباين التقديرات حول أعداد المفقودين في غزة بشكل واسع، وهو ما يعكس عمق المأساة الإنسانية وانهيار منظومات البحث والإنقاذ تحت ضغط الحرب. فبينما يتحدث الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن أكثر من أحد عشر ألف مفقود بينهم نساء وأطفال وشيوخ، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى ما بين ثمانية آلاف وأحد عشر ألفًا، معظمهم من الفئات الأضعف. في المقابل يذهب المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان إلى أرقام أعلى تتجاوز ثلاثة عشر ألفا، فيما تحذر منظمة “أنقذوا الأطفال” من أن عشرات آلاف الأطفال لا يزالون في عداد المفقودين.  هذا التضارب في الأرقام هو شاهد على حجم الفوضى الإنسانية الناتجة عن حرب الإبادة. فالمفقودون ليسوا فقط تحت الأنقاض التي تعجز فرق الدفاع المدني عن الوصول إليها، وإنما في مسيرات النزوح التي تنتهي باختفاء أفراد العائلات في ظروف غامضة، أو في طوابير المساعدات التي تحولت أحيانا إلى مصائد دامية. وفي ظل اعتماد الاحتلال الإسرائيلي على قوانين استثنائية مثل “قانون المقاتل غير الشرعي”، يخشى أن يكون جزء من هؤلاء المفقودين قد اقتيد إلى مراكز اعتقال سرية بعيدا عن أي إشراف قانوني أو إنساني.  من منظور حقوقي، تمثل هذه الحالات المتنوعة انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تفرض على قوة الاحتلال حماية المدنيين وضمان حقوقهم في الحياة والأمان والكرامة.  إن استمرار غياب الشفافية حول مصير آلاف المفقودين وحرمان عائلاتهم من أي معلومة بشأن أماكن وجودهم أو مصيرهم، يرتقي إلى مستوى الإخفاء القسري الذي يعتبر جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني

ملف المفقودين في غزة هو تعبير مباشر عن سلسلة من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني. فالمادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على وجوب حماية المدنيين من أي اعتداء على حياتهم أو كرامتهم في جميع الأحوال، بينما تحظر المادة (49) النقل القسري أو الإبعاد الجماعي للسكان. كما أن المادة (32) تحظر ممارسة التعذيب أو المعاملة القاسية ضد الأشخاص المحميين.

إلى جانب ذلك، تفرض اتفاقية حقوق الطفل التزاما خاصا بحماية الأطفال من الفقدان والتشريد، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع التقارير التي تشير إلى أن آلاف الأطفال في غزة باتوا في عداد المفقودين.  أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فيعتبر الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، كما يجرم استخدام المدنيين كدروع بشرية وهي ممارسات وثقتها منظمات دولية في سياق العدوان على غزة. إن امتناع إسرائيل عن الكشف عن قوائم الموقوفين والمفقودين، ومنع دخول فرق التحقيق الدولية إلى أماكن الدفن الجماعي أو مراكز الاعتقال السرية يمثل جريمة مضاعفة تهدف إلى طمس الأدلة. هذا السلوك لا يترك مجالا للشك في أن قضية المفقودين هي عنوان لانتهاك شامل ومنهجي لكل ما كفله القانون الدولي للمدنيين في أوقات النزاعات المسلحة.

شهادات العائلات.. الغياب أكبر من أن يحتمل

وثقت مؤسسة العهد الدولي عبر مقابلات ميدانية وشهادات عائلية عددا من حالات الفقدان في قطاع غزة، ضمن عملها الحقوقي والإنساني لمتابعة أوضاع المفقودين. ومن خلال تواصلها المباشر مع ذوي الضحايا، رصدت المؤسسة قصصا موجعة لأشخاص انقطعت أخبارهم منذ شهور طويلة، وباتت عائلاتهم تعيش على أمل ضعيف بعودتهم أو على خوف دائم من أن يكونوا قد دفنوا في مقابر بلا أسماء.  كانت بداية المأساة مع علاء مصلح، الشاب الغزي البالغ من العمر 33 عاما، الذي قرر منتصف نوفمبر 2023 أن ينقذ أسرته بالتوجه جنوبًا. لكن الممر الذي عبره عند حاجز نتساريم كان أبعد ما يكون عن “الآمن”. هناك أُجبر على الانفصال عن ابنته الصغيرة جودي التي تمسكت بيده وهي تصرخ: “بابا.. بابا”، قبل أن يُقتاد مع والده إلى المجهول. منذ ذلك اليوم لم تعرف عائلته أي خبر عنهما، رغم طرقها أبواب الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية، فيما تعيش والدته صبحية على ذكرى تلك اللحظة التي كانت آخر نظرة بينه وبين طفلته. في الجنوب، حيث تكدس النازحون في خانيونس، فقد الشاب عمر زهير يوسف معروف (22 عاما)، الذي كان يأوي في مبنى جامعة الأقصى. مع اقتحام الاحتلال للمنطقة مطلع 2024، انقطعت أخباره تماما، تاركا عائلته بين احتمال أن يكون تحت الركام أو في أحد السجون. أما في الشمال، فقد غاب الفتى سعيد مبارك السواركة، ابن التاسعة عشرة، الذي اعتاد العمل في قطف الزيتون في منطقة السودانية. منذ السابع من أكتوبر 2023، حين باغتت الصواريخ كل شيء، لم يره أحد. تقول والدته سحر إنها قصدت المستشفيات والمؤسسات الحقوقية بلا جدوى، فيما بقي طفلها عالقا بلقب “مجهول”.

من بين الأصوات التي يعلو وجعها في غزة، يناشد المواطن عز الدين حسن المؤسسات الحقوقية والإنسانية الكشف عن مصير شقيقه، الذي فُقدت آثاره عقب القصف الهمجي الذي استهدف مخيم الشاطئ قبل أيام. كان النزوح خيار العائلة الوحيد للنجاة، لكن النيران الكثيفة، والقصف العنيف، والروبوتات المتفجرة، فرقت أفراد الأسرة ومزّقت مسارهم. منذ ذلك الحين، انقطعت أخبار شقيقه كليا، ولم تفلح محاولات البحث المتواصلة، ولا حتى نشر صوره وتفاصيله عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى أي خيط يقود إلى مصيره حتى اللحظة.  وتتشابه الحكاية مع أيمن عبد الحليم (مواليد 2004) الذي فقد أثره أثناء نزوحه لشارع الرشيد برفقة أبناء عمومه. تروي شقيقته أنهم غادروا إلى الزوايدة ثم انقطعت أخبارهم بشكل كامل، لتدخل العائلة في دوامة السؤال الذي يثقل القلب: هل هم أحياء في مكان ما، أم صاروا شهداء بلا قبور معروفة؟ في مخيم الشاطئ، تفقد والدة سيف الدين زكريا صبح طفلها البالغ من العمر 15 عاما، والمصاب بالتوحد. منذ 10 ديسمبر 2024، لم يعد له أثر. تصرخ أمه في وجه الغياب كل يوم: أريد أن أعرف مصير ابني.  أما عائشة أبو عمرة، فتحمل جرحا مضاعفا بفقدان ابنها عبد الله (26 عاما) بعد نزوحهم إلى دير البلح قسرا كان عبد الله سندها وأمل العائلة، لكنه خرج ذات يوم ولم يعد. بحثت عنه في قوائم الجرحى والشهداء والمعتقلين دون جدوى. لم يفقد عبد الله أمه فقط، بل ترك زوجته الحامل التي أنجبت طفلته بعد اختفائه، لتكبر الصغيرة بلا أب يعرفها، وتعيش أمها في صمت مكسور.  ويضاف إلى هذه القلوب الموجوعة محمود أبو هاني، الذي فقد في فبراير 2023 عند محاولته العودة شمالًا من النصيرات. ومنذ ذلك الحين، تعيش عائلته في بحث دائم وسط ركام الحرب، في مشهد يتكرر مع مئات الأسر التي تبحث عن أبنائها بلا كلل ولا خيط من الأمل.  هذه القصص نماذج حية عن آلاف الحالات المماثلة. يجمعها الألم والانتظار والأسئلة المفتوحة: هل نعيش على أمل عودتهم؟ أم نسلم بأنهم دفنوا في مقابر بلا أسماء؟ هل هم أحياء خلف جدران السجون، أم صارت أجسادهم غبارا تحت الركام؟ أكدت مؤسسة العهد الدولية أن ما رصدته من شهادات عائلات المفقودين في قطاع غزة، يعبر عن مأساة إنسانية جماعية تتجاوز حدود الأرقام، وتكشف حجم الجريمة المستمرة بحق المدنيين. فاختفاء الآلاف تحت القصف أو في ظروف الإخفاء القسري يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، وحرمانا للعائلات من أبسط حقوقها في معرفة مصير أبنائها.  وشددت المؤسسة على أن صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الجريمة يرسخ سياسة الإفلات من العقاب، ويضاعف من معاناة الضحايا وذويهم، داعية إلى فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف يكشف مصير المفقودين، ويحاسب المسؤولين عن هذه الانتهاكات التي ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

عائلة الرجوب.. ثلاثون سنة من الأسر وقلوب معلقة بالمصير

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

ليست الأرقام مجرد أعداد صماء حين ترتبط بالأسر، ثلاثون عاما من الاعتقال ليست سطورا في سجل، إنها عمرا أكِل من حياة أسرة بأكملها. هي أيام ثقيلة انقضت على بيت يفتقد الأب ويطارَد فيه الأبناء، بيت تقوده امرأة بصبر الجبال، تحمل وحدها أعباء الحياة بينما يتوزع زوجها وولداها بين الزنازين والعزل والاعتقال الإداري.  إنها حكاية عائلة الرجوب التي تتصدر اليوم مشهدا إنسانيا قاسيا، يكشف ما يتركه الاحتلال من فراغات موجعة في قلوب العائلات الفلسطينية.  رصدت مؤسسة العهد الدولية ما تمر به عائلة الأسير رزق الرجوب، وتابعت تفاصيل معاناتها المركبة عبر حديث مباشر مع زوجته. تحدثت الزوجة بوجع يثقل الكلمات عن قلقها على زوجها الذي فقد ذاكرته داخل السجون، وعن ابنيها أحمد ومحمد اللذين يواجهان الاعتقال الإداري المفتوح. وأكدت المؤسسة أن ما تعيشه هذه العائلة يختزل صورة أوسع لانتهاكات الاحتلال بحق الأسرى وذويهم، حيث تتداخل العزلة والعقوبات الجماعية والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية في مشهد واحد.

الأسير الشيخ رزق الرجوب.. ذاكرة تتلاشى خلف القضبان

الشيخ رزق عبد الله الرجوب (65 عاما)، من دورا الخليل، قضى ما مجموعه 30 عاما في سجون الاحتلال، على مدار 13 اعتقالا متقطعا. في اعتقاله الأخير بتاريخ 12/6/2023، زج به مباشرة في ملف الاعتقال الإداري، ومن ثم نقل بين السجون حتى استقر في العزل الانفرادي في سجن جانوت.  اليوم، يعيش الرجوب وضعا صحيا مقلقا بعد أن أبلغ المحامي زوجته بأن زوجها لم يتعرف عليه خلال الزيارة، وسأله عن اسمه وعن معنى كلمة “أم محمد”، في مشهد صادم يعكس فقدانا في الذاكرة ناجما على الأرجح عن تعذيب وضربة على الرأس، حيث ظهرت إصابة واضحة وتورم في عينه اليسرى.  إلى جانب ذلك، يعاني الرجوب من أمراض مزمنة: البهاق، مشكلات في المعدة وحساسية من بعض الأطعمة، خضع سابقا لعملية استئصال المرارة، ويحتاج لرعاية صحية متواصلة لا تتوفر في ظروف العزل. زوجته التي تحاول التماسك تقول: “زوجي رجل يحفظ القرآن، ذاكرته صافية، ما الذي جرى حتى يفقد ذاكرته؟”، سؤال مفتوح على قلق يومي لا ينتهي.

أحمد رزق الرجوب.. أب خلف القضبان

الأسير أحمد رزق الرجوب (35 عاما)، اعتقل بتاريخ 8/11/2023، ويخضع منذ ذلك الحين لسلسلة متواصلة من التجديد الإداري وصلت إلى أربع مرّات بواقع 6 أشهر في كل مرة.  أحمد هو أسير سابق قضى 6 سنوات سابقة في سجون الاحتلال، متزوج وأب لأربعة أطفال، أكبرهم لا يتجاوز الثامنة. ومع اعتقاله قطع راتبه التقاعدي لتترك عائلته في مواجهة العوز والانتظار.  اليوم، يقبع أحمد في سجن ريمون، فيما تتساءل والدته بمرارة: “كيف لأطفاله أن يكبروا دون أب، وكيف لعائلة محاصرة بالفقد أن تجد قوت يومها؟”.

 محمد رزق الرجوب.. الطفولة الجامعية المكسورة

الابن الأصغر محمد الرجوب (19 عاما)، طالب جامعي التحق مؤخرا بمقاعد الدراسة، لكن الاحتلال اعتقله في 16/12/2024، وحوله مباشرة إلى الاعتقال الإداري. منذ ذلك الحين، جدد اعتقاله مرتين، وقطع راتبه المستحق.  محمد يقبع حاليا في سجن عوفر، بعيدا عن حلمه الدراسي وأجواء الجامعة ليتحول من مقاعد القاعة الجامعية إلى جدران السجون، وليضاف اعتقاله إلى السجل المثقل لعائلة الرجوب.

الاعتقال الإداري والعزل والإهمال الطبي.. انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي

تشكل معاناة عائلة الرجوب نموذجًا صارخًا لسياسات الاحتلال التي تنتهك بوضوح قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خاصة في ثلاث مستويات خطيرة: الاعتقال الإداري: يفرض الاحتلال أوامر اعتقال مفتوحة بحق الشيخ رزق الرجوب ونجليه أحمد ومحمد دون لوائح اتهام أو محاكمة عادلة، وهو ما يتعارض مع المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاعتقال التعسفي، ومع المادة (71) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم سلطات الاحتلال بإبلاغ المعتقلين بالتهم الموجهة إليهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.  الإهمال الطبي: ما يتعرض له الشيخ رزق الرجوب من فقدان للذاكرة وإصابات جسدية ناجمة عن الضرب، وحرمانه من الرعاية الطبية الملائمة لأمراضه المزمنة، يمثل خرقا واضحا للمادة (91) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم دولة الاحتلال بتوفير العلاج المناسب والرعاية الصحية الكاملة للأسرى والمرضى.

العزل الانفرادي:

 استمرار عزل الشيخ الرجوب في زنزانة ضيقة ومغلقة لعدة أشهر، يعد شكلا من أشكال العقوبة القاسية والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، المحظورة وفق اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، ويعتبره المقرر الخاص للأمم المتحدة نوعا من التعذيب النفسي المطول عندما يتجاوز المدد الزمنية القصيرة. إن اجتماع هذه الانتهاكات في ملف عائلة واحدة يوضح أن الاحتلال يمدد العقوبة لتشمل العائلة والمجتمع في ظل صمت دولي مريب يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويمنح الاحتلال ضوءا أخضر للاستمرار في ممارساته.  لذلك، تطالب مؤسسة العهد الدولية الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتحرك الفوري لوقف هذه السياسات، وإرسال لجان تحقيق دولية لمتابعة أوضاع الأسرى الفلسطينيين، وضمان التزام الاحتلال بواجباته القانونية، والعمل على الإفراج الفوري عن الشيخ رزق الرجوب وتقديم العلاج اللازم له، وإنهاء معاناة عائلته الممتدة على مدار ثلاثة عقود.  وشددت المؤسسة على أن اعتقال الأسير الشيخ الستيني وابنيه إداريا في الوقت نفسه يظهر بوضوح سياسة الاحتلال في تحويل الأسرى إلى رهائن للابتزاز السياسي.

عائلة على أمل الحرية

عائلة الرجوب اليوم أمام امتحان قاس بين أب يفقد ذاكرته في الزنازين وابنين يواجهان الإداري بلا سقف، وأحفاد يتربون على غياب آبائهم. ومع ذلك تتمسك الزوجة أم محمد بخيط الأمل، تقول: “أحلم أن يجتمع زوجي مع ابنيه في فضاء الحرية، أن يصبح جدا يرافق أحفاده، وأن نتذكر هذه السنوات كذكرى موجعة مضت ولن تعود”.

إنها صورة من صور الصمود الفلسطيني حيث تحول الأسرى وأسرهم إلى حكايات متجذرة في الأرض تذكر العالم أن الحرية حق، وأن الاحتلال مهما طال عمره لن يقدر أن يسجن الأمل.

هيئة الأسرى تدق ناقوس الخطر.. الاحتلال يحوّل العلاج إلى سلاح والموت إلى روتين

رصدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، بعد زيارة محاميها لسجن النقب، جملة من الانتهاكات والتضييقات التي يتعرض لها الأسرى هناك، حيث يعاني عدد منهم من أوضاع صحية صعبة نتيجة الإهمال الطبي والاعتداءات المتكررة، إضافة إلى سياسة الاعتقال الإداري والتمديدات المتواصلة.

فقد اعتقل الأسير حسن شاكر جلايطة (36 عامًا) من أريحا بتاريخ 16/11/2023، بعد مداهمة محله التجاري وسط المدينة، وقامت قوات الاحتلال بإطلاق الرصاص عليه وعلى شقيقه قبل اعتقالهما. وقد صدر بحقه حكم بالسجن الإداري، وتم تجديده أربع مرات بواقع ستة أشهر لكل مرة، ليصل إلى 24 شهرًا تنتهي في 12/11/2025.

ويعاني الأسير من إصابة في ساقه اليمنى تسببت له بآلام في الركبة والظهر، إضافة إلى فقدان شديد للنظر في عينه اليمنى نتيجة الضرب المبرح عند نقله من سجن “عوفر” إلى النقب.

ووصف الأسير الوضع العام في السجن بأنه “تعيس للغاية”، حيث صعّدت إدارة السجون من إجراءاتها عبر سحب الأغطية وكميات من الملابس، ومصادرة الطعام، كما أكد أن الأسرى يتعرضون للضرب عند تنقلهم إلى غرف المحامين، وأن الاقتحامات القمعية لا تزال متواصلة.

أما الأسير علاء الدين غالب أسدودي (48 عامًا) من طولكرم، فهو معتقل منذ 01/02/2020 ومحكوم بالسجن 8 سنوات. يعاني من مشاكل مزمنة في القلب منذ عام 2012، وخضع قبل اعتقاله لعمليتي قسطرة، ورغم تراجع جهد عضلة القلب لديه إلى 46% قبل الاعتقال، فإنه لا يتلقى أي علاج أو متابعة طبية داخل السجن. كما أنه مصاب بالجرب (السكابيوس) ويعاني من دمامل جلدية قوية، فيما حرمته إدارة السجن من دواءٍ للمعدة كان يخفف من معاناته.

كما قامت قوات الاحتلال باعتقال الأسير حمزة محمود أبو الحسن (26 عامًا) من جنين، يوم زفافه بتاريخ 25/01/2024، وهو الآن رهن الاعتقال الإداري الذي جُدد عدة مرات، حيث صدر بحقه في التمديد الأخير “أمر جوهري”، ومن المفترض أن يتم الإفراج عنه يوم 20/01/2026.

وزار المحامي كذلك الأسير نور الدين عبد الرحيم (23 عامًا)، المعتقل منذ 09/06/2024، والمحكوم بالسجن الإداري، وقد أمضى حتى الآن 17 شهرًا دون أن تُوجَّه له أي تهمة أو تُعقد له محاكمة.

وأكدت هيئة الأسرى أن ما يجري في سجن النقب يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الأسرى عبر الإهمال الطبي والتضييق المستمر والاعتداءات المتكررة، مشيرة إلى ضرورة التدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات وضمان حقوق الأسرى الإنسانية والصحية في سجون “إسرائيل”.

في وجه قيود المؤبد.. صمود الأسرى الفلسطينيين رسالة حرية للأمة والعالم

بقلم: غدير حميدان الزبون | فلسطين

في مقاله الأخير، قدّم الإعلامي الكبير والأسير الفلسطيني المحرر خالد عز الدين صورة صادقة لمعاناة الأسرى الفلسطينيين، مؤكدًا أنّ قيود المؤبد لا تستطيع اقتلاع الحياة أو كسر الروح الحرة.

هذه القراءة الرمزية تحمل رسالة قوية، لكنّها تستدعي تحليلًا أعمق للواقع الحقوقي والسياسي للأسرى، الذين ليسوا مجرد رموز صمود، إنّهم مواطنون تُنتهك حقوقهم يوميًا وأبطال يكتبون التاريخ بدماء صبرهم وإبداعهم.

والكثير من الأسئلة تطرق جدران الزنازين صارخة في وجه قيود المؤبد، وتطرح نفسها بلا رحمة:

فهل تستطيع جدران السجن أنْ تكسر الروح؟

وهل يكفي أنْ يُنظر إليهم كرموز صمود، أم أنهم مواطنون تُنتهك حقوقهم يوميًا؟

وإلى أي مدى يمكن أنْ تتحول معاناتهم اليومية إلى رسالة صادقة للأمة والعالم عن معنى الحرية والكرامة؟

وهل يمكن لإبداعهم وصبرهم أنْ يكونا درسًا حيًا في مقاومة الظلم، وصوتًا يطالب بالعدالة الدولية؟

وهل تُقرأ حياتهم صفحاتٍ من بطولة حقيقية، أم صدى لتاريخ لم يُكتب بعد؟

أولًا: الأسرى كرموز وطنية وحراس للذاكرة.

الأسرى الفلسطينيون يتجاوزون كونهم أرقامًا في سجلات الاحتلال أو أسماء في تقارير حقوق الإنسان.

فهم رموز صمود الوطن وذاكرته الحية، حراسًا لقيم الحرية والكرامة، يمثلون امتدادًا لمقاومة شعب بأكمله.

فقصص الصمود الفردي – من عبد الله البرغوثي إلى مروان البرغوثي، ومن أحمد سعدات إلى إبراهيم حامد – ليست حالات استثنائية، إنّها امتداد طبيعي لإرادة وطنية متجذرة في كلّ بيت فلسطيني. هؤلاء الأسرى يحوّلون الزنازين إلى مدارس، والصبر إلى قوة، ويثبتون أنّ الحرية لا تُقيد بالحديد والأسلاك.

ثانيًا: قيود المؤبد كأداة للقهر وإرهاق الأمة.

لا ينبغي أنْ نغفل الجانب الحقوقي فالاعتقال المؤبد والاعتقالات الإدارية المتكررة تشكل خرقًا صارخًا للقوانين الدولية.

وتهدف هذه السياسات إلى إرهاق الأسر والمجتمع الفلسطيني، وإخماد الأمل في الحرية، وزرع الخوف، لكنها تفشل أمام الإرادة التي لا تقهر.

فالتناقض واضح، حيث يسعى الاحتلال إلى سحق الروح الإنسانية، بينما يظهر الأسرى بإبداعهم ومقاومتهم الفكرية أنّ الحرية في مفهومها العميق تجتاز غياب القيد، إلى قدرة العقل والروح على الصمود.

ثالثًا: الصمود الفردي كمحرك للمقاومة الجماعية.

كلّ أسير فلسطيني يحمل في قلبه زهرة الوطن، وكلّ يوم يقضيه خلف القضبان يصبح شهادة على إرادة لا تنكسر.

هذه الصورة الفردية للصمود ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمقاومة الوطنية.

فالأسرى ليسوا معزولين عن مجتمعهم؛ هم امتداد للذاكرة الجماعية ومرآة لصمود الشعب الفلسطيني.

وعندما تتحول الزنزانة إلى مدرسة، والرسالة إلى مؤلف، تصبح معاناتهم أداة لزرع الأمل في الأجيال القادمة.

وتتقاطع قصصهم الفردية مع صمود أهاليهم الذين يتحملون عبء القيد الاجتماعي والسياسي، ويواصلون الكفاح اليومي من أجل الحرية والكرامة.

رابعًا: القيود كحافز للإبداع والفكر المقاوم.

القيود الطويلة تحوّل الصبر والمعاناة إلى طاقة إنتاجية هائلة. وهذه الطاقة تتجسد في التعليم الذاتي، والكتابة، والبحث، والمبادرات الثقافية داخل السجون.

وبالتالي تصبح الزنزانة مختبرًا للصمود، والسجن مدرسة للصبر، والاعتقال الطويل يفضح الطبيعة الرمزية للقيود.

إنها تكشف قدرة الإنسان على المقاومة رغم كلّ الظروف، وتجعل من الأسرى مثالًا حيًا للقوة الداخلية والأمل.

خامسًا: البعد الدولي والحقوقي.

القضية لا تتعلق بالصمود الشخصي فحسب، بل تشمل واجب المجتمع الدولي والمجتمع المدني في إنهاء الاعتقالات التعسفية، فآلاف الفلسطينيين يقبعون بلا محاكمة عادلة أو أدلة ملموسة.

كذلك يتحتّم الاعتراف بحقوق الأسرى الإنسانية من زيارة ذويهم، والرعاية الطبية، والتعليم، والكرامة.

ويفترض الضغط على الاحتلال؛ لضمان تطبيق القوانين الدولية، والإفراج عن المعتقلين، وضمان محاكمة عادلة.

إنّ صمود الأسرى داخل السجون يضع على عاتق العالم مسؤولية مباشرة تجاه حماية حقوقهم، وتأكيد بأنّ العدالة والكرامة لا تُمنح بل تُفرض.

فقيود المؤبد لا تقهر الروح الفلسطينية، لكنها تكشف عن أبعاد مهمة منها:

 الصمود الفردي للأسرى مرتبط بالمقاومة الجماعية للأمة، والإبداع الذي يولّدونه يمثل رسالة لكلّ العالم، والحرية حق لا يقيده السجن، والكرامة باقية رغم القهر.

إنّ الأسرى الفلسطينيين ليسوا ضحايا، إنّهم أبطال يكتبون ملحمة الحرية بصبرهم وإرادتهم، ويستدعون العالم للوقوف معهم.

والتضامن معهم لا يقتصر على كونه خيارًا أخلاقيًا، هو واجب إنساني وسياسي، فصوت المظلوم سيصل دائمًا مهما طال الليل، والجدران مهما علت لا تستطيع حجب شمس فجر الحرية.

متنفَّس عبرَ القضبان (134)

بقلم: حسن عبادي| حيفا

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

ونشرت في حينه خاطرة بعنوان “صفّرنا الدامون”… وخاب أملي.

أواكب وضع حرائر الدامون عن كثب؛ وأسمع حكايا الأسيرات ووجعهن، ألمهن وأملهن، وأشتمّ رائحة الخذلان في كلّ لقاء ولقاء وأدوّن بعضاً من معاناتهن.

مع كلّ نهاية زيارة أتصل بأهالي من التقيت بهنّ، وأول الرسائل لباقي الأسيرات، وأطلع أهالي من قُمعن أو تعرّضن للتنكيل بشكل خاص على مجريات الأمور وأحاول الامتناع عن نشرها.

أحاول قدر استطاعتي إيصال صوتهن لكلّ بقاع العالم وتحريك هذا الملف الساخن والراكد.

عقّب الصديق وليد الهودلي: “بروحك الندية تكسر قسوة المشهدية”.

وعقّبت الروائية الصديقة مرام فؤاد نادي/ الأردن: “د. انتصار، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. هذه الطالبة المجاهدة كانت إحدى خريجات قسم الإدارة التربوية والقيادة في الجامعة الأردنية ومناقشة أطروحتها وقد حضرها أ. د. خالد الكركي كانت الأولى عبر الأقمار الصناعية؛ لأن الكيان منعها من وصول الأراضي الأردنية. لك الله بنت دورة الخليل. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم”.

 وعقب عماد عبد الله (والد الأسيرة رماء): “لك الله أيتها الأخت والخنساء أنت… وفرج كربكِ. وهون عليك سجنك، ولكِ الحرية ولجميع. أسيراتنا وأسرانا. ولله درك أيها الأخ والأستاذ حسن عبادي لما تقوم به وتعمل عليه من جبر خواطر أسيراتنا وأسرانا. والد الأسيرة الحامل بشهرها السادس”.

وعقبت سلسبيل محمد: “الله يعطيك العافية أستاذ، يا ريت لو مؤسسات حقوق الإنسان تعمل على تحسين ظروف الأسيرات”.

وعقّبت فاطمة جوهر/ الأردن: “اللهم يا من لا يعجزه شيء في الارض ولا في السماء، يا مالك، يا من تقول للشيء كن فيكون، يا عالم الغيب والشهادة. أسألك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وأسألك باسمك الطاهر الطيب المكنون لديك الذي احتفظت به في علم الغيب عندك الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا استفرجت به فرّجت أن تفرج عن أخواتنا الأسيرات ما هن فيه من كرب وضيق، وأن تعيدهن إلى بيوتهن معززات مكرمات شامخات ليهنأ بهن الأهل والأولاد إنك سميع مجيب. أما القاسم المشترك الذي يضحي بوقته وجهده أسال الله أن يجزيه خير الجزاء في الدنيا والآخرة؛ أستاذ حسن عبادي”.

وعقّبت إيمان حلبي (ابنة الأسيرة دلال حلبي وأخت الأسيرة إسلام شولي): “بظل أعمل ريفريش لصفحتك أستنى بـ(بوست) عن الأسيرات، ولما ينزل البوست بتأمل كل كلمة بقرأ وجود ماما وإسلام بين السطور ربنا يفرج كربهم جميعا الأسيرات والأسرى وربنا يجزيك كل الخير أستاذ حسن”.

 وعقّبت الصديقة مريم عنانزة (أحلام الورد) الناشطة في مبادرة “أسرى يكتبون”/ الأردن: “ميسر، صبركِ جبينٌ لا ينحني، ووصيتكِ لحمادة نشيدُ وطنٍ لا يُنسى… والحرية موعد لا يخلفه الزمن… كل شدة تزول، لكنك باقية في الذاكرة زهرا لا يذبل، فالحرية قادمة لا محالة.”

“جاي لعندك والكلبشات بإجري زيّ السكاكين”

زرت صباح الثلاثاء 01.07.2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي بالأسيرة انتصار طالب جبر عواودة (مواليد 07.10.1973) من قرية كرمة/ دورا/ الخليل، دكتوراه إدارة تربوية/ الجامعة الأردنية/ عمان، محاضرة في جامعة الخليل.

بادرت قائلة مباشرة بعد المرحبة: “أنت الأستاذ حسن؟ اكتب– بيت انتصار، طقم الصلاة في السجن، رسائل البنات: سيرين، شيرين، كوكب صباح، حورية شحادة، إسلام شولي، ميرفت أبو سرحان، سهام أبو سالم-أم خليل، فابتسمت قائلاً: شو، إحنا بمحاضرة؟ هذا البروبوزال؟ ممّا كسر حاجز اللقاء الأول.

سلّم على نظمية وبناتها، فهمية وعيلتها، وعايشة وعيلتها، وفاطمة وعيلتها، وإخوتي جمال وصلاح وأحمد وعائلاتهم، ولمى وكلّ الناس الطيّبة.

قلقة على أشياء البيت لأنها اعتقلت وخلّت البيت مشرّعا، وإذا طوّلت الحبسة تحتاج لتقارير طبيّة بخصوص الدِسك والجهاز الهضمي وطبيب القلب.

شرحت لي طقم الصلاة (قطعتين، تنورة تغطي الرجلين واليانس يغطي الإيدين)، ولمّا يروح ع الغسيل بتظل البنت عريانة، بدنا طقمين لكل بنت.

حطّمت الرقم القياسي بالقمعات والعقوبات “ممنوعة فورة، فقط حمام وصياح كل الوقت-يلّا اطلعي. عذّبونا وكلبشونا “صرّختوا بالليل! قمعة 24.06.25 “القمعىة الكبيرة”، اليماز مع كلب، فتّشونا عاري بالحمام وقعّدونا على ركبنا برّا مكلبشات حتى خلّصوا مع الكل، قمعوا غرفتين بغاز فلفل، أخذوا 5 بنات للمخابرات وهدّدوهن بالاعتداء الجنسي، سمّعوهن كلام بذيء ومسبات قذرة. وفجأة قالت: “جاي لعندك والكلبشات بإجري زيّ السكاكين من كثر ما شدّوهن. إيدي اليمين بعدها خدرانة من الكلبشات. العنف باستمرار والأكل سيئ.

اعتقلت يوم 13.05.2025، “كنت ألقّط دوالي، هجموا عليّ وبلّشوا ضرب، أخذوا الجوال والحاسوب والهوية وحلّق ذهب، ما أخذت ورقة أمانات.”. أخذوا الملابس الداخلية في المعتقل وظلّيت بدون 15 يوم. مجبورة ألف حالي بالحرام كل الوقت لأنه فش ملابس تسترني. 22 يوم بالمسكوبية وبعدها 3 ليالي بالشارون بفترة العيد، الله لا يورجي لحدا، مكان مقرف جداً، المغسلة فايضة، كمان زبالة بالغرفة، الحمام مليان زبالة، المجاري مفتّحة، الأكل مثلّج، لمّيت الزبالة بالشبشب، سكّرت المجاري بعلب الأكل ع شان تخفيف الريحة، بق (صار عندي حساسية من قرصاته).

انتصار بغرفة 8 (برفقة سيرين صعيدي وفاطمة جسراوي).

طلبت إيصال سلامات سيرين وشيرين وكوكب وحورية (أسيرات جدد، أمهات شهداء، من عوريف)، وإسلام، وميرفت وسهام (من غزة).

تجربة منيحة، بنات الدامون قويّات وواعيات وفيهن جمال وكرقّة قطر الندى على زهر فلسطين تجاه ولادهن/ أزواجهن، قلوبهن مفعمة بالحب والرضى والحنان.

“لا تنِقهِر يمّا”

بعد لقائي مع انتصار أطلت الأسيرة ميسر محمود خليل هديبات (مواليد 02.04.1973) من دورا ومتزوّجة في يطا/ الخليل، تجرجرها سجّانة وهي مكلبشة الأيدي والأرجل ومغمّضة العينين.

فرفشت وانفرجت أساريرها حين سمعت أخبار العائلة وسلاماتهم.

اعتقلت يوم 18.11.2024، “كنت طالعة أجيب لبن، كان حاجز بدون جيش، فجأة نطّوا الجنود وسألوني وين رايحة؟ ما فهمت وما جاوبت. طخّوني وأخذوني للمستشفى ومن هناك للدامون.

ميسر بغرفة 5 (برفقة أسيل حماد وكرمل وإيمان شوامرة). متزوجة + 3 أولاد وبنتين + عمر الحفيد.

طلبت إيصال رسالة لابنها حمادة “لا تنقهر يمّا ولا شي، خلّيك زلمة وعقدّ حالك، إذا ما روّحت بالصفقة خذ قرض وشوف”. إمكم قويّة، عملت شدّة وبتلاعب البنات، ومشتاقة لكم كثير، شدّة وبتزول. بوسولي لقمان وأنور ونغم ونسمة وعمر، وكونوا أقوياء. ادعوا لي أكون بينكم قريباً. سلّم على جوزي ويدير باله على صحته. يلام لأنور ولقمان”.

الوضع صعب كثير.

نِفسي أعرف ليش ما طلعِت بالصفقة الأولى (الوحيدة التي لم تتحرّر برفقة شاتيلا وآية)؟ مِن مين التقصير؟ بدّي أعرف شو السبب؟

لكما عزيزتيَّ انتصار وميسّر أحلى التحيّات، والحريّة لكما ولجميع أسرى الحريّة.

شهادات حية من خلف القضبان.. سلسلة توثيقية تسلط الضوء على معاناة الأسرى في سجون الاحتلال

إعداد: مكتب إعلام الأسرى

تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية التي تستدعي التوثيق والمتابعة، إذ يعيش آلاف الأسرى، ومن بينهم مئات النساء والأطفال، في ظروف اعتقالية قاسية تتسم بالإهمال الطبي والعزل الانفرادي وأحكام المؤبد المتكررة. ومن هنا، جاءت فكرة “سلسلة شهادات من خلف القضبان” الصادرة عن مكتب إعلام الأسرى، لتوثيق الروايات الحية التي يرويها ذوو الأسرى ومحاموهم، وإبراز معاناة الأسرى وأثر الاعتقال والعزل على حياتهم اليومية ومسيرتهم النضالية. هذه السلسلة هي جهد إعلامي توثيقي يهدف إلى كسر العزلة المفروضة على الأسرى وإيصال صوتهم إلى العالم.

ثانيا: رؤية السلسلة

نحو كشف حقيقة العزل والانتهاكات داخل سجون الاحتلال وتدويل معاناة الأسرى الفلسطينيين.

 ثالثا: رسالة السلسلة

تسعى سلسلة “شهادات من خلف القضبان” إلى جعل صوت الأسرى حاضرا في الإعلام والرأي العام من خلال الاعتماد على روايات مباشرة من عائلاتهم ونشرها عبر قوالب توثيقية قابلة للانتشار.

رابعا: أهداف السلسلة

1 –  التوثيق: تسجيل الانتهاكات بحق الأسرى المعزولين وأصحاب المؤبدات والأحكام العالية، وتقديم مادة موثوقة توضح تفاصيل حياتهم داخل السجون.

2 –  التوعية: إيصال صورة دقيقة للرأي العام المحلي والدولي حول واقع السجون وما يجري فيها بعيدا عن أعين الإعلام.

3 – الدعم المعنوي: إبراز صمود الأسرى ونقل رسائلهم من خلال عائلاتهم بما يخفف من وطأة العزلة المفروضة عليهم.

4 – المناصرة: تعزيز الحملات الحقوقية والإعلامية المطالبة بإنهاء سياسة العزل الانفرادي وممارسات الاحتلال القمعية.

5 – الحفاظ على الرمزية الوطنية: تأكيد أن الأسرى هم عمود أساسي في القضية الفلسطينية، وأن نضالهم لا يمكن فصله عن مسيرة الشعب نحو الحرية.

محمد الحروب… عتمة العزل وضياء الماجستير في وجه السجّان

الأسير محمد عبد الباسط الحروب

من بلدة دير سامت – الخليل، يبلغ من العمر 30 سنة.

معتقل منذ 19/11/2015.

محكوم بالسجن المؤبد 4 مرات.

اتُّهم بتنفيذ عملية على مفرق عتصيون عام 2015 أدت لمقتل 4 مستوطنين وإصابة 16 آخرين.

حصل على درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية خلال اعتقاله.

يقبع في عزل سجن مجدو منذ 7 أكتوبر 2023 وسط انقطاع كامل لأخباره.

يتعرض للتجويع والإهمال الطبي وحرمانه من المياه والطعام الكافي.

محروم من زيارة المحامين والتواصل مع عائلته.

 يواصل مكتب إعلام الأسرى تسليط الضوء على الأسرى المغيبين بين فكي العزل الانفرادي والتجويع والأمراض المعدية، ويعرض استكمالاً لسلسة الحديث عن الأسرى في العزل الانفرادي ورموز الحركة الأسيرة وأصحاب الأحكام المؤبدة ممن دفعوا أبهى سنين عمرهم رغبة في رؤية يوم الحرية المرتقب.

مكتب إعلام الأسرى تحدث إلى والد الأسير محمد عبد الباسط الحروب(30سنة) منسكان محافظة الخليل الأبية التي يغيب الاحتلال معظم شبانها في سجونه، الأسير الحروب صاحب حكم مؤبد وهمة عالية وعزيمة لا يستطيع السجان قهرها وإلى جانب عدد من الأسرى يغيبه العزل الانفرادي في سجون الاحتلال عن أخبار عائلته وأخبار محيطه وشعبه كذلك.

يؤكد والد الأسير الحروب أن أخبار نجله منقطعة تماماً منذ حرب السابع من أكتوبر، وكل ما تعلمه العائلة هو أنه متواجد في عزل مجدو، في ظروف تعرفها كما باقي عائلات الأسرى، يعاني من سياسة التجويع والقمع والتغييب وانقطاع زيارات المحامين علاوةً على عدم معرفته أخبار ذويه، وكل ما يصل العائلة على قلته هو أخبار من أسرى محررين شاهدوه أو عايشوه قبل الإفراج عنهم أو سمعوا أخباره من أسرى آخرين.

الأسير الحروب يمضي وقته في عزل مجدو، حي لا مياه صالحة للشرب لا طعام كافي تمارس بحقهم سياسة الإهمال الطبي حي لا تعرف عائلته وضعه الصحي، ولقاء عزيمته التي لا تلين وحكمه الذي ألزمه العزل ورمزيته لقاء ما قدمه لشعبه يستمر الاحتلال في تغيبه رفقة عدد كبير من الأسرى في سجون الاحتلال كأسلوب عقابي وانتقامي منهم في أعقاب ما بعد السابع من أكتوبر.

الأسير الحروب منذ اعتقاله بتاريخ 19/11/2015 وبشهادة والده تنقل بين سجون عدة منها نفحة وريمون وعسقلان قبل أن يتم نقله في نهاية المطاف من ريمون إلى عزل مجدو حي يتواجد، يخضع لحكم بالسجن المؤبد أربع مرات، ولقاء هذا الحكم وما يتهمه الاحتلال من تنفيذ الحروب من عملية مفرق عتصيون شمال الخليل عام 2015، قتل فيها 4 مستوطنين، وأصاب 16 آخرين، يعاني الأسير الحروب من سياسة عزل انتقامية صريحة.

عائلة الأسير الحروب عانت بدوره وحملت معها أجزاءً من الصبر والألم الذي لا يغادر أي بيت فلسطيني، فقد عانى والده من سياسة الاعتقال الإداري لأشهر طويلة، وتعرض منزلهم لاقتحامات متكررة قبل أن يتم هدمه نهاية المطاف كإجراء انتقامي يهدف الاحتلال من وراءه تخفيف وتيرة العمليات الفدائية النضالية، غير أن هذا لم يكسر شوكة الأسير ولم يثني عائلتهم عن صبرهم الجميل، كما عانت العائلة من سياسة فرض غرامة مالية كبيرة لقاء قتل كل مستوطن وكتعويضات كما يدعي الاحتلال عن خسائر أوقعها الأسير الحروب في صفوفهم.

الأسير الحروب أوقع خسائر فادحة في صفوف الاحتلال ما دفعه لإجراء عقابي كعزله كما يفعل مع الأسرى أصحاب العمليات الموجعة، وعلى حجم معانته ما قبل حرب السابع من أكتوبر إلى أن المعاناة ما بعد الحرب تكمن في انقطاع أخباره تماماً عن عائلته، الأسير الحروب حرم خلال سنوات اعتقاله من مشاركة عائلته أدق تفاصيلهم اليومية وفقد جده وجدته، لكنه أنهى بعونٍ من والده وبإرادته وإيمانه المطلق دراسات عليا وماجستير في الشريعة، وتنتظر عائلته أن تصلها أخبار عنه في القريب العاجل.

الأسير المقدسي أيمن سدر.. حين يصبح عمر الابن مقياسًا لزمن الاعتقال

الأسير أيمن عبد المجيد سدر

من مدينة القدس، يبلغ من العمر 59 سنة.

معتقل منذ عام 1995، وأمضى أكثر من 30 سنة في السجون.

محكوم بالسجن المؤبد مدى الحياة.

من قدامى الأسرى وأحد عمداء الحركة الأسيرة.

انقطعت أخباره منذ بداية الحرب حتى سبتمبر 2025.

تعرض للضرب والتجويع والتضييق في الفورة والاستحمام.

يعاني من أمراض مزمنة (جيوب أنفية، دمل في الرقبة سابقاً) دون علاج.

تعيش عائلة الأسير المقدسي أيمن سدر والمحكوم بالسجن المؤبد حالة رعب منذ انقطاع أخبار الأسرى، القلق يداهم لحظات حياتهم، في ظل رفض الاحتلال زيارات المحاميين حيث والدهم الأسير، وتتخوف العائلة من تفاصيل كثيرة لا تعرفها حول وضعه الصحي ووضعه الاعتقالي والإنساني في الوقت الذي يتعرض له الأسرى في سجون الاحتلال لشتى صنوف العذاب.

مكتب إعلام الأسرى يواصل وضمن سلسلة تقارير حول أسرى الأحكام العالية عرض الاعتداءات التي يمارسها الاحتلال بحقهم، ومنهم الأسير المقدسي المؤبد أيمن سدر(59سنة) حيث تحدث مكتب إعلام الأسرى مع عائلته للوقوف على آخر الأخبار الواردة عنه، وحول سنواتٍ تصفها زوجته بالثقيلة التي لم يسلط عليها الضوء بالقدر الكافي.

تقول زوجة الأسير أيمن سدر” منذ الحرب لا نعلم عن زوجي شيئاً حتى قبل أيام قليلة حين تمكن المحامي من رؤيته، ونقل لنا بعضاً من أخباره القليلة، حيث أكد لنا أنه في سجن جانوت، وأنه قد تعرض للضرب كغيره من الأسرى، وأنه يعاني من سياسة التجويع والإهمال، والتضييق في ساعات الفورة والاستحمام وغيرها، لكني لا زلت أعلم أن هذه ليست كل أخباره وبأنه يتعمد عدم إثارة قلقنا حول ما يمر به، بخاصة أن هناك أسرى مصابون بمرض سكابيوس حيث يتواجد هو في قسم 7″.

عائلة الأسير أيمن سدر ولفترة طويلة منذ الحرب واجهت رفضاً قاطعاً لزيارة أسيرها، وأكدت زوجته بأنهم وخلال هذه الفترة الطويلة عاشوا حالة من الرعب والتخوف اتجاه مصيره، مؤكدة على أنها من أسوء فترة اعتقاله خلال الـ30 سنة التي مرت.

منذ العام 1995 وأبواب السجن مغلقة على الأسير أيمن سدر وينتظر هو كعائلته اليوم الذي ينال فيه حريته، حتى يعود ليعيش رفقة ابنه وزوجته سنوات يعوض فيها غيباه عنهم، وانتظارهم له، واليوم كل ما ترغب به عائلته هو أن تعرف المزيد من الأخبار حول وضعه الصحي والاعتقالي.

الأسير أيمن سدر معتقل منذ 30 سنة، وتنقل بين سجون عديدة خاض إضرابات عن الطعام كثيرة، وتعرض لاعتداءات ممنهجة، كما وكانت العائلة تتبع أخباره بصعوبة كبيرة عبر أسرى محررين من ذات قسمه، مشيرة إلى أنه كان في سجن نفحة واستقر في ريمون لما يقارب الـ11 سنة واليوم وبعد دمج السجنين تعلم فقط الخبر المؤكد عنه أنه في جانوت.

زوجة الأسير أيمن سدر المحكوم بالسجن المؤبد إضافة لـ30 عام تصف حكمه بالرقم رقم لا يؤثر إن كان مؤبداً أو أكثر في تشديد على حجم الحكم الصادر بحقه وما شكله من عبء وألم انتظار على عائلته، فقد غادر الأسير أيمن سدر عائلته تاركاً خلفه نجله محمد، واليوم محمد شاب في عمر الـ30 تساوي سنوات عمره سنوات اعتقال والده.

تقول والدته” محمد كان بعمر الـ4 أشهر حين جرى اعتقال والده، أنا شخصياً عشت برفقته (سنة و11 شهراً فقط)، والسنين الباقية كنا نراقبه فقط من خارج سجون الاحتلال عبر الزيارات وعبر المحامين، واليوم حتى هذا الحق البسيط حرمنا منه، ابنه محمد تزوج السنة الماضية، ورزق بابنة وإلى الآن لم يلتقها جدها ولا يعرف عنها شيئاً”.

الأسير أيمن سدر يعاني من ملف صحي متراكم بالأمراض منذ اعتقاله وتؤكد زوجته على أن أكثر ما تتخوف منه أنه يعاني من جيوب أنفية، وأجواء السجون خاصة في هذا الوقت لا تتلاءم مع ما يعانيه، علاوة على أنه كان هناك “دمل” في رقبته، في الفترة الأخيرة لتواصلهم معه ولا يعرفون ما حدث منذ ذلك الوقت، وتغيب أخبار الصحية عنهم تماماً لأنها تعرف أنه يخبر محاميه ألا يثير قلقهم حوله.

عائلة الأسير أيمن سدر تخشى أن يضيع اسم والدها بين أسماء الأسرى الآخرين، تود أن يبقى حاضراً في ذهن شعبه وأبنائه الذين ضحى بسنوات عمره الغضة لأجلهم، تود ألا تضيع أخباره أكثر مما هي ضائعة نتيجة تعنت الاحتلال ومنع زيارته، على أن تراه في أفق الحرية في القريب العاجل.

الأسير القائد محمد الحمامي.. مؤبد طويل وظروف صحية مجهولة

الأسير محمد زكريا الحمامي

من الجبل الشمالي – نابلس، يبلغ من العمر 46 سنة.

معتقل منذ 15/1/2004.

محكوم بالسجن المؤبد 3 مرات بعد مشاركته في عملية “سوق الكرمل” 2004.

أحد أبطال العملية التي أسفرت عن مقتل 4 مستوطنين وإصابة العشرات، ووصفتها سلطات الاحتلال بـ”الجحيم”.

حصل على الثانوية العامة والبكالوريوس من داخل السجن.

يعاني من ضعف في النظر، قرحة وآلام في المعدة والتهابات في اللثة.

منذ 7 أكتوبر، حُرم من العلاج وزيارات العائلة أكثر من 3 مرات.

تعرض للضرب والإهانة خلال التنقلات.

كل شباب البلاد تحمل هم الأرض مبكراً، تمارس واجب النضال دون أن تفكر في سطور المستقبل، وتلتحق بالميدان أملاً في حرية بلادها وترابها، يشقون طريقهم من أجل أن يمارس الشعب الفلسطيني حقه في الحياة، حتى تغيب أسماؤهم خلف قضبان السجون، بعد أن قدموا الغالي والنفيس من أعمارهم في سبيل قضاياهم ومبدأ النضال مقابل الحرية، وتمر بهم عجلة سنوات الأسر بكل ما تحمل من تنقلات بين السجون لا يعلم مدى أوجاعها إلا الأسير، وأحكامٍ مؤبدة لا يعيش مرارتها إلا أصحابها، وملفاتٌ صحية مهملة فقط أصحاب الألم هم من يحملونها هماً آخر فوق هم اعتقالهم.

الأسير محمد زكريا حمامي(46سنة) سكان الجبل الشمالي في مدينة نابلس، أحد الشبان الفلسطينيين الذين صنعوا ذواتهم بكفاحهم، عصاميٌ قاد مستقبله ولم يقف مكتوف الأيدي أمام عذابات شعبه، حتى أضحى اليوم أسيراً يواجه حكماً بالسجن المؤبد، وتحرم عائلته حق معرفة أخباره الصحية والاعتقالية، ويواجه هو اعتقاله بمسيرة تعليمية لم تقف عذابات السجن في طريقها.

مكتب إعلام الأسرى تحدث إلى شقيقة الأسير حمامي للوقوف على مسيرة حياته الاعتقالية والإنسانية والصحية ضمن سلسلة من التقارير تتعرض لقصص الأسرى أصحاب المؤبدات والملفات الصحية والعزل الانفرادي، وإجراءات إدارة السجون بحقهم من تنكيل وتجويع وضربٍ وإهانة.

تعرض شقيقة الأسير العصامي محمد الحمامي في حديثها لمكتب إعلام الأسرى تاريخ اعتقالاته في سجون الاحتلال، تقول” اعتقل محمد في أول مرة بتاريخ 1/9/1998، في هذا الاعتقال استطاع أن يحصل على شهادة الثانوية العامة من داخل سجنه، وتحرر منه بتاريخ 26/6/2002، التحق في ذلك الوقت بجهاز الاستخبارات في السلطة الفلسطينية، واستكمل دراسته الجامعية في جامعة القدس المفتوحة”.

خلال اجتياح الاحتلال لمدينة نابلس، كان الأسير الحمامي على رأس عمله بزيه العسكري، ودافع عن البلدة القديمة وشارك في المقاومة، حتى تمكن الاحتلال من اعتقاله بزيه العسكري بتاريخ 5/4/2002، ونال حريته من هذا الاعتقال بتاريخ 4/10/2002.

تواصل شقيقته حديها عن اعتقاله الثالث وتقول” الاعتقال الثالث هو الاعتقال الحالي لشقيقي محمد، بتاريخ 15/1/2004، اعتقله الاحتلال في أعقاب عملية سوق الكرمل، فهو كان أحد أبطال مجموعة هذه العملية، التي تركت بصمة موجعة لدى الاحتلال، ولا زال معتقلاً على إثرها حتى هذا اليوم”.

عملية سوق الكرمل التي حدثت بتاريخ 1/11/2004، أسفرت عن مقتل 4 من جانب الاحتلال وإصابة قرابة 40 آخرين، وكان محمد من ضمن أركانها علاوة على أسرى آخرين دفعوا من أعمارهم أحكاماً بالسجن المؤبد كذلك، ووصفت هذه العملية بالجحيم الذي فتح على الاحتلال، وصدر حكم بالسجن المؤبد 3 مرات لقاء ذلك بحق الأسير محمد.

وعن مسيرته التعليمية، تروي شقيقته” في اعتقاله الحالي استطاع الأسير حمامي إكمال دراسة درجة البكالوريوس، وتفرغ لتعليم الخط والتجويد، فكان من أبرز من يعلم تجويد كتاب الله بين الأسرى في سون الاحتلال، واستطاع كذلك أن يلتحق ببرنامج الماجستير، لكن حرب السابع من أكتوبر وما حدث لاحقاً حال دو إكمال دراسته في هذا الجانب”

تؤكد شقيقة الأسير حمامي على أنه إنسان صاحب شخصية عصامية يخدم نفسه بنفسه، وصنع مستقبله بيديه، كان من أوائل الشباب الناشئين الذي افتتحوا محلاً للحاسوب والإنترنت في منطقته، وهو شخصية هادئة وعقلانية، انخرط في عمرٍ غض في شؤون وهموم وطنه، محبوبٌ بين عائلته التي تفتقده، وشقيقه الأصغر وأختيه.

فقد الأسير الحمامي والده مبكراً فكان هو المسؤول عن عائلته القائم بشؤونهم والحامل لمسؤولياتهم واليوم يغيب بمسؤوليته هذه عن بيته وعن أشقائه الذين يفتقدون أخباره، حيث تؤكد شقيقته على أنها تخوض معركة شخصية لمعرفة آخر أخباره، وأوضاعه الصحية، عبر محامين وأسرى محررين ينالون حريتهم من ذات قسمه في سجن جانوت.

تصارع شقيقته أن يحصل على زيارة فقد حرم منها أكثر 3 مرات في محاولاتها مع محامين، وفي المرة الأخيرة تم إخبار المحامي بأنه محجور ولا تعرف العائلة إن كان مريضاً أو أحد آخر بقسمه مريض، لكن تتوقع أنه بسبب مرض سكابيوس، ويعاني الأسير حمامي من ضعف في النظر وتخشى شقيقته أن يكون فقد نظارته الطبية، ومنذ حوالي 4 أشهر تعلم عائلته بأنه يعاني من التهاب وتقرحات في اللثة وآلام في أسنانه وآلام في المعدة وقرحة كذلك، تتوقع أنها بسب قلة الطعام والسوائل، وتحاول عن طريق مؤسسات حقوقية معرفة أوضاعه الصحية الأخيرة، وبسبب التنقلات بين السجون تغيب أخباره، وبسبب تكتم الأسرى على أخبارهم بشكل شخصي حتى لا يثيروا قلق عائلاتهم، ومنع المحامين من زيارتهم بشكل منتظم، لا تعلم عائلته الشيء الكير عن أخباره الصحية.

في إحدى الزيارة علمت شقيقته أنه تعرض للضرب، وتقول” أوضاع ما قبل 7 أكتوبر كانت تتضمن تقديم نوع معين من العلاج، لكن ما بعد ذلك لا يتم تقديم علاج للأسرى، اليوم نجهل حقيقة ملفه الطبي ونحاول عبر محامين ملاحقة ذلك، والحصول على إجابات حول ما يحد في اعتقاله الحالي حتى نتمكن من تقديم طلب لعلاجه والاطمئنان عليه ولو قليلاً.

رابط دائم
https://elayem.news/r71ro