الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

صوت الأسير: يا رنين القيد زدني كبرياء

Author
خالد عز الدين 15 أكتوبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

يظلّ الأسرى الفلسطينيون الصوتَ الذي لا يخفت، والنبضَ الذي لا يُقهر.

من خلف القضبان تُكتب السيرة الحقيقية لفلسطين بحبر الألم والصمود، حيث لا يُقاس الزمن بالأيام ولا بالساعات، بل بقدرة الأسير على أن يبقى إنسانا وسط منظومة جعلت من السجن أداةَ موت بطيء.

في العتمة التي تبتلع الضوء، يواصل آلاف الأسرى معركتهم ضد النسيان، يحملون في صمتهم معنى الثورة، وفي معاناتهم شهادة يومية على أن إرادة الحياة أقوى من القيود.

في الزنازين الضيّقة تتكوّن معاجم جديدة للمقاومة، لا تعرف البندقية ولا الرصاص، بل تكتب الكفاح ضد الانهيار والطمس والإلغاء. فالسجن عندهم ليس جدارا يفصل الجسد عن الحرية، بل هو امتحانٌ للوعي ومختبرٌ لصلابة الروح. ومن بين الجدران الباردة، تتسلل رسائلهم خفيةً على أوراق مهربة، أو في دموع أمّ تحفظ وجه ابنها كما تحفظ الصلاة.

مروان البرغوثي، ناصر أبو حميد، خالدة جرار ومعزوز بشارات، وغيرهم كثير… أسماء تحوّلت إلى رموز إنسانية تتجاوز حدود السياسة إلى ضمير العالم. هم وجوهٌ للحكاية الفلسطينية التي ترفض أن تموت، وجزء من سرد جماعي يربط الأجيال بعضها ببعض، ويمنح معنى جديدا للثبات.

ومع كلّ عدوان على غزة، تتضاعف مآسي الأسرى في زنازين الاحتلال، حيث العزل والإهمال والحرمان من أبسط الحقوق. ومع ذلك، يحوّلون الزنزانة إلى مدرسة للوعي، ويجعلون من السجّان تلميذا في درس طويل عن معنى الصمود. فالحرية عندهم ليست نهاية الطريق، بل هي استمرار الحكاية.

وبين الأسرى الأحياء الذين يكتبون بأجسادهم، وشهداء القيد الذين رحلوا بصمت، يقف العالم أمام مرآة أخلاقية قاسية: كلّ أسير فلسطيني شاهدٌ على زمن يُعدم فيه الضمير، ورسولٌ لكرامة لا تموت. إنهم «ذاكرة فلسطين الحيّة».. الحارس الأخير لروح تقاوم.

الأسرى فى زمن الإبادة

مكتب: إعلام الأسرى

في الذكرى الثانيةِ لحربِ الإبادةِ على غزّة،

تتجدّدُ الحربُ خلفَ القضبان…

حيثُ يخوضُ الأسرى الفلسطينيّون معركتَهم الصامتةَ ضدَّ الجوعِ والتعذيبِ والنسيان.

أكثرُ من أحدَ عشرَ ألفَ أسيرٍ يقبعون في سبعةٍ وعشرينَ معتقلًا،

منهم أكثرُ من ألفَيْنِ وستِمئةِ مريضٍ،

وثلاثُمئةٍ وثمانونَ محكومون بالمؤبّدِ،

وأربعُمئةٍ وخمسونَ طفلًا يُواجهون السجنَ بدلَ المدرسة،

وإحدى وخمسونَ أسيرةً يُحارِبنَ القيدَ والوجع،

بينهنَّ أمهاتٌ وضعن أطفالَهنَّ في الزنازين.

منذُ السابعِ من أكتوبر،

تحوّلتِ السجونُ إلى ساحاتِ انتقامٍ،

قُطِعَتِ الكهرباءُ والماءُ، أُغلِقَتِ الكانتينا،

ونُقِلَ المئاتُ من أسرى غزّةَ إلى معسكراتٍ سرّيةٍ مثلَ سديه تيمان،

يُحتجَزون بلا هُويّةٍ، بلا دواءٍ، بلا ضوء.

ثلاثُمئةٍ وأربعةَ عشرَ شهيدًا ارتقَوا في سجونِ الاحتلالِ،

وخمسةٌ وثمانونَ جثمانًا لا تزالُ محتجَزةً في ثلّاجاتِ الغياب،

كأنَّ الموتَ لا يكفي ليُنهيَ العقاب.

إنّها حربٌ أُخرى…

تُخاضُ بصمتٍ خلفَ الجدران،

في وجهِ منظومةٍ تُعاقبُ الأسيرَ لأنّه فلسطينيّ.

وتنتهكُ كلَّ قانونٍ وإنسانٍ وحُلم.

الأسرى… الوجع الأبدي لفلسطين

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

في قلب الحكاية الفلسطينية، هناك وجع يتجاوز كل الجراح، جرح لا يندمل منذ عقود، اسمه الأسرى. هم الوجه الآخر للاحتلال، الصورة الأكثر وجعًا في مرايا الإنسانية. في سجون الاحتلال الإسرائيلي يقبع آلاف الفلسطينيين الذين حُرموا من حريتهم لأنهم أحبوا وطنهم أكثر مما تحتمل السلاسل. لا تكاد توجد عائلة فلسطينية إلا ولها أسير أو شهيد أو جريح، وكأن الأسر صار طقسًا من طقوس الوجود الفلسطيني، يورثه الآباء للأبناء كما يورثون مفاتيح البيوت المهدّمة وصور الشهداء على جدران البيوت. قضية الأسرى ليست رقمًا في الإحصاءات، بل هي ملحمة مفتوحة تكتبها الإرادة الفلسطينية بالحجارة والدم والصبر. هؤلاء الأسرى يعيشون في عتمة الزنازين، بينما العالم يتفرج على الظلم وكأنه مشهد عابر. في تلك الزنازين التي لا تعرف الضوء إلا عبر ثقوب صغيرة في الحديد، تمارس سلطات الاحتلال أبشع أنواع القهر. الإهمال الطبي المتعمد، العزل الانفرادي، التعذيب النفسي والجسدي، كلها أدوات لإخضاع الفلسطيني وكسر إرادته. لكن التاريخ يشهد أن الفلسطيني لا ينكسر، وأن روح المقاومة التي تسكن هؤلاء الأسرى تجعلهم أكبر من القيود، وأقوى من الجدران التي تحاصرهم. هناك من أمضى أكثر من أربعين عامًا في الأسر، وهناك من وُلد أطفاله ولم يرهم إلا عبر الزجاج، وهناك من رحل أبوه أو أمه دون أن يتمكن من وداعهم. ومع ذلك، يخرج الأسير من سجنه مرفوع الرأس، كأنه خرج من معركة مقدسة منتصرًا على الظلم. في كل صفقة تبادل للأسرى، ينبعث الأمل من جديد، وكأن الحرية تولد من رحم الألم. ورغم أن الاحتلال يحاول دائمًا أن يجعل من السجون مقابر للأحلام، فإن الأسرى حوّلوها إلى مدارس للوعي والوطنية، فيها كتبوا الشعر ورسموا الأمل، وحفروا على جدران الزنازين أسماءهم كي تبقى شاهدة على صمودهم. منذ نكبة 1948 حتى اليوم، اعتُقل أكثر من مليون فلسطيني، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في مشهد يفضح زيف العالم المتحضر. أكثر من 5000 أسير اليوم يعانون خلف القضبان، بينهم عشرات النساء ومئات الأطفال، ومئات من المرضى الذين يواجهون الموت البطيء بسبب الإهمال الطبي. كل أسير فلسطيني هو حكاية بحد ذاته، حكاية عن أم تصحو على حلم ابنها، وعن زوجة تكتب له رسالة كل أسبوع ولا تعرف إن كانت تصل، وعن طفل ينادي في الليل “بابا” ولا يعرف أن والده بين جدران زنزانة باردة. ورغم كل هذا القهر، فإن إرادة الأسرى تبقى صلبة كالصوان. إنهم يقاتلون بصمت من أجل الكرامة، ويدفعون أثمانًا باهظة من أجل الوطن. كل يوم يضرب الأسرى عن الطعام، في معركة أمعاء فارغة يواجهون بها آلة القمع الإسرائيلية، وكل مرة يثبتون أن الجوع أهون من الذل، وأن الكرامة لا تُشترى ولا تُقهر. الاحتلال يدرك أن الأسرى هم جوهر القضية، لذلك يحاول بكل الوسائل تغييبهم عن الوعي العام، يفرض التعتيم الإعلامي، يمنع الزيارات، يضيّق على عائلاتهم، لكنه لا يستطيع أن يمحو حضورهم من وجدان الشعب الفلسطيني. فالأسرى هم الذاكرة الحية للمقاومة، وهم الشاهد على أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. اليوم، ومع تصاعد العدوان على غزة، تتضاعف معاناة الأسرى، إذ يتعرضون لعقوبات جماعية وانتقامية، وتُسحب منهم أبسط حقوقهم، حتى الطعام والماء والدواء صار جزءًا من أدوات العقاب. الاحتلال يريد أن يكسر روحهم كما يريد أن يكسر روح غزة، لكنه لا يعرف أن الفلسطيني حين يُحاصر في الزنزانة، تتحول الزنزانة إلى وطن صغير يحرسه الأمل. على المجتمع الدولي أن يخجل من صمته، فهذه ليست مجرد قضية حقوقية بل قضية إنسانية تمس جوهر العدالة. أن يُعتقل طفل لأنّه رشق حجرًا على دبابة، وأن تُحتجز امرأة لأنها صاحت “الحرية لفلسطين”، هو وصمة عار على جبين كل من يتغنى بحقوق الإنسان. ومع ذلك، لا يفقد الفلسطينيون الأمل، لأنهم يؤمنون أن الحرية قادمة، وأن كل قيد سينكسر كما انكسرت قيود من قبلهم. الأسرى ليسوا ضحايا فقط، بل رموز للثبات والإرادة، لأنهم اختاروا أن يكونوا أحرارًا حتى داخل السجن. وحين نذكر أسماءهم، لا نذكرها بحزن بل بفخر، لأنهم الذين علّمونا أن الوطن يستحق كل شيء، حتى الحرية ذاتها. سيبقى صوت الأسرى صرخة في وجه العالم، وجرس إنذار يذكّرنا بأن الحرية لا تزال مؤجلة في فلسطين، وأن الاحتلال مهما طال، فإن فجر الحرية قادم لا محالة، لأن الشعوب التي تزرع الصبر في الظلام، تحصد النور مهما تأخر.

الأسير القائد مروان البرغوثي.. ليس الأقوياء دائماً من يملكون مفتاح السجن

بقلم: عيسى قراقع

في زمنٍ تتكسر فيه المدن وتُدفن فيه الأحلام تحت الركام، تقف غزة اليوم شاهدة على انقلاب المفاهيم الكبرى: الحرية، القوة، والكرامة.

من قلب الحرب، ومن زنازين الأسرى، خرج تعريف جديد للقوة، لا يشبه ما عرفته البشرية من قبل.

فالقوة لم تعد امتلاك الطائرات والدبابات، بل امتلاك الإرادة التي لا تُقهر، والقدرة على أن تبقى إنسانًا في وجه الوحشية المطلقة.

حرب الإبادة الدموية على غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل امتحان فلسفي لمفهوم الوجود ذاته.

حين تصير الحياة في غزة معركة يومية ضد الموت، تغدو الحرية فعلًا من أفعال الإيمان، لا السياسة.

الحرية لم تعد وعدًا مؤجلًا خلف المفاوضات، بل جوهرًا يسكن في قلب من اختار أن يبقى واقفا في وجه الموت، رغم كل شيء.

فأن تكون حيًا وسط الإبادة هو إعلان تمرّد على العدم وحبال المشنقة.

وهكذا تحولت غزة إلى مدرسة جديدة في فلسفة الوجود: أن تبقى حرًا لا لأنك نجوت، بل لأنك لم تتخلَّ عن المعنى والهوية والمقاومة.

في لحظة تتقاطع فيها النار والرماد، يصبح تحرير الأسير ليس مجرد حدث عسكري او تبادل في معادلة سياسية، بل لحظة فكرية تكشف عن قيمة الحرية ذاتها، عن انتصار الإنسان في قلب المحو، وعن انهيار الصورة الأخلاقية للمحتل الذي ظن أن السجن هو آخر حدود الوعي والمصير.

منذ عقود، ظل الأسرى الفلسطينيون وجعًا غائبًا في ضمير العالم، المؤبدات والمسالخ البشرية، سنوات القهر وهدر الأعمار دون أن يتحرك أحد، لكن حين أصبح للإسرائيليين أسرى في يد المقاومة، تغيّر وجه الخطاب:

بدأ الاحتلال يتحدث عن “كرامة الأسير” و”القلق على مصير الإنسان”.

أما الإنسان الفلسطيني، الذي حُرم من الشمس والهواء، ومورست بحقه كل أشكال التعذيب والتدمير الجسدي والنفسي لعشرات السنين، فظلّ مجرد رقم في تقارير منسية، وفي قبور حجرية.

لقد انكشفت المفارقة الأخلاقية: حين ذاق السجان طعم القيد، بدأ يتحدث عن الحرية.

الاحتلال في هذه الحرب لم يتعلم الدرس: أن من يملك السجون هو أول من يعيش داخلها، فالمظاهرات والاحتجاجات في تل أبيب من قبل ذوي الأسرى الاسرائيليين تقول: هذه الحرب حولتنا من سجانين إلى سجناء، صرنا أسرى الكراهية والعنصرية وغياب الوعي، وان من يغلق على انسان بابا يغلق على نفسه نور الحياة، الإبادة هنا تحاصرنا وجدران الزنزانة تخنقنا، القوة لم تمنحنا الأمن والاستقرار، بل حشرتنا في معسكرات وحالة طوارئ دائمة.

وسط هذا المشهد، وبعد عامين من الذبح الممنهج في قطاع غزة والسجون، يتوهّج اسم مروان البرغوثي كرمز للحرية التي لا تُروض.

هدده ابن غفير بالقتل في زنزانته، لكنه خرج من عزلته إلى الفضاء العام كصوتٍ للفكرة التي لا تُعتقل.

يشبه مروان سقراط وهو يواجه السمّ بابتسامة الفكرة، أو مانديلا وهو يكتب بيان الإنسانية من سجن روبن آيلاند.

لقد تحوّل السجن عنده إلى مختبر للكرامة، والزنزانة إلى مدرسة في الصبر، كأن الحديد يصقل الروح لا يقيّدها.

غزة اليوم أعادت تعريف الحرية على نحو أكثر قسوة ووضوحًا:

كل بيت مهدّم هو كتاب جديد في فلسفة الحرية، وكل أسير هو شاهد على أن الإنسان قادر أن يخلق المعنى من تحت الأنقاض.

وكما قال نيكوس كازانتزاكيس في روايته «الحرية أو الموت»:

“أفضل أن أموت وأنا أقاتل من أن أعيش وأنا راكع.”

السجن والتعذيب ليستا مجرد أدوات عقابية؛ إنهما تجارب تكشف الوجه الحقيقي للغَياب الأخلاقي في عقلية المحتل والسجان.

الاغتصاب، التجويع، الإذلال، ونزع الأسماء والذاكرة، كلها أعمال تهدف إلى تجريد الإنسان من إنسانيته، لِيُصبح جسدًا بلا قصة ولا صرخة.

لكن المفارقة أن هذا الاجرام ذاته يصنع كشفًا:

حين يتمّ إخراج الإنسان من إنسانيته، تكشف العملية عن هشاشة من مارسها: عن خوفٍ عميقٍ داخل عقلية من يعتقد أنه يستطيع حبس التاريخ في زنزانة.

الحرية هنا تعمل ككاشفٍ للجرح: تخرج من الزنزانات رياحٌ تحمل صوت الضحية والجلاد معا، فتبدأ المحاكمة الإنسانية، ليست محكمة تُدار بين الجدران، بل محكمة الضمير العام الذي لا يمكن أن يُقفل، إنما يكشف عن وجع السجان قبل أن يكشف عن قوة الأسير، لأن من يجرّد الآخر من إنسانيته يثبت أنه فقد مقومات إنسانيته هو ذاته.

وبعد أن تهب رياح الحرية، لا تعود أبواب السجون قادرة على إخفاء الحقائق؛ فتبدأ محاكمة لا تقام في زنزانة، بل في ضمير العالم.

حين أبحر أسطول الصمود نحو غزة، كان يحمل ضمير العالم في مياهه.

اعتُقل المتضامنون وأُهينوا لأنهم تجرأوا على كسر الحصار الأخلاقي، لقد قام جنود الاحتلال بجر الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ على الأرض، واجبارها على تقبيل علم الاحتلال، وسمع العالم زعيق المجرم ابن غافير وهو يهدد المختطفين من اسطول الصمود العالمي.

وهكذا امتدّ السجن من الأرض إلى البحر، ومن الاحتلال إلى العقل الغربي ذاته:

السجن أصبح كونيًا، والحرية أيضًا، لم يعد الفلسطيني وحده الأسير، بل كل من ظلّ صامتًا أمام القيد وهو يدّعي الإنسانية.

الإفراج عن مروان البرغوثي إن تحقق قد يكون لحظة رمزية تحاكي سقوط جدار برلين، لأن خروج إنسان من زنزانة قد يعلن سقوط جدار من جدران الصمت التاريخي.

الصفقة هنا اختبار: هل ستعيد للعالم معنى العدالة أم ستظل الحرية عرضة للصفقات المؤقتة؟ أو اسما بلا معنى عندما يصبح الوطن كله خلف اسلاك شائكة.

البرغوثي عاش نمطا ملحميا خلال خمسة وعشرين عاما خلف القضبان، السجن عنده كهف تحول إلى رحم ولادة ثانية، السجن لم يلغ وجوده، بل حوله ال فكرة تقاوم الموت السياسي.

البرغوثي جمع بين العقل والحرية والتضحية، وكأنه بروميثيوس في الأسطورة الاغريقية، والذي سرق النار من السماء لمنحها للانسان، البرغوثي سرق نار الحرية من السجان فصار رمز من يتحدى الظلم باسم الوعي والكرامة.

البرغوثي غاب عن المشهد المادي، لكنه حاضر في الضمير الجمعي للشعب الفلسطيني كصوت لا ينطفئ، فالمسيح الفلسطيني غاب عن الصليب ليولد في قلوب العالم.

حين امتلكت المقاومة أسرى من الاحتلال، انقلبت معادلة العالم.

القوة لم تعد في من يملك الطائرات، بل في من يملك القدرة على الصمود والقرار الأخلاقي، وتهريب الاغنية من حفرة في الجدار.

من يقول “لن تتحرروا ايها الاسرائيليون إلا حين تعود إنسانيتكم، وتوقفوا الوحش الذي انطلق من اعماقكم،

هكذا صار الأسير سيدًا، والسجان رهينةً لمعناه.

لقد تحولت المعركة من معركة أجساد إلى معركة قيم، ومن صراع حدود إلى صراع تعريفات: ما الحرية؟ من القوي؟ من الإنسان؟

الحرية ليست نصرًا سياسيًا بقدر ما هي وعيٌ وجوديّ يتخطى الحرب والسجن والتعذيب.

وحين تتحرر غزة أو يُفرَج عن الأسرى، لن يكون ذلك مجرد حدث سياسي، بل عودة الروح إلى فكرة الإنسان التي أرهقها القصف والموت والقيد في العتمة والغبار.

 لقد علّمت فلسطين، كما علمت الجزائر وفيتنام، أن الحرية أقوى من الحرب، وأطول عمرًا من الإمبراطوريات، وأن الكلمة التي تُقال في زنزانة قد تهزم جيشًا كاملًا في العراء.

وبعد أن تكشف الحرية عن ما يجري خلف الأبواب المغلقة، تبدأ المحاكمة الحقيقية — محاكمة أخلاقية لا تُدَار في قاعات البلاط، بل في ذاكرة البشرية.

الأسرى المحررون هم نقيض الأيديولوجية الصهيونية التي بنت وجودها على فكرة السيطرة المطلقة على المكان والزمان والجسد، فحين يخرج الاسير، يخرج معه التاريخ من الظلام، ويكشف جوهر الاحتلال: أنه ليس قوة بل خوف، وليس نظاما بل مرضا وجوديا اسمه الرعب من الحرية.

الاحتلال في جوهره مشروع لحبس الاخر، لكنه ينتهي بحبس الذات، فمن يبني جدارا حول شعب، يبني جدارا حول روحه.

الاحتلال هو أوسع السجون، وغزة هي اكبر سجن على وجه الارض، وسجونه ليست من حديد بل من أوهام وخرافات وتاريخ مزيف يطارده.

الأسير الفلسطيني يعرف سجنه، يعرف عدوه، لذلك يبقى اقدر على الحلم، اما السجان فهو لا يرى جدرانه، يعيش داخل قفص من الانكار، يظن أنه حر وهو محكوم بخوفه من الحرية ذاتها.

الأسير القائد مروان البرغوثي يقول لجنرالات الإبادة:

لقد ظننتم أن الإبادة تمنحكم الخلود والنصر، فإذا بها تكتب نهايتكم في ذاكرة العالم.

نحن لانحلم بموتكم، بل بانعتاقكم من هذا الجنون الذي جعل منكم سجانين وسجناء في آن واحد، الاحتلال هو السجن الأكبر، من يدخله لا يخرج منه منتصرا بل مثقلا بجرائمه.

كل احتلال هو قيد على الروح، وكل قيد مصيره أن ينكسر.

من أراد السلام فليعترف اولا بأنه لم يكن إنسانا حين أنكر إنسانية الآخر، فتعالوا إلى إنسانكم قبل أن تفنى الإنسانية فيكم.

ليس الأقوياء من يملكون مفاتيح السجون، بل من يملكون القدرة على البقاء أحرارًا داخلها.

ابدأوا من هذه الكلمة: الحرية لنا ولكم معا، أو لا حرية لأحد.

عامان على حرب الابادة.. هذا قليل مما يحدث للأسرى والمعتقلين

بقلم: عبد الناصر فروانة

لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع حرباً كهذه، فما حدث كان شيئاً من الخيال، وأظن أن ما أصاب غزة وأهلها لم يكن يخطر في بال أيٍ من الفلسطينيين، ولا في الأحلام المزعجة والكوابيس المفزعة.

– حرب الإبادة الإسرائيلية غير المسبوقة ضد شعبنا استهدفت مكوناته المتعددة، والأسرى هم مكون أصيل ورئيسي من مكونات الشعب الفلسطيني، وقد نالهم من هذه الحرب نصيب وافر من الجرائم المتعددة.

– إن حجم الجرائم الإسرائيلية فاقت الحدود والتصور، وهي جرائم ليست محصورة بين أسوار سجن سديه تيمان، إنمايحدث ما هو شبيه لها في معظم السجون الأُخرى. كما أن ممارستها غير مقتصرة على فئة من دون غيرها، ولم تقتصر على معتقَلي غزة فحسب، أو ممن اعتُقلوا منذ بدء الحرب على غزة فقط، بل هي أيضاً ضد الأسرى والمعتقَلين كافة، وإن كان النصيب الأكبر منها لمعتقَلي غزة الذين هم عنوان المرحلة.

– إن ما كُشف عنه من جرائم فظيعة ومتعددة، ولا سيما في سجن سديه تيمان، هو غيض من فيض، وجزء يسير مما تتناقله ألسن المفرج عنهم، وما ينقله المحامون من شهادات مروعة، وماسيُكشف عنه في قادم الأيام والأشهر.

– لقد تسببت جرائم التعذيب الجسدي المفضي إلى الموت، والتعذيب النفسي الشديد القسوة، بصورة غير مسبوقة أو معهودة بهذا القدر من الفظاعة والوحشية، بالاضافة الى الاهمال الطبي المتعمد وسوء المعاملة باستشهاد (77) معتقلا فلسطينياً منذ بدء حرب الإبادة، بينهم (46) من قطاع غزة، وهؤلاء هم فقط من أُعْلِنُوا عنهم وعُرفت أسماؤهم، بينما تُشير التقديرات إلى استشهاد آخرين لم تعلَن أسماؤهم، ولم تُكشف هوياتهم وأوضاع استشهادهم بعد.

وهنا نُشير إلى ان هذا العدد من الشهداء المعلومة هوياتهم خلال عامين، هو الأعلى تاريخياً، ويفوق اعداد الاسرى والمعتقلين الذين استشهدوا في السجون الاسرائيلية على مدار 20عاما سبقت حرب الابادة.

– الآلاف من المختفين قسرًا، أحياء واموات، منذ 7أكتوبر2023، يجب ألا يذهبوا في طي النسيان.

إن الكشف عن مصير مئات المعتقَلين، خفف حدّ الألم والوجع الذي تعيشه عائلاتهم، ونقل أُسَرَهم طبعاً من حالة الانتظار غير المعلوم إلى حالة الانتظار الطبيعي المصحوب بالقلق الدائم، بينما لايزال مصير آلاف آخرين مجهولا.

– تم رصد مالايقل عن (33.000) حالة اعتقال في غزة والضفة والقدس منذ بداية الحرب في 7أكتوبر2023، منهم مايزيد عن (13.000) حالة من غزة، وفقا للتقديرات، وهي ارقام غير مسبوقة منذ انتفاضة الحجارة قبل مايزيد عن ثلاثة عقود ونيف.

– لسان حال من اعتقلوا خلال الحرب يقول: “مَن لم يُعتقل بعد 7أكتوبر، فكأنه لم يُعتقل أبداً” في إشارة إلى شدة التعذيب وقسوته مقارنة بالفترات التي سبقت الحرب.

– شكلت مرحلة ما بعد 7اكتوبر، الفترة الأكثر دموية، والأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة، وشهدت أحداثا عديدة وارقاما صادمة لايمكن راهناً الاحاطة بجميعها او التطرق الى تفاصيلها،. ويمكن أن يخيَل للبعض أن وَصْفَنَا هذا مبالَغ فيه، بسبب غياب الصورة واقتصار أدلة الإثبات على الروايات والشهادات التي يُقدمها الضحايا، في ظل إصرار دولة الاحتلال على استمرار إغلاق السجون أمام وسائل الإعلام المتعددة، وممثلي المؤسسات الدولية.

التحريض… التهمة الجاهزة ضد الفلسطينيين بعد حرب الإبادة

أكد مركز فلسطين لدراسات الاسرى ان غالبية الاعتقالات التي نفذتها سطات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس المحتلتين منذ حرب الإبادة على القطاع قبل عامين سياسية وليست امنية لذلك لم يجد الاحتلال تهمه يوجهها للمعتقلين سوى “التحريض” وهي تهمه فضفاضة وغير مدعومة بأدلة واضحة.

وأشار مركز فلسطين الى ان سلطات الاحتلال نفذت بعد السابع من أكتوبر للعام 2023 تزامناً مع حرب الإبادة الجماعية على القطاع حملات اعتقال واسعة وغير مسبوقة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين وصلت الى حوالي (20 ألف) حالة اعتقال خلال عامين منهم (1600 طفل) و(600 امرأة وفتاة) وذلك بدافع الانتقام وفرض سياسة ردع وتخويف واخضاع للفلسطينيين بالقوة والتنكيل لضمان عدم حدوث أي تحرك معادٍ للاحتلال.

وأضاف مركز فلسطين ان عمليات الاعتقال التى نفذتها سلطات الاحتلال في غالبيتها لم تستهدف مواطنين يتهمهم الاحتلال بالمشاركة في عمليات للمقاومة او احداث ميدانية انما جاء اعتقالهم بشكل سياسي بتوصية من جهاز الشاباك ظناً منه انهم قد يشكلون خطر في حال بقائهم خارج السجون وهؤلاء جميعهم وجهت لهم تهمه “التحريض” وهذا يفسر الاعداد الكبيرة للأسرى الإداريين الذين تجاوز عددهم (3600) اسير وهم يشكلون 32% من مجموع الاسرى في السجون وهذا الاعتقال لا يحتاج الى تهمه واضحة او محاكمة او ادانة.

واعتبر مركز فلسطين ان تهمه “التحريض” غير واضحة وليس لها مدلول معين انما هي “تهمه من لا تهمه له” ومن خلالها تضع مخابرات الاحتلال البنود الصورية في ملف الأسير بهدف إيجاد مبرر للإبقاء على اعتقاله أطول فترة ممكنة، وهذا يفسر ايضاً تجاوز فترة اعتقال عدد من الاسرى الإداريين لثلاثة سنوات وأكثر ولا زالوا خلف القضبان بتوصية خاصة من الشاباك وكانت في السابق في اسوء الأحوال لا تتجاوز العامين.

وكشف مركز فلسطين ان الاحتلال تجاوز كل الأعراف والقوانين الدولية واتفاقيات حقوق الانسان ومارس حملات اعتقال عشوائية وجماعية خارج إطار القانون بدون تهمة او دليل ادانة انما لمجرد العقاب الجماعي والتخويف، وبالكاد تمر ليلة بدون اعتقال العشرات من المواطنين يفرج الاحتلال عن العديد منهم بعد التحقيق الميداني لساعات وتوجيه تهديدات لهم، بينما يحول اخرين الى مراكز التحقيق والتوقيف ومن ثم الى السجون والمعتقلات.

 وبيَّن مركز فلسطين ان جميع المعتقلين تعرضوا على الأقل لشكل واحد من أشكال التعذيب او أكثر بعد اعتقالهم من الاحتلال حتى من اعتقل لساعات وأفرج عنه، حيث تم اعتقالهم بداية بطريقة همجية بعد اقتحام منازلهم بعنف واحياناً إطلاق النار او الغاز داخل المنزل او الاعتداء على عدد من افراد الاسرة في حال اعترضوا على عملية الاعتقال، وتحطيم محتويات المنازل بالكامل بحجة التفتيش، واقتياد المعتقل بملابس النوم الخفيفة في ظل البرد القارس في فصل الشتاء.

وطالب مركز فلسطين المؤسسات الحقوقية والانسانية الدولية التدخل لوقف هذه السياسة التي تعتبر عقاب جماعي وجريمة حرب بحق مواطنين مدنين عُزل لا ذنب لهم سوى انهم فلسطينيون، الامر الذي يتعارض مع ابسط قواعد القانون الدولي، والضغط على الاحتلال لوقف عمليات الاعتقال العشوائية التي يمارسها الاحتلال دون أي تهمه توجه لهؤلاء المعتقلين.

كلمة حق في رجل الميدان… أمين شومان “أبو الواثق”

بقلم: أمجد النجار – مدير عام نادي الأسير والمتحدث الرسمي باسمه

في زمنٍ تتلاشى فيه الكثير من القيم وتتبدد فيه المعاني الحقيقية للعطاء والنضال، يبقى بعض الرجال شموعًا لا تنطفئ، وعناوين لا تُمحى، وسندًا لا يلين في معارك الكرامة والحق.

أكتب اليوم بكلمات تفيض صدقًا وفخرًا عن الأخ المناضل أمين شومان (أبو الواثق)، رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى، الرجل الذي لا يهدأ له بال، ولا يعرف للراحة طريقًا، لأن فلسطين والأسرى هم نبضه، وقضيته، وهمّه اليومي.

أبو الواثق ليس مجرد اسم، بل مدرسة وحدوية، عنوانها الميدان، وأركانها التضحية، أساسها الوفاء، وروحها الانتماء الصادق. هو رجل تراه حيث يجب أن تكون، يسبق الجميع إلى ميادين العمل والواجب، ولا يغادرها إلا بعد أن يُنهي آخر مهمة بيده، من تعليق يافطة، إلى تجهيز منصة، إلى طباعة صورة، إلى تلبية نداء أمٍ شهيد أو أبٍ أسير.

أبو الواثق ليس مسؤولًا تقليديًا، بل قائد ميداني حقيقي، لا تهمه الأضواء، ولا يبحث عن الكاميرا، بل يبحث عن الوجع ليضمده، وعن الصرخة ليكون صداها، وعن الأمل ليزرعه في قلوب ذوي الأسرى، خاصة الأمهات اللواتي يجدن فيه ابنًا قبل أن يكون مناضلًا.

أكثر من عشرين عامًا عرفته خلالها في كل ساحات المواجهة دفاعًا عن قضية الأسرى، لم يتغير ولم يتبدل. حضوره دائم، وصوته صادق، وموقفه ثابت. لم يفرّق يومًا بين فصيلٍ وآخر، بل مدّ يده للجميع، واجتهد في أن تبقى قضية الأسرى قضية وحدة وطنية، لا تُقسم ولا تُلون.

هو من يحضر أولًا ويغادر أخيرًا. من يجهز المنصة والكراسي بنفسه في ساحة مركز بلدنا كل أسبوع، ليقود فعالية دعم الأسرى وسط رام الله بكل ما فيها من تحدٍ وإرادة. هو من يحفظ وجوه الأسرى وملامح أمهاتهم، من يعرف معاناتهم ويعمل بصمت على تخفيفها.

أمين شومان هو ذلك الرجل الذي تراه في:

• استقبال المحررين بفرحٍ يليق بتضحياتهم،

• وجنازات الشهداء بثبات الرجال الأوفياء،

• والمستشفيات مطمئنًا على الجرحى والمصابين،

• وبيوت الأسرى متفقدًا ومعزيًا ومواسيًا.

هو الاسم المرتبط بالميدان لا بالمكاتب، بالإنجاز لا بالكلام، بالثبات لا بالاستعراض.

إنه فخرٌ لكل من عمل في ملف الأسرى، وسندٌ حقيقي في وقت الشدائد، ورمزٌ نعتز به ونستند عليه في معركة الكرامة الوطنية والإنسانية.

أبو الواثق..

أنت لست مجرد مناضل أو ناشط أو مسؤول..

أنت ذاكرة وطن، شاهد صدقٍ على مرحلةٍ كاملة من التضحية والنبل.

أنت فخر كل من عمل في ملف الأسرى، وصوت كل أمٍ تنتظر، وكل أسير خلف القضبان.

أبو الواثق.. لك منّا كل التحية، ومني شخصيًا ألف تحية احترام وتقدير،

فأنت كما عهدناك، الوفيّ للأسرى، الوفيّ لفلسطين، الوفيّ للناس.

دمت ذخراً للميدان، ولأمهات الأسرى، ولقضيتنا العادلة.

شهداء القيد.. زنازين تُنبت الموت ببطء

تقرير/ إعلام الأسرى

في عمق السجون الإسرائيلية حيث يحتجز الأمل خلف القضبان، تدور حرب صامتة ضد أجساد الأسرى وأرواحهم. منذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة التنكيل الممنهج، وتحولت الزنازين إلى ساحات انتقام تمارس فيها أبشع صنوف القمع والإهمال الطبي. ليس الحديث هنا عن تجاوزات فردية وإنما عن سياسة متعمدة لتفريغ الجسد الفلسطيني من الحياة رويدا رويدا. يرتفع عدد الشهداء من الأسرى والمعتقلين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر إلى 78 شهيدًا على الأقل، بينهم 46 شهيدًا من غزة، فيما ارتفع العدد الإجمالي لشهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 315 شهيدًا موثقين، في ظل استمرار الاحتلال باحتجاز جثامين الشهداء، والتكتّم على ظروف استشهادهم.

هذا التقرير يوثّق حكايات أسرى لم يغادروا سجنهم أحياء بل ارتقوا شهداء تحت وطأة القيد والإهمال، ليصبحوا أيقونات جديدة في مسيرة النضال الفلسطيني:_

• الأسير الشهيد عمر دراغمة: 58 عاما، من مدينة طوباس لم يمر سوى يومين على اعتقاله في سجن مجدو حتى استُشهد تحت التعذيب بتاريخ 23 /10/ 2023، كان سليمًا معافى قبل اعتقاله، ليرتقي سريعًا ضحية للضرب المبرح والإهمال.

• الأسير الشهيد ثائر أبو عصب: 38 عاما من مدينة قلقيلية، استشهد تحت التعذيب بتاريخ 18 /11 /2023.

• الأسير الشهيد خالد الشاويش: 53 عاما من مدينة طوباس، استشهد بسبب الإهمال الطبي المتعمد بتاريخ 19 /2/ 2024.

• الأسير الشهيد عاصف الرفاعي: 21 عاما من مدينة رام الله، استشهد بسبب الإهمال الطبي المتعمد بتاريخ 29/2 /2024.

• الأسير الشهيد محمد وليد علي: 45 عاما من مخيم نور شمس في مدينة طولكرم، استشهد بتاريخ 4/ 12/ 2024 بعد مرور أسبوع على اعتقاله ونقله للتحقيق في مركز تحقيق الجلمة، لم يعاني من أي مشاكل صحية . استشهد في مستشفى رمبام بسبب التحقيق القاس والتعذيب من قبل إدارة الاحتلال .

• الأسير الشهيد عز الدين عبد البنا: 40 عاما، من مدينة غزة، رغم إعاقته الحركية، لم يُوفَّر له العلاج داخل سجن الرملة، فكان الإهمال الطبي سببًا مباشرًا في استشهاده بتاريخ 24 / 2/ 2024.

• الأسير الشهيد عدنان البرش: رئيس قسم العظام في مشفى الشفاء، من سكان مدينة غزة، اعتقل في ديسمبر 2023 خلال تواجده في مستشفى العودة في جباليا، تحمل التعذيب حتى سقط شهيدًا داخل سجن عوفر بتاريخ 19/ 4/ 2024.

• الأسير الشهيد مصعب هنية: 35 عاما من مدينة غزة، اعتقل من مدينة حمد بتاريخ 3/ 3/ 2024، لم يكن يعاني من أي مشاكل صحية، استشهد في 5/ 1/ 2025 تحت وطأة التعذيب المتواصل والإهمال الطبي.

• الأسير الشهيد مصطفى أبو عرة: 63 عاما من مدينة طوباس، مسن تُرك يصارع المرض دون أدنى رعاية حتى استشهد بسبب الإهمال الطبي بتاريخ 25 /7/ 2024، رغم اعتقاله الإداري.

• الأسير الشهيد رأفت أبو فنونة: 33 عاما من مدينة دير البلح في قطاع غزة، جُرح خلال اعتقاله بعد السابع من أكتوبر، ولم يُكشف عن تفاصيل وضعه الصحي حتى الإعلان عن استشهاده في سجن عوفر بتاريخ 26 /2 /2025.

• الأسير الشهيد علي البطش: أسير مسن من غزة، توفي في سجن النقب في مارس 2025 بسبب الإهمال الطبي، بعدما قضى سنوات من العذاب بين الجدران.

• الأسير الشهيد خالد عبدالله: 40 عاما من مدينة جنين، استشهد تحت التعذيب الممنهج بتاريخ 23/ 2 / 2024

• الأسير الشهيد وليد أحمد: 17 عاما من مدينة رام الله، طفل أسير قُتل بالإهمال الطبي في سجن النقب بتاريخ 23 / 3 /2025، جريمة بشعة بحق طفولة سُجنت وقُتلت دون ذنب.

• الأسير الشهيد مصعب عديلي: 20 عاما من أوصرين في نابلس، استشهد نتيجة التعذيب والإهمال بتاريخ 17 / 4 / 2025، قبل أيام من انتهاء محكوميته داخل سجن الاحتلال.

• الأسير الشهيد ناصر ردايدة: 49 عاما من مدينة بيت لحم، اعتُقل في سبتمبر 2023، ونُقل إلى مستشفى هداسا حيث استُشهد في أبريل 2025 وسط ظروف صحية غامضة.

• الأسير الشهيد محيي الدين نجم: 60 عاما من مدينة جنين استشهد بعد معاناة صحية حادة وحرمان تام من العلاج داخل سجون الاحتلال، حيث ارتقى في مستشفى “سوروكا” الإسرائيلي، وهو معتقل إداريا منذ 8 أغسطس 2023، وقد أمضى ما مجموعه 19 عاما في سجون الاحتلال.

• الشهيد الأسير أيمن عبد الهادي قديح (56) عامًا، اعتقل في 7 أكتوبر 2023 واستشهد داخل سجون الاحتلال بعد 5 أيام فقط من اعتقاله في واحدة من أسرع حالات الاستشهاد بعد الاعتقال خلال العدوان بتاريخ 12 أكتوبر 2023 .

• الشهيد الأسير بلال طلال سلامة (24) عامًا، اعتقل خلال نزوحه من محافظة خانيونس في مارس 2024، مكث خمسة أشهر في سجون الاحتلال واستشهد في تاريخ 11 أغسطس 2024، من ضحايا استهداف المدنيين أثناء النزوح، ولم تُعرف تفاصيل استشهاده سوى من خلال رد الاحتلال.

• الشهيد الأسير محمد إسماعيل الأسطل ( 46) عامًا،. اعتقل في 7 فبراير 2024، مكث قرابة 3 أشهر في السجون واستشهد في تاريخ 2 مايو 2025، ارتقى خلال الشهر الجاري، ولم يُفصح الاحتلال عن أي تفاصيل تتعلق بظروف استشهاده

• استشهاد المعتقل عمرو حاتم عودة (33 عاما) من غزة، في تاريخ 13/12/2023 في معسكر (سديه تيمان)، تعرض للاعتقال هو وأفراد عائلته من منزلهم في بداية الاجتياح البريّ لغزة في السابع من ديسمبر ٢٠٢٣، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال

• استشهاد المعتقل الإداري لؤي فيصل محمد نصر الله (22 عاما) من جنين، في مستشفى (سوروكا) الإسرائيلي بعد نقله من سجن (النقب)، دون توفر أي تفاصيل أخرى عن ظروف استشهاده، وهو معتقل منذ تاريخ 26/3/2024 إداريا، ليضاف إلى سجل شهداء الحركة الأسيرة، الذين ارتقوا نتيجة للجرائم المنظمة التي تمارسها منظومة سجون الاحتلال الإسرائيلي بشكل غير مسبوق منذ بدء الإبادة الجماعية المستمرة وأبرزها التّعذيب، والجرائم الطبيّة، والتّجويع

• استشهاد المعتقل سمير محمد يوسف الرفاعي (53 عامًا) بتاريخ 17/7/2025 من بلدة رمانة غرب جنين، بعد سبعة أيام من اعتقاله على يد قوات الاحتلال، وكان من المفترض أن تُعقد له أولى جلسات محاكمته في محكمة “سالم” العسكرية في يوم استشهاده

• استشهد فراس صبح (47 عامًا) من مدينة طوباس، بعد إصابته واعتقاله على يد قوات الاحتلال خلال اقتحام مخيم الفارعة فجر الخميس 17/7/2025

• استشهاد المعتقل الغزي صايل رجب أبو نصر (60 عامًا) من قطاع غزة، داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 2025، بعد قرابة شهرين على اعتقاله في تشرين الثاني/نوفمبر 2023

• استشهاد المعتقل الإداري أحمد سعيد صالح طزازعة (20 عامًا) من بلدة قباطية قضاء جنين، داخل سجن “مجدو” الإسرائيلي، بعد نحو ثلاثة أشهر من اعتقاله إداريًا دون تهمة

• المعتقل الجريح مصعب عبد المنعم العيدة (20 عاماً) من مدينة الخليل، الذي ارتقى شهيداً بتاريخ 25/8/2025 في مستشفى “شعاري تصيدق” الإسرائيلي، بعد إصابته برصاص قوات الاحتلال يوم الخميس الموافق 21 آب/أغسطس 2025 في منطقة تل الرميدة – الخليل

• الشهيد المعتقل الإداري أحمد حاتم محمد خضيرات (22 عاما) من بلدة الظاهرية جنوب الخليل، والذي ارتقى صباح اليوم الإثنين 7/10/2025، في مستشفى “سوروكا” الإسرائيلي، بعد جريمة إهمال طبي متعمد ارتكبها الاحتلال بحقه

قيد بلا قانون: قراءة قانونية في جرائم الاحتلال بحق الأسرى

بالرغم من وضوح القوانين الدولية التي تضمن حقوق الأسرى، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنتهك بشكل ممنهج تلك المواثيق ضاربة بعرض الحائط كل الأعراف الإنسانية والشرائع القانونية.

فوفقا لاتفاقيات جنيف يعتبر الأسير شخصا محميا له الحق في تلقي الرعاية الطبية والمعاملة الإنسانية، والحق في المحاكمة العادلة وعدم التعرض للتعذيب أو العقوبات الجماعية.

غير أن ما يحدث في سجون الاحتلال يمثل انتهاكا صارخا لتلك المواثيق، حيث تتعمد مصلحة السجون حرمان الأسرى من العلاج، وتفرض عليهم العزل الانفرادي لفترات طويلة، وتمنع زيارات المحامين والأهالي، وتلجأ للتنكيل الجسدي والنفسي كأدوات ضغط ممنهجة.

أما جريمة احتجاز جثامين الشهداء الأسرى، فهي تمثل انتهاكا مزدوجا يمس كرامة الميت وحقوق ذويه، وتخالف بوضوح المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى التي تلزم الدول باحترام جثامين الموتى وتسليمها لأقاربهم ودفنها بما يليق. كما أن استمرار هذه السياسات يُصنّف، حسب خبراء في القانون الدولي، ضمن إطار “جرائم الحرب” و”القتل خارج القانون”، ويعكس حالة إفلات كامل من العقاب في ظل صمت دولي مريب.

فالقضية لم تعد فقط مسألة حقوق مهضومة بل جريمة متكاملة الأركان تُمارس في وضح النهار، تجعل من كل زنزانة مسرحا لانتهاك القانون وتحويل العدالة إلى شاهد عاجز على موت بطيء محمي بقوة السلاح والصمت الدولي.

احتجاز الجثامين جريمة مستمرة

لم يكتفِ الاحتلال بإزهاق أرواح الأسرى وإنما واصل جريمته باحتجاز جثامين (86) شهيدا منهم (74) منذ بدء حرب الإبادة، فيما لا يزال عشرات الشهداء من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري. لا تزال رهينة في مقابر الأرقام أو أماكن مجهولة، محرومة من الوداع والدفن اللائق، واستُشهد 315 أسير فلسطيني داخل سجون منذ عام 1967م.

لكل شهيد خلف القضبان حكاية كفاح لم تروَ بالكامل، وصرخة أُخفيت بين الجدران.

دماؤهم شهادة على أن الاحتلال لا يخشى القانون لأنه يحيا خارجه، وأن الأسرى ليسوا مجرد معتقلين، بل مقاومون صامدون حتى الرمق الأخير. ستبقى أسماؤهم محفورة في ذاكرة النضال الفلسطيني، منارة لأجيال لن تنسى من قاوم وقُتل في صمت.

الإبادة بعد عامين… السجون تبتلع الأسرى

بعد مرور عامين على بدء حرب الإبادة الشاملة والمتصاعدة على شعبنا في قطاع غزة، وامتداد العدوان الشامل على الجغرافيات الفلسطينية كافة، تستعرض مؤسسات الأسرى عبر ورقة حقائق واقع قضية الأسرى بعد الإبادة، تشمل معطيات وأرقاماً، ومن خلالها تحاول المؤسسات أنّ تعكس حرب الإبادة الممتدة داخل سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي. حيث توسع مفهوم حرب الإبادة ليشمل الحركة الفلسطينية الأسيرة، التي تواجه اليوم ذروة عمليات المحو الاستعماري الاستيطاني. ففي ظل تصعيد غير مسبوق، تشهد السجون وجهًا آخر من وجوه الإبادة عبر تنفيذ عمليات قتل وإعدام متعمدة للأسرى والمعتقلين. وقد بلغت حصيلة الشهداء الأسرى الذين أُعلِن عن هوياتهم منذ بداية الحرب 77 شهيداً على الأقل، بينما يظل العشرات من معتقلي غزة الذين استشهدوا قيد الإخفاء القسري. تشكّل هذه الحصيلة شهادة دامغة على أكثر الأزمنة وحشية في تاريخ حركتنا الأسيرة التي صمدت لعقود في مواجهة منظومة السجون التي عملت على تدمير الأسير جسدياً ونفسياً وتصفيته بشتى الوسائل.

وبناءً على مئات الشهادات الموثقة والقرائن المادية، والتهديدات العلنية المتطرفة التي صدرت عن الوزير “إيتمار بن غفير” وحكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، فإن مؤسسات الأسرى تؤكّد على أن ما يجري بحق الأسرى يتجاوز الانتهاكات الجسيمة ليشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت على نطاق واسع وشكّلت المنظومة القضائية “الإسرائيلية” بما فيها المحكمة العليا غطاء للممارسة المزيد من التوحش بحقّ الأسرى. ويشمل ذلك: جرائم التعذيب، القتل، السلب، التجويع، التسبب المتعمد في نشر الأمراض والأوبئة، الحرمان من العلاج، والاعتداءات الجنسية التي وصلت إلى حد الاغتصاب بالإضافة إلى سياسة العزل الجماعي. إن هذه الممارسات التي تهدف إلى التدمير الممنهج للأسرى الفلسطينيين على الصعيدين الجسدي والنفسي، تحمل دلالات واضحة على إبادة ممتدة تمارسها “دولة الاحتلال الإسرائيلي” في منشآتها الاعتقالية. لقد تجاوزت كثافة الإجرام والتوحش الذي وثقناه على مدار عامين كل الأوصاف القانونية، متجاوزة ومنتهكة بذلك كل القوانين والأعراف الدولية والاتفاقيات وسط حالة العجز غير المسبوقة الذي أظهرته المنظومة الدولية، وتحديداً في ظل حالة الاستثناء التي منحتها قوى دولية للجرائم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وع ذلك فإننا كمؤسسات حقوقية، ورغم قتامة المشهد، لا يمكن أن نتجاهل دور الحقوقيين المناضلين أو أهمية تفعيل القرارات الدولية الداعمة لحق شعبنا في الحرية وتقرير المصير.

ففي الوقت الذي تواصل فيه “دولة الاحتلال” ارتكاب جريمتها المستمرة المتمثّلة في الإبادة على مدار عامين، نشهد اليوم استمرار اعتقال العشرات من متضامني “أسطول الصمود”، الذين كشفوا في شهاداتهم عن تعرّضهم للتنكيل وسوء المعاملة واحتجازهم في ظروف قاسية. ويأتي ذلك إلى جانب التهديدات العلنية التي أطلقها الوزير المتطرف إيتمار بن غفير ضدّ المتضامنين، واصفًا إيّاهم بـ”الإرهابيين”. وفي هذا السياق، تُوجّه المؤسسات تحيّتها إلى جميع المتضامنين الذين حاولوا كسر الحصار المفروض على شعبنا في غزة.

أبرز القضايا المرتبطة بواقع الأسرى داخل سجون الاحتلال منذ الإبادة

واستناداً لمتابعة المؤسسات الشريكة (هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان). نستعرض عبر هذه الورقة أبرز المعطيات التي تعكس معنى الإبادة الممتدة في السجون والمعسكرات، وتشمل الورقة معطيات عن أعداد حالات الاعتقال التي سُجلت على مدار عامين من الحرب، إضافة إلى معطيات محدّثة حول أعداد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيليّ.

أبرز السياسات والانتهاكات التي رصدتها المؤسسات ووثّقتها منذ بدء الإبادة

رصدت المؤسسات الحقوقية ووثّقت منذ بدء الإبادة تصاعدٍ غير مسبوق في حجم ونطاق الجرائم والانتهاكات الممنهجة، التي تُمارس بشكل واسع بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. ومن أبرز هذه الجرائم:

· التعذيب بمختلف أشكاله الجسدية والنفسية.

·التجويع الممنهج وحرمان الأسرى من الطعام الكافي والمتوازن.

· الجرائم الطبية بما في ذلك الحرمان من العلاج، والتعمّد في فرض ظروف تؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة.

· العزل الجماعي وسياسات السلب والحرمان التي طالت جميع تفاصيل الحياة الاعتقالية.

· عمليات القمع الممنهجة التي تنفذها وحدات خاصة تابعة لإدارة سجون الاحتلال، أبرزها وحدات “كيتر والمتسادا والنحشون”.

· الاعتداءات الجسدية العنيفة واستخدام الغاز والقنابل الصوتية وأسلحة الصعق الكهربائي.

· سياسات الإذلال والتفتيش العاري، والاعتداءات الجنسية بما فيها الاغتصاب.

· استخدام المرض كأداة للتعذيب، كما في حالة تفشي مرض الجرب (السكابيوس).

· الإرهاب النفسي والعزل الانفرادي، والتهديد بالقتل والتصفية.

· إلى جانب ذلك، تصاعدت سياسات الاعتقال التعسفي، حيث برزت ذرائع جديدة لتبرير الاعتقال، أبرزها الاعتقال الإداري الذي شكّل نقطة تحوّل خطيرة، والاعتقال على خلفية التحريض، إضافة إلى تصنيف غالبية معتقلي غزة بوصفهم “مقاتلين غير شرعيين”، ما فتح الباب أمام ارتكاب مزيد من الانتهاكات الجسيمة بحقهم.

· سياسة الإخفاء القسري بحقّ معتقلي غزة

الشهداء الأسرى: أكثر الأزمنة دموية في تاريخ الحركة الأسيرة

بلغ عدد الشهداء الأسرى الذين تمّ الإعلان عنهم 77 شهيدًا، استُشهدوا نتيجة عمليات التعذيب والتجويع والحرمان من العلاج، وهؤلاء فقط من تمّ الكشف عن هوياتهم، في حين لا يزال العشرات من معتقلي غزة الذين استُشهدوا رهن الإخفاء القسري.

كما تحتجز سلطات الاحتلال جثامين 85 أسيرًا استُشهدوا داخل السجون، من بينهم 74 منذ بدء حرب الإبادة.

ويُقدَّر عدد شهداء الحركة الفلسطينية الأسيرة منذ عام 1967 بـ 314 شهيدًا، وذلك استنادًا إلى ما تمكّنت المؤسسات الحقوقية من توثيقه على مدار العقود الماضية حتى اليوم.

ونؤكد هنا أنّ ادعاءات الاحتلال بشأن فتح “تحقيقات” في ظروف استشهاد عدد من الأسرى، بعد توجّه بعض المؤسسات الحقوقية بطلبات رسمية، تأتي في إطار المماطلة والتضليل ليس إلا.

قضية معتقلي غزة

شكّلت روايات وشهادات معتقلي غزة تحولًا مفصليًا في فهم مستوى التوحش الذي تمارسه منظومة الاحتلال، إذ كشفت عن نمط غير مسبوق من جرائم التعذيب الممنهج التي بدأت منذ لحظة الاعتقال، مرورًا بعمليات التحقيق، ووصولًا إلى فترات الاحتجاز الطويلة.

وتنوّعت أساليب القمع والانتهاك بين التعذيب الجسدي والنفسي، وعمليات التنكيل والتجويع، والجرائم الطبية المتعمدة، فضلًا عن الاعتداءات الجنسية، لتشكّل جميعها مشهدًا مكتمل الأركان لسياسة الإبادة داخل السجون والمعسكرات.

وقد أدّت هذه الجرائم إلى استشهاد عشرات المعتقلين، فضلًا عن عمليات الإعدام الميداني التي نفّذتها قوات الاحتلال بحق آخرين. وتشير المعطيات الرسمية إلى أنّ المؤسسات الحقوقية أعلنت حتى الآن عن (46) شهيدًا من معتقلي غزة، من بين (77) أسيرًا ومعتقلًا استُشهدوا منذ بدء حرب الإبادة، في حين يواصل الاحتلال إخفاء العشرات من شهداء معتقلي غزة.

كما يُشار إلى أنّ سلطات الاحتلال أنشأت عددًا من المعسكرات والأقسام الخاصة داخل السجون لاحتجاز معتقلي غزة، من أبرزها معسكر “سديه تيمان” الذي تحوّل إلى العنوان الأبرز لجرائم التعذيب والقتل، وقسم “ركيفت” الواقع تحت الأرض في سجن “الرملة”، والذي يُعدّ نموذجًا صارخًا لممارسات الإخفاء والتعذيب الممنهج، علماً أن الغالبية العظمى من معتقلي غزة الذين اعترفت بهم إدارة السجون مصنفون “بالمقاتلين غير الشرعيين”، واحد من أبرز القوانين الذي رسخ جرائم التعذيب بحقّ معتقلي غزة.

 نحو 20 ألف حالة اعتقال في الضفة بما فيها القدس منذ بدء حرب الإبادة

لا يشمل هذا المعطى حالات الاعتقال في غزة والتي تقدر بالآلاف إضافة إلى حالات الاعتقال في الأراضي المحتلة عام 1948

بلغ عدد حالات الاعتقال في الضفة بما فيها القدس منذ بدء حرب الإبادة نحو 20 ألف حالة اعتقال، من بينهم نحو (1600) طفل، و نحو(595) من النساء، حيث تشمل حالات الاعتقال من اعتُقل وأبقى الاحتلال على اعتقاله ومن أُفرج عنه لاحقًا، ليشكل هذا المعطى فارقاً تاريخياً في أعداد من تعرضوا للاعتقال في غضون عامين فقط، مع التأكيد على أنّ هذا المعطى لا يشمل حالات الاعتقال في غزة والتي تقدر بالآلاف، وكذلك المعطيات المتعلقة بحملات الاعتقال في الأراضي المحتلة عام 1948.

رافق عمليات الاعتقال في الضّفة، جرائم وانتهاكات غير مسبوقة، شملت عمليات تنكيل واعتداءات بالضرب المبرّح، وعمليات إرهاب منظمة بحقّ المعتقلين وعائلاتهم، إلى جانب عمليات التّخريب والتّدمير الواسعة في منازل المواطنين، ومصادرة المركبات، والأموال، ومصاغ الذهب، إلى جانب عمليات التدمير الواسعة التي طالت البُنى التّحتية تحديدًا في مخيمات طولكرم، وجنين ومخيمها، وهدم منازل تعود لعائلات أسرى، واستخدام أفراد من عائلاتهم كرهائن، إضافة إلى استخدام معتقلين دروعاً بشرية، وتنفيذ عمليات إعدام ميداني، إلى جانب استخدام عمليات الاعتقال واستهداف المواطنين، كغطاء لعمليات الاستيطان في الضفة.

•تشمل حصيلة حملات الاعتقال منذ بدء حرب الإبادة، كل من جرى اعتقالهم من المنازل، وعبر الحواجز العسكرية، ومن اضطروا لتسليم أنفسهم تحت الضغط، ومن اُحتجزوا كرهائن، إلى جانب عمليات التحقيق الميداني التي استمر الاحتجاز بها لساعات طويلة.

علماً أن عمليات التحقيق الميداني الواسعة طالت الآلاف منذ بدء الإبادة، وفيها مارس جنود الاحتلال جرائم لا تقل بمستواها عن جرائم التعذيب في مراكز التحقيق والتوقيف.

من ضمن الفئات التي تابعت المؤسسات حالات الاعتقال بين صفوفها

الصحفيون: حيث وصل عدد الصحفيون الذين تعرضوا الاعتقال بعد الحرب: (202)، غالبيتهم إمّا تم تحويلهم إلى الاعتقال الإداريّ، أو توجيه “تهم” تتعلق بما يدعيه الاحتلال “بالتحريض” أي الاعتقال على خلفية حرّية الرأي والتعبير، نذكر هنا أن اثنين من الصحفيين من غزة ما زالوا رهن الإخفاء القسري، وهما نضال الوحيدي، وهيثم عبد الواحد.

الأطباء والكوادر الطبيّة: بحسب وزارة الصّحة فإن عدد الكوادر الطبية الذين تعرضوا للاعتقال نحو 360، من بينهم ثلاثة استشهدوا داخل سجون الاحتلال نتيجة لعمليات التعذيب وهم: إياد الرنتيسي، وعدنان البرش، وزياد الدلو.

تحديث لأعداد الأسرى في سجون الاحتلال وأبرز الفئات

النسبة الأعلى بين صفوف الأسرى هم معتقلون إداريون

تضاعف أعداد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، إلى أكثر من النصف، وغالبية المعتقلين، هم معتقلون إداريون أي بلا تهمة، والتي شكّلت قضية الاعتقال الإداري أبرز التحولات الكبيرة التي شهدتها قضية الأسرى.

هذه المعطيات تستند إلى مؤسسات الأسرى وما أعلنته إدارة سجون الاحتلال من معطيات حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

معطيات وإحصائيات حول أعداد الأسرى داخل سجون الاحتلال – أكتوبر/ تشرين الأول 2025

ارتفع إجمالي عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى أكثر من 11,100 أسير ومعتقل، غالبيتهم من المعتقلين الإداريين والموقوفين.

بلغ إجمالي عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى بداية أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أكثر من 11,100، علمًا أن هذا الرقم لا يشمل المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال. ويُعدّ هذا العدد الأعلى منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وذلك استنادًا إلى المعطيات التوثيقية المتوفرة لدى المؤسسات المختصة.

بلغ عدد الأسرى المحكومين، بحسب ما أعلنت عنه إدارة سجون الاحتلال حتى شهر أكتوبر/ تشرين الأول، أكثر من 1,460 أسيرًا.

يبلغ عدد الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد ومن تقدمت بحقهم لوائح اتهام تمهيدًا لإصدار أحكام بالمؤبد نحو 350 أسيرًا، منهم (303) محكومين، و(40) قدمت بحقهم لوائح اتهام لإصدار حكم المؤبد بحقهم،

ويُعدّ الأسير عبد الله البرغوثي صاحب أعلى حكم بـ 67 مؤبدًا، يليه الأسير إبراهيم حامد المحكوم بـ 54 مؤبدًا.

يبلغ عدد الأسرى القدامى المعتقلين منذ ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو (17) أسيرًا، ومن بينهم أربعة أسرى معتقلين بشكل متواصل منذ عام 1986، وهم: إبراهيم أبو مخ، إبراهيم بيادسة، أحمد أبو جابر، سمير أبو نعمة.

يبلغ عدد الأسرى المحكومين ما بين 10 أعوام إلى 20 عام، (131) أسيراً.

يبلغ عدد الأسرى المحكومين من 21 عاماً إلى 30 عاماً، (166) أسيراً.

يبلغ عدد الأسيرات حتى تاريخه 53 أسيرة، بينهن ثلاث أسيرات من غزة، وطفلتان.

بلغ عدد الأطفال الأسرى حتى تاريخه أكثر من 400 طفل، محتجزين في سجني (عوفر، ومجدو).

بلغ عدد الأسرى الموقوفين، بحسب ما أعلنت عنه إدارة سجون الاحتلال حتى شهر أكتوبر/ تشرين الأول، نحو 3,380 أسيرًا.

بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3,544 معتقلًا، وهي النسبة الأعلى مقارنةً بأعداد الأسرى الموقوفين والمحكومين والمصنّفين كـ”مقاتلين غير شرعيين”.

بلغ عدد المعتقلين المصنّفين “كمقاتلين غير شرعيين” 2,673 معتقلًا، علمًا أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنّفين ضمن هذه الفئة. ويُذكر أن هذا التصنيف يشمل أيضًا معتقلين عربًا من لبنان وسوريا.

أعداد الأسرى قبل الحرب

– بلغ إجمالي عدد الأسرى قبل حرب الإبادة أكثر من 5,250 أسيرًا، من بينهم نحو 40 أسيرة و180 طفلًا، فيما بلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 1,320 معتقلًا.

– نشير هنا إلى أنّه ومنذ بدء الإبادة حرمت سلطات الاحتلال عائلات الأسرى من زيارتهم، كما ومنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى في السجون.

– نشير كذلك إلى أنّ المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، تواجه تحديات كبيرة وعملية تصفية ممنهجة، تصاعدت بشكل غير مسبوق مؤخراً، بعد أنّ صنفت الولايات المتحدة الأمريكية مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، أنها منظمة “إرهابية” إلى جانب فرض عقوبات على ثلاث مؤسسات أخرى وهي “الحق، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والميزان”.

– جميع المعلومات التي تستند إليها المؤسسات: عبر الطواقم القانونية التي تقوم بزيارة ومتابعة الأسرى، وعبر الشهادات والإفادات للأسرى المفرج عنهم، وكذلك من خلال الرصد والتوثيق اليومي.

– تجدد المؤسسات مطالبته للمنظومة الدولية بخلع ثوب العجز والتواطؤ إزاء حرب الإبادة لم تلقَ أي أثر ملموس على أرض الواقع، حيث وصلت الجرائم المرتكبة إلى مستوى لا يمكن وصفه بالكلمات. إنّ ما يجري يمثل جزءاً من عمليات التطهير العرقي والمحو، وما يُمارس بحق الأسرى والمعتقلين هو امتداد مباشر لحرب الإبادة. وإنّ استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم هو مساس بالإنسانية جمعاء، وستطال نتائج هذه الحرب كل من اتخذ من العجز ذريعة للتنصل من مسؤولياته.

غزة خلف القضبان.. الإبادة الصامتة في السجون الإسرائيلية

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

بعد عامين من اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تزال شظايا الإبادة تتناثر في تفاصيل الحياة الفلسطينية، من الركام الذي غطى الأحياء المدمرة إلى السجون التي ضاقت بأجساد الأسرى وأنينهم.

فالحرب لم تتوقف عند حدود القطاع، لقد امتدت إلى عمق السجون الإسرائيلية، حيث يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين حربا من نوع آخر – حربا بلا بارود، لكنها لا تقل فتكا عن القصف المستمر. في تلك الزنازين المعزولة، تتجسد سياسة الاحتلال في أقسى صورها: تجويع متعمّد، تعذيب ممنهج، وحرمان من الدواء والرعاية، حتى غدت السجون امتدادا طبيعيا لجبهات العدوان. الأسير الفلسطيني لم يعد مجرد رقم خلف القضبان، أصبح شهيدا مؤجلا ينتظر دوره في قائمة القتل البطيء، كما تصفها المؤسسات الحقوقية.

حملة انتقامية وإبادة صامتة

فمنذ الساعات الأولى للحرب، شنت مصلحة السجون الإسرائيلية حملة انتقامية غير مسبوقة ضد الأسرى، خصوصا أبناء غزة، الذين نقل المئات منهم إلى مراكز اعتقال سرية، أبرزها سجن سديه تيمان الذي تحول إلى معسكر أشبه بمعتقلات الحرب، ُمارس فيه أبشع أشكال الإذلال والضرب والتجويع.

ومع مرور عامين على تلك الحرب، تواصل إدارة السجون حرمان الأسرى من أبسط الحقوق التي تضمنها اتفاقية جنيف الرابعة، فيما تتصاعد أعداد الشهداء داخل المعتقلات نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.

فقد وثقت المؤسسات الحقوقية استشهاد 77 أسيرا فلسطينيا منذ أكتوبر 2023، معظمهم من أبناء قطاع غزة، فيما وصفته مؤسسة العهد الدولية بأنه “إبادة صامتة داخل السجون”، حيث يستخدم الجوع والمرض كأدوات قتل لا تقل بشاعة عن القنابل.

إنها حرب ل تخاض في الميدان وخلف الجدران؛ حرب تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحطيم صمودهم، لكنها كما في غزة لم تفلح في إخماد روح المقاومة أو محو الوعي.

السجون كامتداد لجبهات الحرب

منذ الساعات الأولى لحرب السابع من أكتوبر، أطلقت إدارة السجون الإسرائيلية ما وصفه الحقوقيون بـ “الخطة الانتقامية الشاملة”، لتحويل حياة الأسرى إلى جحيم يومي. لم تكن السجون بعيدة عن مناخ الإبادة الذي عم قطاع غزة؛ وإنما تحولت إلى جبهة موازية، خاض فيها الاحتلال حربا صامتة ضد أجساد الأسرى وأرواحهم.

فقد أعلن عن حالة “الطوارئ الأمنية القصوى” داخل جميع السجون، وبدأت معها سلسلة إجراءات عقابية جماعية غير مسبوقة:

إغلاق الكانتينا (متجر السجن)، تقليص وجبات الطعام إلى الحد الأدنى، منع الخبز والملح لفترات طويلة، وحرمان الأسرى من الاستحمام لأيام متتالية. كما صودرت الملابس والأغطية الشخصية، وأُطفئت الكهرباء والمياه الساخنة في كثير من الأقسام، في مشهد وصفه نادي الأسير الفلسطيني بأنه “محاولة ممنهجة لإخضاع الأسرى وإلغاء إنسانيتهم”.

أما أبناء قطاع غزة فكانوا في صلب هذه الحرب. فقد نقل المئات منهم، بعد اعتقالهم خلال الاجتياحات البرية، إلى معسكرات احتجاز سرية مثل سجن سديه تيمان ومعتقل عتصيون وعوفر، وتم استحداث عدة سجون لاستيعاب الأعداد الكبيرة من معتقلي غزة الذين فُقد التواصل معهم تماما، من هذه السجون والمعسكرات: منشة، نفتالي، عناتوت، راكيفت، معسكر عوفر.

ووصفت مؤسسة العهد الدولية أن هؤلاء الأسرى “يعاملون كأسرى حرب في معسكرات إذلال”، مؤكدة أن العديد منهم “يحتجزون مكبّلي الأيدي والأقدام، عراة أحيانا، دون طعام كاف أو علاج”.

وأكدت مؤسسة العهد الدولية من خلال شهادات أسرى محررين أن إدارة السجون استخدمت التعذيب الممنهج كسياسة انتقامية، شملت الضرب المبرح، الصعق الكهربائي، الرصاص المطاطي، الحرق، الحرمان من النوم، والعزل الانفرادي المطول وغيره من أدوات التعذيب المميتة. كما منعت زيارات المحامين والصليب الأحمر لأشهر طويلة في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.

وفي سجن “نفحة” وحده، وثق الأسرى أكثر من 180 حالة اعتداء جماعي خلال عام 2024، تخللها تكسير لمقتنيات الأسرى وسحب الفُرش من الغرف.

وتزامن ذلك مع تصريحات لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي أعلن صراحة عن “تقليص ظروف حياة الأسرى إلى الحد الأدنى”، وصرّح في نوفمبر 2023 قائلاً: “من غير المعقول أن يعيش الإرهابيون في السجون أفضل من جنودنا في الجبهات.”

كانت تلك الجملة بمثابة إشارة البدء لحملة تعذيبٍ منظمة امتدت على مدار عامين، أفضت إلى استشهاد عشرات الأسرى، معظمهم من أبناء غزة الذين اعتُقلوا خلال العمليات العسكرية أو أثناء النزوح.

وفي هذا السياق، أكد تقرير مشترك بين نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان أن عامي 2023 و2024 شهدا “أقسى الظروف التي مر بها الأسرى منذ عقود”، مشيرًا إلى أن السجون تحولت إلى “مختبرات لإدارة الجوع والعقاب النفسي والجسدي”، وأن إدارة السجون “تتعامل مع الأسرى كأهداف عسكرية لا كبشر”.

إن السجون والمعسكرات هي امتدادا لحرب سياسية وأمنية تمارس بوسائل مختلفة: السلاح في غزة، والحرمان في السجن. وكأن الاحتلال أراد أن يطوق الفلسطيني أينما كان، إن نجا من القصف، فلن ينجو من الأسر، وإن خرج من تحت الركام وجد نفسه تحت سياط الجوع والعزلة.

إحصائيات الأسرى والمعتقلين

وفقًا للمعلومات المتاحة حتى بداية أيلول/سبتمبر 2025، ارتفع إجمالي عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى أكثر من 11,100 أسير ومعتقل. يُعد هذا الرقم الأعلى منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، ولا يشمل المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال تتوزع هذه الأعداد على النحو التالي:

•الأسيرات: يبلغ عددهن (51) أسيرة، بينهن أسيرتان من قطاع غزة.

•الأطفال: بلغ عددهم أكثر من (400) طفل.

•المعتقلون الإداريون: بلغ عددهم (3,577) معتقلًا، وهي النسبة الأعلى مقارنة بأعداد الأسرى الموقوفين والمحكومين.

•المعتقلون المصنفون “كمقاتلين غير شرعيين”: بلغ عددهم (2,662) معتقلًا.

 من المهم الإشارة إلى أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنفين بهذا التصنيف، ويشمل أيضًا معتقلين عربًا من لبنان وسوريا.

تظهر هذه الإحصائيات حجم الاعتقالات الواسع النطاق الذي يمارسه الاحتلال، وتفاقم سياسة العقاب الجماعي، خاصة مع تزايد أعداد المعتقلين الإداريين والمصنفين “كمقاتلين غير شرعيين”، مما يعكس استهدافا ممنهجا للمجتمع الفلسطيني.

الإهمال الطبي: القتل البطيء كسياسة منهجية

يعد الإهمال الطبي أحد أكثر أوجه المعاناة قسوة داخل السجون الإسرائيلية، ويُعتبر سياسة ممنهجة تؤدي إلى “القتل البطيء” للأسرى. فمن بين الأسرى المرضى، هناك أكثر من ٢٥ أسيرًا مصابون بأورام سرطانية، وآخرون بأمراض في القلب والرئتين والمعدة، لكنّ العلاج غالبا ما يُؤجّل أو يُمنع بالكامل.

وتكشف شهادات عديدة أن إدارة السجون تتعمد تأخير الفحوص الجراحية والأدوية حتى تتدهور الحالة الصحية للأسير، وهي سياسة وصفتها مؤسسة العهد الدولية بـ “إعدام بطيء”.

وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فإن ١١٢ أسيرًا استشهدوا منذ عام 1967 نتيجة الإهمال الطبي، من بينهم عدد متزايد في السنوات الأخيرة. وتشير تقديرات عام 2025 إلى أن هناك أكثر من ٢٥ أسيرًا مصابون بالسرطان يواجهون خطر الموت دون علاج.

من الأمثلة البارزة مؤخرا على هذه السياسة والتي رصدتها مؤسسة العهد الدولية حالة الأسير القائد فواز بعارة من مدينة نابلس، الذي يعاني من ورم سرطاني وفقدان تدريجي للبصر وضعف في عضلة القلب، لكنه لا يتلقى سوى مسكنات بسيطة. وقد أكدت ابنته وفق شهادتها لمؤسسة العهد أن الاحتلال يماطل في إجراء عملية قلب مفتوح له، معبرة عن خشيتها من أن يفقده كما فقدوا كثيرين.

التعذيب والوفاة الغامضة: ما وراء الجدران

شهد العامان الأخيران ارتفاعًا مقلقا في عدد حالات استشهاد الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وغالبيتهم من قطاع غزة. وتشير المؤسسات الحقوقية الفلسطينية إلى أن ٧٧ أسيرًا فلسطينيًا استُشهدوا داخل سجون ومراكز احتجاز الاحتلال منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023، غالبيتهم من قطاع غزة، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي والتجويع المتعمد.

وقد أكدت مؤسسة العهد الدولية أن شهادات موثوقة من داخل السجون وخارجها تشير إلى أن العديد من الأسرى الغزيين استُشهدوا تحت التعذيب أو بفعل الإهمال الطبي المتعمد. كما بينت مؤسسة العهد الدولية وجود “حالات وفاة غامضة لعدد من المعتقلين من غزة الذين احتجزوا في سجن سديه تيمان العسكري ومراكز تحقيق سرية موضحة من خلال الشهادات أساليب التعذيب المختلفة، بما في ذلك الضرب المبرح، والعنف الجنسي، والتعذيب النفسي، وظروف الاحتجاز اللاإنسانية”.

القانون الدولي… بين النصوص المعطلة والواقع الغائب

تنص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على وجوب توفير الرعاية الصحية للمعتقلين، وضمان نظافة أماكن احتجازهم، والسماح بزيارات دورية من الصليب الأحمر. إلا أن واقع السجون الإسرائيلية، كما تصفه التقارير الحقوقية، يناقض تلك الالتزامات بالكامل.

وقد دعت مؤسسة العهد الدولية اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ”تشكيل لجنة تحقيق دولية عاجلة” لمتابعة ما وصفتها بـ”جرائم الحرب المرتكبة داخل السجون الإسرائيلية”، مشددة على أن “صمت المجتمع الدولي على هذه الجرائم يشجع الاحتلال على التمادي في سياساته اللاإنسانية ضد الأسرى”.

منظمة العفو الدولية أكدت أن إسرائيل ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وأن آلاف الفلسطينيين تعرضوا للاحتجاز التعسفي والمعاملة السيئة التي وصلت إلى حد التعذيب.

كما أن تقرير مركز العودة الفلسطيني يدعو إلى إجراء تحقيقات دولية مستقلة وعاجلة تحت إشراف الأمم المتحدة، وتعزيز الجهود لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائمهم ضد الإنسانية.

الأسرى مرآة الحرب

في الذكرى الثانية لحرب الإبادة على غزة، تكشف معاناة الأسرى داخل السجون عن الوجه الخفي لتلك الحرب: حرب تخاض ضد الجسد والروح في آنٍ واحد. فبينما يهدم البيت في غزة بالصواريخ، يهدم الجسد في السجن بالإهمال. وبينما تدفن العائلات تحت الركام، يُدفن الأسرى تحت طبقات من العزلة والحرمان.

رغم كل ما يعيشه الأسرى من قهرٍ وعتمةٍ وظلمٍ، إلا أن روحهم تبقى عصيّة على الانكسار.

في رسائلهم القليلة التي تتسرب عبر المحامين، يكتبون عن وطن لم يغادرهم، وعن حلم واحد يتكرر: الحرية.

إن الأسرى الفلسطينيين، وخاصة من قطاع غزة، يواجهون سياسة انتقامية ممنهجة تهدف إلى كسر إرادتهم وتحطيم معنوياتهم. صمت المجتمع الدولي وعدم تحركه الفعال يشجع الاحتلال على التمادي في هذه الجرائم التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. يتطلب هذا الوضع تحركا دوليا عاجلا ومحاسبة المسؤولين لضمان حقوق الأسرى ووقف هذه الانتهاكات الصارخة.

رمزان نزفا في الميدان.. وسقطا في قوائم النسيان

بقلم: أمجد النجار – مدير عام نادي الأسير الفلسطيني

في كل حكاية نضال فلسطيني، نجد رموزاً دفعوا من أعمارهم وصحتهم ودمهم ثمناً للحرية. من هؤلاء، يبرز اسم الأسير القائد محمد عمر خرواط فهمي ناصر الدين، المعروف بـ أبو فهمي، أحد أبرز قادة الحركة الأسيرة، وسجين المقاومة والوفاء، والذي لا تزال والدته تنتظره منذ أكثر من 23 عاماً، دون أن تكتمل فرحتها بالإفراج عنه، بعد شطب اسمه المفاجئ من قوائم الأسرى الذين كان من المقرر تحريرهم.

سيرة نضال… من الطفولة إلى القيد

ولد الأسير محمد عمر خرواط في محافظة الخليل عام 1971، ونشأ في بيئة وطنية مقاومة، فانخرط في صفوف النضال الفلسطيني منذ عمرٍ مبكر. برز دوره خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، حيث كان من بين قيادات العمل الميداني الشعبي، وتعرض للاعتقال عدة مرات في تلك المرحلة. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، كان من أوائل الملتحقين بالمقاومة المسلحة، حيث لاحقته قوات الاحتلال، وتعرض لمحاولات اغتيال متكررة. وفي إحدى هذه المحاولات، أُصيب برصاص الاحتلال، إلا أنه واصل طريق النضال رغم إصاباته.

الاعتقال ومحاولة الاغتيال

في 29 نيسان/ أبريل 2002، اعتقل الاحتلال الإسرائيلي الأسير خرواط بعد اشتباك مسلح عنيف، استشهد خلاله خمسة من رفاقه، فيما أُصيب هو بجروح بالغة إثر إصابته بعدة رصاصات وشظايا. عقب اعتقاله، خضع لتحقيقٍ قاسٍ وطويل، لينتهي المطاف بمحاكمته بالسجن المؤبد أربع مرات، بتهمة قيادته لمجموعات مقاومة فلسطينية وضلوعه في عمليات ضد الاحتلال.

الاعتقال القاسي والعزل الانفرادي

لم يتوقف العقاب عند الحكم بالمؤبد، بل مارست سلطات الاحتلال بحقه سياسات ممنهجة من التنكيل والإهمال المتعمد. فقد خضع مراراً للعزل الانفرادي، بدءاً من عزله في سجن ريمون، ثم نقله إلى جلبوع، ومن ثم إلى زنازين أيالون-الرملة، وبعدها إلى مجدو، لينتهي به المطاف إلى زنازين هشارون، بعد تكرار عزله مجدداً لأسباب وذرائع أمنية واهية. منذ تاريخ 9 آذار/ مارس 2020، وُضع في العزل بشكل متواصل، حيث حُرم من الزيارات العائلية والاتصال الهاتفي، ويقتصر تواصله مع العالم الخارجي على محاميه فقط.

كما يعاني من سوء المعاملة المتعمدة؛ إذ يتم تقييده بالأصفاد في يديه وقدميه عند نقله، حتى إلى “الفورة”، التي لا يُسمح له بالخروج إليها سوى ساعة واحدة يومياً، إضافة إلى تقديم وجبات غذائية سيئة في الكمية والنوعية، ومصادرة كافة مقتنياته الشخصية.

حرمان من وداع والده

في عام 2018، توفي والد الأسير خرواط، إلا أن الاحتلال منعه من وداعه الأخير، ضمن سياسة تنكيل إنسانية تسعى إلى كسر صمود الأسرى وعائلاتهم.

الحرمان من الحرية: فرحة لم تكتمل

رغم كل ما قدمه من تضحيات، فوجئت عائلة الأسير خرواط، كما عائلات عدد من الأسرى القدامى، بشطب اسمه من قائمة الأسرى المزمع الإفراج عنهم، ضمن صفقة تبادل مرتقبة أو اتفاق تسوية، ما شكل انتكاسة نفسية كبيرة للعائلة، وصدمة لكل من رافق مسيرة أبو فهمي النضالية. كانت والدته تأمل، بعد أكثر من عقدين من الانتظار، أن تحتضنه أخيراً، وأن يخرج من زنزانته ليعود إلى حضنها، لكنها تفاجأت بأن اسم نجلها أُقصي دون توضيحات أو مبررات، ما زاد من ألم الانتظار وأثقل قلبها المكلوم.

نموذج للصمود داخل الحركة الأسيرة

رغم الإهمال، والعزل، والأحكام العالية، والحرمان من حقوقه الأساسية، يواصل الأسير محمد عمر خرواط لعب دوره الريادي داخل الحركة الأسيرة، كقائد من قادتها، وكمصدر إلهام لصغار الأسرى الجدد، الذين يرون فيه أنموذجاً للثبات، والإيمان بالحرية، والرفض للانكسار.

ختاماً

قضية الأسير محمد عمر خرواط ليست مجرد قصة أسير، بل هي مرآة لواقع آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون خلف القضبان، دون أن تنصفهم السياسة أو الإعلام. إن شطب اسمه من قوائم الإفراج يفتح الباب مجدداً للتساؤل عن عدالة الصفقات، ومعاييرها، ومن يحدد مصير الأسرى القدامى والقادة. وإلى أن تكتمل فرحة والدته وأحبته، سيبقى أبو فهمي صوتًا في وجه القيد، وضميرًا حيًّا في ذاكرة نضال شعب لا ينسى أبناءه.

عشرون عامًا من الفجر المؤجل… شمس الحرية تقترب لمراد أبو الرب

بقلم: سامي إبراهيم فودة

بعد عشرين عاماً من الغياب، من ليالٍ طويلة كانت تتنفس الصبر وتكتب على جدران الزنازين حكايات الوفاء للوطن، تلوح اليوم في الأفق شمس الحرية للأسير البطل مراد أبو الرب (أبو الرضا)، أحد أبناء فلسطين الأوفياء الذين صبروا وثبتوا على عهدهم مع الأرض والكرامة. اقتربت الساعة التي انتظرناها طويلاً، لكن ما يوجع القلب أن والده الذي كان يحلم بهذا اليوم، قد رحل إلى الجنان قبل أن يرى ولده يعانق فجر الحرية…إلا أن روحه الطاهرة حتماً تبتسم الآن من عليائها، وهي ترى ابنها يقهر القيد، ويخرج من غياهب السجن مرفوع الرأس، شامخاً كما عرفناه دوماً.

ها هو مراد أبو الرب (أبو الرضا) يقترب من معانقة الحرية بعد عشرين عاماً من الاعتقال، عشرون عاماً كانت فلسطين فيها الحلم الوحيد، والوفاء عنواناً لا يُنسى.

في زنازين الاحتلال كتب فصول عزٍّ لا تُمحى، وتغلّب على السجّان بالصبر والإيمان، كان جرحه وساماً، وصموده صلاة لا تنطفئ.

كم من فجرٍ تأخر!

وكم من نداءٍ ظلّ يطرق الأبواب في انتظار هذا اليوم!

لكن الحق لا يموت، والزهر لا يذبل في صدور الأحرار.

لقد غاب الأب، وترك خلفه وعداً محفوراً في الذاكرة:

“سيعود مراد، ولو بعد حين…”

واليوم، يعود “أبو الرضا” ليكتب ما تبقّى من الحكاية خارج الأسوار، يعود ليزرع خطاه على ترابٍ اشتاق له، بين أمٍ تدمع فرحاً، ورفاقٍ يرفعون صورته ويهتفون باسمه.

هي ليست مجرد لحظة حرية،

بل لحظة وفاء لكل الأسرى الذين ما زالوا خلف القضبان، ولأرواح من سبقوهم إلى السماء وهم يحلمون بهذا اللقاء.

سلامٌ لمراد، وسلامٌ لكل من حمل وجع الوطن في قلبه عشرين عاماً ولم ينكسر.

سلامٌ لفجرٍ طال انتظاره، لكنه جاء أخيراً يحمل في كفّيه معنى الانتصار.

في ختام سطور مقالي:

يا أبا الرضا…

تخرج من السجن لا وحدك، بل تحمل معك ذاكرة وطنٍ بأكمله، وقلوباً نبضت باسمك طوال عشرين عاماً.

رحم الله والدك الذي غاب عن لحظة العناق، لكنه حاضرٌ في كل دمعة فرح، وفي كل نبضة حرية.

مرحباً بعودتك يا ابن فلسطين… يا وجعها وصبرها وكرامتها.

معزوز بشارات.. من زنازين العزل إلى منفى

بقلم: ثورة ياسر عرفات

هناك رجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعدد الأيام التي واجهوا فيها القيد رافعي الجبين. رجالٌ خرجوا من السجون مكللين بالشرف، لكنهم لم يعودوا إلى بيوتهم… بل إلى منفى لا يشبه الوطن. أحد هؤلاء الرجال هو معزوز راضي أحمد بشارات، ابن بلدة طمون قضاء طوباس، وأحد أيقونات الصمود الذين غيّبهم الأسر اثنين وعشرين عامًا، ثم أعادتهم الحرية، لكن إلى أرض غير أرضهم.

وُلد معزوز في 25 نيسان/أبريل 1975، ونشأ في بيئة مشبعة بالانتماء والكرامة. انتمى منذ شبابه إلى حركة فتح – كتائب شهداء الأقصى، وشارك في الانتفاضة الأولى، حيث اعتُقل للمرة الأولى عام 1993. لم يثنه السجن الأول عن مواصلة دربه، فظل حاضرًا في ميدان المقاومة، حتى اعتقل مرة ثانية في 10 آذار/مارس 2003.

كان يوم الاعتقال أشبه بزلزال في بيته، إذ اجتاحت قوات الاحتلال منزله واعتقلته أمام أسرته، وهو أب لثلاث بنات، كانت أصغرهن رضيعة لم تتجاوز أربعة أشهر. نُقل إلى مراكز التحقيق حيث خضع لأسابيع من التعذيب الجسدي والنفسي، ثم صدر بحقه حكم قاسٍ: السجن المؤبد و 35 عامًا.

على مدار اثنين وعشرين عامًا من الاعتقال المتواصل، تنقل معزوز بين سجون الاحتلال وعانى من الإهمال الطبي المتعمد، حيث أصيب بمشاكل صحية في العمود الفقري والأذن والأسنان. ورغم المعاناة، لم ينكسر، بل بدأ من خلف القضبان مشوارًا تعليميًا طويلًا؛ تعلّم القراءة والكتابة، ثم اجتاز شهادة الثانوية العامة “التوجيهي”، وواصل حتى حصل على البكالوريوس في التاريخ والجغرافيا. كما سجّل في برنامج الماجستير في العلوم السياسية، لكنه لم يتمكن من إتمامه بسبب ظروف الحرب.

إلى جانب التعليم، أصبح من أعمدة التثقيف والتنظيم داخل السجون، مشاركًا في إدارة الحياة اليومية وتنظيم صفوف الأسرى. لكن قلبه كان يتألم بصمت حين يرى والدته تزوره وهي تحمل السنين على كتفيها، حتى جاء يوم أنهت فيه زيارتها له وتعرضت لجلطة دماغية أصابتها بالشلل، فحُرم من أن يكون إلى جوارها في محنتها. كما لم يُتح له أن يودّع والده الذي رحل وهو خلف القضبان.

وفي فجر أحد أيام الحرية، جاء الخبر الذي انتظره طويلًا: اسمه مدرج ضمن صفقة “طوفان الأحرار”. لكن فرحته لم تكتمل، فقد أخبره السجّان: “ستخرج، لكنك لن تعود… وجهتك المنفى”.

أُبعد معزوز إلى مصر، وهناك وطأت قدماه أرضًا حرة، لكنها ليست أرضه. حرية منقوصة، بلا أم ولا بيت ولا زقاق يعرفه. لكنه حمل معه ما هو أثمن من الجغرافيا… كرامته.

تحرر معزوز بشارات من القيد، لكن القيد الأكبر بقي في قلبه… فلسطين. لم يساوم، ولم ينكسر، وظل صوته صدى لأصوات الأسرى الذين ما زالوا خلف الجدران. إن قصته ليست مجرد حكاية أسير، بل وثيقة وطنية عن رجلٍ قرر أن يدفع ثمن الكرامة من سنوات عمره. وإلى أن يعود إلى أرض طمون، سيبقى في منفاه يزرع الذاكرة، ويكتب التاريخ بملامح وجهه الموشوم بوجع الأسر…

الخالدون.. الشهيدة البطلة الأسيرة المحررة زكية شموط أم مسعود

بقلم: جلال محمد حسين نشوان

الشهداء شموع ومناراتها

يرحلون ولكن تفاصيل حياتهم ماثلة في وجداننا

ونحن نتذكرك أختاه

يتلعثم اللسان،

وتذبل المآقى،

لكن ضوء الشمس أشرق وتوهج

ونحن نتذكرك

 تتزاحم على بوابة مجد فلسطين العظيم،

 تتوه الحروف

 وتختنق الأصوات ألما وحزنا، ووجعا ذرفت دموع العيون وشردت الأذهان علها تستذكر ماضي جميل غادرنا. واليوم سنبحر في سفينة الشهيدة البطلة زكية شموط “أم مسعود”

أنت أختاه

 بلسم الجراح الذي يكفكف آلامنا

و عمق الإنسانية بكل تجلياتها وإبداعاتها،

رونقها وجمالها

أنت الماجدة التى أضاءت غسق الظلمات،

 أنت حامية بقاءنا وحارسة الحلم الفلسطيني …..

التحقت المناضلة الكبيرة شموط بساحات النضال، وصنعت لنفسها مجدًا وتاريخًا لا ينسى. كما مثلت نموذجًا للمرأة الفلسطينية المناضلة، بكل تفاصيلها؛ ابتداء من المقاومة إلى الأسر مرورًا بالتحقيق في مدينة حيفا الجميلة ولدت زكية شموط عام 1945م، التحقت بالعمل الفدائي المقاوم عام 1968؛ أي في السنة الثالثة والعشرين من عمرها، لتكون من أوائل الفدائيات الفلسطينيات اللواتي نفذن عمليات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. ولقد بلغ عدد العمليات التي نفذتها 7 عمليات، وذلك في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات؛ ما أسفر عن سقوط عشرات الإسرائيليين بين قتيل وجريح، قبل أن يتم اعتقالها وزوجها وأفراد عائلتها وهي حامل في شهرها الخامس. أصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية حكماً بسجنها 12 مؤبداً (1188 سنة)؛ بينما حكم على زوجها بالسجن مدى الحياة. أنجبت زكية بتاريخ 18 شباط 1972، طفلتها نادية داخل سجن “نيفي ترتسيا” الصهيوني في منطقة الرملة، لتكون أول فلسطينية أسيرة تنجب مولودها داخل سجون الاحتلال الصهيوني الإرهابي النازي. وفي عام 1983 أطلق سراحها في عملية تبادل الأسرى بين الثورة الفلسطينية وإسرائيل، وأبعدت إلى الجزائر الشقيقة التحقت المناضلة زكية شموط بساحات النضال، وصنعت لنفسها مجدًا وتاريخًا لا ينسى. كما مثلت نموذجًا للمرأة الفلسطينية المناضلة، بكل تفاصيلها؛ ابتداء من المقاومة إلى الأسر مرورًا بالتحقيق ومن المعروف ان الشهيدة زكية شموط هي فدائية فلسطينية. تُعدّ من أوائل الفدائيات التي نفذت عمليات ضد الاحتلال، وهي أول فلسطينية تنجب مولودتها داخل السجون الصهيونية والتحقت بالعمل الفدائي عام 1968م، بلغ عدد العمليات الفدائية التي نفذتها 7 عمليات لكن في أوائل السبعينيات تم اعتقالها وزوجها وهي حامل في شهرها الخامس وحكم عليها بالسجن 12 مؤبداً .

ونحن نستذكرك أختاه

ونستذكر الأسيرات الثائرات والماجدات الشهيدات عرف العالم:

إن حضور المرأة الفلسطينية كامن في الثقافة الفلسطينية ووعيها المقاوم منذ الإرهاصات الأولى للكفاح الوطني الفلسطيني. النموذج الذي نتناوله في هذا المقال حاضر في سلاح المقاومة، وحاضر في العمليات الفريدة من الكفاح المسلح الذي تنتمي له بطلتنا المناضلة زكية شموط بعد نكبة 1948م، حيث كان لدور المرأة الفلسطينية بصمات واضحة في المقاومة آنذاك. التحقت شموط بساحات النضال، وصنعت لنفسها مجدًا وتاريخًا لا ينسى. كما مثلت نموذجا للمرأة الفلسطينية المناضلة، بكل تفاصيلها؛ ابتداء من المقاومة إلى الأسر مرورًا بالتحقيق والتعذيب.

نستذكرك أختاه وغزة الجريحة

موجوعة ووجعه وجع تنوء من حمله الجبال

عيون تكحلت بالأسى

وقلوب أثخنتها الجراح

ووجع تنوء منه حمله الجبال

وايام تمضى ببطء والمرارة تملا النفوس …

ببطء مثقل بالألم، تتألم غزة إلى حد فاق كل تصور

يا أختاه:

ان قادة المطبخ الصهيوني يدركون جيداً أن أبناء شعبنا منغرسون في أرضهم، مهما بلغ حجم التضحيات وارتباطه هو ارتباط عقائدي بالدرجة الأولى؛ فقد أطلقوا العنان لهؤلاء الإرهابيين ليعيثوا فسادًا في الأرض ويقتلوا ويدمروا ويحرقوا لكننا أختاه منغرسون كالزعتر والزيتون

ونحن نستذكرك أختاه نقول:

لو يذكر الزيتون غارسهُ

لصار الزيت دمعا!

يا حكمة الأجدادِ

لو من لحمنا نعطيك درعا!

لكن سهل الريح،

لا يعطي عبيد الريح زرعا!

إنا سنقلع بالرموشِ

الشوك والأحزان.. قلعا!

وإلام نحمل عارنا وصليبنا!

والكون يسعى..

سنظل في الزيتون خضرته،

وحول الأرض درعا!!

إنا نحب الورد،

لكنا نحب القمح أكثرْ

ونحب عطر الورد،

لكن السنابل منه أطهرْ

بالصدر المسمر

هاتوا السياج من الصدور..

من الصدور؛ فكيف يكسرْ؟؟

اقبض على عنق السنابلِ

مثلما عانقت خنجرْ!

الأرض، والفلاح، والإصرار،

قال لي كيف تقهر..

هذي الأقاليم الثلاثة،

كيف تقهر؟

سلام لروحك أختاه

وسلام لتراب الجزائر العظيمة وهي تحتضنك

سلام لك يوم ولدت

ويوم رحلت

وسلام لك يوم تبعثين

وسلام لك وأنت تنيرين سجل الخالدين

الأسير عزمي أبو هليل… الجسد يذبل تحت الإهمال والضرب

تقرير: إعلام الأسرى

تغيب الظروف الاعتقالية للأسرى في سجون الاحتلال تماماً عن ذويهم نتيجة انقطاع الزيارات وانعدام سبل التواصل فيما بينهم، وبخاصة الأسرى الموقوفين الذين لم تُصدر بحقهم أحكام نهائية بعد. وتتعرف عائلاتهم إلى أخبارهم فقط خلال خمس دقائق أو أقل عبر متابعة المحامي لملفاتهم الاعتقالية، وهي مدة لا تتيح للعائلة معرفة ما آل إليه حال أسيرها وما تركه الاعتقال من ندوب في جسده وروحه.

في غالبية الاعتقالات تبدأ سلسلة التنكيل منذ لحظة صعود الأسير إلى الجيبات العسكرية، حيث تُشنّ عليه معركة ضرب غير متكافئة: أسيرٌ مكبّل اليدين معصوب العينين، في مواجهة جنديٍّ مدججٍ بالسلاح والحقد. ثم يكتمل خط الاعتقال وصولاً إلى أقبية التحقيق، حيث نوع آخر من الآلام لا يعرف حقيقته إلا من ذاقه، إلى أن يُزَجّ الأسير في سجنه وتبدأ جولات المحاكمات التي لا تُستثنى من الضرب والقمع والتهديد حتى حدّ الموت.

الأسير عزمي نادر عزمي أبو هليل (30 عاماً) من بلدة دورا قضاء الخليل، شاب ذو خلفية تعليمية يُرفع لها القبّعات. إنسان شقّ طريقه نحو العلم، فنال درجة البكالوريوس، ثم الماجستير في الاستشارات القانونية خلال دراسته في المغرب، وكان بصدد استكمال دراسة الدكتوراه. لكن الاعتقال باغته عبر وحدات خاصة واقتحام، ومحاكم لا تعرف العائلة سقفها الزمني بعد. وفي غضون عشرة شهور فقط من اعتقاله أصبح وزن الأسير عزمي أبو هليل لا يتجاوز 38 كغم.

اليوم، وفي ظل المجاعة التي تحاصر السجون والأيام، يلجأ الأسرى إلى تجميع حصص الطعام ـ التي لا ترقى حتى لأن تسمى وجبات ـ ليجعلوها وجبة واحدة عند أذان المغرب، يتناولونها على نية الصيام والصبر والبطولة. وبشكل من أشكال المقاومة تستمر الحياة، غير أن الأوزان التي يظهر عليها الأسرى المحررون تنبئ بأن الأوضاع تسير نحو تعريض حياتهم إلى الموت البطيء.

تحدث مكتب إعلام الأسرى مع والد الأسير عزمي أبو هليل حول ملفه الصحي والمناشدة التي أطلقتها العائلة للكشف عن مصيره والمطالبة بالتدخل العاجل لعلاجه. يقول والده: “عزمي يعاني من أمراض في الرئتين بسبب أزمة تنفسية، وهذه الأزمة أدت إلى مشاكل في القلب. وحين جرى اعتقاله انقطع عن تناول دوائه. وحتى عبر الأسرى المحررين الذين نقلوا لنا أخباره، أُبلغنا بأن وضعه الصحي سيئ للغاية”.

رغم أمراضه لم تسمح له الوحدات الخاصة عند اعتقاله أن يأخذ دواءه. حالته تستلزم أبخرة تساعده على تنظيم عملية التنفس ومنع حدوث الأزمات، كما يحتاج إلى أدوية لتنظيم عمل القلب، وأخرى لعلاج الأكزيما التي يعاني منها. وتتفاقم هذه الأمراض في ظروف السجون الاعتقالية حيث لا هواء ولا شمس ولا بيئة معيشية صحية. ويضيف والده: “الأسرى المحررون من قسمه أخبرونا أن حبة الأكامول نفسها لا تُقدَّم لهم كعلاج، فكيف بالأدوية الأخرى”.

وعلاوة على ذلك لم يرحمه السجّان؛ فحين طالب بعلاج أمراضه أقدم على خطوة احتجاجية ورفض دخول الغرفة، فقابلته إدارة السجن بالقمع والضرب، حيث أطلقوا عليه رصاصاً مطاطياً أصابه في منطقة الفخذ، ثم انهالوا عليه ضرباً حتى فقد وعيه.

ترفض إدارة السجون تقديم علاج للأسير عزمي أبو هليل، فيما تناشد عائلته كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية، والجهات المعنية بقضايا الأسرى والشعب الفلسطيني، للوقوف إلى جانبهم والضغط من أجل تقديم علاج عاجل لإنقاذ حياته قبل فوات الأوان.

بنان أبو الهيجا.. أسيرةٌ تفصلها الإجراءات عن أبنائها الأربعة

في سجن الدامون، في بقعة جغرافية مجتزئةٍ من التفكير والحياة تبحر الأسيرة بنان جمال أبو الهيجا(40عاماً) من طولكرم في تفاصيل حياةً أجبرها الاعتقال أن تتركها خلفها، تتذكر أطفالها وكيف يتدبرون شؤونهم، تسأل نفسها من يطعمهم؟ من يحرص على دروسهم؟ تعلم هي تمام المعرفة أن والدهم يتابع كل شؤونهم وبأن خالتهم تقف على رؤوسهم تراعي قلوبهم، لكنه قلب الأم لا يملك أن يوقف التفكير فيما كان سيفعل هو لو كان حاضراً، تضع بنان ملاحظاتٍ في رأسها سترويها للمحامي حين الزيارة، ستخبره بأنها تخشى على أطفالها برد الشتاء القادم ليحذرهم بشأن استخدام المدفأة لينتبهوا كي لا تحرق المنزل، ليتابع الأطفال دراستهم ولا يهملوا واجباتهم، تدون بنان تساؤلاتٍ كثيرة وأفكاراً حول بيتها وتتألم العائلة لألم شوقها لأطفالها.

بنان ليست اسماً مجرداً تحمل صفاتٍ لا تسعها القواميس كلها، أمٌ ل4 أطفال، تقى جنى حمزة غنى، محامية تحب مهنتها، مرافقة لوالدتها التي توفيت ولم تتح لها فرصة وداعها، شقيقة أسرى، وابنة أسير، وشقيقة شهيد، ابنة عائلة مناضلة قدمت لبلادها موفور الأعمار ولا زالت، ابنة جنين التي تقارع المحتل كل يوم، زوجة محبة وشقيقة طيبة القلب، اليوم تضاف لكل هذه الصفات صفة أسيرة تصارع ملفاً إدارياً، ابنة تتوزع عائلتها على سجون الاحتلال بآلامهم لم يبقِ لهم الاحتلال روحاً ولا دفئاً وبقيت شقيقتها وحيدة تحمل هم العائلة كلها.

بتاريخ 7/5/2025 اعتقل الاحتلال بنان أثناء عودتها لمنزلها من مرافقة والدتها في المستشفى الاستشاري في رام الله بعد شهرٍ كاملٍ من العمليات وكان الوضع الصحي لوالدتها سيئاً وخطيراً، بنان تلقت خبراً بأن ابنتها مريضة وسارعت للعودة لمنزلها في طولكرم للاهتمام بها لكن الاحتلال عاجلها بالاعتقال على حاجز جبارة في طولكرم، وبعد أيام 5 أيام توفيت والدة بنان بعد صراع مع المرض وبعد أن قدمت ثمرات من فؤادها لوطنها توفيت دون أن ترى أبنائها ودون أن ترى ابنتها بنان ودون زوجها الشيخ جمال أبو الهيجا، وحرموا هم ذات الوقت من الحق في وداعها إلى مثواها الأخير.

صدر بحق الأسيرة بنان أبو الهيجا حكمٌ إداري مدته 4 أشهر، ثم تم تجديده مرة أخرى لذات المدة، واليوم لا تعلم العائلة سقفاً لهذه التمديدات، تضاف لهم آلامٌ كثيرة علاوةً على ألم بنان، فالأب الأسير جمال عبد السلام أبو الهيجا(66عاماً) محكوم بالسجن المؤبد المكرر 9 مرات إضافة ل20 عاماً أخرى منذ اعتقاله عام 2002 وهو حالياً سجن نفحة بعد تنقله لعدد من السجون خلال فترة اعتقاله الطويلة، والابن عبد السلام جمال أبو الهيجا(42عاماً) يعاني ملفاً إدارياً في سجن النقب الصحراوي منذ اعتقاله بتاريخ 10/8/2022، والابن الثاني عاصم جمال أبو الهيجا(39عاماً) يعاني ملفاً إدارياً كذلك في سجن ريمون وهو معتقل منذ تاريخ 19/6/2032، وعماد جمال أبو الهيجا(38عاماً) معتقل في سجن الجنيد منذ 9 أشهر بعد أن نال حريته من سجون الاحتلال بأربعة أشهر فقط، وفقدت إلى الجنان كذلك شقيقها حمزة أبو الهيجا استشهد بعمر ال22 عاماً عام 2014.

المحامية الأسيرة بنان وجدت نفسها في قلب عائلة مناضلة قدمت الكثير لبلادها، اليوم لا تعرف العائلة أخبارها، لا يعلم الأبناء في السجون حديث أخبار أبيهم وشقيقتهم ولا تعلم شقيقتهم التي بقيت لهم خارج السجون حديث أخبارهم يعتمدون على المحامي ليطمئنهم حول الوضع الاعتقالي والصحي لبعضهم البعض، ويبقى وجع بنان مضاعفاً إذ تترك خلفها عائلتها وأبنائها تغيب بأمومتها الزاخرة بالرعاية ويشتاق قلب ابنتها تقى بشكلٍ خاص لأمومةٍ فقدتها أكثر ما فقدتها في التجهيز الصباحي للمدرسة في الأحضان والقبلات والوداع مثل ما فقد أبناؤها جلهم حقهم في أن تعيش والدتهم حياةً طبيعية معهم.

بنان ذات شخصية فذة وقوية لكنها أم أيضاً، تعرضت خلال اعتقالها في سجن الدامون كما باقي الأسيرات للقمع والتنكيل وصفت في زيارة محاميها مطلع شهر أغسطس السجن وغرفه بزنازين عزلٍ منفردة، وشددت على أن الرطوبة أكلت أجساد الأسيرات وبأن الدامون يشهد قمعاً متكرراً بالغاز، واليوم ما بين صراع زيارتها وزيارة أشقائها تضيع الكلمات وتتناثر حبال شوق أبنائها لها، كل هذا دون وجود لائحة اتهام بحقها وضريبة لانتمائها لعائلة مناضلة يعرفها كل إنسانٍ حر وشريف.

نهاد صبيح… أسيرٌ خرج من الزنزانة ليُسجن في المنفى

بقلم: ثورة ياسر عرفات

في مخيم عسكر بمدينة نابلس، وُلد نهاد محمد فايز صبيح لعائلة فلسطينية صامدة، حيث تعلّم منذ طفولته أن الحياة تحت الاحتلال ليست مجرد واقع، بل مدرسة للصبر والمقاومة. وسط شوارع مضطربة ومنازل لا تعرف الأمان، ترسخت في نفسه قيم الكرامة والصمود، ليصبح منذ صغره جزءًا من قصة نضال وطنه.

عام 2003، اعتقل الاحتلال نهاد بعد اشتباك قرب إحدى المستوطنات، وحُكم عليه بالسجن خمس مؤبدات إضافة إلى خمسة عشر عامًا، لتبدأ رحلة امتدت 22 عامًا داخل 14 سجنًا إسرائيليًا. سنوات من القهر والعزلة والتحديات اليومية، واجه خلالها الصعاب الجسدية والنفسية، لكنه لم يفقد الأمل ولا كرامته، وظل رمزًا للصمود والإرادة.

خلال هذه السنوات، لم يكن نهاد أسيرًا فحسب، بل كان معلمًا ورفيقًا وملهمًا لمن حوله. شارك في برامج تعليمية وثقافية داخل السجون، ناشرًا العلم والمعرفة، مؤكدًا أن التعليم أداة مقاومة، وأن الحفاظ على الهوية الوطنية مسؤولية لا تنتهي حتى بين الجدران المظلمة. كان الصبر، والدعم المتبادل بين الأسرى، والإيمان بالله، شعاع الضوء الذي حافظ على روحه وعزيمته، رغم القيود والقهر المستمر.

رغم كل ذلك، ظل قلب نهاد متصلًا بوطنه فلسطين، مؤمنًا بأن الحرية ليست مجرد تحرير الجسد، بل روح، كرامة، وقيم تمسك الإنسان بإنسانيته. كان يكرر دائمًا أن تجربة الأسر تعلم الإنسان تقدير الحياة والحرية أكثر من أي تجربة أخرى، وأن الصمود هو الرسالة التي يجب أن تنتقل للأجيال القادمة.

في عام 2025، أُفرج عن نهاد ضمن صفقة “طوفان الأحرار”، لكنه لم يعد إلى وطنه، بل نُقل إلى مصر ليعيش تجربة المنفى القسري. هنا، تتغير قيود السجن إلى قيود الغربة، حيث يقبع نهاد ورفاقه الأسرى المحررون في فندق مجهول المصير، بعيدًا عن الوطن والأهل، يواجهون واقعًا جديدًا من الحرمان والبُعد، بينما تظل هويتهم الفلسطينية ورسالة صمودهم حيّة رغم كل القيود.

نهاد صبيح اليوم ليس مجرد أسير محرر؛ إنه رمز حي للصمود الفلسطيني، وتذكير للعالم بأن معاناة الأسرى لا تنتهي عند بوابات السجون، بل تمتد إلى المنفى والبعد عن الوطن، وأن إرادتهم وبصمتهم في مقاومة الاحتلال لن تنطفئ مهما طال الزمن.

زهورٌ في قلب الجحيم… رسائل من الدامون إلى العالم

حسن عبادي| حيفا

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

ونشرت في حينه خاطرة بعنوان “صفّرنا الدامون”… وخاب أملي.

أواكب حرائر الدامون عن كثب بشكل حثيث؛ وأصغي لأوجاعهن، صوت معاناتهن وآلامهن، خيبتهن من النسيان والتهميش والخذلان، وأدوّن بعضاً من معاناتهن.

مع كلّ نهاية زيارة أتصل بأهالي من التقيت بهنّ، وأوصل الرسائل لباقي الأسيرات، وأطلع أهاليهن على مستجدّات بناتهم ومجريات الأمور وأحاول الامتناع عن نشر التنكيلات العينيّة. أحاول قدر استطاعتي إيصال صوتهن لكلّ بقاع العالم وتحريك هذا الملف الراكد.

عقّب الصديق غازي العنتري: “سلاما لزهورا في عمر الزهور أعطوا وقدموا للوطن أكثر من كل الكراسي مجتمعة”.

 وعقّبت تسنيم حلبي (ابنة الأسيرة دلال حلبي وأخت الأسيرة إسلام شولي): بورك المداد وسلم اليراع. حبيبة قلبي يا إسلام… يعلم الله إني ما قدرت ولا رح أقدر أنسى لحظة اعتقالك، اللحظة اللي كانت أصعب لحظة بمر فيها بحياتي… عجزي وقتها وشعوري إني مكبلة. ولادك في عيوننا يختي ربنا يجمعنا فيكِ عن قريب. أستاذ حسن ودي الجمّ وعميق الامتنان والشكر والعرفان لشخصك الكريم… بوركت جهودك “.

وعقّبت الصديقة مريم عنانزة (أحلام الورد) الناشطة في مبادرة “أسرى يكتبون”/ الأردن: “زهرةٌ في الأسر… صغيرةٌ بالعُمر، جبّارةٌ في الصبر، تهدي سلامها وتغزل من الوجع يقينًا بالحرّيّة. هناء… لك المجد والحريّة، ولأمّك سورة المؤمنين وطمأنينة الدعاء”.

وعقّبت الأسيرة المحررة مرجانة هريش: “الله يفرجها عليهم ويهونها عليهم بإذن الله، وفعلا الواحد بنسى ملامح ولادو مع أنك بتكون عارف كل تفصيلة فيهم، أنا انسيت ملامح محمد ابني ولا اشي مش قادرة اتذكر الملامح والوجه والتفاصيل، هانت بإذن الله… الله يصبركم حبايبنا، يعطيك العافية أحسن محامي بالدنيا أستاذ عبادي”

وعقبت ريما إسحق أبو هشهش: “لو نجد من يزور أسرانا مثلك يزورهم كقضية إنسانية يتبناها ويؤمن بها، لا كعمل يتم فيه استغلال أهالي الأسرى بمبالغ طائلة. ربط الله على قلوب أسرانا وأسيراتنا، وجزاك الله خيرا على جهود تبذلها في هذه القضية العادلة”.

وعقّبت الأسيرة المحررة أم أمير سلامة: “ربي من عالي سماه يهونها عليهن يا رب. يعطيك العافية أستاذ حسن أنت بمثابة الأب الحنون للأسيرات”.

وعقّبت أم عبد الله السيّد: “استاذي الفاضل لك منا كل احترام وتقدير وحق علينا أن نذكرك ونذكر مواقفك النبيلة مع أسرانا وأسيراتنا فأنت من خلال زيارتك يرى الاسرى عائلاتهم ويعيشون أجمل اللحظات وكأنه تم الافراج عنهم. بوركت وجزاك الله عن الأهالي وعن الاسرى خير الجزاء وخاصة بدون مقابل تبتغى بذلك العمل وجه الله تعالى. ربنا يتقبل منك ويحفظك ويحماك الله”.

“الغرفة مع كاميرات”

زرت صباح الأربعاء 02.07.2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي بالأسيرة هناء هيثم إسماعيل حماد (مواليد 07.02.2008) من العروب/ الخليل، طالبة الصف الحادي عشر علمي، مدرسة العروب الثانوية للبنات.

هناء في غرفة 1 برفقة القاصر سالي صدقة (الغرفة مع كاميرات يا أستاذ).

بداية طلبت إيصال سلامات سالي وتسنيم عودة،

سلّم على إمي، أنا بخير، قويّة، وسلام من حمّودة، سلّم على إخوتي كلهم، مشتاقة كثير، وصدقي يكون أول واحد بالمستقبلين ع الحاجز، وأمي تفتح المصحف سورة المؤمنين أية 111.

بلّشت تحفظ سور القرآن.

هناء مروّحة، جيبوا معكم مسحّبات وكولا تشات وحلويات، توكلوش لحمة العيد تا أروّح!

قلقة على الشهادة؟

حدّثتني عن مهاراتها بالطبيخ؛ كبسة ومنسف وأوزي وشوارما.

اعتقلت يوم 09.06.2025، “ثلاثة وجه الصبح، قبل الفجر، جنود كثار، ضربوني، هدّدوني بإخوتي وكمان وكمان، أخذوني للمسكوبية 10 أيام، قالوا لي ميخذيني على النقب ومجيدو، ووصلت للدامون.

الفورة كل 3 غرف مع بعض بشمل حمّام، أقل من ساعة. معي انحراف بالعامود الفقري، وبتخدّرالإجرين، قمعوني مع سالي عدة مرات، الحوبش (المسعف) ما بقبل يعطينا دواء رغم أني طلبت من المحكمة.

طلبت إيصال سلامات شيرين وياسمين وكرمل وميرفت وشهد دراوشة بدها سلامات من أهلها).

اليانس قصير وممزّع، فش غير لبسِة واحدة.

إمي: تعيّطيش ولا تزعلي عليّ. ظلّك قويّة.

أكّد عليهم بالنسبة للعيادة.

“بعد 40 يوم من الاعتقال نسيت شكِل حلا”

بعد لقائي بهناء أطلّت الأسيرة إسلام أحمد طلب حلبي شولي (مواليد 08.06.1990)، مهندسة، أم لأحمد وحلا وحور، زوجها إيهاب أسير في سجن مجيدو، وأخوها محمد معتقل، (قلقة على مكان احتجازه) ووالدتها دلال معتقلة في ذات السجن/ الدامون.

بادرت قائلة “حلمت فيك صباح الأربعاء وجيتْ” مما كسر الحاجز بيننا، وسألتها كيف عيّدت عيد ميلادها بالسجن؟ فتنهدت قائلة: “أعياد ميلاد إيهاب وحور وحلا وأحمد وأنا والبابا والماما وخواتي تسنيم وإيمان وأنا بالسجن”، فوعدتها بعيد ميلاد جماعي قريباً في فضاء الحريّة.

طلبت إيصال سلام لوالدها “بلّش التنقيح لتفسير الجلالين ودير بالك ع حالك دايماً يا تاج الراس”، وفواز “ماما بتحكيلك: أتعلَم أننا اشتقنا؟ أتدري ما نُقاسيه؟”، وعمر “حزام الظهر وماما بتحكيلوا: لن تنحني من العزائم”، تسنيم وأيمان “عيوني الثنتين”، وسعد (الله يرضى عليه؛

   فيا من غاب عني وهو روحي    وكيف أطيق من روحي انفكاكا”

ولنور (زوجة أشرف) “تسلمي على العزومة، من أعطى أولادي تمرة نزلت حلاوتها في فمي”، ولأحمد إبراهيم وإياس ياسين “أنتم تاج ع راسي”، والبابا، وأولادها، وإخوتها، وأحفاد والدتها دلال: أحمد، قدس، شام وبرهوم.

إسلام في غرفة 11 برفقة آية خطيب (بدها بدلة غوص شرعيّة)، وشيرين، وشيماء، ولينا المحتسب، وربى دار ناصر.

حدّثتني عن الاعتقال يوم 13.02.2025، “لما اعتقلوني حلا كانت نايمة بعباية أبوها، بتضحك مع خالها عمر” وفجأة سرحت للحظات ودمّعت وأضافت “بعد 40 يوم من الاعتقال نسيت شكل حلا وكان أصعب لحظة بالسجن، وصرت أبوس إيد الماما 7 مرات عن إخوتي”. كنت عاملة عملية دوالي عنيفة بالساق اليمين، وقّعوني على “اعتراف” وفكرت أنه للقاء أولادي بالتليفون!!

حدّثتني عمّا سمعته من زميلاتها حول ظروف الاعتقال في بيتاح تكفا “ضربوهن بالكهرباء، شبحوهن وفتّشوهن تفتيش عاري بالكامل ويتضحّكوا”!

حدّثتني عن القمعات والرشق الغاز والضرب والتنكيل، ورغم ذلك “صحتنا ممتازة، ومعنوياتنا عالية، وننتظر الإفراج القريب، لا تقلقوا علينا ولا تنسونا بدعواتكم”.

رسالة إسلام باسم حرائر الدامون:

“دوسي ع الفرش بالقبقاب ** هيها الحريّة عالباب

دوسي ع الفرش بكُمّك ** بكرا بتكوني بحضن أمّك”

حين افترقنا أوقفتني قائلة: “بالله عليك أستاذ تابع لنا تخرّج سعد وطمّنا”.

لكما عزيزتيَّ هناء وإسلام أحلى التحيّات، والحريّة لكما ولجميع أسرى الحريّة.

حيفا تموز 2025  

أسرى العزل.. ثلاث حكايات من القهر والصبر الطويل

الأسير المؤبد يعقوب قادري: عزلٌ وملفٌ صحي لا تعرف عائلته تفاصيله الأخيرة

الأسير يعقوب محمود قادري

من قرية بير الباشا – جنين، يبلغ من العمر 53 عامًا.

معتقل منذ عام 2003 بعد مطاردة استمرت عامين.

محكوم بالسجن المؤبد مرتين و35 عامًا، وأضيف لحكمه 5 سنوات أخرى بعد عملية نفق جلبوع عام 2021.

أحد أبطال عملية النفق، وحصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من داخل السجن.

يقبع في عزل سجن “جانوت”، محروم من زيارات المحامين وأخبار عائلته منذ أشهر.

يعاني من أمراض في الغدة الليمفاوية، “دسك” في الظهر، وارتفاع ضغط الدم دون متابعة طبية.

فقد والدته عام 2022 ووالده عام 2024 دون أن يتمكن من وداعهما.

اسمٌ صنع مجده بنفسه

الاسم المناضل الذي عرف بين أوساط الأسرى بحبه لبلاده، وسجله النضالي الذي بدأه في عمرٍ غض، ورفضه لاعتقاله وحكم الاحتلال له، صنع حرية له بنفسه، ووصف الأيام التي قضاها في حينها بأعظم أيام حياته وأجملها، استطاع رفقة أسرى آخرين تحقيق أسطورة فريدة من نوعها وانتزاع حريتهم من سجن جلبوع، خلال ما عرف بأبطال نفق جلبوع الذين خرجوا منه أحراراً إلى بلادهم في العام 2021، قبل أن يعيد الاحتلال اعتقالهم مرة أخرى.

الأسير المناضل صاحب أسطورة الحرية، يعقوب محمود قادري(53عاماً) سكان قرية بير الباشا، قضاء مدينة جنين، تغيب معلوماته في ظل ما يعاني منه الأسرى في أعقاب حرب السابع من أكتوبر من تضييقات في زيارة المحامين، وحرمان من الزيارات وحق العلاج ومعرفة آخر أخبارهم، مكتب إعلام الأسرى تحدث إلى شقيقة الأسير قادري للوقوف على آخر تطورات وضعه الصحي والاعتقالي.

تقول شقيقة الأسير يعقوب القادري” قبل ما يقارب الشهرين استطاع محامي أن يزور يعقوب أخبرنا في وقتها أنه متعب ويعاني من وضع صحي سيء، لا يسمح للمحامين بزيارته كما اليوم، وهو متواجد في عزل رامون، ومنذ ذلك الوقت لا نعلم عنه شيئاً”.

الأسير قادري وبحسب تأكيد شقيقته يعاني من مشاكل صحية في الغدة الليمفاوية، كما ويعاني من”دسك” في الظهر، ولديه ارتفاع في ضغط الدم، وبخلاف هذه المعلومات لم يصل لعائلته أي أخبار جديدة بخصوص عزله ووضعه الصحي، وتضيف شقيقته” أضيف لحكم أخي 5 سنوات أخرى، وهذا لن يغير شيء لأنه محكوم أصلاً بأحكام مؤبدة”.

الأسير يعقوب قادري استطاع في العام 2021 أن يسترجع حريته من سجن جلبوع، حيث حفر رفقة خمسة أسرى آخرين نفقاً واستطاع عبره أن ينال حريته، قبل أن يقوم الاحتلال بإعادة اعتقاله، وإضافةً إلى حكمه المؤبد مرتين و35 عاماً، أضيف له حكم آخر مدته 5 سنوات بعد ذلك، كما وفرضت بحقه غرامة مالية كذلك.

بعمر ال 15عاماً فقط، حمل الأسير يعقوب القادري هم بلاده، طفلاً غضاً في عمره اعتقل آنذاك ونال حريته لاحقاً، وترك بصمةً نضالية خلال الانتفاضتين وكان له دور بارز في معركة جنين عام 2003، وتعرض لمطاردة طويلة استمرت عامين استطاع خلالها أن يهزم استخبارات الاحتلال، حتى اعتقل في نهاية المطاف في العام 2003، وصدر بحقه حكمٌ بالسجن المؤبد بعد اتهامه بالمشاركة في عملية أدت لقتل مستوطن وإصابة آخر قتل لاحقاً على إثرها.

لا ترى عائلة الأسير قادري في الحكم المضاف لحكمه المؤبد الفرق، فهو وبعد 4 أشهر مكث فيها في التحقيق ونال ما نال من ضربٍ وتنكيل، صدر بحقه حكمٌ مؤبد مرتين إضافة ل35 عاماً، والخمسة التي أضيفت لقاء نيله حريته من سجن جلبوع لا تشكل بالنسبة لاسمٍ بارزٍ كاسمه الأمر الجلل، لكن عزله الانفرادي وملفه الصحي الذي لا تعلم عائلته عنه الشيء الكثير وغياب أخباره هو من أصعب مراحل اعتقاله.

الأسير قادري أسطورة نضالية استهدف الاحتلال قتلها مراتٍ عدة قبل العام 2003، حيث تعرض لمحاولات اغتيال متكررة، وهو من الأسرى الذين يتركون بصمتهم في سجون الاحتلال وفي أذهان أشقائهم الأسرى، واستطاع أن يكمل تعليمه من داخل السجون وحصل على درجة البكالوريوس في تخصص التاريخ من جامعة الأقصى في غزة.

طاردت الأسير يعقوب لحظات فقد كثيرة خلال فترة اعتقاله، فقد والدته عام 2022، ولم يستطع أن يودعها، وفي العام 2024 فقد والده كذلك وحرم من أن ينال حريته ويشاركهما في آخر لحظات حياتهما، ولا زال حتى اليوم يعاني مرارة الاعتقال وغياب الأخبار وانقطاع سبل زيارة المحامين له.

الأسير المؤبد معمر شحرور: تلاحقه أشباح الألم والتجويع ويخضع لأوامر تمديدٍ مستمرة لقرار عزله الانفرادي

الأسير القائد معمر فتحي شريف شحرور

من مدينة طولكرم – الضفة الغربية، يبلغ من العمر 46 عامًا.

معتقل منذ عام 2002 بعد مطاردة عدة أشهر.

محكوم بـ 29 مؤبدًا و20 عامًا إضافية، وأحد منفذي عملية مطعم “بارك”.

من قيادات الحركة الأسيرة، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير داخل السجن.

يقبع في عزل سجن “جانوت” منذ فبراير 2024 بقرارات تمديد متواصلة.

يعاني من مرض الروماتيزم وحُرم من العلاج والحقن الشهرية، ما سبب له مشاكل حركية.

فقد أكثر من 20 كغم من وزنه نتيجة سياسة التجويع الممنهج.

محروم من الزيارات ووسائل التواصل مع عائلته منذ حرب الإبادة.

ينتهج الاحتلال سياسة إيصال الأسرى إلى مرحلة الموت دون رادع، ويمارس بحقهم أساليب إعدام بطيء عبر كميات الطعام القليلة التي توفرها إدارة السجون، وعبر حرمان الأسرى من حقهم الذي تضمنه لهم القوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان في الحصول على العلاج بشكلٍ دوري، في إطار محاولة إنهاء حياتهم داخل السجون، كما وتُحرم عائلاتهم من معرفة تفاصيل أخبارهم وحق الزيارة منذ حرب الإبادة على غزة ويواجه أهالي الأسرى إلى جانب الطواقم القانونية معارك ضارية للوصول لأبنائهم ومعرفة ما يحدث لهم في سجونهم.

مكتب إعلام الأسرى يواصل تسليط الضوء على الأسرى الذين يعانون من سياسة العزل ومن ظروفٍ صحية قاهرة، علاوةً على استمرار سياسة التجويع بحقهم، ويعرض سلسلة من التقارير المتعلقة بآخر أخبار ظروفهم الصحية والاعتقالية، وفي إطار ذلك يعرض تقريراً مفصلاً حول الوضع الصحي للأسير معمر فتحي شحرور(46عاماً) سكان طولكرم.

يتحدث مكتب إعلام الأسرى إلى عائلة الأسير شحرور والتي تؤكد بدورها بأنه متواجد حالياً في عزل جانوت، وبأنه منذ تاريخ 9/2/2024 يعاني من سياسة العزل ويعمد الاحتلال إلى إصدار قرارات تمديد لعزله الانفرادي بشكل متواصل كان آخرها تمديده مدة 6 أشهر أخرى، وذلك بحجة اعتباره مؤثراً على مجتمع الحركة الأسيرة، وبأنه يمكن أن يقود انقلاباً ما داخل السجون رفقة الأسرى.

تقول عائلة الأسير معمر شحرور” قبل نقل معمر إلى عزل جانوت كان متواجداً في عزل مجدو، هناك ذاق الأمرين، الطعام كان قليلاً ووضعه الصحي كان سيئاً للغاية، ولمدة 6 أشهر لم يحصل على علاج لمرض الروماتيزم الذي يعاني منه، وفقد من وزنه الكثير لقاء سياسة التجويع والإهمال الطبي”.

يعاني الأسير شحرور من آثار مرض الروماتيزم والتي ونتيجة الإهمال الطبي الذي تعرض له في عزل مجدو أحدثت مشاكل أدت لإصابة أصابع قدميه ويديه بمشاكل حركية وأصبح غير قادرٍ على طيها، إضافة إلى أنه حرم من الحصول على إبرة كان يأخذها بشكل شهري لمرض الروماتيزم وحرم من علاجه اليومي، ونتيجة ذلك تفاقم وضعه الصحي سوءاً، ونظراً لسياسة التجويع فقد وصل وزنه لما يقارب 48 كيلو، بعد أن كان 70 كيلو، وبعد انتقاله إلى عزل جانوت وحسب تأكيد محاميه فإن وضعه الصحي أصبح أفضل مما كان عليه في عزل مجدو.

نتيجة تنقله من عزل لآخر ونتيجة سياسة التجويع والإهمال الطبي الذي تعرض لها الأسير شحرور وصل إلى مرحلة الموت، وحتى اليوم لا يزال الاحتلال مستمراً في عزله وفي قرارات تمديده التي لا تعرف العائلة بعد إن كان هناك سقف محدد أم لا.

يمتلك الأسير شحرور قاعدة اجتماعية وشعبية بين إخوانه الأسرى وهي التي جعلت الاحتلال يعمد إلى إبقائه في العزل لفترات طويلة، كي لا يصبح مؤثراً عليهم، الأسير شحرور عنوان بارز في الشجاعة والإقدام، انخرط في أعمال المقاومة منذ كان في عمرٍ صغير، وقد شارك في عملية مطعم بارك برفقة الأسير عباس السيد، وساهم في عمليات أخرى متعددة، ولقاء انخراطه في أعمال المقاومة وعمليات أدت لمقتل عدد كبير من المستوطنين، صدر بحقه لاحقاً عقب اعتقاله حكمٌ بالسجن المؤبد المكرر 29 مرة، إضافة إلى 20 عاماً أخرى.

في العام 2002 تمكن الاحتلال من اعتقاله بعد مطاردة استمرت لأشهر طويلة، حيث حاصرت قوات الاحتلال المكان الذي كان متحصناً فيه في طولكرم واعتقلته، وتعرض للتحقيق المطول قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، كما وتعرض إخوته الأربعة لاعتقالاتٍ متكررة لفترات متفاوتة في سجون الاحتلال.

لم تقف سنوات الأسر عائقاً في طريق الأسير شحرور فقد استطاع أن يكمل مرحلته التعليمية، وحصل على درجتي بكالوريوس، كما وحصل على درجة ماجستير في العلوم السياسية والإعلام، ونتيجة عمله الاجتهادي في سجون الاحتلال وقاعدته الاجتماعية يواجه اليوم سياسة عزلٍ غير مبررة، وإهمالٍ طبيٍ يحرمه حق العلاج.

الأسير معمر شحرور أحد عمداء الأسرى الذين تشهد لهم السجون بمواقفهم المشرفة والداعمة للحركة الأسيرة فقد والديه وشقيقه خلال فترة اعتقاله، ولم تتح له فرصة وداعهما، وتنتظر عائلته كغيرها من عائلات الأسرى زيارات المحامين الشحيحة لمعرفة تفاصيل أخباره، وعلى الطرف الآخر لا يزال قرار عزله معلقاً حتى إشعاراً آخر فقط لأنه صاحب رأي حر وشخصية يجتمع الأسرى كلهم على محبتها واحترامها.

الأسير مناضل انفيعات: تغلق عليه أبواب الأسر في عزل جانوت ويرافقه ملفٌ صحيٌ مجهول المعالم

الأسير مناضل يعقوب عبد الجبار انفيعات

من بلدة يعبد – جنين، يبلغ من العمر 29 عامًا.

معتقل منذ 11/2/2020 بعد سنوات متفرقة من الاعتقالات السابقة.

محكوم بالسجن 7 سنوات ونصف وغرامة 10 آلاف شيقل.

من كوادر حركة الجهاد الإسلامي وأحد أبطال عملية نفق جلبوع.

يقبع في عزل سجن “جانوت” بظروف إنسانية قاسية.

أمضى أكثر من 40 يومًا طريح الفراش دون علاج، عاجزًا عن الحركة، يتيمم على الحائط للصلاة.

يعاني من دوار دائم، خدر في الجسد، ضيق تنفس، آلام قلب ومعدة، وفقدان نحو 15 كغم من وزنه.

محروم من العلاج والزيارات، بالكاد استطاع الحديث لمحاميته بضع دقائق من شدة التعب.

اعتقل الاحتلال ثلاثة من أشقائه بعد عملية النفق، ولا يزال شقيقه نضال موقوفًا حتى الآن.

في عمره الشاب كان من المفترض أن يكون في جوار أسرته، يخطط لبناء مستقبله يرسم معالم حياةٍ هادئة ومطمئنة، لكنه ورغم ذلك بات أسيراً يعاني من آثار عزلٍ، وأمراضٍ أصبح يعاني منها بعد اعتقاله، ونقصٍ في وزنه وانقطاع تامٍ لأخباره منذ حرب السابع من أكتوبر، يحب وطنه رغم ذلك ويطمح لحريته واستطاع نيلها في عملية فريدة من نوعها.

الأسير مناضل يعقوب عبد الجبار انفيعات(29عاماً) سكان بلدة يعبد في مدينة جنين، يعاني من عزلٍ وملف صحي تعرفه عائلته فقط منذ أشهر بعد أن زارته محاميته، ومنذ ذلك الوقت تنقطع أخباره عن العائلة، وتنتظر كما آلاف العائلات أخباراً لا تسعف صبرها تتلقاها من هنا وهناك تصلها وتريح قلبها ولو قليلاً اتجاه أوضاعه الصحية والاعتقالية.

مكتب إعلام الأسرى تحدث إلى عائلة الأسير انفيعات لمعرفة تفاصيل ما يعاني منه من أوضاع صحية ومكان عزله وظروفه الاعتقالية وحكمه الذي صدر بحقه في أعقاب اعتقاله وفي أعقاب مشاركته في عملية نفق جلبوع التي تمكن خمس أسرى خلالها من انتزاع حريتهم والفرار عبر النفق قبل أن يتمكن الاحتلال من اعتقالهم في نهاية المطاف.

تقول عائلة الأسير انفيعات” آخر ما وصلنا من أخبار عن مناضل أنه متواجد في عزل جانوت، وقد تعرض لضرب شديد وأدى لوجود آثار ألم وإصابة في قدمه ويده وبأن وضعه الصحي سيء،، ونحن نعلم بسوء هذا العزل، منذ أشهر تمكنت المحامية من زيارته مرتان، في المرة الأولى كان وضعه الصحي سيء للغاية، علمنا أنه أمضى 40 يوماً في فراشه مريضاً دون أن يستطيع الحركة وكان يتيمم الوضوء على الحائط حتى يستطيع الصلاة بقدر المستطاع، كان يعاني من آثار دوار، ويعاني من خدر في جسده، وآلام في الجهة اليمنى من القلب، وضيق النفس، وقد أخبر المحامية بأنه لا يستطيع النوم لأربع ساعات متواصلة لما يمكن أن يحدث النوم لديه من تعب في عملية التنفس”.

الأسير انفيعات حصل على فحوصات للدم ونسبة الأكسجين وتبين أن صحته جيدة، وأضافت عائلته بأنهم علموا بعد زيارة محاميته الأولى بأنه حتى إذا قرر شرب ماء بارد فإن جسده يصاب بتشنج، وبأنه فقد ما يقارب ال15 كيلو من وزنه نتيجة سياسة التجويع التي تنتهجها إدارة السجون بحق الأسرى.

الأسير انفيعات يعاني كذلك من آلام في معدته لا يأكل أي طعام ولديه حموضة فيها، وأشارت عائلته بأنه كان يخلط الماء والملح والخبز حتى يتمكن من أكل الطعام نتيجة ما تعانيه معدته، حتى أن محاميته أكدت للعائلة بأنه تحدث لها ل5 دقائق في تلك الزيارة ثم أصيب بالتعب، كما وعلمت العائلة أنه ول7 أشهر لم يتمكن من حلاقة شعره، وفي الزيارة الثانية أخبرت المحامية عائلته بأن وضعه الصحي آخذُ بالتحسن.

الأسير انفيعات تلقى خلال اعتقاله خبر استشهاد أعز أصدقائه وعانى لفترة طويلة من تعب نفسي اتجاه ما وصله من أخبار غير أن الأسرى وقفوا إلى جانبه حتى استعاد صحته ورباطة جأشه.

اعتقل الاحتلال انفيعات بتاريخ 11/2/20020، وكان تعرض ما قبلها للأسر ل5 سنوات سابقة خلال اعتقالات متفرقة على خلفية انتمائه لحركة الجهاد الإسلامي، وبتاريخ 6/9/2021 شارك رفقة 5 أسر آخرين في انتزاع حريته في ما عرف بعملية نفق جلبوع، وسطر معالم من البطولة لا تغادر ذهن أي فلسطيني، ولأسبوعين استطاع أن يبقى حراً، إلى أن اعتقله الاحتلال مجدداً رفقة الأسير أيهم كممجي أثناء تواجدهما في إحدى حارت مخيم جنين.

حين قرر الأسير انفيعات نيل حريته عبر عملية النفق كان موقوفاً وكانت عائلته بانتظار حريته بحكمٍ بسيط، وحين أعاد الاحتلال اعتقاله حكم بالسجن مدة عامين ونصف، ونتيجة الحكم الجديد الذي أضيف لأسرى نفق الحرية أضيف لحكمه 5 سنوات أخرى، ليصبح حكمه 7سنوات ونصف، كما وفرضت بحقه غرامة مالية بقيمة 10آلاف شيقل.

عائلة الأسير انفيعات كابدت انتهاكات متعددة في أعقاب ما حدث بعد تمكنه من انتزاع حريته عبر نفق جلبوع، وعاشت أياماً صعبة في انتظار أخبار ملاحقة الاحتلال له حتى تمكن من اعتقاله مجدداً وتواصلت معاناتها خلال محاكمه فيما بعد، وتؤكد عائلة الأسير انفيعات على أن 3 من أشقائه تعرضوا للاعتقال في أعقاب عملية نفق الحرية، وقد نال أيوب وقيصر حريتهما فيما أبقى الاحتلال على اعتقال شقيقه نضال ولا يزال موقوفاً حتى الآن دون النطق بحكم نهائي بحقه بعد.

متنفَّس عبرَ القضبان (135)

حسن عبادي- حيفا

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

ونشرت في حينه خاطرة بعنوان “صفّرنا الدامون”… وخاب أملي.

أواكب حرائر الدامون عن كثب بشكل حثيث؛ وأصغي لأوجاعهن، صوت معاناتهن وآلامهن، خيبتهن من النسيان والتهميش والخذلان،  وأدوّن بعضاً من معاناتهن.

مع كلّ نهاية زيارة أتصل بأهالي من التقيت بهنّ، وأوصل الرسائل لباقي الأسيرات، وأطلع أهاليهن على مستجدّات بناتهم ومجريات الأمور وأحاول الامتناع عن نشر التنكيلات العينيّة. أحاول قدر استطاعتي إيصال صوتهن لكلّ بقاع العالم وتحريك هذا الملف الراكد.

عقّب الصديق غازي العنتري: “سلاما لزهورا في عمر الزهور أعطوا وقدموا للوطن أكثر من كل الكراسي مجتمعة”.

 وعقّبت تسنيم حلبي (ابنة الأسيرة دلال حلبي وأخت الأسيرة إسلام شولي): بورك المداد وسلم اليراع. حبيبة قلبي يا إسلام… يعلم الله إني ما قدرت ولا رح أقدر أنسى لحظة اعتقالك، اللحظة اللي كانت أصعب لحظة بمر فيها بحياتي… عجزي وقتها وشعوري إني مكبلة. ولادك في عيوننا يختي ربنا يجمعنا فيكِ عن قريب. أستاذ حسن ودي الجمّ وعميق الامتنان والشكر والعرفان لشخصك الكريم… بوركت جهودك “.

وعقّبت الصديقة مريم عنانزة (أحلام الورد) الناشطة في مبادرة “أسرى يكتبون”/ الأردن: “زهرةٌ في الأسر… صغيرةٌ بالعُمر، جبّارةٌ في الصبر، تهدي سلامها وتغزل من الوجع يقينًا بالحرّيّة. هناء… لك المجد والحريّة، ولأمّك سورة المؤمنين وطمأنينة الدعاء”.

وعقّبت الأسيرة المحررة مرجانة هريش: “الله يفرجها عليهم ويهونها عليهم بإذن الله، وفعلا الواحد بنسى ملامح ولادو مع أنك بتكون عارف كل تفصيلة فيهم، أنا انسيت ملامح محمد ابني ولا اشي مش قادرة اتذكر الملامح والوجه والتفاصيل، هانت بإذن الله… الله يصبركم حبايبنا، يعطيك العافية أحسن محامي بالدنيا أستاذ عبادي”

وعقبت ريما إسحق أبو هشهش: “لو نجد من يزور أسرانا مثلك يزورهم كقضية إنسانية يتبناها ويؤمن بها، لا كعمل يتم فيه استغلال أهالي الأسرى بمبالغ طائلة. ربط الله على قلوب أسرانا وأسيراتنا، وجزاك الله خيرا على جهود تبذلها في هذه القضية العادلة”.

وعقّبت الأسيرة المحررة أم أمير سلامة: “ربي من عالي سماه يهونها عليهن يا رب. يعطيك العافية أستاذ حسن أنت بمثابة الأب الحنون للأسيرات”.

وعقّبت أم عبد الله السيّد: “استاذي الفاضل لك منا كل احترام وتقدير وحق علينا أن نذكرك ونذكر مواقفك النبيلة مع أسرانا وأسيراتنا فأنت من خلال زيارتك يرى الاسرى عائلاتهم ويعيشون أجمل اللحظات وكأنه تم الافراج عنهم.  بوركت وجزاك الله عن الأهالي وعن الاسرى خير الجزاء وخاصة بدون مقابل تبتغى بذلك العمل وجه الله تعالى. ربنا يتقبل منك ويحفظك ويحماك الله”.

“الغرفة مع كاميرات”

زرت صباح الأربعاء 02.07.2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي بالأسيرة هناء هيثم إسماعيل حماد (مواليد 07.02.2008) من العروب/ الخليل، طالبة الصف الحادي عشر علمي، مدرسة العروب الثانوية للبنات.

هناء في غرفة 1 برفقة القاصر سالي صدقة (الغرفة مع كاميرات يا أستاذ).

بداية طلبت إيصال سلامات سالي وتسنيم عودة،

سلّم على إمي، أنا بخير، قويّة، وسلام من حمّودة، سلّم على إخوتي كلهم، مشتاقة كثير، وصدقي يكون أول واحد بالمستقبلين ع الحاجز، وأمي تفتح المصحف سورة المؤمنين أية 111.

بلّشت تحفظ سور القرآن.

هناء مروّحة، جيبوا معكم مسحّبات وكولا تشات وحلويات، توكلوش لحمة العيد تا أروّح!

قلقة على الشهادة؟

حدّثتني عن مهاراتها بالطبيخ؛ كبسة ومنسف وأوزي وشوارما.

اعتقلت يوم 09.06.2025، “ثلاثة وجه الصبح، قبل الفجر، جنود كثار، ضربوني، هدّدوني بإخوتي وكمان وكمان، أخذوني للمسكوبية 10 أيام، قالوا لي ميخذيني على النقب ومجيدو، ووصلت للدامون.

الفورة كل 3 غرف مع بعض بشمل حمّام، أقل من ساعة. معي انحراف بالعامود الفقري، وبتخدّرالإجرين، قمعوني مع سالي عدة مرات، الحوبش (المسعف) ما بقبل يعطينا دواء رغم أني طلبت من المحكمة.

طلبت إيصال سلامات شيرين وياسمين وكرمل وميرفت وشهد دراوشة بدها سلامات من أهلها).

اليانس قصير وممزّع، فش غير لبسِة واحدة.

إمي: تعيّطيش ولا تزعلي عليّ. ظلّك قويّة.

أكّد عليهم بالنسبة للعيادة.

“بعد 40 يوم من الاعتقال نسيت شكِل حلا”

بعد لقائي بهناء أطلّت الأسيرة إسلام أحمد طلب حلبي شولي (مواليد 08.06.1990)، مهندسة، أم لأحمد وحلا وحور، زوجها إيهاب أسير في سجن مجيدو، وأخوها محمد معتقل، (قلقة على مكان احتجازه) ووالدتها دلال معتقلة في ذات السجن/ الدامون.

بادرت قائلة “حلمت فيك صباح الأربعاء وجيتْ” مما كسر الحاجز بيننا، وسألتها كيف عيّدت عيد ميلادها بالسجن؟ فتنهدت قائلة: “أعياد ميلاد إيهاب وحور وحلا وأحمد وأنا والبابا والماما وخواتي تسنيم وإيمان وأنا بالسجن”، فوعدتها بعيد ميلاد جماعي قريباً في فضاء الحريّة.

طلبت إيصال سلام لوالدها “بلّش التنقيح لتفسير الجلالين ودير بالك ع حالك دايماً يا تاج الراس”، وفواز “ماما بتحكيلك: أتعلَم أننا اشتقنا؟ أتدري ما نُقاسيه؟”، وعمر “حزام الظهر وماما بتحكيلوا: لن تنحني من العزائم”، تسنيم وأيمان “عيوني الثنتين”، وسعد (الله يرضى عليه؛

          فيا من غاب عني وهو روحي              وكيف أطيق من روحي انفكاكا”

ولنور (زوجة أشرف) “تسلمي على العزومة، من أعطى أولادي تمرة نزلت حلاوتها في فمي”، ولأحمد إبراهيم وإياس ياسين “أنتم تاج ع راسي”، والبابا، وأولادها، وإخوتها، وأحفاد والدتها دلال: أحمد، قدس، شام وبرهوم.

إسلام في غرفة 11 برفقة آية خطيب (بدها بدلة غوص شرعيّة)، وشيرين، وشيماء، ولينا المحتسب، وربى دار ناصر.

حدّثتني عن الاعتقال يوم 13.02.2025، “لما اعتقلوني حلا كانت نايمة بعباية أبوها، بتضحك مع خالها عمر” وفجأة سرحت للحظات ودمّعت وأضافت “بعد 40 يوم من الاعتقال نسيت شكل حلا وكان أصعب لحظة بالسجن، وصرت أبوس إيد الماما 7 مرات عن إخوتي”. كنت عاملة عملية دوالي عنيفة بالساق اليمين، وقّعوني على “اعتراف” وفكرت أنه للقاء أولادي بالتليفون!!

حدّثتني عمّا سمعته من زميلاتها حول ظروف الاعتقال في بيتاح تكفا “ضربوهن بالكهرباء، شبحوهن وفتّشوهن تفتيش عاري بالكامل ويتضحّكوا”!

حدّثتني عن القمعات والرشق الغاز والضرب والتنكيل، ورغم ذلك “صحتنا ممتازة، ومعنوياتنا عالية، وننتظر الإفراج القريب، لا تقلقوا علينا ولا تنسونا بدعواتكم”.

رسالة إسلام باسم حرائر الدامون:

“دوسي ع الفرش بالقبقاب       هيها الحريّة عالباب

دوسي ع الفرش بكُمّك           بكرا بتكوني بحضن أمّك”

حين افترقنا أوقفتني قائلة: “بالله عليك أستاذ تابع لنا تخرّج سعد وطمّنا”.

لكما عزيزتيَّ هناء وإسلام أحلى التحيّات، والحريّة لكما ولجميع أسرى الحريّة.

حيفا تموز 2025    

رابط دائم
https://elayem.news/t3ds3