الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

غزة تسأل من تحت الدمار: هل تذكرون “السلام الإبراهيمي”؟

Author
خالد عز الدين 20 أكتوبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

هل كانت غزّة قربانًا قدّمه الكيان الصهيوني والمطبّعون العرب، برعاية أمريكية، إلى آلهة “الديانة الإبراهيمية” في سبيل تحقيق “السلام الإبراهيمي”؟ وهل ستكون غزّة آخر القرابين، أم أنّ تحقيق “إسرائيل الكبرى”، والمشروع الصهيوني لحُكم العالم، يتطلب تقديم المزيد؟

من يتذكّر “اتفاقيات أبراهام” يوم 15 سبتمبر 2020 في واشنطن، التي وقّعتها بعض الدول العربية مع “نتنياهو”، برعاية “ترامب”، لتحقيق “السلام الإبراهيمي”؟ قيل بأنها فرصة للسلام والتنمية في منطقة الشرق الأوسط، واحترام كرامة الإنسان وحريّته، وأهدافٍ أخرى كثيرة. وتتويجًا لهذه الاتفاقيات، تم إحياء الدين العالمي الجديد المُسمّى: “الدين ‏الإبراهيمي العالمي” أو “الديانة الإبراهيمية”. غير أن ما تجسّد على أرض الواقع هو مشاركة تلك الدول العربية في حرب الإبادة على غزّة. فهل كانت غزّة قربانًا قدّمه الكيان الصهيوني والمطبّعون العرب، برعاية أمريكية، إلى آلهة “الديانة الإبراهيمية” في سبيل تحقيق “السلام الإبراهيمي”؟ وهل ستكون غزّة آخر القرابين، أم أنّ تحقيق “إسرائيل الكبرى”، والمشروع الصهيوني لحُكم العالم، يتطلب تقديم المزيد؟

لن نتوغّل في استعراض الثّمار التي جناها المطبّعون العرب، وتلك التي جناها الكيان الصهيوني، من “اتفاقيات أبراهام” أو من الدين الجديد، فحرب الإبادة على غزّة “ألغت جميع اللغات” (كما قال الشاعر نزار قباني)، ونكتفي بإعادة نشر بعض بنود “اتفاقيات أبراهام” لعام 2020، كما وردت في موقع وزارة الخارجية الأمريكية:

– أهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه في منطقة الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم، استنادًا إلى الفهم المتبادل، والتعايش السلمي، والاحترام لكرامة الإنسان وحريته، بما يشمل حرية الدين والمعتقد.

– الدعوة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى ترسيخ الحوار بين الأديان والثقافات، من أجل ترسيخ ثقافة السلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، ولدى الإنسانية جمعاء.

– السعي إلى ترسيخ قيم التسامح والاحترام لكل فرد، لبناء عالم يتمتّع فيه الجميع بالحياة الكريمة والأمل، بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الأصل القومي.

– السعي إلى القضاء على التطرّف والنِّزاعات، من أجل توفير مستقبل أكثر إشراقًا لأطفال العالم.

– مواصلة العمل من أجل رؤية شاملة للسلام والأمن والازدهار في الشرق الأوسط والعالم بأسره.

بعيدًا عن “اتفاقيات أبراهام” والدين العالمي الجديد، يستعدُّ الفلسطيني لاستشهاده في كل لحظة، فهو يقرأ موتَه المؤجّل في كل حرفٍ تلموديٍّ يؤمن به أعداء الإنسانية من أتباع العهد القديم أو الجديد أو ذاك الذي يبشّر به مخترعو “الدين ‏الإبراهيمي العالمي”. ومن حقه أن يتساءل: “كفى، إلى متى يستمرّ الموت في اختطاف أرواح الفلسطينيين؟”، ولكنه يترفّع عن السؤال بكل كبرياء، لأنه يُدرك، بكل يقين، أن حياته في بحر النيران لها معنى، وموته المؤجَّل أو المُستعجل له ثمن. ووحدهم الذين يتآمرون عليه، من أتباع “الدين الإبراهيمي” خاصة، لم يفهموا الفلسفة الفلسطينية في الحياة والموت، لأنهم لم يُدركوا بعد بأن حياتهم بلا معنى وموتهم بلا ثمن!

بعيدًا عن الفلسطيني في أرض النار، يحاول اللاجئون الفلسطينيون هدم الجدار الفاصل بين “الـهناك” في فلسطين المحتلة، وبين “الهـنا” في بلدان اللجوء. وربما هم يحاولون اكتشاف طريقٍ سماوي تُعرج فيه روح “الأمّة العربية” عاريةً إلى القدس، لعلها تحظى بصلاة مجازيّة سنُسمّيها: “صلاة غزّة”!

إن الأهوال، التي عاشها ويعيشوها الشعب الفلسطيني في غزّة، تفرض على المؤمنين “الحقيقيين” أن يبتدعوا صلاةً جديدة من أجل غزّة، صلاة تتوحّد فيها القلوب والأدعية والابتهالات.. فتعيد الألوانَ إلى ألوانها، وتقهر “الرّمادي” الذي يمتدّ من تحت قدمَي أصغر طفلٍ في غزّة إلى أعماق أكبر شيخٍ معتكفٍ في أقصى قرية عربية نائية!

نعم، هناك حاجة إلى ابتداع “صلاة غزّة”، ليس من أجل قهر “الرمادي” فسحب، بل أيضًا من أجل استباق أمرٍ ما قد يكون أكبر من قدرة المفكّرين والمحلّلين والمثقفين العرب على استيعابه، فالنظرة الأوليّة ترى بأن اعتراف أكثر من ثلثي دول العالم بدولة فلسطين هو بداية لتحوّلٍ عالميٍّ يخدم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، غير أن “صلاة غزّة” قد تُنير بصائر “المؤمنين” فيستشرفون من خلف “الرّمادي” أبعادَ الأبعاد، فلا يُمكن للشيطان أن يُهدي للمؤمنين “حبّة خردل” من الخير! ولا يحتاج الأمر إلى برهان، فيُمكن اعتبار حرب الإبادة على غزّة أعظم برهان وأول ثمرة لـ “اتفاقيات أبراهام” التي كان هدفها تحقيق “السلام الإبراهيمي”!

إن ثلثي دول العالم، التي اعترفت بدولة فلسطين، تعرف ما هي الصهيونية العالمية، وما هي الدولة التي تُسمّى “إسرائيل”؟ ولكن لا دولة حتى الآن، خاصة من الدول الغربية، تجرّأت – أو تتجرّأ – على تعريف هذا الكائن الذي أنجبه الشيطان من رحم الغرب، لأن التعريف يستدعي أولاً تعريف “الإرهاب الغربي” منذ عصر النهضة الأوروبية إلى غاية حرب الإبادة على غزّة!

وموجة الاعتراف بالحق الفلسطيني كانت خالية من إنكار الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وما أعمق الفارق بين اعترافٍ قد يكون مجازيًّا (يثير الجدل في المجالين: السياسي أو القانوني)، وبين إنكار لا يحتمل المجاز لأنه امتداد فعلي للإرهاب الغربي وروحه الاستعماريّة التي تتلوّن بحسب ما تستلزمه الظروف والتطوّر التكنولوجي وطبيعة الصراعات غير المُعلنة بين عَبَدة الشيطان الذين بسطوا – أو على وشك – هيمنتهم على العالم.

وإذًا، فإن “صلاة غزة” قد تضع الجواب الحاسم للتساؤل: “كفى، إلى متى يستمرّ الموت في اختطاف أرواح الفلسطينيين؟”. وأيضًا، قد تُوحّد القلوب والأدعية والابتهالات، فيصير البصر حديدًا يرى من خلال “الرمادي” ما لم تتجرّأ أيّ دولة غربية على الاعتراف به، وتعريف “دولة إسرائيل” تعريفًا صريحًا وواضحًا لا رماديّة فيه!

لم يُخف قادة الكيان الصهيوني بأن حرب الإبادة على غزّة هي حرب دينيّة ترتكز على العهد القديم، بل هي خطوة لحربٍ كبرى ستُمدّد جغرافية “الرمادي” إلى أبعد من مساحة فلسطين العربية التاريخية.. ونحن لا نُشير إلى ما يُسمّيه التلموديون: “إسرائيل الكبرى”، بل نشير إلى حُكم “اليهود” للعالم، وربما يكون ذلك تحت مظلة “الدين ‏الإبراهيمي العالمي”! وفي سياق هذه الرؤية، يُمكن تفسير اعتراف ثلثي دول العالم بدولة فلسطين، دون إنكار الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية، فهذا الاعتراف قد يُفرمل المشروع الصهيوني لحُكم العالم، ربما لوقتٍ لن يطول.. ذاك ما ستقرّره “البقرة الحمراء”، فقد تموت قبل أن يظهر “المخلّص” بالمزايا والصفات التي تؤهّله لذبحها!

من المُجدي إثارة الأسئلة حول حقيقة “العرب” الذين باركوا الدين الجديد – الدين ‏الإبراهيمي العالمي – الذي كان أساس تطبيعهم مع الكيان الصهيوني، فيها سُمّي وقتها: “الاتفاق الإبراهيمي”، وقيل بأنه سيجلب السلام والأمن للشعب الفلسطيني! وما علاقة هذا الدين الجديد بدعم المطبّعين للكيان الصهيوني في حرب الإبادة التي أعلنها على غزّة؟ وهل هذه الحرب تندرج في إطار مشروع إعادة بناء الدين الإسلامي (القرآن والسُّنة) وتكييفه بما يحقّق أهداف الدين الجديد؟

وحدها “صلاة غزّة” يُمكنها أن تُشرع النوافذَ على فضاءات الأجوبة الصحيحة، فهل من معراجٍ يرتقي بهذه “الأمّة الغُمّة” – كما وصفها المفكر الجزائري “مولود قاسم نايت بلقاسم” – إلى سماوات الطُّهر، لعلها تتطهّر من غيبوبتها وتستعيد رُشدها قبل أن يكتسح الرّمادي كل جغرافياتها من بوّابات المُطبّعين؟

وطن بين يدي الله

بقلم: قمر عبد الرحمن – فلسطين

كيف يضيع العمر بين وطنٍ وأسرٍ وأمنية؟

كيف يمرُّ الصباح ولا يعود، كيف يعود؟

نحسب الأيامَ عدّةً، ونجدها مفتاحًا صدئًا في كفِّ طفلٍ لا يكبر. نُحصي المبانيَ المفقودة كأنّها نجومٌ وقفت عن العدّ، ونُحصي الأسماءَ كأنّها ماءٌ يحتاجُ إلى اسمٍ ليشرب.

يا ربّ، كيف تُجازي شعبًا علَّمَ الصبرَ لغةً؟

كيف تُجازيهم إن نَسُوا مرّهم؟ وهل يُنسى المرّ؟

أم تكتب لهم في النسيانِ بلاغًا وتوقّفُ الدمعَ؟

أم تنقش على صدورهم سلامًا كأنّه زرعٌ نبتَ بعد الحريق؟

أهلُ فلسطين، بصمتهم سؤالٌ طويلٌ لا ينفكُّ عن الكلام، في عيونهم تراكماتُ وطنٍ، وفي أيديهم مفاتيحُ بيوتٍ لم تُفتح. هم الذين يعرفون كيف يزرعونُ الصبرَ بين الأنقاضِ، وكيف يصنعون من الحَنينِ خبزًا يكفي لليومِ والليلِ.

هل يُكافَأُ الإنسانُ أن ينسى؟ أم تُكافأُ ذاكرته؟

إن كانت المكافأة نسيانًا فليكن نسيانهمُ خفيفًا كنسمةِ فجرٍ، لكنّي أسمعُ في حنجرتهم صلاةً لا تُطفئها الريح، أسمعُهم يقولون: نريدُ أن نَبني، لا أن نُمحى من الخرائطِ.

يا ربّ، إن أردت أن تُجازي فاجزِهم عزًّا، اجعل لهم صباحًا يعودُ فيه المزارع إلى أرضه، واجعل لهم ليلًا ينامون فيه دونَ أن يحرسوا الأحلامَ بالرصاص. أعطهم النسيانَ إذا كان نسيانًا يتيحُ للطفلِ أن يضحكَ، وللأمِّ أن تمسحَ جبينَ ابنِها بلا أن تتذكرَ جسمًا غائبًا.

ولكن إن كان الجزاءُ حكمةً لا تُقاس، فليكن الجزاءُ أن يتحولَ الجرحُ إلى تاريخٍ يُعلّمُ الأجيالَ كيف لا تُغتالُ الكلمات. وليكن النصرُ – لو سمحتَ – ذكرىً لا تُنسى كقوسِ قمرٍ على بيتٍ أعيد بناؤه.

كيف يضيع العمر بين وطنٍ وأسرٍ وأمنية؟

لا يضيعُ العمرُ إن بقي في سؤالٍ أمانةً،

ولا يضيعُ العمرُ إن صار في القلبِ خبزًا للغدِ.

فالنسيانُ إن كان خلاصًا فليكن رفيقًا مؤقتًا،

والذاكرةُ إن كانت سلاحًا فلتكن زرعًا لا حجرًا.

أهلُ فلسطين، إن كان ثمنُ نسيانكم السلامُ فأطلبوه، وإن كان ثمنُ تذكُّرِكم العدالةُ فتمسّكوا بها كما يتمسّك النخلُ بالأرض.

يا ربّ، اجعل الجزاءَ من جنسِ الأملِ: كبيرًا إلى حدٍّ يكفي أن تُنسى فيه مرارةُ الأمسِ، وحينَ يَرجعُ الذاكِرونَ إلى بيوتهمِ، فلتكن عودتهم احتفالَ فجرٍ لا ينتهي.

يهودي يرى غزة من “أوشفيتز”

بقلم: عيسى قراقع

أنا يهودي. كنت يومًا رقمًا على ذراع، وجثة مؤجلة في قطار يسير بلا وجهة، رأيت أفران الغاز، سمعت صراخ الأمهات، شممت رائحة اللحم البشري يحترق، كنت هناك، في أوشفيتز، في بوخنفالد، في غيتو وارسو، في ظلمة لا شمس فيها، ولا رحمة، ولا لغة إلا الموت.

وحين خرجت حيًّا، قالوا لي: “لقد نجوت”. لكنني اليوم، وأنا أرى غزة تُباد، أدرك الحقيقة الأشدّ مرارة: لم أنجُ.

نجوت جسديًّا، نعم. لكن روحي ظلت معلّقة في ذلك المعسكر، واليوم أراها تُسحق من جديد، لكن ليس بأيدي النازي، بل بأيدٍ تُشبه يدي، تحمل اسمي، وتتكلم لغتي.

لقد نشأنا على أن المحرقة هي المأساة العظمى، التجربة التي لا يمكن مقارنتها بشيء، لكن ماذا لو تجاوزها الواقع؟

ماذا لو أن غزة، بكل ما فيها من موت، وجوع، وحصار، وقصف، ودمار، أعادت تعريف الجحيم؟

كنت أظن أن الهولوكوست قاع العالم الأخلاقي، لكنني أرى اليوم في غزة ما لم أره هناك: إبادة تُبثّ على الهواء، بتصفيق، وبفخر قومي، ودعم دولي.

نعم، هناك كانت أفران الغاز، لكن هنا تُحرق الأحياء، لا الأجساد فقط، هنا، يُحاصر مليون طفل، ويُدفن الآلاف تحت الركام، وتُقصف المستشفيات، وتُمنع المياه، ويُقطع الخبز، هنا، تُباد الحياة، لا فقط الأجساد.

لقد بنينا سجونًا ومعسكرات تفوق بشاعتها السجون النازية.، ليس لأننا أكثر تطورًا، بل لأننا أكثر تجريدًا للإنسان من إنسانيته، نعذب ونسلخ ونغتصب ونجوع، ويقودنا شخص يشبه “هتلر” اسمه “ابن غفير”، و”توراة” حللت قتل الأطفال والنساء ومحو الفلسطينيين من الوجود، وباسمه نُطلِق على أحياء كاملة اسم “مناطق عمليات”، ثم نُسوّيها بالأرض كما كان النازيون يفعلون بنا، من هذا الربّ الذي يسكن في “تل أبيب” وليس في السماء؟

أنا يهودي ناج من المحرقة، النازيون أحرقوا الجثث في أفران الغاز، ونحن نحرق شعبًا كاملًا على الهواء، بالصوت والصورة، ونحن نعلم، ونُبرّر، بل نُصفّق ونستمتع كالشواذ.

بل إن قوانيننا تلك التي نفاخر بها أشد قسوة من قوانين “نورمبرغ”، نقنّن التمييز، نُشرعن الحصار، نُبرّر القتل الجماعي تحت غطاء الأمن، والدفاع عن النفس، ونحوّل العدالة إلى أداة للقمع.

هل بعد هذا نجرؤ أن نقول إننا “شعب أخلاقي”؟

هل يمكن لمن نجا من المحرقة أن يصنع محرقة جديدة؟

هل يعقل أن يتحوّل الناجون إلى جلادين باسم الذاكرة؟

كنت أظن أن الهوية اليهودية تعني النجاة، النور، العدل، لكنني أراها اليوم تتشظّى، تتكسّر أمام المرايا، الهوية مكسورة، تنهار حين تبرّر القتل، تتلوث حين تصمت أمام الجريمة، وتُمحى حين تشارك في ذبح الأبرياء.

أيها الإسرائيليون، أنتم لا تنتقمون من التاريخ، بل تُكرّرونه بأسوأ صورة.

أنتم لا تكتبون مستقبلًا آمنًا، بل تزرعون كراهية أبدية.

أنتم لا تحمون الدولة، بل تُجهزون على الروح، لم تعد “إسرائيل” بلدا آمنا، بل مشهدا عسكريا دائما وخوف، المدرسة صارت معسكر، والتطرف في كل حرف.

ما فعلناه في غزّة جعلني منبوذا أمام نفسي وفي كل مكان، أشعر بالخزي والعار، أشعر أن “دولتي” حولتني إلى وحش قبيح، وسأظل مطاردا عبر الزمان.

وأنتم، أيها العالم، الذي أقام النصب التذكارية في كل العواصم، أين أنتم الآن؟ هل مات ضميركم عند أبواب أوشفيتز؟ هل دماء الفلسطينيين لا تثير فيكم شيئًا لأنهم لا يُشبهونكم؟

حتى لو توقفت الحرب، ستبقى روحي محطّمة، شبح غزة يلاحقني في النوم وفي اليقظة، لا يمكن النسيان، الاشلاء البشرية المتطايرة، الجثث، التجويع، الهدم والتشريد، الصراخ، القنابل والصواريخ التي تصهر الناس، مشاهد تقودني إلى الانتحار.

وأنتِ يا غزة…

أنا آسف.

آسف لأنني نجوتُ من موتي، ولم أنجُ من عاري.

آسف لأنني عشت لأشهد الجريمة، لا لأمنعها.

آسف لأن من حملوا ذاكرتي، حوّلوها إلى سلاح ضدكِ.

أنا لا أكتب هذا كعدو، بل كمن يرى صورته تنعكس في عين من يُقصف، كمن تعلّم من المحرقة أن الحياة مقدسة، ثم شاهد قومه يسحقونها تحت الدبابات.

أنا ناجٍ… ولكن ليس حقًّا.

روحي لم تنجُ.

ضميري محاصر بين الماضي والحاضر.

وما دامت غزة في الجحيم، فأنا ما زلت هناك.

غزّة أولاً.. وليس آخرا..

بقلم: د. المتوكل طه

(إلى أصدقائي أدباء وكُتّاب ومبدعي غزّة)

اليوم ستبكي الأرضُ، فرحا وحزنا، غضبا وأسفا، معًا! وستخبز قمحها بين الركام، الذي سيكون متراسا عنيدا، ينادي الحجارة لتعيد البيت إلى هيأته. ستنتصر إرادة البقاء وقوّة الحياة في غزّة، على كلّ العوائق وأشباح ألاعيب الساسة والفناء. ويثوب العاشق، الذي خسر الشجرة، ليقف منتظرا قمرَه العائد من الأعراس القديمة، ليكمل قصيدته المجروحة.

اليوم تبدأ المعركة، ليؤثّث النازلُ من جحيمه دارَه العارية المنعوفة، ويثبت أنه قمين بإعادة الجنّة إلى شكلها، ليبقى الموج جديرا باللّمّة والعرائش وتراتيل الهزيع.

ربما انكسر الميزان، لكنّ حبّ المدينة هو الذي سيحرّك القلبَ، وليس كراهية الجنود، وتجّار الاحتكار، وباعة الأوطان.

ثمّة غمامٌ هلاميّ رّخو فوق الرؤوس الشعثاء. وفنتازيا الجنون الذابح تؤوّب في الجنبات. ومحرقة الدوستوبيا، المقنّعة بدادائيّة بلهاء قاتلة، ما فتئت تستعين بالشيطان. وسوريالية لم تغادر الواقع الأشدّ غرابة! فهل وصلنا إلى الغموض الكامل أم الوضوح الكاسح؟ أم أن تعب القلب جعل الأمور تتداخل وتنصهر في بوتقة الرماد؟ وما أهمية هذا السؤال أو كلّ الأسئلة ما دامت غزّة قد قاربت الربع الخالي، الخالي إلا من الرمل والضباع وعساكر الكاوبوي ومندوبي النخّاس الكبير؟ وأن نينوى، بعيدة.. مع أنها قابلة لتجديد الموسيقى، ولاستيعاب زفّات الجنون؟

وما قيمة اللغة إذا لم تضمن لك البقاء تحت عري الندى، ومفردات المذبحة التي ما فتئ دمها ينزّ من الأشداق، أو الزلزلة التي تتصادى حجارتها الطائرة في الجهات، أو النسيان الُمطْلق للشهوات؟ وماذا تنفع الغابات والأنهار إذا لم تطلق أعنتّها للظباء، وتشهد الرفيف الأخضر ساعة الضحى؟

الصمتُ كلامٌ مكتوم

وثمّةَ متّسعٌ للكلام. فَلا بُدّ من رقبة الديك حتى يظلَ قادراً على الصياح، ولا بُدّ من سكين المتنبّئ حتى يشخب دمُ الطير على خدّ العروس، لتكتملَ زينتها، ويعودَ بكامل ألوانه المزركشة بعد أن يرقص بقشعريرته، ويلفّ ويدور حول نفسه، ذبيحاً طازجاً معفّراً بإكليله الأحمر الساخن.

ولا بُدّ من تلك الهّزة العميقة التي تنشر برقَها المتشعّب في الأوصال، عند كل فجيعةٍ أو ذكرى، أو جَمال يبطش، أو دمعة رجراجة كاوية.. عندها تحسّ أن أحشاءك تغوص بعيداً، كأنك على عتبة التحوّل إلى كينونة أخرى.

ولا بُدّ من عافية الصراخ والبكاء والضحك المجلجل والشبق، والذهاب إلى آخر الموجة، أو إلى كهف الغابة المسحور. ولا بُدّ من عَرقِ الخطيئة ونَهمِ اللذّة والعبث، حتى يكون للحسرة طعمها الجليل. ولا بُدّ من السجود العميق والصوم والتمسّح بأثواب النور، حتى يخفّ القلب ويجنّح مع النجمة اليتيمة الواعدة. باختصار؛ لا بُدّ من كل شيء حتى نسحب أوراق الجنون من الوردة الريّانة المحتشدة بالرقّة والشّهد والرّهام الرقراق.

ولم تَعُدِ الأفعى من وردتِها السَّوداء، لتلقيَ علينا السلامَ، فقد هيّأتْ لأبنائِها النّاعمينَ، أقفاصَ الفراخِ والدمِ الطفلِ الفائض. وبقينا، على شيخوختِنا، نستعيدُ النَّايَ الذي هربَ من حقولِنا. فلا بأسَ من أن نقتسمَ التحيةَ على ما تبقّى من مشهدِ النهرِ الظامئِ، الذي كشفَ عُمْقَ العطشِ، أو الفيضانِ الأحمر سالفِ الذكرِ.

وقيل؛ لم تُكمِلِ العَرُوسُ حِنّاءها، كما ينبغي، فماتَ القُرنفلُ والماء.

ولا جدوى من هذا الهروبِ الأنيقِ، أو التلهّي بهذه التسليةِ المضبوطةِ الراقية، لأنَّ الحوذيَّ أتقنَ ضربَ السياطِ، وأصبحنا مدجّنين كما يروقُ لأمسياتهِ العارية، ولا بأسَ من أن نقضيَ ما تبقّى من أيامٍ، فقد ردَّد النقّادُ إطراءَهم وتبريراتِهم بإتقانٍ شديدٍ، ولن يُغطّي نُحَاسُ الصنّاجةِ أسماءَنا العاليات، أو ما يقوله الرواةُ في الخانِ، أو على جسرِ النهرِ الوحيد. فليمُت مَنْ يمُت، ولينتحرْ مَنْ ينتحر، وليقدّمِ حاكِمُنا قبّتَنا الخضراءَ المعتّقة إلى سادنِ الجحيمِ الوحيدِ.. فماذا عسانا نفعلُ في هذا السقوطِ المخيفِ الواسعِ المجنونِ؟

ولغزّة إسْراؤها بأمرِ العليّ الجبّار. وللثكالى، أُمّهاتِ الصغار المفجوعين بالفَقْد، معراجُهن في البياض الحصين، لترى كلُّ ثاكلٍ رجالَها، يومَ عيدٍ قريبٍ، يترون الواحد خلف الآخر، يقبّلون الزّغب والكفّ، وتنهمر دمعة الثلج التي كانت، قبل قليل، كاوية.

ويا أشجار النخيل الممتدة في صدر غزة! انطلقي، واخترقي كبد الشمس. واهزمي الظلام في آدم. واخلقي فارساً جديداً يحرّر حامل الصخرة، وابعثي دعوة الإيمان للسيّدة المكابِرة مثل أوثانها، وأعيدي الإنسان للمشوّهين القتلة، لعلّهم يتوبون كما تابت المجدليّة، وواصلي مدّ جذورك حتى ترهص بالليمون والزيتون من جنين إلى رفح.

ويا أيتها الرجولة الفارعة كالأبنوس! توالدي على الطرقات كالنجوم الشاهدة على المخاض، لتسير فلذات أكبادنا نحو بيادر الفرح عند الفجر. وعلّميهم كيف يكسرون الوحوش الضارية، ليُخرجوا الطير من بين أنيابها الكريهة. لتنطلق أغانينا، حافية كالأنهار، وعامرة كالخوابي والمشاوير والصلاة.

ويا أبانا الذي خرج من الجنّة وحطّ على الأرض! عليك أن تخلق جنّتك الوارفة الخلّابة هناك، بعيداً في القلب، لتعود علاقتك بأبواب الغزالة ممتلئة بالحكايا. ولا ذنب على الأرض إلا ذنب أولئك الذين فقدوا صلتهم بآدم.

لقد كانت الوردةُ بيضاءَ، والسماءُ سحابةَ ثوبِ عروسٍ، عندما كانت الصحراء صحراء، والحرب بلاءٌ وشظايا.. وقد هرست دبابةُ الجنزير لحمَ رضيع في الطريق، كانت الدماء دماء، والنجوم غائبة عن السماء.. ومن لحظتها وقلب الأرض يستعر كالجمر، ويلوب من أوجاع الكراهية في الإنسان، ومن خراب نظرته لكثافة النوع البشري.

…..

المرارة والحامض الكاوي والرمل الناشف في حلوقنا، مع شهقة التلقّي لعشرة آلاف مذبحة كاملة! كأننا لم نعد ننتظر تلك الطمأنينة والسكينة من الأخبار المكرورة الصافعة، كأن اليأس قد أفنى الصبرِ على ما يمور من خراب ودم وتشريد وفرقة واقتتال وفتن وضلالات وكوارث ومفاسد وجنون، على امتداد خارطتنا الكبيرة، التي يومض كلُّ شيء فيها سريعاً نحو هاوية مرعبة!

وها إنّي أتحسّس دبقَ الشريان المفتوح، مجّاناً، على الأصابع المضطربة، والسخونةُ تهمُّ بالتعالي الكاوي، والظمأُ عتيق.

ولا رعد فوق الخبب، يترنّح بجذعه، ليُنادي النازح من وراء دغل البلح، لأنه الفهد يتحسّس الموقدة المندلعة بشعاب الضوء، وخياله الجامح يجتاح صدره بالنار، ولا يرى زوابع الهلع التي تشلع المكانَ من مكانه!

أيّ موجة حارقة تلك المنداحة على سُكّرنا الأسود المرّ؟ وعمّتنا النخلة تكدّ جدائلها اليابسة، ليسقط عن ألواحها الحَبّ المترمّد المذرور، إثر الحريق المدوّي الذي أخذ أعذاقها للعدم، على مدى غزة المحترقة؟

وما للطير ببراءة الغموض، يلفّه الخوف، في غربة مجهولة، وشجرهُ يسيل على الحواف، كهرماناً من النسغ المشعوط؟

ليس للبلّور المجعّد في هذا المدّ البعيد من صوت آخر، سوى ما تدفعه الأعماق إلى البيوت المُرهقة المهدّمة العطشى، وللشبكة المقطّعة التي تنوء بمخلوقات الليل المتغضّنة.

أيها المتفّرد، المُعاكس للمشهد المتشقّق، العميق الواسع الشهيّ المخيف، أيها المبدع البحر! ستفقد ملوحتك الثقيلة إنْ وصلت الدماء إلى صفحتك، وصار لها لون غروب دميم، وسنكون أمام شواطئك المهجورة نبكي، فلا صدى، سوى ما يتهيّأ للمدّ من شراع يتهاوى في القيعان!

ويا ليتني ذلك الفارس الذي أنصف الخيول، وشرب من أعرافها عسل الكرامة والعدل. لكنني الموزّع في الملايين التائهة، المفرومة باستراتيجيات البرامج، ورغبات الكارتيلّات، وأطماع المؤسسات الغريبة، واستحقاقات تثبيت النير على الأكتاف، بعد أن صار المواطن المُسَرْنَم بلا رأس، أو يقع تحت اشتراطات الإقليم المبهظة، التي تنازع الطفل دفتره، والرضيع حليبه، والمرأة شالها المسروق.

وما فتئت داحس، متعددة الألوان والأشكال الحداثية، تدقّ حافرها الشيطاني، على عتباتنا، وتجنّح بزعيقها المصنوع الشائخ الكريه، وقد تداخلت رماحنا المستوردة في نحورنا، وسال دم الرُضّع على أقدام الطريق الموحل.. وما زال الشبح على الأبواب، ولا أرى الحُرّاس، يا صديقي! لا حُرّاس إلا أنتم والبحر والأغاني الجماعية والفجر وقصائدكم العارمة، لأن غزّة هي أوّل الأرض وآخرها.

إشهار كتاب “احتمالات بيضاء” للمحامي “الحيفاوي حسن عبادي”

تقرير الكاتب: فراس حج محمد

وقّع الكاتب المحامي “الحيفاوي حسن عبادي” كتابه الجديد “احتمالات بيضاء – قراءات في أدب الحرية الفلسطيني” على منصة التوقيع في أروقة معرض الكتاب الدولي في “عمان”، وذلك يوم الجمعة 26/9/2025، ليتبع ذلك احتفاليتان مستقلتان لإشهار الكتاب، حضرهما جمعٌ من الكتاب والمثقفين والمهتمين بأدب الحريّة، كانت الأولى في مقر رابطة الكتاب الأردنيين في “إربد” يوم السبت 27/9/2025، شارك فيها نخبة من الكتاب والأدباء، بالإضافة إلى عريف الحفل الروائي “محمد مجدلاوي”، مُرحّبا بالضيوف، ومعرّفا بالكتاب.

وفي مداخلة قدّمها الأستاذ “محمد الصمادي” رأى فيها “إنّ قوّة الكتاب تكمن في قدرته على الانتقال من الوثيقة إلى النظرية، وتحويل معاناة الأسرى إلى رؤية فلسفية عن الحرية والمقاومة والخلود”. وأما الدكتور “جمال أبو النعاج” فقد تناول في كلمته أدب الحريّة الذي يشكّل شهادة حية، وفلسفة وجودية، ومشروع نضالي متكامل يهدف إلى مواجهة السجان بالكلمة والإبداع. ويعكس هذا الأدب تحولا في الوعي، حيث يرفض الأسير أن يكون ضحية، ويصر على أن يكون فاعلا ومؤثرا من خلال كتاباته.

وفي مشاركة للدكتور “أمجد الزعبي” أوضح أن “الاحتمالات البيضاء حقيقة لا تقبل التجزئة او التسويف.. فتحت مصراعيها على بياض الياسمين تعتصر منها خمرا لذة للشاربين.. احتمالات بيضاء تفتح أبواب الحرية وتقاوم المخرز..”.

وفي الاحتفالية الثانية، التي أقامتها رابطة الكتاب الأردنيين في عمان مساء الأحد 28/9/2025، تحدّث فيها كل من د. موفق محادين (رئيس الرابطة)، وأ. فداء الزمر، وأ. نزار سرطاوي، وأدارها الروائي عبد السلام صالح.

افتتح اللقاء الروائي “عبد السلام صالح” الذي تحدّث عن دور رابطة الكتاب الأردنيين في تبنّيها ودعمها لمبادرات الأستاذ “حسن عبادي” وشراكتها معه خصوصا في مبادرة “أسرى يكتبون”، وشكر الهيئتين الإداريتين الحالية والسابقة على دعمهما للمشروع. ومعلنا عن بدء التحضير للمؤتمر العربي الثاني لأدب الأسرى الفلسطينيين الذي ستقيمه الرابطة في يوم الأسير الفلسطيني.

وفي كلمة للدكتور “موفق محادين” تناول الأحداث التي تدور في المنطقة بعمق فلسفي، حيث ربط ما بين الثقافة وأهميتها في التصدي للمشاريع المشبوهة في المنطقة، ولا سيما أن الثقافة هي المشرب الرئيسي في تكوين هوية الأمة، وأشار إلى الاتصالات الرابطة مع دول من أجل تأطير علاقات التعاون ما بينها وبين مؤسسات تلك البلاد، وأكد في كلمته أن الرابطة تدعم بشكل فعال أي نشاط يتحدث عن أدب الحريّة.

وقدمت الكاتبة فداء الزمر قراءة نقديّة ومما جاء فيها: “حمل الكتابُ عنوانا لافتًا، وهو (احتمالات بيضاء)، فجاء العنوان متوشّحا بالبياض بكل ما تعنيه الكلمة من دلالات ورمزية، فالبياضُ رمزٌ للنقاء، والبراءة، والبساطة، والوضوح، والروحانية، والطهارة. وكلُّ تلك الخصالِ التي ذكرتُها مجبولةٌ عليها نفس المعتَقل”.

وفي قراءة أخرى، وضّح الكاتب “نزار سرطاوي” أن: “هذا الكتاب ليس مجرد إصدار، إنه صوت أولئك الذين صودرت أصواتهم خلف القضبان. عبر صفحاته، يسلط المؤلف الضوء على المعاناة، والصمود، والإرادة التي لا تنكسر لأولئك الذين زُجّ بهم في سجون الاحتلال الصهيوني بسبب نضالهم من أجل العدالة والحرية”.

ولعل ما يميّز هذا الكتاب أنه يقدم أدب السجون بثراء لافت عزّ نظيره، إذ يزخر بعشرات الحكايات، حكايات الاعتقال، والقمع السياسي، والنضال من أجل الكرامة.

وبدوره، تحدّث المؤلف “حسن عبادي” عن أهمية المبادرات التي قامت بها الرابطة حول “أدب الحرية”، حيث شعروا بذلك أنهم أحرار لا أسرى، وعن وضع أسرانا في سجون الاحتلال، وعن أدب الحريّة الفلسطيني، والكتابة خلف القضبان كمتنفّس للأسير، وأهميّة التواصل الثقافي، وأشار إلى شحّ الدعم للأسرى في أيّ إنتاج لديهم، ولم يكن لهذا المشروع أن يرى النور لولا دعم زوجته “سميرة” التي كانت داعمة لكل خطواته، وأسهمت في الدعم الاقتصادي لإنجاز حلقاته المتعددة في هذا الكتاب والكتب السابقة.

ومن الجدير بالذكر أن الكتاب الصادر عن “دار الرعاة للدراسات والنشر” في “رام الله” و”جسور ثقافية” في “عمّان”، يضم مجموعة من القراءات النقدية التي تضيء على عشرات الكتب التي أصدرها الأسرى الفلسطينيين أو تناولت نقديا إبداعاتهم، وقد حرّره الكاتب فراس حج محمد، وصمم غلافه الفنان ظافر شوربجي. ويقدم الكتاب شكلا من أشكال الاحتفاء بأدب الحرية ونضال الأسرى الفلسطينيين، ينضاف إلى الكتب السابقة في هذا المشروع، وهي: الكتابة على ضوء شمعة، ويوميات الزيارة والمزور، وزهرات في قلب الجحيم.

قلبي مجروح

بقلم: آلاء القطراوي

لا أصدّقُ أنّ الحربَ توقفتْ

لكنّني أُصدّقُ أنّني لنْ أرى (يامن) مرّةً أخرى

لنْ يقولَ لي “ماما بحبك”

لنْ يقطفَ وردةً بريّةً من منتصفِ الشارع

ويخبرنِي أنّها مِنْ أجلي

لا أصدّقُ أنَّ الحربَ توقّفتْ

لكنّني أُصدّقُ أنّني لنْ أرى (كِنان) مرّةً أخرى

وأنّهُ لنْ يقولَ لي: دعيني أترك على خدّكِ قُبلةً أخرى

ولنْ يُوشوشني أنّهُ يريدُ قطعةَ شوكولاته إضافية

لا أُصدّقُ أنَّ الحربَ توقّفَتْ

لكنّني أُصدّقُ أنّني لن أرى (أوركيدا) مرّةً أخرى

ولنْ تقولَ لي “ماما أنتِ حلوة”

ما أجمل فستانكِ!

ماما شاعرةٌ مشهورة

لا أُصدّقُ أنَّ الحربَ توقّفَتْ

لكنّني أُصدّقُ أنّني لنْ أرى (كَرْمِل) مرَّةً أخرى

وبِأَنّني لنْ أقولَ لها “كم تشبهينني”

كم أخذتِ ملامحي

وكم أنتِ أنا

لا أُصدّقُ أنَّ الحربَ توقّفتْ

لكنّني أُصدّقُ بأنَّ قلبي مجروح

وروحي أصبحتْ سماويّةً أكثر

لا أُصدّقُ أنَّ الحربَ توقّفتْ

لكنّني أُصدّقُ بأنَّ الاحتلالَ وحشٌ

وأنَّ الإنسانيةَ فريستُهُ المفضّلة

“سورة الفاتحة”.. الخريطة الإلهية للنصر والرّزق والشفاء

بقلم: غدير حميدان الزبون – فلسطين

كلّما ضاق الأفقُ، وتكاثفت سُحبُ الحيرة فوق سماء القلب ينهض العقل من صمته الطويل ليسأل: أين الفرج؟

تتقاطع في تلك اللحظة خيوط الفكر والروح، بين منطقٍ يبحث عن دليل، وإيمانٍ يستبطن اليقين في الغيب.

هناك، عند تخوم السؤال يبدأ صراع النور والظلمة، بين ما يُرى وما يُؤمن به، بين حكمة البلاء ووعد الفرج.

هي رحلة العقل في متاهة الوجود، حينما يحاول أنْ يفهم أسرار الانفراج بعد الشدّة، والنور بعد الغمام.

ومن هنا تبدأ الحكاية: عقلٌ يسأل، وبصيرة تجيب.

لماذا يبلغ الضيق ذروته قبل أنْ يُولد الفرج؟

ولماذا تُختبر قلوب المؤمنين حتى تلامس الحناجر؟

وأين يقف الله عزّ وجلّ حين يتأخر النصر؟

وكيف يُكتب الرزق في زمن الحصار؟

وأيّ شفاءٍ يمكن أن يُعيد للإنسان اتّزانه في عالمٍ يزداد وجعًا واضطرابًا؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير تخرج عن كونها تمرّدًا كونيًّا إلى اعتبارها نداء للعقل الباحث عن العلاج الشافي.

وجوابها الأعمق كُتب منذ أربعة عشر قرنًا في سبع آياتٍ، نقرؤها كلّ يوم مع كلّ صلاة، دون أن نستخرج منها نظامها الكامن:

إنها “سورة الفاتحة”، السورة التي تختصر فلسفة الوجود الإنساني بين الابتداء بالحمد، والانتهاء بالهداية.

1. (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): من البدء إلى الوعي بالمصدر.

البسملة تجتاز الافتتاح اللفظي، وتعبر إلى تأصيل لوعي المصدر والغاية.

هي إعلان بأنّ كلّ فعلٍ في الكون لا يُثمر إلا إذا اتّصل بأصل القوة: باسم الله.

 فالباء في “بِاسم” تحمل في جوهرها الاستعانة والاقتران، أي أنّ كلّ عملٍ منفصلٍ عن الله مآله الانقطاع.

ومن منظورٍ نفسي فإنّ تفعيل هذا الوعي يولّد حالة يُسمّيها علماء النفس الاتصال بالمعنى الأعلى، وهو العامل الذي يحمي الإنسان من الانهيار في الأزمات.

فالإنسان الذي يبدأ يومه بـ “بسم الله” يُفعّل نظامًا عصبيًّا يُعيد ترتيب أولوياته: بأنّ القوة تُستمد من العلاقة بالمصدر.

وهكذا تكون “البسملة” الجرعة الأولى من الشفاء الوجودي، لأنها تُثبّت مركز الوعي في نقطة التوحيد قبل أنْ تبدأ الحركة في العالم.

2. (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): من الوعي بالنعمة إلى تحرير الطاقة

الحمد يُحوّل العجز إلى حركة وليس مدحًا كما يعتقد البعض.

فالإنسان حين يحمد، يُعيد تعريف علاقته بالكون؛ فيرى في كل ما يملك – وإن قلّ – صورةً من العطاء الإلهي المستمر.

والآية تضع أول قانونٍ واقعي للرزق: أنّ الامتنان يسبق الزيادة.

والإعجاز البياني هنا في الجمع بين الحمد والربوبية؛ فالحمد يعيد توازن العاطفة، والربوبية تعيد توازن الفكر.

علميًا، أظهرت دراسات “سليغمان” في علم النفس الإيجابي أنّ الامتنان يُنشّط مناطق السعادة المستقرة في الدماغ، ما يرفع الإنتاجية ويقلّل القلق.

وهكذا، تتحوّل الآية من لفظٍ تعبّدي إلى قانونٍ (اقتصادي – نفسي):

فمن حمد الله قبل أنْ يُعطى، فُتحت له الأبواب من حيث لا يحتسب.

ولهذا ترى الفلسطيني المحاصر يقول “الحمد لله” لا استسلامًا، بل يقينًا بأنّ الرزق يكمن في العلاقة بين القلب والسماء.

3. (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): من الخوف إلى الطمأنينة.

الرحمان والرحيم اسمان يتكرّران لأنهما يؤسّسان لعلم النفس الإيماني.

فالخوف الطبيعي من المجهول لا يُلغى، بل يُعاد توجيهه.

وفي الوقت الذي يدرك فيه الإنسان أنّ مصدر وجوده رحمة، ينكسر من داخله الخوف الوجودي الذي يولّد القلق الدائم.

والإعجاز هنا في الجمع بين صيغة المبالغة (الرحمان) والاستمرار (الرحيم).

فالرحمة نظام دائم يشمل الكون والإنسان معًا.

وعِلم الأعصاب يؤكد أنّ الإحساس بالأمان الروحي يفعّل الجهاز العصبي اللاودّي، المسؤول عن الشفاء الذاتي للجسد.

وهكذا تكون الرحمة علاجًا فسيولوجيا.

فالفلسطيني الذي يهمس “الرحمن الرحيم” من بين الأنقاض، يعيد برمجة أعصابه على البقاء من خلال إستراتيجية نجاة نفسية تمتحنها التجربة اليومية.

4. (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): من الفوضى إلى العدالة العليا.

تأتي هذه الآية لتُعيد ميزان الزمن والعدل.

في عالمٍ يختلط فيه الظالم بالمظلوم، والمجرم بالضحية، فتقف “مالك يوم الدين” معلنة سلطة مؤجلة لكنها حتمية.

هي الآية التي تحرّر الإنسان من عبودية القهر، لأنّ من أيقن بالحساب لم يعد أسيرًا للظلم المؤقت.

وعلم النفس المعاصر يقرّ أنّ الإيمان بالعدالة النهائية يخفّف اضطرابات الغضب واليأس، ويمنح الدماغ قدرة على تأجيل المكافأة، وهو من أهم مؤشرات النضج العقلي.

من هنا نفهم لماذا تصمد الشعوب المؤمنة بالحقّ رغم طول المعاناة؛ لأنها تعيش على يقينٍ لا يخضع للتوقيت الأرضي.

5. (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): من الانقسام إلى التوحيد العملي.

هذه الآية قلب الفاتحة وذروتها.

إنها لحظة الانتقال من المعرفة إلى الفعل، من النظرية إلى الالتزام.

فكلّ ما قبلها تمهيدٌ للوعي بالله، وكلّ ما بعدها نتائج لهذا الوعي.

والإعجاز في ترتيب الجمل: تقديم “إيّاك” قَطعٌ لكلّ اعتمادٍ سواك، والجمع بين “نعبد” و”نستعين” جمعٌ بين الفعل والإدراك.

هي الآية التي تخلق الاتزان بين الجهد البشري والإمداد الإلهي.

ومن زاويةٍ نفسية، هي تدريب يومي على التحكم في التعلق؛ فلا يكون القلب رهين الأسباب، ولا غافلًا عنها.

أمّا في الميدان الفلسطيني، فهذه الآية تُترجم في مشهدٍ واحد: أمّ وأب يحملان ثقل الحياة كلّه بيدٍ، ومصحفًا بالأخرى.

يعملان ويستعينان، يصبران ويدعوان.

وهنا يتحقق النصر بمعناه الأوسع: أنْ يبقى الإنسان قادرًا على الفعل دون أنْ يفقد قلبه.

6. (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): من الاضطراب إلى التوازن.

الإنسان عندما يجهل الطريق، يتشتت وعيه.

والهداية في الفاتحة تكون تجديدًا مستمرًا للاتجاه، وطلبا للثبات بعد المعرفة.

والإعجاز هنا في صيغة الجمع “اهدِنا”، فهي شفاء جماعيّ، لا فرديّ.

وفي علم النفس، يُعرّف ذلك بالاتساق الجماعي، أي قدرة المجموعة على النجاة معًا رغم الألم.

ومن هنا جاء وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) للفاتحة بأنها “الشفاء”، لأنّ تكرارها المتأمل يُعيد الاتزان بين الجسد والعقل والروح، فيهدأ القلب وتستقيم الرؤية.

وفي التجربة الفلسطينية، هذه الآية هي نداء كلّ بيتٍ فقد عزيزًا:

“اهدنا” تعني ثبّتنا على الوعي رغم النزف.

فالهداية طريق نحو التوازن النفسي والبقاء الروحي.

7. (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ): من التفرّع إلى الثبات.

تختم السورة بتمييزٍ دقيق بين المسارات، أي التمييز بين الاستقامة والانحراف.

وفيها تأكيد بأنّ الوعي وحده لا يكفي؛ فحتى العارفون قد يضلّون إذا غابت عنهم البصيرة.

وهنا الإعجاز المنطقي في ترتيب الفاتحة: تبدأ بتوحيد المصدر، وتنتهي بتحديد المصير، فمن وعى البداية والنهاية معًا، استقامت مسيرته في المنتصف.

وفي الواقع الفلسطيني، هذا المعنى يتجلى في تمسّك الأجيال بالهوية رغم محاولات المسح والطمس، فمن سار على صراط الذين أنعم الله عليهم من شهداء وأطهار، لن تضلّ ذاكرته، ولن يضيع طريقه، ولو تاهت الجغرافيا.

إنّ سورة الفاتحة العظيمة تبدأ بالبحث عن المعنى، وتنتهي بطمأنينة الطريق، وتجمع بين علوم الروح والعقل والنفس في نسقٍ واحد.

ونلخّص لذلك كلّه بأنّها تمنح الإنسان قانون البقاء حين تضيق السبل بنقاط جوهرية مفصليّة:

أنْ يبدأ كلّ فعلٍ بـ “بسم الله” ليُعيد وعيه بالمصدر.

أن يحمد في النقص قبل الزيادة ليجذب الرزق.

أن يطمئن إلى الرحمة ليُشفى من الخوف.

أن يؤمن بالعدل ليبقى متّزنًا.

أن يعبد ويستعين ليصنع النصر من الداخل.

أن يطلب الهداية ليحافظ على التوازن.

وأن يميّز الطريق ليحفظ الوعي حتى آخر العمر.

هكذا يتحقق الفرج لأهل فلسطين ولكلّ من ضاق عليه الزمن، فالوقائع لا تتبدّل لكنّ الوعي والإدراك يتبدّلان ويدفعان بفكر جديدٍ يجعل الضيق مقدمةً للانفراج، والابتلاء مدخلًا للنصر، والضعف جسرًا إلى القوّة.

فلسطين

بقلم: بشرى أبو شرار

المساء يأتيني زاحفا يغشى الطرقات والأزقة وأنا أركن إلى زاويتي المنسية، أرنو إلى صباح يأتي إليّ بنور ووقت قد يكون لي، رحل المساء وأشرق صبح آت من نور شمس هي ألف ألف حياة، أحث الخطى على أرصفة الطرقات، أرفع يدي أتحسس قلادتي الذهبية التي تحوط عنقي، قلادة تحمل خارطة “فلسطين” الوطن، راحة يدي تدور في عالم خواء، القلادة الذهبية تحوط رقبتي ولم تعد تحمل خريطتي التي أمضي بها وتمضي بي، أعود من جديد ألفّ قلادتي، أتحسّس مقاطعها لا شيء.

عدت أدراجي أبحث عن مطارح أقدامي، قد تكون سقطت من حيث مروري، الطريق ممتد أمامي وعيني على ممرّ لا زال يطول، أدقق النظر على الأرض الرخامية، وأدرب نفسي كي أعتاد على هذا الفقد الموجع، مرّ بي الوقت، توقفت خطواتي، لم أصدّق حين أطلّت فلسطين على رصيف الطريق، أقترب من الأرض الرخامية لأتناولها، وجدتها ملتصقة في أرض الرصيف، هي ذاتها خريطتي، حجمها، لونها، اتحسس بأناملي حوافها لألتقطها وأعيدها من جديد، أدركت أنها ملتصقة في البلاط وحوافها ملساء ملتحمه في بلاط الرصيف منذ وقت بعيد، أقمت طولي بعد أن مسحت عليها بأناملي، أتحسس مدنا لي هناك لم ولن تغادرني.

عدت أدراجي وعيني تعود ترقب مطارح أقدامي التي تركتها على الرصيف الطويل، صرت بباب البيت أحدّث نفسي: “قد تكون على وسادتي، أغطيتي، حجرة ملابسي”. في صمت حزين ذهبت أبحث عنها لم أجد شيئا، مررت بكل أركان البيت لم أجد شيئا، أعود أحدّث نفسي: “هي ارادة الله، حين يريد ستعود لي من جديد”. أقف أمام مكتبتي أسدل أهدابي من روح فقد أكادها سكنتني، وفجأة حيث كنت أقف وجدتها أمامي على بلاط البيت، هي فلسطين الذهبية، حروفها نقشت عليها ونورها يلامس ملامح وجهي، بريقها أعادها لي، تناولتها وأسكنتها كفّ يدي، أقبّل حوّافها، أعيدها على طاولتي، وزجاج مكتبتي يحوطني بنور من وجه “ناجي العلي” وحنظلة “غير القابل للموت”، “غسان كنفاني” و”رجال في الشمس”، و”محمود درويش” و”صباح الخير يا ماجد، قم اقرأ سورة العائد وحث السير إلى بلد فقدناه بحادث سير”.

عادت فلسطين لي وهناك على رصيف الطريق الطويل صارت نقشا لن ولن يغادر.

حين يصبح الوجع ذاكرةً جماعيةً للنجاة.. “ذات مرة في غزة”.. فيلم فلسطيني يُعيد تعريف الحرب

بقلم: رانية مرجية

عن الفيلم

العنوان: (Once Upon a Time in Gaza)

المخرج: محمد الجعبري

البلد: فلسطين – إنتاج 2025

النوع: دراما رمزية/ واقعية شعرية.

الجوائز: جائزة الإخراج في مهرجان: كان” 2025 – فئة (Un Certain Regard).

يحكي الفيلم قصة شابٍّ يبحث عن صديقه المفقود بين أنقاض الحرب في غزة، لكنّ الرحلة تتحوّل إلى بحثٍ عن الذات، عن الذاكرة، وعن المعنى في عالمٍ انهار من حوله.

المقال

في عالمٍ يتحدّث عن غزة كخبرٍ عابرٍ في نشرات المساء، يأتي فيلم (Once Upon a Time in Gaza) كفعلٍ مضاد للنسيان، كقصيدةٍ بصرية تُعيد للإنسان العربي – وللإنسان عمومًا – حقّه في الحلم وسط الركام.

الفيلم، الذي أخرجه الفلسطيني محمد الجعبري، لا يوثّق الحرب بقدر ما يؤنسنها، ولا يسعى إلى فضح الجلّاد فقط، بل إلى إنقاذ الضحية من أن تتحول إلى رقمٍ آخر في نشرةٍ دوليةٍ باردة.

الصورة كفعل نجاة

منذ اللقطة الأولى، يُدرك المشاهد أنه أمام سينما تُريد أن تُعيد تعريف الرؤية. فالدمار هنا ليس خلفيةً للحكاية، بل هو الحكاية نفسها. والمسافة بين الموت والحياة لا تتجاوز خطوةً، لكنها الخطوة التي تميّز الإنسان عن الحطام.

يتتبّع الفيلم رحلة شابٍّ يخرج من بين الأنقاض بحثًا عن صديقه، لكنه في الحقيقة يبحث عن بقاياه هو: صوته، ملامحه، ذاكرته، وحقّه في أن يروي.

يُصوّر “الجعبري” غزّة لا كمدينةٍ محاصرةٍ بالجدران، بل كحالةٍ من الوعي المتألم، كفضاءٍ رمزيٍّ يختلط فيه الواقع بالحلم، والزمن بالديمومة، حتى يبدو كل مشهد وكأنه يقول: ما زلنا هنا، نرى، ونُرى.

الكاميرا لا تُصوّر لتشهد، بل لتُقاوم. إنها أداة نجاةٍ من الفناء، وميضٌ صغير في ظلمةٍ كثيفة. وهنا تتجلى عبقرية الفيلم: فحين يسقط العالم في صمته، تواصل الصورة الكلام.

الذاكرة كمقاومةٍ ضد المحو

كل لقطة في الفيلم تُعيد تعريف الزمن، فالحاضر ليس سوى ماضٍ متجدّد، وكل حجرٍ في غزة يحمل أثر بيتٍ، واسمًا، ووجهًا، وصوتًا.

حين يسير البطل بين الأنقاض، لا يبحث عن جسد صديقه بقدر ما يبحث عن دليلٍ على أن الوجود ما زال ممكنًا. “الجعبري” يجعل من المشي في الركام فعلًا فلسفيًا؛ فالنجاة ليست هروبًا من الموت،

بل وعيٌ به واستمرارٌ رغم حضوره الدائم.

بهذا المعنى، تتحول الذاكرة إلى أقوى أشكال المقاومة: ذاكرةٌ ترفض أن تُمحى، وأن تتحول إلى خبرٍ يُنسى.

الواقعية الشعرية: لغة الجمال وسط الخراب

ينتمي فيلم (Once Upon a Time in Gaza) إلى ما يمكن تسميّته بـ “الواقعية الشعرية الموجعة”. لا يقدم الحرب بوصفها مادةً سياسية، بل كاختبارٍ جمالي وأخلاقي لجوهر الإنسان.

العنوان ذاته يحمل مفارقةً مؤلمة: “كان يا ما كان” – العبارة التي تبدأ بها الحكايات – تصبح هنا نشيدًا للحكايات التي لم يُكتب لها أن تنتهي.

غزة في الفيلم ليست جغرافيا، بل ذاكرة كونية. مدينةٌ تعيش في كلّ قلبٍ يعرف معنى الفقد، وفي كل عينٍ رأت ما لا يجب أن يُرى.

الإنسان الفلسطيني كرمزٍ كوني

يقدّم “الجعبري” الإنسان الفلسطيني لا بوصفه ضحية، بل رمزًا للكرامة الإنسانية في وجه العدم.

الشخصيات بلا أسماء، كأنها رموز للإنسانية جمعاء. كل وجهٍ يمكن أن يكون وجهَ أمٍّ فقدت، أو شابٍّ يحمل ذاكرته في حقيبةٍ صغيرة ويمضي.

إنه فيلم عن الكرامة أكثر مما هو عن الحرب، وعن الجمال بوصفه آخر أشكال المقاومة الممكنة. ففي كل لقطة، تتجلى إرادة الحياة، لا بوصفها شعارًا، بل كمعنى وجوديا: أن تواصل الحلم لأنك لا تملك سواه.

الفن والسياسة: الصمت الأكثر فصاحة

رغم حساسيته السياسية، يرفض الفيلم الخطاب المباشر. إنه سياسي بإنسانيته، لا بشعاراته.

“الجعبري” يقدّم الفن كفعل مقاومةٍ ثقافية، كوسيلةٍ لحفظ الذاكرة الفلسطينية خارج منطق الخبر العاجل.

في عالمٍ يختصر المأساة في إحصاءاتٍ، يذكّرنا هذا الفيلم أن لكل رقمٍ وجهًا، ولكل شهيدٍ حكاية.

السينما هنا لا تطلب التعاطف، بل الاعتراف بالكرامة الإنسانية.

الحكاية التي لا تنتهي

(Once Upon a Time in Gaza) ليس فيلمًا عن الحرب فقط، بل عن قدرة الإنسان على تحويل الحطام إلى معنى، والوجع إلى وعي، والموت إلى ذاكرةٍ للنجاة.

إنه عملٌ يضع المشاهد أمام مسؤوليته الأخلاقية: أن يرى، وأن يتذكّر، وأن يرفض النسيان.

في مشهده الأخير، حين يختلط الأفق بالدخان، تبدو غزة ككائنٍ أسطوريٍّ ينهض من رماده مرةً أخرى.

وحين تُغلق الشاشة، نُدرك أن الفيلم لم ينتهِ، لأن الحكاية لم تنتهِ بعد. في كل ركامٍ بيت، وفي كل بيتٍ ذاكرة، وفي كل ذاكرةٍ وطنٌ يحاول أن يتنفّس.

عن الكاتبة

رانية مرجية: كاتبة فلسطينية، باحثة في الثقافة والهوية، تهتم بالسينما العربية كمرآة للذاكرة الإنسانية، وتكتب عن التلاقي بين الفن والوجدان والوعي الجمعي.

كيف تضع حربًا في حقيبة يدك؟

بقلم: لما عواد

في المطار، تقف امرأة من غزة أمام ميزان الحقائب. ابتسم الموظف وقال: “الوزن الزائد غير مسموح”. نظرت إليه بهدوءٍ غريب، وقالت: “لكنني لم أحمل شيئًا معي سوى الحرب”.

لم يفهم. كيف تشرح له أن الحرب لا تُرى، لكنها تثقل؟ أنها تحاول منذ أيام أن تُقفل حقيبتها الصغيرة فلا تنغلق، ففي داخلها أشياء لا تُكتب في قوائم السفر: رائحة بيتٍ سقط ولم يُبنَ من جديد، صوت جارٍ كان يقول صباح الخير ولم يعد، نصف فنجان قهوة ظلّ على الطاولة ينتظر. في داخل الحقيبة أيضًا صورٌ مطويّة على عجل، حجر صغير من عتبةٍ نجت من القصف، وشال أمّها الذي لم يُغسل منذ آخر مرة خرجت فيه إلى الشارع تبحث عن الخبز، كل شيء فيها له ظلّ، حتى الحزن له وزن. 

عند نقطة التفتيش، طلبوا منها فتح الحقيبة. انبعث منها غبار خفيف ورائحة دخان. قال الضابط وهو يرتبك: “ما هذا؟”، فأجابت: “هذه بلادي حين كانت على قيد التنفس”.

حاولوا مصادرة بعض الأشياء. قالوا إن الوطن لا يُسمح بإخراجه عبر الحدود، وإن الذاكرة يمكن أن تُخلّ بالنظام العام. فخبّأت ما تبقّى من صورٍ في جيبها، والخوف في صدرها، وواصلت السير. في الطائرة، جلست قرب النافذة تحدّق في الغيوم. أخرجت جواز السفر، فتأمّلته طويلاً، ثم همست لنفسها: “يقولون إن السفر بداية جديدة، لكن ماذا لو كانت حقيبتي أثقل من العالم؟”.

حين هبطت في المدينة الأخرى، لم تسأل أحدًا عن الطريق. كانت تعرف أن كل طريق سيعيدها إليها، إلى غزة التي لا تغادرها حتى لو غادرتها. ففي كل مرة تحاول أن تسافر، تكتشف أن الحرب سبقتها، واستقرت هناك، في حقيبة يدها الصغيرة.

الثقافة الفلسطينية.. ذاكرة وقوة للتحرير

بقلم: حسان البلعاوي (كاتب وسفير دولة فلسطين في مالي)

الثقافة.. ذاكرة الشعوب الحية

الثقافة هي ذاكرة الشعوب والأمم، وهي رمز حضارتها. إنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبنية الأساسية للمجتمعات. فلكل أمة ثقافتها الخاصة، ولكل شعب طقوسه وتقاليده التي تميزه عن غيره.

وإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق على جميع البلدان والشعوب المستقلة التي تعيش في استقرار نسبي، فإنها تكتسب أهمية أكبر بالنسبة للشعوب المهددة بالانهيار. لقد علمتنا كل أشكال الاستعمار الحديث أن الثقافة غالبا ما تكون الهدف الأول للقوى الاستعمارية، لأن هدفها واضح: القضاء على وجود شعب ما، كسر إرادته في المقاومة، وإبقاؤه تحت السيطرة. فالثقافة، بمختلف تجلياتها، هي الشاهد على وجود الأمة وعلى نضالها من أجل الحرية والاستقلال.

من هنا يصبح الفعل الثقافي فعلا مقاوما بامتياز، يسبق في كثير من الأحيان الفعل السياسي أو العسكري بالنسبة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ولهذا السبب تستهدفه قوى الاحتلال بشكل منهجي، تماما كما تستهدف أشكال المقاومة الأخرى المشروعة.

وائل زعيتر.. المقاومة بالثقافة

إذا كنا نؤمن بهذه الحقيقة، فمن المهم أن نذكر بأن إيطاليا – مهد النهضة في الفنون والعمارة والأدب والفلسفة والعلوم والابتكار – احتضنت أنموذجا نبيلا لهذه المقاومة الثقافية، هو “وائل زعيتر”، أول ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في روما، الذي اغتيل في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1972 على يد جهاز المخابرات “الإسرائيلي”.

ولد “زعيتر” عام 1934 في نابلس، وهو ابن المفكر والمترجم الفلسطيني “عادل زعيتر”. درس المرحلة الثانوية في فلسطين، ثم تابع دراساته العليا في دمشق حيث نال الدكتوراه في اللغة والآثار العربية. في عام 1967 استقر في إيطاليا، وعمل بلا كلل من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية وتوعية الرأي العام الإيطالي والدولي بعدالتها.

أسّس مجلة شهرية بعنوان “فلسطين”، وألقى العديد من المحاضرات، وساهم في إنشاء اللجنة الإيطالية للتضامن مع الشعب الفلسطيني التي جمعت مثقفين وبرلمانيين إيطاليين. ومن أبرز أعماله ترجمته إلى الإيطالية لكتاب “ألف ليلة وليلة” بالتعاون مع المستشرق “فرانشيسكو غابرييلي”. وفي مساء اغتياله، كان “وائل” يحمل في يده أحد مجلدات هذا العمل الخالد وقد اخترقته الرصاصات.

منعت سلطات الاحتلال نقل جثمانه إلى نابلس، فدفن في مخيم اليرموك بدمشق.

لم يحمل “وائل زعيتر” السلاح يوما، بل كان نضاله فكريا وثقافيا وإعلاميا. غير أن هذا النضال، الذي اعتبر أكثر خطرا من العمل العسكري، هو الذي كان سببا في تصفيته.

وجوه أخرى للمقاومة الثقافية

لم يكن “وائل زعيتر” حالة فريدة فهناك على سبيل المثال لا للحصر:

– “عز الدين قلق”: الممثل الثاني لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس، اغتيل في 2 آب/ أوت 1978. حاصل على دكتوراه في الكيمياء من جامعة بواتييه، وساهم في إبراز الهوية الثقافية الفلسطينية، وأنشأ قسما للسينما في مكتب منظمة التحرير بباريس، حيث عرض أفلاما وملصقات للتوعية بالقضية الفلسطينية.

– نعيم خضر: أول ممثل لمنظمة التحرير في بلجيكا، اغتيل في 1 حزيران/ جوان 1981 في بروكسل. كان قانونيا متعدّد اللغات، حافظ على حوار مستمر مع المثقفين البلجيكيين وشارك في مؤتمرات أكاديمية عدة.

إلى جانب هؤلاء، يأتي اسم “غسان كنفاني”، الكاتب والصحفي الذي اغتيل بسيارة مفخخة عام 1972. هؤلاء جميعا شكلوا جيلا من المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين أسسوا، خلال سبعينيات القرن الماضي، حركة ثقافية ثورية موازية للمقاومة المسلحة، خصوصا في لبنان.

النهب الثقافي لفلسطين

لم تكن النكبة عام 1948 مجرد تطهير عرقي ترافق مع مجازر وتدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية، بل كانت أيضا عملية نهب منظمة للتراث الثقافي والروحي والبصري الفلسطيني: مكتبات، أرشيفات، أعمال فنية، ومقتنيات تاريخية.

وقد وثق المؤرخ الإسرائيلي “آدم راز” في عام 2023 هذا النهب في كتابه “نهب الممتلكات العربية خلال حرب 1948″، الذي وصفه بأنه أكبر عملية سطو في التاريخ الحديث.

واليوم، تتعرّض غزة لما يمكن تسميته بـ “نكبة ثانية”: مجازر، وتدمير للبنى التحتية والمؤسسات الثقافية، واغتيال الشعراء والكتاب والفنانين والصحفيين، في مشهد لم تعرفه الحروب الحديثة من قبل.

الأرقام مروعة

– استشهاد 45 كاتبا وفنانا.

– تدمير 32 مركزا ثقافيا و12 متحفا.

– فقدان 2100 قطعة تطريز تقليدي.

– تدمير 27 جدارية و8 دور نشر.

– إضافة إلى تدمير مكتبات، واستوديوهات إنتاج، ومواقع تاريخية.

وفي الضفة الغربية، تعمل سلطات الاحتلال على خنق الحياة الثقافية: تمنع المهرجانات، وتلغي الاحتفالات التراثية، وتشلّ عمل الجمعيات الثقافية عبر الإجراءات الإدارية والمالية، كما حدث مع مسرح الحكواتي في القدس.

التضامن الثقافي الدولي.. رافعة أساسية

في مواجهة هذه الحرب على الثقافة الفلسطينية، أصبح التضامن الثقافي الدولي أكثر إلحاحا من أيّ وقت مضى. ويشمل هذا التضامن حملات المقاطعة، والمبادرات الفنية والأكاديمية، والمهرجانات والمعارض والعروض السينمائية، إلى جانب دعم الجامعات والمثقفين.

تسهم هذه الجهود في تعزيز حضور النضال الفلسطيني على الساحة الدولية، وتذكر العالم بجذوره في القانون الدولي، كما كان لها دور بارز في الاعترافات الدبلوماسية الأخيرة بدولة فلسطين.

تبقى الثقافة الفضاء الأرحب لحفظ الهوية الفلسطينية، وأحد أهم المداخل لتعبئة التضامن الدولي. إنها، حتى اليوم، أداة مقاومة وأفق أمل نحو العدالة والاستقلال، على خطى جميع الشعوب المناضلة في العالم.

تعالَ بلُطفٍ أيّها الموت

بقلم: محمد علوش

تَعالَ بلُطفٍ،

أيُّها الموتُ،

حينَ تُلَوِّحُ لي

من وراءِ الغروبِ الأخيرْ.

تَعالَ كمطرٍ خفيفٍ

يُبَلِّلُ صدرَ الترابِ،

ويَمضي.

تَعالَ كطيفٍ

يُدلّي يَدَيْهِ على كتفيَّ،

ولا يَخدشُ النبضَ في القلبِ،

ولا يُرهِقُ الروحَ بالعاصفاتِ الكِبارْ.

تَعالَ كمَن كانَ يَعرِفُني

حينَ كنتُ صغيراً،

يَضحكُ مِثلي،

ويَبكي إذا خِفتُ من ظُلمةِ الليلِ،

أو من صَدى البابِ إنْ فُتِحَ فجأةً

في غيابِ النَّهارْ.

تَعالَ – ولكنْ –

بوجهٍ يُضيءُ كوجهِ الملائكةِ النائمينْ،

وبهمسٍ يُعَلِّمُ هذا الجسدْ

كيفَ يَخلعُهُ.. دونَ وَجَعٍ،

ودونَ بُكاءٍ

يُبَلِّلُ خَدَّ الحياةْ.

تَعالَ،

وكُنْ لي صَديقاً أخيراً،

نُحاكي السُّكونَ قليلاً،

نَلعَبُ بالذِّكرياتِ،

ونَرمي بها

فوقَ ماءِ السَّماواتِ.

ثُمَّ نَعودُ سويّاً

إلى حيثُ لا وَجَعٌ،

ولا فِراقٌ،

ولا انكسارْ.

تَعالَ،

فقد آنَ أن أستريحَ قليلاً،

من الهرولةِ،

من سؤالِ الغدِ المُتعبِ،

من زِحامِ الدقائقِ

في ساعةِ العيشِ،

والسائرينَ إلى لا مَفَرّْ.

أنا لمْ أَعِشْ خائفاً منك،

لكنَّني كنتُ أَرغَبُ

لو جِئتَ – مِثلي – تُحِبُّ الزُّهورْ،

تُصافِحُ أطفالَ هذا المَساءِ،

وتَجلِسُ قُربَ العَجوزِ

التي لا تزالُ تُنادي الغيابَ

بأسماءِ مَن رَحَلوا ذاتَ فَجرْ.

تَعالَ،

ولا تُشعِلِ الرِّيحَ في نافِذاتي،

فبي ما يَكفيني من بَردِ هذا السُّؤالْ:

متى؟

كنتُ أعلَمُ أنَّكَ آتٍ،

لكنَّني رَجَوتُكَ أن تختارَ يوماً

يكونُ كالعيدِ،

أو كابتسامةِ أُمّي

إذا ما رَأَتني أعودْ.

ياسمينة جبل النار.. صرخة حنين تشتعل ولا تنطفئ

بقلم: سماحه حسون

يا ياسمينةَ جبلِ النارِ في صمتِ الليلْ،

يا وهجَ الحنينِ في قلبِ الأرضِ الحَزينْ.

تشتعلينَ بلا خوفٍ من الرياحِ والبردْ،

وتنثرينَ عطركِ على الدروبِ المكدودةِ بالجراحْ.

صرختكِ لنا أملٌ،

ونورٌ لا يخبو مهما طالَ الليلْ،

ونبضُكِ يُعيدُ القلوبَ إلى الحياةْ.

يا زهرةَ الشهداءِ، يا دمعةَ الأمهاتْ،

يا صوتَ الطفولةِ التي لم تنمْ،

يا صدى الأقصى في كلِّ قلبٍ يحنُّ للوطنْ.

لا تنطفئينَ…

فكلُّ نارٍ في قلبكِ هي نارُ المقاومةِ،

وكلُّ دمعةٍ هي مطرٌ يُنبتُ الأملْ.

أنتِ صرخةُ الحنينِ التي لا تُسكت،

وروحُ الأرضِ التي لا تُهزم،

وجبلُ الصمودِ الذي يُعلّمُ الأجيالَ كيفَ يَحيا الحُبُّ رغمَ الألمْ.

يا ياسمينةَ جبلِ النار،

تبقينَ فينا شعلةً لا تنطفئ،

ونورَكِ يُضيءُ الطريقَ لكلِّ من فقدَ الأمانْ،

لكلِّ قلبٍ يئنُّ ويأمل،

لكلِّ روحٍ تريدُ أن تُحبَّ،

وأن تعيشَ كما خلقها اللهُ حُرةً لا تُسلمْ.

يوميات فتاة من جباليا

شعر: علي البتيري

ما عدتُ في جباليا

نزحتُ مع عائلتي إلى الجنوب

ودفتري معي

رحنا نسيرُ حائرينَ تائهين

في شارع الرشيد

إن لم ألاقِ مصرعي

سألتقيكم من جديد

وهمّيَ الوحيد

تسجيلُ ما أراهُ ماثلاً أمامي

وها أنا

في كل مشهدٍ مؤثرٍ يفيض بالإجرامِ

أرى الشيوخ والأطفال والنساء

وقد تحوَّلوا إلى أشلاء

وقبلَ أن أنهي كتابتي

في يوميَ الأولِ من تسجيل يوميّاتي

تفجَّر الصاروخُ حاصداً أرواحَ من أتوا

إلى بيتِ العزاء

فقلتُ هذه لنا تعزيةُ منَ الأعداء..!

**

صباحَ هذا اليوم قد وصلنا منطقةَ المواصي

وعندَها اعتقدنا

بأننا ابتعدنا

عن القذائفِ السوداء..

ولعنةِ الرصاصِ

وبندقيةِ القناصِ

 بقربِ البحرِ قد نصبنا

على الرمال خيمةَ النزوح

وبعدَها..

رأيتُ والدي الحبيبَ حاملاً

في الكيس بعضَ الأرغفة

ورزمةً من المعلبات

وكانَ الجوعُ من أمعائِنا يقتات

رأيتُ فرحةً على وجوه إخوتي

رغمَ النزوحِ والجروح ِوالشتات.

**

جمعيةٌ خيريةٌ أقامت

في مخيَّم النزوحِ مدرسة

وأحضرت معلّمة

تعهدت تعليمَ من تشردوا

من الصغار

مع أنّها نازحةٌ فقيرة

وهكذا أقيمت خيمةٌ كبيرة

فيها تجمَّعَ الأطفال

وصارَ في أيديهم الأقلامُ والدفاتر

كأنهم بعد الدمار والمجازر

عادوا إلى المدارس..!

وكلُّ واحدٍ منهم على الرمالِ جالس

لكنّهم لم يفرحوا سوى أيام

وثمَّ جاءتنا قذائفُ الفسفور

وأحرقت خيمتهم

ولم يعد لها وجود

وهكذا ما عاد لانقضاضهم

على وجودنا حدود.

هنا اختتمتُ ما كتبتُ هذا اليوم

لا تعجبوا يا قوم..

 من جرم فعلِهم فهكذا هم اليهود.

ومَن تصهينوا وقد تشرَّبوا أحقادهم

منَ التلمود…

**

جاءت رسالةٌ على جوّالي

من خاليَ المقيمِ في ألمانيا

يقولُ فيها خالي:

فداءُ يا فداء..

يا بنتَ أختيَ الأبية

سمعتُ أنَّكِ في دفترٍ حزين

تُسجلينَ كلَّ ما تشاهدين

من غارةٍ لغارةٍ على قطاعنا الحبيب

تشنُّها أيدي الغزاةِ المعتدين

يا بنتَ أختي سجّلي ما أنتِ ترصدين

جميعَ ما ترينَ من فظائع الحقد اللعين

على قطاعنا المنكوب بالإبادة

ولا تجاملي تحدَّثي

عن صمتِ أمّةٍ مسلوبةِ الإرادة

إياكِ أن تستسلمي لدمعةِ القلم

تفوَّقي على الألم..

ولتفضحي من حولِنا تخاذلَ الأمم.

**

أجبتُ خاليَ المهاجر

ما همَّنا القذائفُ التي

تُخلّفُ المجازر..

ما همَّنا تنهُّدُ الحروف والسطورِ

في الدفاتر

ما همَّنا تكدُّسُ الأجسادِ في المقابر

لكنَّ ما أغاظَنا

غيابُ أمةٍ بحالِها ما بينَ غائبٍ يُديرُ ظهرَهُ

وحاضرٍ بَل شبهِ حاضر

**

رسمتُ من جراحِنا ملامحَ الفجر الجديد

وقلتُ للنجومِ في السماء

بريقُكِ الليليُّ فيه ألفُ بسمةٍ

من الرجاء..

في عين كل طفلٍ حالم في الليل بالرغيف

أو ظامئٍ لشربةٍ في البالِ من ماءٍ نظيف

**

من ساحةٍ أمام مستشفى الشفاء

قد عادَ والدي معَ المساء

سمعتُهُ يقولُ وهو ينفضُ اليدين

رأيتُ بالعينين..

دبابةً تدكُّ غرفةَ العنايةِ المُركَّزة

وخلفَها جرافةٌ بحقدِ مَن يقودُها مُعزَّزة

قد راحَ يجرفُ الأجسادَ والأشلاء

لدفنِها في حفرةِ معدَّةٍ كبيرةٍ

كأنَّها لموتِنا سوقُ المزاد

وحقدُهم على وجودِنا يزداد.

حكاية الرحيل

قصة بقلم: الشهيد ماجد أبو شرار

كانت لي مدينة لها بحر تنام فيه الشمس كل مساء.. كانت لها أبنية متواضعة تأخذ مكانها تحت السماء الزرقاء فلا تتطاول لتنطح السماء بحجارتها وأعمدتها.. حول مدينتي كانت مزارع، ومنذ الأزل، كانت تلال رمل لها لون أشقر.. حول مدينتي كانت تتناثر بيّارات برتقال لثمارها مذاق منعش ولأزهارها رائحة عطرة، كان لنا في مدينتي بيت يقوم عن آخر انحدار للتل الرملي الأشقر الذي كان يحرس المدخل الشرقي لمدينتي..

عمري تسعة وثلاثون عاما، وأنا الآن في مدينة لها بحر منه الشمس تولد كل صباح.. تلك كان لها بحر فيه الشمس تنام، وهذه لها بحر منه الشمس تولد.. كان هناك لي بيت وأرض، وهنا لي بيت بلا أرض، هناك كان لي ماض، وكنت أملك ناصية يومي.. كنت أزرع أحلاما تشرق بهية في غدي، وأنا هنا بلا ماض.. يومي بطاقة سوداء تسلمني بعناد ونزق إلى غد أشد سوادا.. هنا أنا بلا جذور.. بلا دعائم.. بلا أصل..

أتأكل شيئا.. الجوع يكاد يفريني؟

في كل صباح، كانت أشعة الشمس تذيب حبات الندى المرشومة على ألواح زجاج غرفتي، بعد أن تمسح آخر آثار الليل عن ذرات التل الرملي الأشقر. 

فأفتح عيني وأدعكهما وأنهض نشيطا لأستقبل يوما جديدا من عمر كنت أحبه.. كان أبرز ما في يومي آنذاك ابتسامة رضى تطل من شفتي أمي.. كانت بسمتها برعم زهرة برتقال، فيه عطاء وله شذى طيب. كنت أتملّى وجه أمي المجعّد الشمعي اللامع فأرى فيه كل معاني الخير والحب والإخلاص.. كانت تحبنا وكنا نحبها، كانت في البدء تود أن تقبلني كل صباح كما تفعل مع شقيقاتي وشقيقي.. لكنني رفضت فقطّبت جبينها ثم فردته وتنهدت، فهمست بحنو:

– أمّاه.. بسمتك برعم زهرة برتقال، فيه عطاء وله شذى طيب وأنا لا أريد لهذا البرعم إلا ان يظل بكرا نضرا نديا.. لا أريد لآثار النوم التي تطبع وجهي كل صباح أن تذبل البرعم وتفقده نضارته… أريده بكرا وبكرا دوما.

يزداد البرعم تفتّحا ونضارة. وتربّت بكفها الطري على كتفي وتهمس بصدق وحرارة:

– وفقك الله يا محمد ومنحك كل ما عنده من خير وهناء..

كانت تجمعنا مأدبة الافطار التي كانت تكون في أيام الصيف تحت أغصان شجرة الجوافة الضخمة، والتي كانت والدتي دوما تتحسّس أغصانها بتمهل وتأمل، وتهمس:

– لقد زرعها المرحوم يوم نزلنا هذا المنزل.. كان كل ما يتمناه أن يملك بيتا، جد واجتهد وبنى البيت وزرع الحديقة.. لكنه يا حسرتي لم يأكل من ثمارها، تهمس “عطاف” أكبر شقيقاتي والتي كانت لها كل ملامح أمي:

– زرعوا فأكلنا.. ونزرع فيأكلون.

وتعود والدتي لتهمس وحبات دمع تكاد تتسلل مجفلة مع شواطئ عينيها:

– فيكم الخير يا ابنتي وأطال الله في أعماركم..                  

وتنهض أختي “أمال” وتقطف حبّات الجوافة المبللة بالندى وتضعها في طبق، فنتسارع إلى تناولها بنهم وتلذذ وعيونها، تتحاشى أن تلتقي مع عيون الوالدة التي امتنعت عن تناول حبات الجوافة منذ أن حرم منها الذي غرسها وجعل منها أغصان عطاء وخير… وينصرف كل فرد من عائلتي إلى عمله: “عطاف” تبقى في البيت، و”أحمد” يركب دراجته متوجّها إلى مدرسته، و”أمال” من خلفه تصيح وترجوه أن يركبها خلفه فيقف قليلا ليوهمها بأنه ينتظرها حتى إذا ما كادت تدركه يتركها مبتعدا فتضرب الأرض بقدمها الصغيرة وتتوجّه هي الأخرى إلى المدرسة…

كنت في تلك الأيام أعمل مدرّسًا في المدرسة الثانوية الوحيدة في المدينة. وكان لي طلاب كنت أرى الأمل في الغد المرجو يتفتح في صفاء عيونهم بساتين دفء وحياة… كنت أرى فيهم كلهم أخي “أحمد”، فيزداد حبي لهم وتتضاعف جهودي من أجلهم… كان كل ما حولك يدعوك إلى أن تعمل وتعمل دون إبطاء أو تواكل، وكذلك كنت أطمع في غد مشرق وكنت أعلم أن هذا الغد لن يكون إلا إذا شاركني كل من حولي في بنائه. كنت سعيدا، سعادة عارمة قوية لا حدود لها… شيء واحد كان يحاول أن يخدش صفاء سعادتي… أمل عزيز كان يعزّ على أمي ألا تحققه قبل أن تغادرنا لتلحق بالذي زرع شجرة الجوافة… قبل أن أنام، وفي بعض الأمسيات كانت تجلس على طرف سريري وتُطرق، فأرى الأمل مشوبا بتهيّب وخوف يسبح في صفاء عينيها، فأستنتج سلفا ما الذي يدور في نفسها ويعذبّها، وأنتظر حتى تهمس:

– محمد.. هل أنت سعيد؟ أريد لسعادتي أن تكتمل… أريد أن أرى لك زوجة…. ما الذي تريده الراعية؟

– مهلا..

– متى تنتهي من هذه “المهلا”؟     

– حتى تتزوج “عطاف”، وكذلك “أمال”، وحتى يكمل “أحمد” دراسته الجامعية؟

كانت في البدء تستمر في مجادلتي، لكنها في الفترة الأخيرة أقلعت عن ذلك وصارت تتركني متعكرة مصدومة، وأظل مع رُؤى حلوة أرى فيها “عطاف” و”أمال” وقد ضمّهما بيت زوجية سعيد.. وأرى “أحمد” محاميا كبيرا… أرى “سلام” يحبو ويبتسم أنا أبوه و”فادية” أمّه.. كنت أحب فادية حتى العظام، وكذلك كانت هي، لكن واقعي كان يؤجّل دوما لقاءنا المعطاء، ويؤخّر بالتالي إطلالة حلوة لابننا “سلام”، كنت أعيش على أمل أن تكون… فهل كان هذا اللقاء؟ كان أن ازداد الواقع تعقيدا… واقع يغبشه دم، يخنقه دخان قنابل تهدم بيوت مدينتي، تمزّق أجساد أبناء مدينتي، تنشر الدمار والموت في كل أجزاء مدينتي… وكنت يائسا لكن بعناد.. واظبت على الذهاب إلى المدرسة لأجد في النهاية أن ليس ثمة من طلاب بل مقاعد يعشعش الغبار في شقوقها ويكسبها لون تراب القبور، فعدت لأقبع في البيت ونظرات والدتي وشقيقاتي تلهبني في كل لحظة كنت أعيش… كانوا يريدون أن يقولوا الكلمة.. لكنهم يعرفون ردّي فما جرأوا على التفوّه بها… وأخيرا، وبعد أن نامت الشمس في بحر مدينتي قلتها…. قلتها وأنا أكاد أتمزّق “لنغادر المدينة”… وصعدت مع التل الرملي الأشقر وجلست على نعومته وتفرّست الغرب…. كانت ثمة أعمدة دخان أزرق تنتصب ملتوية في فضاء مدينتي، وكانت الطلقات تعوي في أجواء مدينتي… وكانت شمس مدينتي قد نامت في البحر مخلفة سوادا أخذ يفرش الكون من حولي… صحوت على صوت أمّي المشروخ…

– نحن جاهزون يا بني؟

كانت هناك تحت شجرة الجوافة متشبّثة ببعض أغصانها… انحدرت مع التل مُخدّرا مُمزّقا… مررت بشجرة الجوافة… كانت الراعية لا زالت هناك… شعرت بوحشة قاسية… وددت أن أقول شيئا أي شيء، لكن لساني كان ملويًا بقوة في فراغ فمي، وغصّة مدمّرة تكاد تخنقني… تحركت وسحبت الراعية من يدها وحاولت أن أضمها إلى صدري ولكنها سبقتني إلى ذلك وطوّقتني بذراعيها وصدرها يعلو ويهبط بنشيج حاولت أن تخفيه فما استطاعت، وتدلت يداها فأمسكت بيسراها بينما كانت يمناها مضمومة بإصرار على حزمة أوراق خُضر خشنة، كانت من أوراق أغصان شجرة الجوافة… كان هذا آخر عهدنا بالجوافة…. فمنذ أن غادرنا الغرب متّجهين إلى شرق متجّهم يابس، حُرمنا منها… كان هناك شبه اتفاق بيننا على ألا نذوقها… رائحتها الآن تغيظني وتفتّت أعصابي..

– لتأكل شيئا… الجوع يكاد يفريني…

–  لا رغبة لي في تناول الطعام.

– لكنك لم تأكل شيئا منذ الصباح!…

– أي صباح ؟!…

– صباح هذا اليوم.

– هيه… وهل لهذا اليوم صباح؟ أنا لا أراه… ولا أحس به… لا أكاد أميّزه عن أيّ شيء آخر…. الصبح يا أخي يغسل السواد… يغسل كل شيء… هذا الذي تُسمّيه صباحا لا يفعل ذلك. بالله لا تنظر إليّ هكذا يا أخي… نظراتك فيها شيء… نظراتك تودّ أن تقول من أنا… أنا أعرف من أنا… أنا مجرد قرمة خشب ملقاة على قارعة طريق، تركلها كل حين قدم نزقة، تتحسّسها يد معروقة هزيلة ثم تأكلها في النهاية نار ملعونة… أنا لا أحب نظراتك… لا أحبها… يمكنك أن تتركني لتتناول طعامك، لكن مهلا… مهلا… علك تتوق لسماع بقية الحكاية، لا بأس.. لا بأس.. فالدنيا كلها حكاية… حكاية تبتسم مرة وتعبس أخرى…

في الشرق أقمنا بيتا لنا… كان كالبيت الذي كان لنا في المدينة التي كانت لنا… جعلنا له حديقة… زرعناها وردا ورياحين، وتركنا بقعة داكنة لا تزال تنتظر عرقا داكنا يغرس فيها ليصبح مع الايام شجرة جوافة… هذا العرق لم يغرس حتى اليوم… الراعية لا تزال ترعانا… و”عطاف” الرائعة الحلوة ماتت فجأة بعد أن غادرنا الغرب بعامين، “أمال” لها ابن اسمه “سلام”… “أحمد” كما كنت أريد أن يكون… محام أرجو له كل توفيق ونجاح وسعادة… وأنا هنا لا زلت أروي كل يوم حكاية الغرب.. وأغصان شجرة الجوافة لا زالت حطبا يتقصّف في كل لحظة في قلبي… تلّة الرمل الشقراء لا زالت تنهال على جسدي المحطّم كل لحظة فتخنقني… “عطاف” الميتة لم تزرع ما يؤكل…. وشمس مدينتي ما زالت نائمة في البحر…

“منجد صالح”.. رحيل القلم الدبلوماسي في زمن انتصار الدبلوماسية الفلسطينية

بقلم: د. منى أبو حمدية (أكاديمية وباحثة فلسطينية)

ذاكرة شخصية مع الكاتب السفير

بداية متابعتي للكاتب والدبلوماسي الدكتور “منجد صالح” كانت مع مجموعته القصصية المميزة “إيسولينا وعجة بالفلفل الأسود” التي صدرت عن وزارة الثقافة، حيث كنت حينها مسؤولة ملف الآداب والمكتبات للوزارة في نابلس، وهنا شدّتني لغته الأنيقة وعمق رؤيته وسلاسة السرد المشبع بالبلاغة. ثم شاءت الأقدار أن أحضر إشهار مجموعتين قصصيتين له في نابلس بمركز يافا الثقافي، هما “سيدة من لاباز” و”سلِّملي على السفارة”. هناك، تقدّمت على المنصة وثمّنت بكتاباتك وإثرائها للمشهد الثقافي باسمي واسم الثقافة والمثقفين، رأيت الكاتب القريب من الناس، البسيط في حضوره، والعميق في كلماته وسرده.

ولم يكن ذلك اللقاء الأخير؛ ففي معرض فلسطين الدولي للكتاب – الدورة الثانية عشرة – جمعنا لقاء آخر وأطول، حين استمعنا إلى حديثه عن تنقلاته في العالم، مدافعًا عن عدالة قضيتنا ورافعًا صوته باسم فلسطين في كل المحافل الدولية والعالمية. وفي هذه الحرب القاسية على غزة، كان السفير لا يترك يومًا دون أن يرسل لي مقالاته الجديدة عبر الصحف والمواقع الإلكترونية؛ مقالات تحمل وجع الوطن وعنفوانه، وتفيض بالحب لفلسطين وأهلها. واليوم، نفتقده جسدًا، ونفتقد معه الحرف الراقي المفعم بحب الوطن، لا أنسى دعمه لي ولكتاباتي؛ فطالما كان يصف حرفي بالقوة والأصالة ومقالاتي بالرصانة والشجاعة.

رحيل يوجع القلب في لحظة انتصار

ما أقسى المفارقات حين يختار الموت لحظته بعناية جارحة! ففي اليوم الذي دوّت فيه فلسطين بانتصار دبلوماسي جديد، وأزهرت دماء الشهداء في هيئة اعترافٍ أمميّ بعدالة قضيتنا، غاب السفير منجد صالح عن دنيانا! وكأنه سلّمَ الشعلة في اللحظة التي توهّج فيها الضوء، مضى مطمئنا أن الوطن الذي أفنى حياته في سبيله لا يزال يسير قُدمًا، وأن راية فلسطين التي رفعها ستبقى عالية في الأفق.

بدا الرحيل وكأنه طعنة في قلب الثقافة والدبلوماسية، كأن القدر أراد أن يُذكّرنا بأن الفرح الفلسطيني لا يكتمل أبدًا دون أن يتسلّل إليه الفقد!

رحل “منجد صالح” في اللحظة التي كانت فلسطين بحاجة إلى صوته أكثر من أيّ وقت مضى، في اللحظة التي كانت كلماته لتشكّل صدى للحدث، ولتضيف إلى النصر طابعًا إنسانيًّا وأدبيًّا يجعل العالم يرى فلسطين بوجهها الثقافي والإنساني أيضًا. غاب وهو الذي لم يغب يومًا عن المشهد، عن الكتابة، عن الإيمان بأن النصر قادم، وبأن الحق الفلسطيني لا يُمحى مهما طال الزمن.

رحيله في يوم انتصار فلسطين ليس صدفة عابرة، بل هو مشهد يختصر حكاية هذا الشعب كلّها: يفرح بنصف قلب، ويُشيّع أحبابه بالنصف الآخر. يمضي أحد فرسانه بينما الراية ما زالت مرفوعة. يرحل جسد السفير، لكن صوته يظل حاضرًا في أروقة الأمم، في مقالاته الأخيرة التي كان يرسلها بإصرار وكأنه كان يكتب وصيّته لنا: “لا تتركوا الكلمة تسقط، ولا تتركوا فلسطين يتيمة”.

لقد كان “منجد صالح” رجل التناقض الجميل: يعيش الفرح الوطني بصدق، ويكتب الحزن الفلسطيني بعمق، ثم يتركنا في لحظة تتشابك فيها الدمعة بالابتسامة، والانتصار بالفقد. وكأن رحيله بهذه التوقيت هو رسالة أخرى، رسالة تقول: “إن فلسطين لا تُحيا إلا بالكلمة، ولا تنتصر إلا بالدمع والعرق والدم معا”.

من فلسطين إلى العالم

وُلد الدكتور “منجد صالح” في نابلس، تلك المدينة التي لا تفارق أبناءها مهما باعدت بينهم المسافات. حمل روحها معه في أسفاره، وجعل من ذاكرته مرآةً لبيوتها وحاراتها وجبالها. ولم ينسَ يومًا غزّة، التي صارت أقرب إلى قلبه حين ارتبط بها بالزواج من ابنتها، فكان وفيًّا لها كما كان وفيًّا للوطن كلّه، أبًا وأديبا وسفيرا مشهودا له بالعطاء والإبداع.

ويُعَدّ الكاتب والسفير “منجد صالح” من الشخصيات الوطنية والدبلوماسية والإبداعية المجتهدة، التي أعطت فلسطين، قضيةً وشعبا، عمرها كله، بإيمان راسخ ويقين ثابت أن الحق الفلسطيني لن يزول، وأن الزوال حتميّ للاحتلال الغاصب. لم يكن يرى في الدبلوماسية وظيفةً بروتوكولية باردة، بل ساحة نضال أخرى، تمامًا كما لم يكن يرى في الكتابة مجرد حروف، بل سهامًا موجَّهة إلى صدر الباطل. كلماته لم تكن عابرة؛ كانت منارات، تُضيء للجيل القادم الطريق.

رسالة وداع

أودّعك اليوم يا صديقنا السفير، وقد أثقلتنا لحظة الكتابة كما لم تُثقلنا من قبل!

كنتَ حاضرًا دائما في يومياتنا بالكلمة واللقاء، وها أنت تغيب فجأة تاركا وراءك فراغا لا يُملأ!  كم كان يبهجنا أن تصلنا مقالاتك مع صباحات الحرب، تُضيء لنا وسط العتمة، وتؤكد لي أن صوت فلسطين لا يُكسر! وكم كنا نشعر بالفخر ونحن نراك تنتقل بين المنافي والعواصم، ترفع اسم فلسطين عاليا في سماء العالم وبين الامم.

أودّعك اليوم وأنا أسترجع صورتك في نابلس، في مركز يافا الثقافي، بين الأصدقاء والقرّاء، وأستعيد صوتك في أروقة معرض الكتاب، وأستعيد سردك الراقي في مقالاتك الإلكترونية الأخيرة. أودّعك وأنت الذي لم تدع يوما يمرّ إلا وزرعت فيه أملًا أو كتبت فيه شهادة على زمنٍ جائر.

سلام عليك يا منجد؛ سلام على القلم الذي لم يساوم، على الدبلوماسي الذي لم يتعب، على الكاتب الذي عاش للوطن ومات باسمه. نم قرير العين، فقد تركت لنا إرثًا من الحروف والمواقف يخلّدك في وجداننا، ويمنحنا عزاءً أننا عرفناك، وجلسنا معك، وقرأناك، وسنظل نقرأك ما حيينا.

“أنت منذ الآن، غيرك” للشاعر “محمود درويش”

بقلم: وصال أبو عليا

في هذه القصيدة، يخلع “محمود درويش” عباءة الشاعر الغنائي ليقف في مواجهة الذات والواقع والعالم العربي بجرأة الفيلسوف ونزاهة الشاهد. إنها ليست قصيدة حبّ، بل مرآة للمجتمع والهوية والإنسان بعد الانكسار.

يفتتح “درويش” القصيدة بصورة سقوط من علوّ، كأنها سقطة وعيٍ جماعيّ بعد نكسة أو خيبة كبرى. نكتشف أننا لسنا ملائكة، وأننا مارسنا الوهم طويلًا. ثمّ تتوالى المقاطع في شكل تأمّلات متقطعة تشبه المرايا المكسورة؛ في كل مرآة، يواجه وجهًا من وجوه العجز أو النفاق أو الانقسام.

يتحدث بلسان المثقف العربي بعد الانهيارات السياسية والروحية، فيقول بمرارة: “كم كذبنا حين قلنا: نحن استثناء!”.

فهو يفضح الخداع الجمعي الذي صنعناه حول أنفسنا، ويكشف أن المأساة ليست فقط من العدو، بل من الذات التي ترفض أن ترى ضعفها.

وفي المقطع الأشهر عن الهوية، يقدّم “درويش” تعريفًا عبقريًّا جديدًا: “الهوية هي ما نُورِّث لا ما نَرِث…”.

هنا يدعو إلى هوية فاعلة، لا موروثة. هوية تُخترع كل يوم بفعل الحياة والإبداع، لا تُتلى من كتب التاريخ.

وفي ختام النص، يعود إلى نغمة شخصية وجودية: “لا أخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف…”. كأنه يقول إن الإنسان الفلسطيني والعربي ما زال مشروعًا مفتوحًا، لم يكتمل بعد.

ثمّ تأتي الجملة الأخيرة: “أنت، منذ الآن، غيرك!”، كصرخة واعتراف بالتحوّل في الوعي، في الذات، في الأمّة.

قصيدة “أنت، منذ الآن، غيرك” هي نصّ يتجاوز الشعر إلى الفلسفة الأخلاقية والسياسية. إنها بيان شعري في زمن السقوط، يعلن موت الوهم وولادة الوعي. يكتب “درويش” هنا بدم القلب والعقل معًا، ويجعل من الشعر أداة مساءلة..

أنت منذ الآن، غيرك

الشاعر: محمود درويش

هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق،

ونرى دمنا على أيدينا… لنُدْرك أننا لسنا

ملائكة.. كما كنا نظن؟

وهل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا

أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟

كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء!

أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب

على غيرك!

أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً

مع مَنْ يحبّونَنا تلك هي دُونيّة المُتعالي،

وغطرسة الوضيع!

أيها الماضي! لا تغيِّرنا… كلما ابتعدنا عنك!

أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟

وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضاً لا نعرف.

أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى

عابري سبيلٍ ثقلاءِ الظل!

الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع

لا ما نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة

التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة!

تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما

تيسَّر له من الطرائد.. ولأنَّ جنديَّةً

أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة: هل

لأمِّك، مثلهما؟

لولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار

لكل عصابةٍ نبيّ، ولكل صحابيّ ميليشيا

أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين: إن لم

نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا

بأيدينا لئلا ننسى!

مهما نظرتَ في عينيّ.. فلن تجد نظرتي

هناك. خَطَفَتْها فضيحة!

قلبي ليس لي… ولا لأحد. لقد استقلَّ

عني، دون أن يصبح حجراً.

هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته –

أخيه: “الله أكبر” أنه كافر إذ يرى

الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ

بشريٍّ سويِّ التكوين؟

أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن،

ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنه لم يفلح

في كبح السعادة السائلة من عينيه. ربما.

لأن النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل.

ما حاجتنا للنرجس… ما دمنا فلسطينيين؟

وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة،

لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا

للدولة… ما دامت هي والأيام إلى مصير

واحد؟

لافتة كبيرة على باب نادٍ ليليٍّ: نرحب

بالفلسطينيين العائدين من المعركة. الدخول مجانا.

وخمرتنا… لا تُسْكِر!

لا أستطيع الدفاع عن حقي في العمل، ماسحَ

أحذيةٍ على الأرصفة، لأن من حق.

زبائني أن يعتبروني لصَّ أحذية ـ هكذا

قال لي أستاذ جامعي!

“أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن

عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ”. هذا

هو الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة،

في أقبية الظلام.

من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص

العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ؟ بعض

الفقهاء يقول: “رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك”!

حار الفقهاء أمام النائمين في قبور متجاورة:

هل هم شهداء حرية؟ أم ضحايا متناحرة في

عبث المسرحية؟ حار الفقهاء واتفقوا على

أمر واحد هو: أن الله أعلم.

القاتل قتيل أيضا!

سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ

سافر صاحبها، لقضاء إجازته الصيفية في

الريفيرا الفرنسية أو الايطالية.. لا فرق.

قُلْتُ: لا يدافع!

وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟

قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد.!

لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد

التأليف. ولكني أخجل من بعض ما ورد

في مقدمة ابن خلدون!

أنت، منذ الآن، غيرك!

نبض الأرض

بقلم: بيان رشاد فرج

تحت ظل الزيتون تنمو الأماني 

في كل ورقةٍ يزهرُ الحُلامُ بِناني 

خطواتُ الأحرار تسيرُ بحذرٍ 

وفي عيونهم نورُ الشمسِ يعاني 

بَلَدٌ اشتاقَ إليكِ الدهرُ طويلاً 

قممُ الجبالِ تروي قصةَ الأزمانِ 

يا نبعَ الشهداء، اِنظري إليهم 

أرواحُهم تحومُ في الفجرِ أمانينا 

سأظل أغني لكِ في كل حين 

فالعشقُ لكِ بالكلماتِ أمانينا 

تسيرُ البندقيةُ في أيدينا 

وترانيمُ الأمل تُحيي لنا الأزمانِ 

أنتم الشموخُ في وجه الظالمين 

يا أبطالَ الدربِ، يا عزيمَتنا 

مع كل رصاصةٍ تُكتبُ القصائد 

وأحلامُنا تُعانقُ كل مكانِ 

إلى الأقصى قلبُكِ يهفو دائمًا 

فترابُكِ المجدُ، في كل لسانِ 

في عيون الأطفالِ يشعُ الأملُ 

وعلى شفاههم تُزهرُ الألحانِ 

تتراقص الأعلامُ في العواصفِ 

راياتُ الحرية في كل ميدانِ 

سأظلُّ أُنادي، فلسطينِ في القلبِ 

فلن تُمحى ذكراكِ من الزمانِ 

أصواتُ التضحيات تكسر الصمتَ 

وكل صرخةٍ تُعيد الأملَ للعيونِ 

يا دربَ الحريةِ، لا تنحني 

ففيكِ تُكتبُ سيرةُ الإنسانِ 

فلسطين ستبقى في أفئدتنا 

رغم الظلمِ، تبقى قناديل السُر

على حافة روحي

بقلم: فداء زياد

أرتّب الآن فوضى اللغة التي تدور في قلبي، كردٍّ خافت على فرحة الجميع بالسلامة.

أنا فقط مدينة لنفسي، بأنها اجتازت كل هذا، وأن الألم مرّ في جلدي، وانطبع على ملامح جسدي.

وكلما تكرّر الأمر، أرجم قوتي بسؤال:

كيف عبرنا كل هذا؟

مدينة لكل الذين ظل سؤالهم قائمًا، ولم ينقطع.

في رأسي تدور رحى النجاة، على صدفتها أسألها:

هل تصدّقين أن هذه هي القوة؟

النجاة التي لم تكن قرارًا

لكنه ينشغل بكل الأمنيات،

ويركض خلف استعادة ملامح المفقود،

وكل ما سلب واقتلع،

وكل ما ضاع في العتمة.

تمرّ صور الأصدقاء

تراهم ضاحكين؟

أين هم الآن؟

ولو كانوا، هل كانوا سينتشلونني

من تحت أنقاض تيه الشعور؟

تقف المدينة عند حافة روحي

تتأمّلني بصمت ثقيل:

ترى، هل تقبل الصفح؟

ترى، هل تبكي؟

هل تضحك الآن من سذاجة فكرة النجاة فوق الحطام؟

أتقبل بنا بذاكرة مشوهة، نصفها رماد

ونصفها حنين لا يريد أن يشفى؟

أرتّب فوضى اللغة التي تفترس هشاشة شعوري وأشرب ملح دمعي وأهمس لنفسي:

كم مرة الآن، كم مرة علينا أن نقرأ

الحمد لله على السلامة!

هذا سفر طويل يا أنا!

فيه من الشقاء ما افترس اللغة وشوهها فلا أعرفها!

كم مرة بس؟!

حين يصبح الحنين جريمة.. زيارة مرقد أبي الأبدي

بقلم: رواء خالد

زرته برفقة أمي التي أنهكها الحنين لرفيق دربها، ذاك الذي كانت تتكئ عليه ويتكئ عليها. المنطقة خالية، معدومة، والهواء مشبع برائحة البارود، القصف انتزع قلبي من صدري، ودخان الاستهدافات خنقني قهرًا. محتل فاسق لا يكتفي بقتل الأحياء، بل يهدم بيوت الذكرى، ويعتدي على صمت الأموات.

ما رأيته لا يمكن أن يُحكى، خيام الناس، حاجاتهم، ذاكرتهم… كلها مدفونة في الرمال، بلا ملامح.

المقبرة التي كانت تضج بالزائرين والنازحين، صارت اليوم مدفونة تحت السواتر الرملية.

قبور دُعست، وقبور نُبشت.. العدو الذي علّمه صمت العالم كيف يُخرج الميت من قبره.

حمدت الله كثيرًا أن قبر أبي ما زال سالمًا. جلستُ عند رأسه، همست له: “الاحتلال كان عندك، شفتهم يا حبيبي؟”..

كنت أودّ مواصلة الحديث كطفلة خائفة على أبيها كأنه حي ولم تستطع حمايته وبقي وحده.

قلت له بصوت مكسور: “اشتقتلك، والله اشتقتلك… يا ريتك كنت معنا.”

ثم اعتذرت له، عن عجزنا في حمايته حتى وهو في مرقده الأبدي.

المقبرة باتت قاحلة مثل غزّة، قاحلة مثل قلبي، قاحلة مثل قلوب كل من فقد حبيبًا وعزيزًا.

طلبتُ من أمي أن نغادر، فالقصف يقترب، والصوت يهز كياني. حتى المقابر لم تعد آمنة… لا أمان بالأمان الذي نحلم به.

برد الغياب

بقلم: سماء زعانين – غزة

اجتاحني البرد منذ الصباح،

بردٌ لا يطلب معطفًا، بل وطنًا.

أخرج إلى الشارع في هذا الخريف البعيد، فأحنّ إلى رائحة بلدي، حين كنت أفتح باب البيت ذاهبةً إلى عملي، وأستقبل البحرَ، أولَ نسمةٍ منه.

كان هدير الموج يرافقني حتى أصلَ السيارة، وصوتُ الطلبة في الأزقّة يختلط بنداء البحر، فيصير الصباح حيًّا، كأنّ غزّةَ كلّها تستيقظ معي.

الآن أعلم أنّ كلَّ شيءٍ تغيّر؛ ما عادت الشوارع كما كانت، ولا الهواء كما عهدتُه، ولا الوجوه كما عرفتها.

حتى البحرُ – ذاك الرفيقُ الأزلي – تغيّر صوته، أو ربما تغيّر قلبي.

ومع ذلك، البرد لا يرحل.

يجتاحني في المنافي وبيوتها الدافئة،

بردُ غربةِ الوطن..

وبردُ غيابِك أنتَ؛ الذي تُشبه الوطنَ كثيرًا،

إلا في الخراب.

صوت غزة حي لا يموت

بقلم: يارا مغاري – غزة

(1)

هناك عند التلّة، 

تقفُ وتصرخُ بأعلى صوتها: “كلاّ”!

أبَتْ أن تكون مُحتلّة، 

كلاّ، ثم كلاّ… وألفُ كلاّ!

أضَميرُكم ملّ؟ 

أم أن الصمتَ قد حلّ؟ 

لا وألفُ لا… لن أظلَّ مُحتلّة!

وأنتَ يا ابنَ صهيونَ، حرّةٌ أنا، 

لن أقبلَ الهزيمةَ، ولا المذلّة، 

وعن أرضِ أجدادي لن أتنازلَ أو أتخلّى.

جميلةٌ بثوبِها الفلسطينيّ، 

وما زالت تقفُ عندَ التلّة، 

تحملُ في يدِها قُطفَ زيتون، 

وعيناها المبلّلتانِ بالدموعِ… مبتلّة.

(2)

وعندَ أطلالِ بقايا دارِهِ، 

يقفُ رجلٌ، 

يصرخُ بصوتٍ مرتجف:

“أضَميرُكم رَحل؟”!

صمتُكم… وكادَ أن ينطقَ الحجر!

يحملُ في قلبِهِ أملاً، 

وفي أعماقِه، 

تشتعلُ نارُ ثورته… فينتصر.

يردّد بلسانه:

“يا بنيَ صهيون، فلسطينيٌّ أنا… ولن أنكسر!”

كلماتُهُ أقوى من وقعِ المطر، 

رأيتُهُ كالمِقدامِ… كالبطل، 

وعلى كوفيّتِه نُقشَ اسمُ الوطن، 

وعيناهُ تتلحفانِ أملَ العودةِ المنتظر.

(3)

أتسمعُ صوتَ تلكَ الطفلة؟ 

صوتُها يحكي للعالمِ غصّة، 

تصرخ:

“أينَ النخوة؟ أينَ الوحدة؟ 

أينَ الحرية؟ أينَ الرحمة؟”

عذرًا، فضميرُ أُمّتي غائب، 

وعدوّي مُحتلٌّ… غاصب.

يجرُّ أذيالَ هزيمته، ويعودُ خائب،

 كلماتُها في وجهِ الطغيانِ… رصاصٌ ثاقب، 

قويةٌ… وفي قلبِها إصرارٌ ثابت.

(4)

الأرضُ ترثي أبطالَها..

وترفعُ بالنصرِ المجيدِ راياتِها.

الأرضُ تنادي إخوتَها من بعيد:

هل من سامع؟ 

هل من مُجيب؟ 

فليسمعِ العالمُ كلّهُ أصواتَنا الحرّة، 

فصوتُ الحقّ لا يموت، 

وصوتُ غزّة… حيٌّ لا يموت، 

وصوتُ غزّة… حيٌّ لا يموت!

قناديل الأفراح

بقلم: همام الطوباسي

إهداء إلى الأسيرين المحررين: باسم خندقجي وكميل أبو حنيش.

نالوا الحرية ورفعوا راية النصر رغم أنف المحتل.

فلسطينيون عاشوا في زنازين العذاب، أكلوا وشربوا من وهج الهوان،

لكنهم كتبوا شعرًا ونثرًا، وأبدعوا في فن الرواية،

ورسموا جراح الفلسطيني بأقلامهم الحرة.

قالوا وقرؤوا، فماذا قالوا؟ وعن ماذا تحدّثوا؟

كتبوا ليعرّفونا كيف يكون الأسير في السجون،

وكيف لا يأكل إلا كرامته،

وكيف يعصرون على الجرح حبة ليمون،

أو يضعون عليه ملح الصبر البارد.

أمس واليوم، يخرج الأسود أحرارا،

من كتبوا عن الثورة والثوّار، خرجوا رغم أنف الظلام،

وكسروا القيود، وأشعلوا النور في الدروب.

صديقيّ العزيزين كميل وباسم،

كم تبسمت لكما الحرية، وأنارت قناديل الحياة!

أكتب إليكما حروفاً لا تُمحى، بل تبقى ما دام الزمان.

أكتب إليكما يا من صنعتم البسمة رغم القيود والأغلال،

رغم أنف السجان.

أهنّئكما بهذا الفوز وهذا الانتصار،

وأبارك لنابلس وفلسطين،

يا من أنجبت الأحرار والثوار.

لا أريد أن أزيد على هذا الكلام،

فاليوم أنا شعلة من الفرح،

إذ اكتملت سعادتي بخروجكما،

تدوسان بأقدامكما عتبات الأسر،

فأنتم الأحرار فينا، ما زلتم ثوّارًا بالكلمة والحرف،

شاء من شاء وأبى من أبى.

بكم اشتعلت قناديل الأفراح.

سردية وطن مطرّزة بالإبرة والخيط.. التراث الفلسطيني بين الذاكرة والمقاومة الثقافية.. الثوب الفلسطيني أنموذجا

بقلم: د. منى أبو حمدية (باحثة فلسطينية في التراث والآثار)

يشكّل التراث الفلسطيني أحد أهم أركان الهوية الوطنية، فهو الذاكرة التي صمدت أمام محاولات المحو والطمس منذ قرنٍ وأكثر. وإذا كانت المقاومة المسلّحة والسياسية هي الواجهة الصلبة للنضال الفلسطيني، فإن المقاومة الثقافية تبقى جوهر هذا النضال ومعناه العميق. فالثوب الفلسطيني، بخيوطه وألوانه ورموزه، ليس مجرّد لباس تراثي، بل هو وثيقة هوية وسجلّ مقاومة، إذ تنسج المرأة الفلسطينية فيه سيرة الأرض والتاريخ، وتحفظ على نسيجه أسماء القرى، وألوان المواسم، وأحلام العودة. إن كل غرزة على ثوبٍ فلسطيني هي تجسيد لذاكرة جمعية، تحكي قصص المكان والناس، وتعيد رسم الجغرافيا المطرّزة بخيوط الانتماء. ومن هنا تأتي هذه الندوة التراثية لتكشف كيف تحوّل الثوب الفلسطيني إلى نصّ سردي مقاوم يوثّق التاريخ، ويحمي الهوية الفلسطينية من التهويد والتزييف، ويُبقي فلسطين حيّة في الوعي والوجدان.

التراثُ الفلسطيني ذاكرةٌ جمعية وهوية ثقافية وطنية

التراث الفلسطيني ليس ميراثا فنيًّا فحسب، بل هو منظومة رمزية متكاملة تعبّر عن الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني.

إن العلاقة بين التراث والهوية علاقة تفاعلية متبادلة؛ فالتراث يؤسّس للهوية ويدعمها، والهوية تعيد قراءة التراث وتفعيله بما يتلاءم مع تحديات العصر؛ فكلّ تطريزة، وأغنية شعبية، وأداة فخاريّة، هي شظايا من الذاكرة التي صمدت رغم المنفى والنكبة والنزوح.

وقد رأت الباحثة “إيلين هورك” أنّ “التراث الفلسطيني هو أرشيف حيّ للانتماء، تتجلّى فيه علاقة الإنسان بالأرض كعلاقة عضوية لا يمكن اقتلاعها دون أن يُقتل المعنى ذاته”. بهذا المعنى، يصبح الثوب الفلسطيني ذاكرة منسوجة، تمشي على الأجساد لتُعلن انتماءها، وتحمل في رموزها ما يعجز الخطاب السياسي عن قوله.

فالألوان ليست زينة عابرة؛ الأحمر يرمز للدم والشهادة، الأخضر للأرض والخصب، والأسود للحزن والصبر، والأزرق للسماء والبحر والحرية الموعودة.

هكذا صاغت المرأة الفلسطينية عبر (الإبرة والخيط) لغة رمزية وطنية تُقرأ بالعين والقلب معا.

الثوب الفلسطيني بوصفه فعل مقاومة ثقافية

منذ النكبة، تحوّل الثوب الفلسطيني إلى راية ترمز للمقاومة الثقافية. فبينما كانت البنادق تواجه المحتلّ في الميدان، كانت النساء في البيوت والمخيمات يواصلن نسج ما يُعاد تعريف الوطن على نسيجه.

وبحسب الباحثة “حنان صالح”، في دراستها حول التراث النسوي الفلسطيني (2020)، فإن “التطريز في المخيمات لم يكن فعلاً تراثيا فحسب، بل كان استعادة رمزية لفلسطين المفقودة، إذ حملت كل غرزة على القماش اسم قرية أو رمزا يدلّ على جذورٍ ضاعت تحت الاحتلال”.

لقد تحوّل الثوب إلى شكل من المقاومة الصامتة، حيث صارت المرأة الفلسطينية تطرّز انتماءها كما تزرع الأرض. فالثوب الفلسطيني، بما يحمله من رموز، وألوان، ونقوش مرتبطة بالمكان والهوية الفلسطينية، صار أداة صامتة تعبّر عن الانتماء والوطنية دون الحاجة إلى كلمات أو شعارات.

وحين حُرم الفلسطيني من رفع عَلمه في بعض الفترات، حمل الثوب ألوانه، فصار الثوب العَلَم المطرّز الذي لا يُمنع ارتداؤه، ولا يمكن مصادرته.

الثوب الفلسطيني في هذا السياق ليس مجرد قطعة قماش، بل بيان هوية وموقف سياسي وثقافي، وصورة من صور المقاومة الثقافية التي تتحدث بصمت.

محاولات التهويد والسطو على التراث الفلسطيني

إن الاحتلال “الإسرائيلي” لم يكتفِ باغتصاب الأرض كجغرافيا، بل حاول أن يسطو على التاريخ والرموز الثقافية الفلسطينية وينسبها إلى روايته الصهيونية. ففي معارض دولية عديدة، منها معرض التراث في نيويورك عام 2019، ظهرت عارضات أزياء “إسرائيليات” بملابس فلسطينية من بيت لحم والخليل على أنها “أزياء شعبية إسرائيلية”.

كما استُخدمت زخارف التطريز الفلسطيني في تصاميم شعارات وميداليات “إسرائيلية” رسمية، في محاولة لإعادة تدوير الرموز الفلسطينية ضمن سياق “إسرائيلي” مزيّف.

وفي عام 2021، ارتدت متسابقات في مسابقة ملكة جمال الكون أزياء تحمل تطريزًا فلسطينيًّا، مما اعتبره العديد من الفلسطينيين سرقة لثقافتهم وهويتهم.

لكنّ الردّ الفلسطيني كان ثقافيا وذكيًّا، من خلال توثيق هذا التراث وتدوينه رقميًّا ومَتحفيًّا، إلى أن أدرجت منظمة “اليونسكو”، عام 2021، “التطريز الفلسطيني” ضمن قائمة التراث الإنساني غير المادي في اعتراف عالمي بأن هذا الفنّ لا يمكن فصله عن الشعب الفلسطيني الذي أبدعه.

“اليونسكو”، بهذا القرار، أكدت أن التطريز الفلسطيني ليس مجرد حرفة يدوية، بل رمز ثقافي عالمي يمثل تراثا إنسانيًّا غنيًّا يجب الحفاظ عليه وصونه كجزء من الهوية الفلسطينية والتراث العالمي المشترك.

أنماط التطريز الفلسطينية ودلالاتها الرمزية والجغرافية

يمتاز التطريز الفلسطيني بتنوّع أنماطه الجغرافي، فهو يعكس ثراء البيئة الفلسطينية وتنوّعها التاريخي والثقافي. فكل مدينة وقرية لها بصمتها الخاصة في الألوان، والخيوط، والأشكال، ما يجعل كل ثوب خريطة رمزية تحكي هوية المكان الذي خرج منه.

التطريز الفلسطيني يتّصف بثراءٍ بصري وثقافي فريد، يُجسِّد تنوّع البيئة الفلسطينية وتعدّد روافدها التاريخية والاجتماعية. فأنماط التطريز تختلف من منطقة إلى أخرى، وتعكس بدقّة الخصوصيات الجغرافية والثقافية لكل منطقة. إذ نجد أن التطريز في مدن الساحل الفلسطيني، مثل: يافا وغزة، يتّسم بألوان زاهية وحيوية مستوحاة من طبيعة البحر والحدائق، بينما يغلب على تطريز القرى الجبلية، مثل: بيت لحم والخليل، الطابع الهادئ والألوان العميقة الدافئة التي تعبّر عن روح الجبال وصلابتها. أما تطريز مناطق البادية والنّقب فيتميّز بالبساطة والخطوط الهندسية الواضحة التي تعبّر عن حياة الصحراء واتساع الأفق.

إن هذا التنوّع لا يقتصر على الألوان فحسب، بل يشمل أنواع الغُرز، والخيوط، والزخارف، والرموز التي تحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة؛ فكل شكل أو لون يرمز إلى قصة، أو اعتقاد، أو حدث مرتبط بتاريخ المكان وسكانه. ولهذا، يُمكن القول إن كل ثوب فلسطيني هو خريطة رمزية تختزن الذاكرة الجماعية للنساء اللواتي أبدعن في صنعه، وتحمل على نسيجه حكاية المنطقة التي خرج منها: من طبيعتها وتاريخها إلى عاداتها ومكانتها الاجتماعية.

ومن خلال هذا التنوّع الموزايكي في التطريز، يتجلّى غنى الهوية الفلسطينية ووحدتها في آنٍ واحد؛ فاختلاف الأنماط بين المدن والقرى لا يُعبّر عن تفرّق، بل عن تنوعٍ ضمن وحدة ثقافية عميقة تؤكد الارتباط بالأرض والانتماء إليها عبر الخيط والإبرة.

1 – تطريز بيت لحم

يُعتبر من أرقى أنواع التطريز الفلسطيني، إذ يعتمد على خيوط الحرير الطبيعية، وعلى تقنية تُسمّى التطريز المُقصَّب (Couched Work) بخيوط ذهبية وفضية.

كانت أثواب “بيت لحم” تُلبس في المناسبات الكبرى والأعراس، وتشير إلى المكانة الاجتماعية للمرأة. تظهر على صدور الثياب نقوش هندسية مثل “النجمة الثمانية” و”زهرة الرمان”، وهي رموز ترتبط بالخصب والازدهار.

وتشير خبيرة التطريز الفلسطيني “امتياز أبو عواد”، في هذا السياق، إلى أن: قُبّة صدر ثوب بيت لحم تُعدّ من أجمل وأعمق الزخارف في التطريز الفلسطيني، وتحمل رمزية دينية وثقافية غنية جدًا.

 فمن الناحية الرمزية: القُبّة المطرّزة على الصدر مستوحاة من قباب الكنسية في بيت لحم، خصوصا من كنيسة المهد، مهد السيد المسيح عليه السلام.

ولهذا، فهي تُرمز إلى:

1 – قصة السيد المسيح وميلاده في بيت لحم.

2 – تلاميذ المسيح الاثني عشر، إذ تُرى في الزخارف المحيطة بالقبة رموز تشير إلى الجمع والوحدة والإيمان.

3 – الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، ويوحنا)، والتي تعكس الزخارف المتكررة والمتناسقة في تصميم القبة، رمزًا للنور الإلهي والهداية.

أما من الناحية الجمالية:

تواصل الخبيرة “أبو عواد” أنه: غالبًا ما تُطرّز القبة بخيوط ذهبية أو حريرية على أرضية حمراء، للدلالة على القداسة، والدم الذي فدى به المسيح البشرية، والنور الإلهي الخارج من بيت لحم.

2 – تطريز قرى الخليل

يمتاز بثقل التطريز وكثافته على الأكمام والصدر والذيل، حيث يستخدم اللون الأحمر القاني بكثرة، في رمزية تعبّر عن دم الشهداء وصلابة الأرض.

وتنتشر فيه وحدات زخرفية مثل السرو، والبيارق، والسنابل، وكلها رموز وطنية صريحة. وقد وُصف ثوب الخليل بأنه “درع رمزي للمرأة المقاومة”، لأنه يختزن في لونه وقوة زخرفته روح التحدي.

وتشير خبيرة التطريز “امتياز أبو عواد”، في مقابلة معها، إلى أن “خيمة الباشا” في ثوب الخليل تُعد من أهم وحدات التطريز التقليدية التي تحمل رمزية اجتماعية وتاريخية عميقة في التراث الفلسطيني.

– رمز الخيمة بشكل عام في التراث الفلسطيني يعبّر عن الأصالة، والكرم، والضيافة العربية، كون الخيمة كانت مركز الاجتماع والحياة في القرى والبوادي.

– أما “خيمة الباشا” تحديدًا، فهي ترمز إلى المكانة والهيبة، إذ كان “الباشا” يمثل السلطة والنفوذ في العهد العثماني، والخيمة الخاصة به كانت رمزًا للقوة والاحترام والقيادة.

– في ثوب الخليل، جاءت “خيمة الباشا” كرمز للمكانة العالية للمرأة الخليلية، التي كانت تُعرف باعتزازها بنفسها، وبأنها “سيدة بيتها” تمامًا كما الباشا في خيمته.

– كما تعكس الخيمة أيضا الاستقرار بعد التّرحال، أي الانتقال من حياة البداوة إلى الحضارة، وهو رمزٌ استخدمته نساء الخليل للدلالة على جذورهن العميقة وثباتهن في الأرض.

باختصار:

“خيمة الباشا” في “ثوب الخليل” ترمز إلى العزّ، والهيبة، والأصالة، والكرم، وإلى المكانة الرفيعة للمرأة الفلسطينية التي تحمل تراثها كرمز للقوة والقيادة.

3 – تطريز غزة والساحل

يغلب على تطريز غزة الطابع العمودي، بخيوط زرقاء داكنة وحمراء، في تكوينات تشبه الأمواج أو سنابل القمح. يرمز اللون الأزرق إلى البحر، والعموديات إلى الثبات والامتداد نحو الأفق.

كما تمتاز غزّة بزخرفة الكوفية الفلسطينية ضمن الثوب، في إشارة إلى وحدة النضال بين الرجل والمرأة في مواجهة الاحتلال.

وتحدثنا الخبيرة بالتطريز الفلسطيني “أبو عواد” بأن:

قبة ثوب غزة بشكل حرف (V): ترمز في الأصل الكنعاني إلى الخصوبة والأنوثة المقدّسة، فهي مستوحاة من رمز الإلهة الكنعانية “عناة”، (ابنة إيل) إله المحاصيل والحرب، إلهة الحب والحياة والخصب.

يُعتقد أن الشكل المتدلّي على شكل (V) يرمز إلى انفتاح الأرض على المطر والنماء، وإلى القلب المفتوح والكرم الأنثوي.

في العصور اللاحقة أصبح أيضًا رمزًا للاحتواء والحماية، فالقبة كانت بمثابة “درع” تحمي قلب المرأة وبيت العائلة.

أمّا عن قلائد الذهب في التطريز، فتابعت “أبو عواد” قائلةً إنها: من الرموز الثرية جدًّا في تطريز غزّة، وترجع أصولها إلى القلائد الكنعانية التي كانت تُزيّن بها الكاهنات والملكات صدورهن. وترمز إلى:

1 – الثراء الروحي والمادي.

2 – نور الشمس والإله شمس عند الكنعانيين، أي رمز الضياء والحياة.

3 – وفي التراث الفلسطيني اللاحق، أصبحت القلائد رمزًا للعزّة والهيبة والأنوثة الملوكية، وغالبًا ما كانت تُطرّز باللون الذهبي على خلفية داكنة لتوحي بالبريق الحقيقي للذهب.

4 – تطريز الجليل

في الجليل، تمتزج الرموز الكنعانية القديمة بالطبيعة الخصبة.

نجد في التطريز الجليلي نقوش العناقيد والعصافير والزيتون والسنابل، بألوان خضراء وذهبية.

تدلّ هذه الرموز على الحياة الزراعية الغنية وعلى التعلّق بالأرض التي كانت محور الحياة اليومية.

يُعدّ هذا النمط من أكثر الأنماط “سلمًا وبهجة”، لكنه يخفي وراءه حزنًا عميقًا على الأرض المسلوبة.

5 – تطريز القدس

القدس تحمل في ثوبها مزيجا من الوقار والهيبة. فالألوان داكنة، والتطريز دقيق على قماش أسود أو كحلي، بأشكال نجوم وهلالات ونوافذ تشبه نوافذ الأقصى.

هذا النمط يرمز إلى قداسة المدينة وصمودها في وجه التّهويد، حتى إن بعض الباحثين وصفوا “ثوب القدس” بأنه “نصّ بصريّ للمقاومة”.

وتضيف “عواد”، في هذا السياق المقدسي، قائلة إن: قبة الثوب الفلسطيني المستوحاة من زخارف قبة الصخرة ترمز إلى القدس، القداسة، والهوية الروحية والوطنية.

 رمزيّتها العميقة:

• تمثّل القدس قلب فلسطين النابض، ومركز الإيمان والعقيدة.

• تعكس الارتباط بالمكان المقدّس الذي يحتضن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

• في الزخارف المأخوذة من قبة الصخرة، نجد تكرار النجوم والأقواس والنقوش الهندسية التي ترمز إلى الخلود والكمال الإلهي.

• استخدام المرأة الفلسطينية لهذه القبة في التطريز هو تعبير عن الانتماء والتمسّك بالقدس، وكأنها تضع القبة تاجًا على صدرها رمزاً للعزّة والصمود امام التهويد.

6 – تطريز نابلس وجنين وطولكرم

في هذه المناطق، يظهر التطريز بألوان زاهية يغلب عليها الأحمر والأخضر، بنقوش مستوحاة من الطبيعة الجبلية والحقول.

نقش “البرعم” و”السنابل” و”شجرة الزيتون” هي الأكثر حضورًا، في دلالة واضحة على الارتباط بالزراعة والخصوبة، وعلى كون المرأة الفلسطينية امتداد للأرض التي تنبت وتثمر.

7 – التطريز في الشتات

في المخيمات، في لبنان وسوريا والأردن، أعادت النساء إنتاج أنماط التطريز من الذاكرة، فظهر ما يُسمّى “الثوب الذّاكراتي” الذي يدمج رموزًا من قرى متعددة.

كان هذا الفعل، كما تصفه الباحثة “وداد قعوار”، قائلة: “محاولةً لتطريز الوطن الضائع في قطعة قماش صغيرة، كي لا يُنسى شكل فلسطين حتى في المنفى”.

من هنا يمكن القول إن التطريز الفلسطيني يمثّل جغرافيةً رمزية للأّمّة الفلسطينية، حيث يتحوّل الثوب إلى خريطة وطنٍ مرسومة بالإبرة والخيط.

خاتمة الكلام

يبقى الثوب الفلسطيني أكثر من مجرّد تراث مادي؛ إنه ذاكرة متحرّكة ومقاومة ناعمة في وجه محاولات المحو الثقافي، ووثيقة حياة وهوية.

ففي الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال إلى طمس المعالم وسرقة الرموز، يواصل الفلسطيني نسج هويته بالخيط ذاته الذي غزلت به الجدّات حكاية الوطن الذي يروى بالإبرة والخيط.

المرأة الفلسطينية هي الحافظة الحيّة لهذا التراث، لقد استطاعت أن تحوّل التطريز إلى سرديّة وطن مُطرَّزة بالإصرار والكرامة، تُثبت للعالم أن المقاومة لا تكون بالبندقية فقط، بل قد تكون بخيطٍ يسرد الحكاية الازلية ويربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وهكذا يغدو الثوب الفلسطيني وثيقة حياةٍ وهويةٍ، وإعلان يومي أن فلسطين لا تزال هنا، باقية في الذاكرة، وحاضرةً على الأجساد، وفي الإبرة التي لا تزال تكتب اسمها على القماش كلّ يوم وعبر الأجيال.

رابط دائم
https://elayem.news/j061z