الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

هل تنتحر الصداقة الإنسانية ونصادق الذكاء الاصطناعي؟ عزيزي القارئ.. كُن صديقي!

Author
محمد ياسين رحمة 27 فبراير 2025
X Facebook TikTok Instagram

خُلق الإنسان ناقصًا ليتكامل ويكتمل بغيره، ومن يعتقد بأنّه مُكتملٌ بذاته ولا يحتاج إلى صديقٍ فهو واهمٌ ستُوقِظه الأيامُ من وهمِه عندما تخونه صحّته أو قدرته أو ثروته، ويصير في حاجة إلى من يُصوّب نحوه كلمة صدقٍ ومحبّةٍ تسأله: كيف حالك؟!

الإنسان “الكامل” كان مُجرّد فكرة تقاذفتها العصور في ميادين الفلسفة والتصوّف.. وانتهت بالغرق في بحر النُّقصان! يقول الكاتب المصري “أحمد أمين” في الجزء الخامس من كتابه “فيض الخاطر”: “كان الإنسان الكامل في نظر (نيتشه)، على العكس منه في نظر الصوفية. هو في نظر الصوفية روحاني إلهي سماوي، وهو في نظر (نيتشه) أرضي مادي ملحد”. وقد اعتنق “هتلر” فكرة “السوبرمان” (الإنسان الكامل أو الإنسان الأعلى) للفيلسوف الألماني “نيتشه”، فأودى بالبشرية إلى وديان الهلاك، وأثبت بأنه أنموذج الإنسان الأكثر نقصًا ونقصانًا من الحلزون لأنّ هذا الكائن “المُخاطي” يستطيع أن يحيا مكتفيًّا بذاته داخل قوقعته حتى في شؤون التّناسل والتّكاثر، أما الإنسان فمهما بلغَت حكمته وقوّته فلن يستطيع الاكتفاء بذاته والاستغناء عن الأصدقاء، وإذا ما فعلها فهو يحكم على نفسه بأن يكون “حلزونًا”، ولكنه لن يَنسَل ذرّيتَه من ظهره أو يُنجب أولادًا من بطنِ ساقِه كما ورَد في بعض الأساطير وأحاديث الهرطقات!

“النقص الإنساني” حكمةٌ إلهيّةٌ تُحقّق التقاء البشر من مختلف الألسن والألوان والثقافات، وتدعوهم إلى التعارف والتعاون لإعمار كوكب الأرض.. وهو نعمةٌ عظمى حتى لا يكون الفرد “قطبًا” قائمًا بذاته ومكتملا بنفسه، أو يُشبه “الآلهة”، فتغدو الأرض ميدانيًا لصراع الأقطاب (ولن أقول: صراع الآلهة، فهناك فعلا من يرون في أنفسهم أنصاف آلهة ويريدون استعباد البشر)، ومن لا يعترف بنقصِه وحاجته إلى التكامل مع غيره فهو آيلٌ إلى السّقوط الذي لا ريب فيه، ومثلما ينطبق هذا الأمر على الأفراد فهو ينطبق على الدّول أيضًا!

من المُجدي التأكيد بأنّنا نأخذ معنى “الصديق” في السياق الذي يلتقي فيه مع مُسمّيات أو مصطلحات أخرى مثل: الصّاحب، الرّفيق، الخِلُّ.. فجميعها تشترط وجود الصّدق والثقة والأمانة والوفاء وغيرها من الفضائل التي صارت الإنسانية تفقدها كلّ يومٍ في هذا العصر الذي أوغل فيه الإنسان في أدغال الماديّة المتوحّشة، كأنّما الإنسانية تنتحر كل يومٍ بموت – اختفاء – فضيلة من فضائلها النبيلة!

وقديمًا ألّف “محمد بن خلف بن المرزبان” (ت 309 هـ) كتابا طريفًا عنوانه “فضل الكلاب على كثيرٍ مِمَّن لبس الثّياب”، صدرت طبعته الأولى في مصر عام 1923، ثم ظهرت له طبعات أخرى، منها التي صدرت عام 1992 بتعديل في العنوان فبدلاً من “فضل الكلاب..”، اختار مُحقّق الكتاب عنوان “تفضيل الكلاب..”، وما أبعد المعنى بين الفضل والتفضيل!

جاء في مقدّمة ناشر الكتاب (طبعة 1923): “فلما كان بعض بني الإنسان يسير سيرًا مُعوجًّا لا يتّفق مع العقل والدين، مخالفا بذلك أمر ربّ العالمين، مُنزِلا نفسه منزلة الحيوان الأعجم الذي لا يعقل ولا يفهم. ولما كان بعض الحيوان له من الصفات الحميدة المشكورة، والأفعال الغريبة المأثورة.. فقد رأيتُ بعد الاطلاع على كتاب (فضل الكلاب على كثيرٍ مِمَّن لبس الثّياب)، وموافقة كثير من رجال العلم والأدب على ما جاء به من الحكم البالغة والمواعظ النافعة، أن أقوم بطبعه خدمةً للإنسانية..”. وإذا كانت هذه دوافع نشر الكتاب قبل قرنٍ من الزمان، فماذا لو بُعِث الناشر في زماننا هذا الذي سيكون فيه الذكاء الاصطناعي هو أقرب صديق للإنسان أو الصديق المُشترك للناس كافّة؟

والحقّ أنّ مشاهير كثيرين في العالم الغربي أعلوا من شأن الحيوان وأقاموا معه صداقات وصلت إلى حدّ الزّواج به وتوريثه، بل إنّ الحقوق التي تتمتّع بها بعض الحيوانات في البلدان “المتطوّرة” هي أعظم وأكثر احترامًا من حقوق الإنسان في كثير من جهات العالم التي يُباد أهلها بالجوع والنار والحصار…! وليت هؤلاء الذين صادقوا الحيوان وأعلوا شأن حقوقه وأهملوا حقوق بشرٍ مثلهم.. ليتهم يلقون الجزاء الذي لقِيَه ذلك الرّجل الذي اتّخذ دُبًّا صديقًا له، وبينما هو نائمٌ في ظل شجرة، حطّت ذبابة على جبهته، فخشي الدبّ أن تزعج صاحبه وتوقظه، فهوى بصخرة على رأس الرجل فهشّمه!

في مدار هذه الأفكار حول الصداقة والصديق، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” بهذه الرسالة: كانت الصداقة من أعظم الروابط الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع الواحد، وهي اليوم – في عصر الإنترنت – من أعظم الروابط بين الأفراد في المجتمع الإنساني على اختلاف لغاته وثقافاته. ولعل الصداقة تتجلّى أكثر في الأوساط الإبداعية والأدبية والفنيّة.. فهي تُوجِد بيئةً للتفاعل الفكري والوجداني بين الأصدقاء.. وللصداقة تاريخٌ في التراث والأدبي العربي، نجدها في كتابات ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي في كتابه “الصداقة والصديق”.

كيف تفهمون معنى الصداقة استنادا إلى قراءاتكم وتجاربكم ومعايشاتكم؟ وهل تعتقدون بأن لها دورًا في الرقي بالأدب والإبداع عمومًا من خلال تبادل الآراء والنصائح والأفكار قبل ولادة الأعمال الإبداعية؟ وهل تعتقدون بأن الصداقة هي اليوم بقِيَمها وأخلاقياتها كما كانت قبل عقودٍ مثلا؟ وهل تذكرون صديقًا معيّنًا يُمكنه أن يكون أنموذجا للصديق الذي يفتح أبواب الإبداع لغيره من منطلق الصدق والمحبة؟ وهل ترون أن الصداقة “مُهدّدة” مثل قيمٍ إنسانية أخرى بالزوال أو التميّع بسبب ما يفرضه هذا العصر من ضرورات أعلت من شأن الفردانية والنرجسية والعلاقات المصلحية بين الناس؟

عزيزي القارئ، لعلّك تقول في نفسك بأنّ “الوحدة خيرٌ من صديق السوء”، وأتّفق معك بأن هذه المقولة بالغة العمق والصدق، رواها “ابن عاصم” في كتاب “الزُّهد” عن “أبي ذرٍّ” رضي الله عنه، ولعلها أكثر صدقًا في عصرنا هذا الذي سادت فيه الأنانية والنرجسية والذاتية والفردانية وما شئت من هذه المُسمّيات التي تدفعنا دفعًا إلى قراءة كتاب “فضل الكلاب..”، وربّما تدفع الكثيرين إلى تربية الكلاب لعلّهم يتعلّمون منها الوفاء والإخلاص!

أيها القارئ أدعوك أن تُبحر في هذا الملف الثريّ والشهيّ، وحاول أن تُنصت إلى الصوت الذي يدعوك قائلا: عزيزي القارئ.. كُن صديقي! فما أحوجنا إلى صديقٍ يُلملم شظايانا كلّما انكسرنا فيعيد تشكيلنا وتجديد نبض الحياة فينا. ما أحوجنا إلى مَن يرتّب الفوضى في أعماقنا ويزرع فيها الورود ويبثّ فيها العطر.. وينتشلنا من التلوّث الفكري والعاطفي الذي يتسلّل إلينا في أوقات سهونا أو ضعفنا. ما أحوجنا إلى الصديق الحقيقي الذي يتّسع صدره لأسرارنا فيكون “صندوقنا الأسود”، فإذا ما حدث وانفجرنا، يكون شاهدًا بأنّنا عبرنا من هنا.. من هذه المحطّة التي نُسمّيها الحياة.

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

عزيزي الصّديق.. لقد انتهت صلاحيّة وقتك!

“وش وش وش وش”، هذا ما كنت أسمعه على لسان العجائز والمسبحة تتقلّب بين أصابعهم المتجعّدة، كنت أتساءل: كيف يحدّثون الله بهذه اللّغة المشفّرة؟ غريبة هذه العلاقة في سنوات العمر المتقدّمة، إذ يستعيض العجائز عن النّاس بمسبحة من ثلاث وثلاثين حبّة، صديقتهم التي تسير بهم في الطّريق إلى الله، حديثهم معها يعوّض كلّ أحاديث البشر، الصّديق الذي يمسك اليد بقوّة، وتنتهي صلاحيّته مع انتهاء صلاحيّة صاحبه.

عادة ما يفضّل هؤلاء الذين وصلوا إلى مشارف انتهاء مشوار العمر، التّخلي عن العلاقات الإنسانيّة المتشابكة، لماذا؟ وكلّ الصّور المتناثرة على المرايا تشير إلى ازدحام اجتماعيّاتهم في مراحل العمر المتتابعة.

كنت حينها طفلةً، بين يديّ لعبتي “الدّودو” بعينها المخلوعة، ويدها الممزّقة، مسكين هذا “الدّودو” يُعاني بصمت، ولكنّه الصّديق الأوّل، يمتلك من العاطفة والرّائحة المميّزة ما يجعله ملجأ التّرابط الوفيّ. أنا وهو، تمامًا مثل العجوز والمسبحة، وما بيننا ضجيج ثرثرات أنا لا أفهمها وهو يسترجع من خلالها ماضٍ عميق.

وبعد أن كبرت، فهمت وأيقنت أنّ دائرة أصدقائنا، حلقة متتابعة مع حلقة العمر، تبدأ بالخيال الذي يُنسى، وتنتهي بالمسبحة التي نُنسى معها، وما بينهما عالم يعجّ بالدّاخلين والخارجين من بوّابة الرّوح، الصّديق المقرّب اليوم، تضيّعه منّا الطرقات، ليصبح غريبًا غدّا.

“عندي صاحبة في الزّمن ده صعب تلقي منها

دي اللي واقفة جنبي سانده وعالسّر تأمنها

لو زعلت حاسّة بيا قبل حتى ما أحكي

وفثواني تيجي ليا تجيب معاها ضحكي…”.

هذه الأغنية بصوت المغنيّة “أمال ماهر”، تختصر أهميّة الصّداقة كما نعرفها، السّند، والبئر العميق الذي نرمي فيه أسرارنا، هذا الصّديق الذي يقرأ محتوانا من دون أن نكشف أمامه ما سجّلته المواقف في روحنا، وكلّنا امتلكنا هذا الصّديق في مرحلة من مراحل الزّمن، ولكن ليس الجميع يصادفهم الحظ لتستمرّ هذه العلاقة، حتى الحظّ صديق لا يؤتمن.

إذ من أشهر ما قيل: “احذر عدوّك مرّة، واحذر صديقك ألف مرّة”، فباتت الفكرة العامّة المسيطرة على النّاس أنّ الغدر لا يأتي إلّا من القريب، هذه العبارة التي تجعلنا ندوس على الفرامل بعد خطواتنا السّريعة في تقديم الطّاعة عند مجالس الثّقة. فالإنسان يحمل معه ميزانا، وليس جميع النّاس أسوياء لاحترام العلاقات، وأعمق العلاقات قد تنتهي عند خطوة “كشّ ملك”، فكم شاهدنا من أفلام ومسلسلات تنتهي بخيانة الزّوج لزوجته مع صديقتها المقرّبة، والجملة الشّهيرة دائمًا: “أنت بتخوني؟! أنا بشو قصّرت معك حتى تعمل فيني هيك؟” ولا يظن أحدكم أنّي أتّهم الرّجل بالخيانة وأضع المرأة على عرش البراءة، أبدًا، في الصّداقة والخيانة لا يوجد رجل وامرأة، وإنّما طبع وإنسان، ولكنّي كامرأة يصعب عليّ أن أضعها في موضع اتّهام كهذا بهذه الصّراحة المباشرة، فعذرًا أيها الرّجال!

مواقف تكشف لنا هشاشة الصّداقة كلّما سرق العمر منّا أيامًا وسنين، ليس للخيانة فقط، وإنّما لأنّ الإنسان بطبعه يركض ليقطف من الحياة ما يشتهي، وأثناء ذلك يكتشف أنّه تخلّى في المسير عن عوالم أصبحت جزءًا من ذاكرته، دونًا عن الواقع.

وقد نغيب لا لسبب، وإنّما لمجرّد الغياب، فقط خفّ وهج العلاقة، تمامًا كزوجين تسلّل الملل إلى حياتهما فانفصلا، ليبحث كلّ منهما عن مصدر طاقة جديد يعيد إحياء اللّون الباهت على العينين.

وربّما لهذه الأسباب أصبحنا نجد كمًّا لا بأس به من النّاس اختاروا الصّداقة المقيّدة، ضمن حدود المقاهي، مع قهوة ودخان نرجيلة، كما نقول عنها (صحبة فنجان القهوة):

“أخبارنا جيّدة وحالنا والحمد لله على أحسن ما يكون

جمر النّراجيل على أحسن ما يكون

وطاولات الزهر ما زالت على أحسن ما يكون…”.

هذه القصيدة التي كتبها “نزار قبّاني” سياسيّة بامتياز، ولكن لنأخذ منها هذا المقطع ونعيد تأويله كما تشتهي أنفسنا، فكم من الصّداقات وُلدت ودُفنت على كرسيّ مقهى أمام نرد الزّهر؟ هذا النّوع من العلاقات الذي نراه الأكثر انتشارًا اليوم، بعيدًا عن تفصيلات الحياة وتعقيداتها، (شو عاملين؟ شو طابخين؟ بدكن نلعب؟) من دون الخوض في ما ورائيات المشاعر والاشتباكات الإنسانيّة الدّاخليّة، على مبدأ (كل واحد يقبع شوكو بإيدو، ما دخلنا)، ربّما علاقة المسبحة بالعجوز جعلتنا نعي أنّ العلاقات مع النّاس سيأتي يوم وتنتهي صلاحيتها في قائمة أيّامنا، لنستبدلها بقائمة أخرى، وهكذا تدور الأيام.

أنا من الذين يقدّسون الصّداقة على أنواعها، طالما أنّها ضمن إطار الاحترام، ولكنّي دومًا أقف عند مفترق القرارات: هل فكرة الصّديق المفضّل الواحد سليمة؟ نسلّمه مفاتيحنا جميعها، فربّما تدور الأيام، وننصدم به يسلّمها لمشرّدي طريق الشّيطان، لذلك علينا أن نحمي أنفسنا قبل أن تنتهي صلاحيّة علاقاتنا، أو علينا أن نوسّع دائرة صداقاتنا، ربّما نجد بينهم من يكرّر العلاقة من الفتور فتجدّد صلاحيتها وتدوم؟ أم نحيا الحياة كما هي ونفتح باب الدّخول والخروج ببساطة ومن دون تعقيدات؟ وفي خضم هذه التّساؤلات، تسير الحياة، نتعرّف على الجميع، تصيب علاقاتنا أحيانًا، وأحيانًا تخيب، وننتظر صديقنا الأخير، المسبحة، نشاركها سرّنا الكبير، توبتنا إلى الله.

منيرة جهاد الحجّار (كاتبة وباحثة من لبنان)

ريشةٌ بلا ألوان

لم تكن يومًا الطّبيعة بلون واحد، هل فكّرتم يومًا ماذا سيحصل لو خلعت الطّبيعة رداءها المزركش، وارتدت لونًا واحدًا؟ ماذا لو طرقنا أبواب الحياة، وفتحت لنا وجوه متشابهة، بأفكار متشابهة، وعقول باردة، هل سنلمس معنى للحياة؟ هل سنصل إلى تلاقح أفكار؟ هل سنصل إلى إبداع حقيقيّ، أو هل سنجد علاقات تحتضن بذور الرّقي والانفتاح؟ إنّه انغلاق متقوقع بين جدران الذّات، وكيف ستكتمل لوحة الحياة بريشة لا تحمل الألوان؟

اختلاف البشر ليس فيه خلاف، إنّما تكامُل يزرع الأملَ إن ارتبط بروح الانفتاح على الآخر وتقبّله، وقد قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة: الحجرات، الآية: 13).

إنّ الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم وميّزه عن سائر الكائنات بالعقل، والعقل إذا أبصر يتقبّل اختلاف الآخر، أمّا إذا تقوقع فلا يسعه هذا الاختلاف، ويجد كلَّ وارد غريب، فيُرسل مضادات هجوميّة لا تقبل الاستقبال وتُعِدّ كلّ غريب غريم فتحاربه، وتنعته بأبشع الصّفات! لماذا؟ فقط لأنّه مختلف! أمّا عن العقل الواعي فلطالما يشعّ منه النّور، لربّما يكون باب أملٍ، أو خطوةَ تشجيع، أو نجاح، أو فرح يحتويك باختلافك!

الصّداقات مُعدية، فتخيّر الصّديق الذي يساعدك كي ترتقي، تخيّر من كان لك سندًا في الدّنيا والآخرة، تخيّر من يحاورك ولو كنت على خطأ، وإن لم تقتنع بوجهة نظره، تخيّر من يفتح أمامك أبواب المعرفة، ولم يقبل يومًا أن يزرع بذور التّعصّب، تخيّر من يشجّعك في أوقات استسلامك لليأس، حينها ستعلم أنّك على صواب، فتجد في هذا الاختلاف نعمة ما إن تُقلّب صفحاتها حتّى تجدها مليئة بثقافات وإبداع وآمال وطموحات ومحبّة، هذا هو شبيه الرّوح، مكمّل الأفكار الذي يمسح الصّدأ عن العيون، ويجلو العقول ويملأ فراغات الحياة…

يقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: “خيرُ الأصحابِ عند اللهِ خيرُهم لصاحبِه”، إذا كان أعظم الخلق يحثّنا على برّ الصّحبة فبمن نقتدي؟ إنّ كلمة خير واحدة كفيلة بقلب الموازين رأسًا على عقب، والعكس صحيح! واليوم خاصّة مع انتشار وسائل التّواصل الاجتماعي وتداخل الثّقافات بشكل كبير، ما زلنا نشهد انغلاقًا وتقوقعًا، وعدم تقبّل للرّأي الآخر، إضافة إلى أنّ هذه الوسائل سهّلت لهؤلاء حياكة الأكاذيب، ونشرها، فقط تشهيرًا بمن اختلف معهم فكرًا، مع العلم أنّ التّعبير عن الرّأي لا يعني تجريحًا بالآخر، ولا خروجًا من البوتقة الأخلاقيّة، فالحوار له مبادئه، وهناك فرق شاسع بين الصّراحة والوقاحة، وصفحات الأكاذيب التي تدعو إلى الفتن ما أكثرها! كيف نواجهها؟ بالوعي، ثمّ الوعي، ثمّ الوعي!

نعم، إنّنا نختلف في الأفكار، والانتماءات، لكنّنا نلتقي تحت راية الإنسانيّة، هذه فطرة الإنسان التي أوجدها الخالق، هي نعمة تحرّر الحياة من الملل، فالإنسان لا يستطيع أن يبقى على وتيرة واحدة، دائمًا يحاول التّطوير، وهذا التّطوير لا يكون إلّا بالتّعاون، بتلاقح الأفكار، والانفتاح على الآخر، خصوصًا مع ظهور القرية الكونيّة، حيث اقتربت المسافات، وتعدّدت الصّداقات والثّقافات المتنوّعة، فهل ستلغي وجود كلّ هؤلاء؟ هل تستطيع أن تجعل العالم كلّه شبيهًا لك؟  بالتّأكيد الإجابة: لا، لكنّك تستطيع أن تثبت وجودك، وتنشر آراءك، وتكون مؤثِّرًا فاعلًا بأخلاقك، ووعيك في تقبّل الآخر، فالتعصّب لا يجلب سوى النّفور، والحبّ لا يُفرض فرضًا، والعقل لا يُستبدل بكبسة زرّ واحدة، ومقابل ذلك فإنّ الانفتاح على الآخر لا يعني أن تستبدل عقلك، ولا أن تتخلّى عن قيمك، خصوصًا أنّنا نعيش في زمنٍ ثقافتُنا فيه مهدّدة وباتت تلتحق بجيوش التبعيّة، التحاقًا بالمادّة! هنا يأتي دور الصّداقات لتحاور الآخر بطريقة إيجابيّة راقية بعيدًا من الجدل الذي لا فائدة منه، وبعيدًا من الاستفزاز وعدم الاحترام، حتّى إذا لم نلتقِ فكريًّا نلتقي إنسانيًّا، ونسمو عن عالم لا يرى إلّا بعين مترهّلة تهدّد الصّداقة وتأسرها بين جدران التّعصّب الأعمى لتخرج عن قيمتها الحقيقيّة.

تؤثّر الصّداقات في الإبداع بشكل كبير فهي التي تجمع بين الأدباء والمفكّرين والنّقّاد… حوارًا يعمل على تلاقح الأفكار، ونشر العلم والمعرفة، خصوصًا مع انتشار الصّالونات الأدبيّة الحضوريّة أو الافتراضيّة. وأمّا عن تجربتي، فإنّ هذه الصّداقات الأدبيّة وما تحمله من نقد بنّاء، حتّى بيننا كطلّاب ما زادتني إلّا علمًا ومعرفة وإتقانًا وثقافة، ومتعة في تعدّد القراءات التي تضيف إلى المعنى جمالًا…

نعم إنّها الصّداقات التي تصدق إنْ وعدت، وتحمل على عاتقها ارتقاءً لمجتمعات متنوّعة، تبني لا تهدم، تُبدع بتعاونها، وتَخرجُ من بوتقة التّعصّب إلى فضاء رحب متلألئ بأفكار متنوّعة تعمل على التّجديد والابتكار، هدفُها سامٍ يحمل شعار الإنسانيّة الذي يُكتب بريشة تحمل أبهى الألوان.

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

“مَنشِنوا” أصدقاءكم ففي المَنشَنَة حياة!

يقول “ديموقريطوس”: “لا تستحقّ الحياة أن نحياها من دون صديق جيّد”». وإنّكم جميعًا حين تقرؤون هذه السّطور ستذكرون أحدهم، وستقومون بـ “مَنشَنَتِه” (Mention) في دماغكم، لذا فإنّني أدعوكم وبكلّ محبّة أن أطلقوا العَنان لذاكرتكم ولذكرياتكم و”مَنشِنوا أصدقاءكم”، ففي المَنشَنة حياة.

في الأدب كما في الحياة، صداقاتٌ بدأت وتمتّنت بمرور الوقت وأُخرى قد اندثرت، ولعلّ كلّ العلاقات في الحياة تحكمها المصالح المشتركة، فلا ينطبق قول “فلان مصلحجي” على أحدٍ من دون سواه، فنحن جميعًا “مصلحجيّون” هذه هي الحقيقة، فلا ينصدمنّ أحدٌ ممّا أقول، لا مكان للمداهنات ها هنا.

لنبدأ في علاقة العبد مع الله، إنّها علاقة مصلحة، من منّا يرتدع عن فعل الشرّ من تلقاء نفسه؟ ربّما قلّة، ولا أريد الدخول في باب الشّرور، عظُمت أم صغُرت، فقد تكون مجرّد “غمزة” لشخص على آخر، وقد تكون رصاصة في رأس مزعج، لا يستحقرنّ أحدكم الشرّ مهما صغُر، فالرادع الأساسي لعدم القيام به ليس نفوسنا الطّيبة، بل الخوف من العذاب والعقاب، إنْ في قانون الدنيا أم في قانون الآخرة. إذًا فلنتّفق على أمر: فعل الشر ينكفئ إذا ما ارتاب المرء من صعوبة أحد العقابين، عقاب الدنيا وعقاب الآخرة. وإذا ما ربطنا الأمر بعلاقة العبد مع ربّه سنجد أنّ الجنة من نصيب الأخيار، الذين يخافون الله ويمتنعون عن فعل الموبقات والشّرور طمعًا بالجنّة التي بها يوعدون. أليست هذه علاقة مصلحة؟ سأترك مسألة الرد على هذا السؤال لكم.

نعود إلى علاقة الزوجين، قد تبدأ بالصداقة، ثمّ الإعجاب، فالحبّ، وتنتهي بالزواج، والزواج كما يسمّونه هو “مؤسّسة” يكون فيها تأسيس جيل الغد، والعلاقة هنا هي علاقة مصلحة، تبدأ في الأصل بالأشياء المشتركة كالدين والنسب والحالة المادية والاجتماعيّة وتنتهي في الإنجاب، وأغلب مؤسسات الزواج في المجتمعات العربيّة – واعذروني على هذه الحقيقة الصادمة – يعيش الشريكين فيها “من أجل الأولاد”، وهنا تتبدّى الصداقة القسريّة بشكل جيّد جدًّا، وهذا ما أودّ الإشارة إليه في حديثي عن الصداقات.

كم من الصداقات التي نُجبَر عليها؟ وكم من الصداقات التي لا يمكن التملّص منها؟ وكم من الصداقات التي لا يميّز الشخص فيها حجمه ومكانته أمام حجم ومكانة صديقه؟

إنّ ألف “كم” تدور في رأسي، لكنّني لن أذكرها كلّها، بل سأكتفي بالحديث عن الجزء الأخير من أسئلتي، هل نُدرك حقًّا حجمنا وحجم صديقنا؟ وهل ينظر الكون بعين العدل لجميع علاقات الصداقة؟ فلا يرفع صاحب الحظّ الأوفر ويُخفض صاحب الحظّ المتعثّر؟

لقد حارب “دون كيشوت”، بطل رائعة “سرفانتس” الخالدة، طواحين الهواء، وقد خلق لنفسه أعداءً من لا شيء، وحبيبةً من محض الخيال يهديها انتصاراته الوهميّة، وجعل حصانه الأهزل والأعرج حصانًا يدخل التاريخ، كلّ هذا كان محض خيال، إلّا أنّ “سانشو” كان الصديق الذي يرافقه أينما ذهب.

التاريخ يذكر الأبطال، ويهمّش الشخصيات الثانوية، لم يكن “سانشو” ثانويًّا ككومبارس، لكنّنا جميعا نسمع بـ “الدون كيشوت” أوّلًا ثمّ نفكّر قليلًا كي نتذكّر الصاحب المسكين خفيف الظل الذي رافق ذلك البطل الأحمق.

بين “دون كيشوت” و”سانشو”، علاقة صداقة زرعها “سرفانتس”، ولم ينتبه إليها أحد، بل وهُمّش دور “سانشو” فيها، إلّا أنّه إذا أردنا أن ننصفه، فلم يكن هناك “دون كيشوت” لو لم يكن هناك “سانشو”، وهذه المعادلة تنطبق على جميع أمثلة الحياة، لكنّنا ننبهر لسماع كلمة بطل وننسى كلّ ما هو دونها من أوصاف، فالعلّة إذًا فينا نحن. وإنّني أظنّ أنّ “دون كيشوت” نفسه كان ليقوم بـ “مَنشَنة” صديقه “سانشو” لو كان حقيقيًّا وقرأ ما كتبت.

هل كان هناك رسائل “مي” لو لم يكن هناك “جبران”؟ والعكس صحيح، والحبّ هو نوع من أنواع الصداقة، هل كان هناك اسم “ميلينا” لو لم تقترن بـ “كافكا” ورسائلهما؟ هل كان هناك من دورٍ لزوجة “غسان كنفاني” لو لم نسمع بمراسلاته لـ “غادة السمّان”؟ وهنا حريٌّ بنا أن ننوّه إلى أنّنا نستسيغ الخيانة إن اقترنت باسم بطلٍ نحبّه، فمن يجرؤ مثلًا على القول بأنّ “غسّان كنفاني” خائنٌ لزوجته، وأنّ رسائله إلى “غادة السّمّان” لم تكن سوى إثبات على هذا الأمر؟ لن أطيل في الأمر هذا فقد ذهب “غسّان” رحمه الله إلى جوار ربّه. المهم فيما أقوله أنّنا لا نقدّر الصديق (رقم: 2) في العلاقة، إنّنا نقدّر الشخص الأعلى لأنّنا مجبولون على حبّ المكانة، ومهووسون في سِيَر الأبطال، فانظروا إلى الصداقات بعين العدل، والمسوا فيما عرفتم من صداقات (الرقم 2) في العلاقة، وحافظوا على أصدقائكم الذين يسيرون بقربكم في حلكة الليل وتحت المطر وفي العاصفة، ومَنشنوهم، إنّهم بحاجة إلى مَنشَنة.

د. شعبان عبد الجيِّد (كاتب من مصر)

خواطرُ عن الصَّداقة!

“باستثناء الحكمة، فإن الآلهة لم تمنح الخـــالدين من الناس شيئًا أروعَ من الصداقة” (شيشرون)

كان من حُسنِ حظي وأنا في المرحلة الثانوية أن أقرأ كتاب “نحو الرجولة” للدكتور “هارولد شرايوك”، وهو من أمتع الكتب التي طالعتُها في تلك الفترة وأكثرِها نفعًا. أيامها كنت مراهقًا طائشًا قليلَ الخبرة، وكنا ندرس في علم النفس شيئًا عن مرحلة المراهقة، لم يكن كافيًا كالعادة لكي أفهم نفسي وأدرك نقائصي وأواجه مشكلاتي. وجدت في هذا الكتاب، أسلوبًا ومضمونًا، بغيتي ومرادي، وأعجبتني طريقة صاحبه في عرض توجيهاته ونصائحه، حيث بدا من أول الكتاب إلى آخره وكأنه معلّم مرشد أو والدٌ شفيق.

وقد شدَّني في هذا الكتاب فصلان قصيران عن “كسب الأصدقاء واختيارهم”، وهو ما كان يشغلني وقتها ويؤرّقني. عرفت منهما أن كل مراهقٍ يتوق إلى الصداقة، ويرغب في أن تكون له شعبية بين رفاقه، وأن يكون مَرضِيًّا عنه من الأشخاص الأكبر سنًّا والأكثر خبرة. وأن معظم العلاقات البشرية تتطلب قدرًا لا يُستهان به من فن البيع. فلكي تكسب أصدقاء عليك أن تقدم نفسك للآخرين كشخصٍ مرغوب فيه، جدير بالصداقة والثقة والاحترام.

ولقد انتفعت كثيرًا بنصائحه الثمينة، ومنها أن مبدأ كسب وُدِّ الشخص الآخر في الحديث بسيطٌ جدًّا. وما عليك إلا أن تتخلى عن لذتك في إطلاعه على اهتماماتك الشخصية، والسماح له بأن يتحدث عن اهتماماته هو، وبهذا سيعتبرك من أعز الأصدقاء وسيحبك. ومع أن هذه الاستراتيجية سهلة، إلا أنها تتطلب منك قليلًا من الكلام والملاحظات المتفرقة لتخلق انطباعًا طيبًا عنك. فالشخص الذي يكلمك ينفر منك إذا لم يَبدُ منك أيُّ اهتمامٍ بما يقوله.

وكان من خير كلامه في آخر هذين الفصلين: “ما من شَكٍّ في أنك مسؤول تجاه أصدقائك، مثلما هم مسؤولون تجاهك. فالصداقة الوثيقة تشمل العديد من المسرات والعديد من المسؤوليات أيضًا. وصداقتكم توفر لكم الكثير من الرضى على المدى البعيد، عندما تستخدمونها كوسيلة لتشجيع الآخرين على تعزيز المُثُل السامية والمطامح الرفيعة. وعليكم ألا تتوقعوا من أصدقائكم أن يأتوا لنجدتكم دائمًا وتحمُّل المسؤولية من أجلكم؛ فأنتم مدينون لهم بقدر ما هم مدينون لكم”.

الصداقة عند الفتيات في مرحلة المراهقة

وكنت ألاحظ أن زميلاتنا من البنات أكثر منَّا ارتباطًا ببعضهن، فهن يجئن معًا ويذهبن معًا، وكان واضحًا من أحاديثهن الجانبية المستترة أن بينهن من الأسرار أكثر وأعمق مما بيننا، وقد عرفت فيما بعد حين تعددت قراءاتي عن الطبيعة النفسية للنساء، أن أهم ما يميز مرحلة المراهقة بوجه عام (الصداقة الحميمة) التي تقوم بين الفتيات. ويرى الدكتور “صبري جرجس” في كتاب “سيكولوجية المرأة”، (سلسلة اقرأ، العدد رقم 419، دار المعارف، 1976) أن هذه الصداقة، إلى جانب ما تنطوي عليه من الخير والنفع للفتيات في مطالع المراهقة، لا تخلو من أخطار إذا تجاوزت حدودَها أو انحرفت عن سبيلِها.

ومن أهم هذه الأخطار ما يكمن فيها من إغراء للقيام بأعمالٍ غيرِ مباحة، فتؤدي ممارستها إلى إطلاق مشاعر الخطيئة لدى الفتاة من عقالها، وترزح تحت عبءٍ ثقيل من الشعور بالذنب. ومنها أيضًا تثبيت هذا التعلق بصديقة من الجنس نفسه، بحيث يؤدي ذلك إلى استبعاد الجنس الآخر من حياة الفتاة بصورة دائمة.

ولم أكن، وأنا ريفيٌّ ساذج، أحاول أن يكون لي صديقات من الجنس الآخر، لا لأنني لا أريد ذلك، معاذ الجمال!!، ولكن لأنني أخاف منه، ولا آمَنُ عواقبَه. ولم تكن صداقاتي مع بني جنسي عميقة أو مستقرة، وكانت إلى الزمالة أقرب منها إلى الصداقة. وهو ما انسحب على علاقاتي بهم إلى يوم الناس هذا؛ فهي في مجملها سطحية وقلقة ومتوترة، وجميع من حولي ليسوا أكثر من معارف وأصحاب، وقلّ أن أجد فيهم الصديق الصدوق، كما سوف أحاولُ تعريفَه فيما يلي من سطور.

مفهوم الصداقة وشروطها

في لسان العرب: الصداقة والمصادقة: المُخالَّة. وصادقته مصادقةً وصِداقًا: خاللته، والاسم الصداقة. والصداقة مصدر الصَّدِيق، واشتقاقه أنه صدقه المودة والنصيحة. والصديق: المصادق لك، والجمع صُدَقاء وصُدقان وأصدقاء وأصادق. وهي غير الرّفقة والصحبة والزمالة، وإن كانت تقترب منها أو تزيد عليها. وهي ميلٌ طبيعيٌّ في الإنسان، ناشئٌ عن احتياجه لعون الآخرين.

ويذهب “أبو هلال العسكري” في كتاب (الفروق اللغوية) إلى أن الصداقة اتفاق الضمائر على المودَّة. فإذا أضمر كل واحدٍ من الرجلين مودَّة صاحبه، فصار باطنه فيه كظاهره، سُمِّيا صديقين.

وفي اللغات الأجنبية، تشتق كلمة الصداقة (amicitia) من كلمة الحب (amore)، وهي القوة الرئيسية في جعل المحبة متبادلة، ولا شيء أروع من الحب المتبادل. أمَّا أولئك الذين يَنشُدون الصداقة للمنفعة والمصلحة فإنهم يجردون الصداقة من أهم مقوماتها وأقدسها، فقيمة المنفعة الناجمة عن الصداقة لا يمكن أن تقاس إلى حبنا لأصدقائنا في ذاته. إن الصداقة ليست وليدة المنفعة، وإنما المنفعة هي وليدة الصداقة.

وفي بعض المعاجم الأوروبية أن الصداقة: علاقة بين شخصين أو أكثر، تتسم بالجاذبية المتبادلة، المصحوبة بمشاعر وجدانية، تخلو عامةً من الرغبة الجنسية. وعُرِّفت في سياقٍ آخر بأنها علاقة اجتماعية وثيقة ودائمة، تقوم على تماثل الاتجاهات بصفة خاصة، وتحمل دلالات بالغة الأهمية، تمسّ توافقَ الفرد واستقرار الجماعة.

ويمكننا كما يقول الدكتور “أسامة سعد أبو سريع” في كتابه (الصداقة من منظور علم النفس، سلسلة عالم المعرفة، العدد 179، نوفمبر 1993) ـ أن نعرّف الصداقة بأنها علاقة وثيقة تقوم على مشاعر الحب والجاذبية المتبادلة بين شخصين أو أكثر، وتميزها عدة خصائص من بينها: الدوام النسبي والاستقرار، والتقارب العمري في معظم الحالات بين الأصدقاء، مع توافر قدر من التماثل بينهم فيما يتعلق بسمات الشخصية والقدرات العقلية والاهتمامات والتفضيلات والاتجاهات والقيم والظروف الاجتماعية.

ويتسم التفاعل بين الأصدقاء بعدة خصائص منها الفهم العميق المتبادل، والاستعداد للإفصاح عن الآراء والخبرات والمشاعر والأسرار الشخصية، مع وجود قدر من الاعتماد المتبادل يتضح من تبادل التأثير والتأثر فيما بينهم. وينطوي التفاعل بين الصدقاء على العديد من ضروب السلوك الاجتماعي والإيجابي، من قبيل المشاركة الوجدانية والتشجيع والتعاون وتقديم العون والمساندة بكافة مظاهرها، مع تبادل الخبرات والمعارف، وتقويم الآراء والمعتقدات وتأكيد صحتها أو تصحيح الخاطئ منها، بالإضافة إلى المشاركة في الميول والاهتمامات وشغل أوقات الفراغ.

وفي كتاب (الأخلاق) يعرِّف “أرسطو” الصداقة بأنها عطف متبادلٌ بين شخصين، يريد كلٌّ منهما الخير للآخر، مع العلم بتلك المشاعر المتبادلة فيما بينهما. ويعرِّف الصديق بأنه الرجل الذي يتعاطف مع صاحبه، فيشاركه آلامَه وأفراحَه. وهو من يعيش معك، ويتّحد وإياك في الأذواق، وتسرُّه مسرَّاتُك وتحزنه أحزانُك. ويذهب إلى أن الصداقة إحدى الحاجات الضرورية؛ لأنه لا يقدر أحدٌ أن يعيش بلا أصدقاء مهما توافرت لهم الخيرات، فالأصدقاء هم الملاذ الذي نلجأ إليه وقت الشدة والضيق. والصداقة ضرورية للشباب، لأنها تُمِدُّه بالنصائح التي تحميه، وهي مهمة للشيخ، تعينه حين يتقدم العمر ويضعف البدَن.

وفي رأي “أرسطو” أن الصداقة الحقيقية التي تتصف بطابع الدوام والاستقرار، هي تلك التي تقوم بين الأخيار من الناس، لأنهم جميعًا ينشُدون موضوعًا واحدًا بعينه، ألا وهو (الخير). وهنا لا يريد الصديق لصديقه إلا الخير، فلا تكون صداقة الواحد منهما للآخر ناتجة عن أسباب أو بواعث، بل تكون موجّهة نحو الصديق نفسِه لذاته.

ويرى “ابن حزم” في كتاب (الأخلاق والسِّيَر في مداواة النفوس) أن حدَّ الصداقة الذي يدور على طرفَي محدودِه هو: أن يكون المرءُ يسوءه ما يسوء الآخر، ويسرُّه ما يسرُّه، فما سفُل عن هذا فليس صديقًا، ومن حمل هذه الصفة فهو صديق، وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها، من شاركك بنفسه وبماله لغير علة توجب ذلك، وآثرَك على مَن سواك. أمَّا المتنادمون على الخمر وما شابهها، والمجتمعون على المعاصي والقبائح، والمتألّفون على النَّيْل من أعراض الناس، والأخذ في الفضول وما لا فائدة فيه (الثرثارون النَّمَّامون) فليس هؤلاء أصدقاء. ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض، وينحرف عنه عند فَقدِ تلك الرذائل التي جمعتهم، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عزَّ وجل، وإمَّا للتناصر على بعض الفضائل الجدية، وإمَّا لنفس المحبة المجردة.

وقد قسَّم “ابن مسكويه” الصداقة في كتاب (تهذيب الأخلاق) إلى ثلاثة ضروب:

    صداقة اللذة، تنعقد سريعًا وتنحلُّ سريعًا؛ لأن اللذة متغيّرة، وهي أكثر شيوعًا بين الفتيان.
    صداقة المنفعة، تنعقد بطيئًا وتنحلُّ سريعًا بانقضاء المصلحة، وهي صداقة كبار السن.
    صداقة الفضيلة، تنعقد سريغً وتنحلُّ بطيئًا، لأن الخير باقٍ بين الناس، وهي صداقة الأخيار.

ومن طريف ما جاء في كتابات “ابن مسكويه” دعوتُه إلى تقليل عدد الأصدقاء، وهو ينصحنا أن نكتفي بواحدٍ، إن وُجِد؛ فإن الكمال عزيز، ومن كثُر أصدقاؤه لم يفِ بحقوقهم، واضطُرَّ إلى الإغضاء عن بعض ما يجب عليه والتقصير في بعضِه. وربما تراوحت عليه أحوال متضادة، فتدعوه مساندة صديقٍ إلى أن يُسَرَّ بسروره، ومساندة آخر أن يغتمَّ بغَمِّه. وأن يسعى بسعيِ واحد ويقعد بقعودِ آخر، مع أحوالٍ تشبه هذا كثيرةٍ مختلفة.

وكان “شيشرون” يطلب ممَّن حوله أن يضعوا الصداقة فوق أيِّ شيءٍ في العالم؛ فليس هناك ما هو أنسبُ ولا أَحَبُّ للإنسان منها، سواء في الرخاء أو في الشدة. وكان يرى أنها تفوق القرابة؛ لأن الشعور الطيب بين الأقرباء قد يزول، وبزواله يزول معنى الصداقة، بينما تبقى صِلةُ القرابة، في حين أن ذلك الشعور الطيب يظلُّ قويًّا بين الأصدقاء.

ويذهب “شيشرون” في كتابه القيِّم (عن الصداقة) أن الإنسان يحتاج للصداقة في نعمائه وفي بأسائه؛ فهو محتاجٌ إلى صديقٍ يشاركه سعادته وسروره، كما هو محتاجٌ إلى صديقٍ يقاسمه متاعبَه وآلامَه. ومِن رأيِه أن كلًّا من الثروة والجاه والصحة واللذة، لها مناسبتها الخاصة وميزتها الخاصة، فمَيزة الثروة أن تنفق منها، وميزة الجاه أن تغدو مبجَّلًا بين الناس، وميزة اللذة أن ترفّه عن نفسك، وميزة الصحة أن تصونك من الأمراض وتمكنك من أداء أعمالك الجسمانية. وكل مَيزة من هذه المَيزات وقتيَّةٌ وجُزئية، لها مناسبتها الخاصة التي تُستَغَلُّ فيها استغلالًا وقتيًّا، في حين أن الصداقة تجمع بين كل هذه المزايا.

وكان “ابن المقفع” يقول: إن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا: هم زينةٌ في الرخاء وعدة في الشدة، ومعونةٌ في المعاش والمَعاد، فلا تُفَرِّطَنَّ في اكتسابهم، وابتغاء الأسباب إليهم.

وتُعَدُّ الصداقة شكلًا فرديًّا من أشكال التعلق الذي يستند إلى جدلية الأخذ والعطاء. وهي تحملُ فكرة الاختيار الحر بين فردين متقاربين أو متشابهين، مزاجًا وميولًا، ما يجعلهما متطابقين، دون إلغاء اختلافاتهما. وهي تعتمد على المعاملة بالمثل في التبادلات التي تغذيها، وعلى المتعة التي توفرها. تشير الصداقة أيضًا إلى رُوح الكرم، تلك الفضيلة القادرة على تحرير الأفراد من ميلهم إلى أن يصيروا أنانيين.

يرى “آبيل بونار” أن الصداقة هي اختيارٌ أكيد لا يتغير، لشخص اصطفيناه، لأنه يملك صفاتٍ تحوز مزيدًا من إعجابنا. على أنه لا ينبغي أن يكون هناك أيّ اشتراط. فإذا نشأت الصداقة وجب على الصديقين أن يظلَّا كذلك على الدوام. اللهم إلا إذا أتى أحد الصديقين بذنب لا يُمحَى وخطيئة لا تُنسَى، ولم يستطع صاحبه أن يغفرها أو يتجاوز له عنها.

ويبدو، كما قال “بسكال”، أنه لا يوجَدُ إنسانٌ يقول عنَّا في حضورنا ما يقوله في غيابنا، وجميع المشاعر الوديّة أساسُها هذه الخديعة المتبادلة، وما أقلّ الصداقات التي كان يمكن أن تستمر، لو أننا علمنا ما قاله أصدقاؤنا من وراء ظهورنا.

وكان “لاروشفوكو” يقول ساخرًا: إن ما يسمّيه الرجال صداقة، ليس سوى اتصال اجتماعي، وتبادل خدمات ومنافع. وهي تصل إلى حدِّ أن تصير صفقة تجارية، يتوقع تقدير الإنسان لنفسه أن يربح فيها. والصداقة لا يمكن أن تكون كذلك أبدًا. بل الأمر على العكس من ذلك؛ لأنها تنطوي على انتفاء الأغراض تمامًا. ونحن لا يمكن أبدًا أن نتخذ صديقًا من رجلٍ يبحث عنَّا حين نكون قادرين على أداء خدمةٍ له، ثم يهملُنا بعد أن يتمَّ أداؤها.

الصداقة والحب

في كتابه القيِّم “فلسفة اللاوعي”، وصف الفيلسوف الألماني القدير “إدوارد فون هارتمان” الفرقَ بين الحب والصداقة فقال: “الصديقان الحميمان مثل الحبيبَين، لا يستطيع أحدُهما أن يعيشَ في غيبة الآخر، وكلاهما يقوم بتضحيات من أجل الآخر، ولكن ما أبعد البَونَ بين الحب والصداقة؛ فالصداقة مثل أمسية من أماسي الخريف هادئة الألوان، والحب كعاصفة هوجاء من عواصف الربيع الثائرة الرهيبة. والصداقة مرحةٌ طروبٌ كآلهة الأوليمب، والحُب صخب مثير للزوابع مثل المرَدة. والصداقة واثقةٌ بنفسها راضيةٌ قانعة، والحُب يعاني الألم بين الأمل واليأس. والصداقة تعرف حدودَها، والحُب نَزَّاعٌ إلى اللانهاية، يسمو به الأمل إلى سمائه المنيرة، ويهبط به اليأسُ إلى قرارته المظلمة. والصداقة توازنٌ وتجاوبٌ صافٍ رائق، والحب صليلٌ وحفيف غامضٌ مبهمٌ لا يدركه الوعي. والصداقة معبدٌ مشرق الجَنَبات، والحب محفوفٌ بالألغاز وغوامض الأسرار. ولا ينسلخ عامٌ إلا ويطرق مسامعَنا أخبارٌ عدَّةٌ من حوادث الموت والانتحار والجنون الناشئ من الحب، ولكننا لم نسمع يومًا أن رجلًا حاول الانتحار لخيبته في الصداقة، وهذا يُرينا أننا لسنا من الحب تلقاء مهزلة مضحكة، وإنما نحن إزاء شيطانٍ مَريدٍ، لا يفتأ عن طلب الضحايا”.

ويذهب “أندريه موروا” إلى أن الرجل حين يعزم على غزو امرأة، يختفي إخلاصُه. حيث تتسلل الغَيرة، وتفسد ما لا غنى للصداقة عنه، من الهدوء والسكينة. والصداقة تعني الثقة الطبيعية، والمشاركة في الأفكار، والذكريات، والآمال. أمَّا في الحب، فإن الرغبة في إرضاء الحبيب تحتل مكان هذه الثقة، وتصب الأفكار والذكريات في مصفاة من العاطفة الواعية. والصداقة تعيش على الأمن، وحسن التقدير، والكياسة. أما الحب فيعيش على القوة، والغِبطة، والخوف. في الحب، يعفو الإنسان عن الاستهتارات المؤذية، أكثر مما يعفو عن الخيانات الضئيلة. والسكينة الوادعة التي هي أعظم مميزات الصداقة، يحتل مكانَها في الحبِّ الخوفُ من فقد المحبوب.

وقد سبق “أبو حيان التوحيدي” إلى شيءٍ من ذلك في كتابه الممتع عن (الصداقة والصديق) وهو يقع في قريب من خمسمائة صفحة، ويدور كله حول موضوع الصداقة، وإن جاءت شواهده الواقعية أكثر بكثيرٍ من تنظيراته الفكرية؛ وقد عقد فيه مقارنة بين الصداقة والعشق، رجَّح فيها أن الأُنسَ بالصديق أقوى من الأنس بالعشيق، لأن الصديق يصلح لكل الأحوال، في الجد والهزل والقليل والكثير، وهو متعةٌ للعقل والروح معًا. أمَّا العشيق فإنه متعةٌ للعين، ولكنها متعةٌ محفوفة بالشك والرَّيْب. كما يؤدِّي التعلق بالمعشوق إلى إثارة مشاعر الشجن والحزن، وفي معظم الأحوال لا تدوم العلاقة بين العاشق والمعشوق.

الصداقة عند أبي تمام

ولعل “أبا تمام” كان واحدًا من خير من تناولوا الصداقة في شعرهم، وكان هو نفسُه صديقًا طيبًا، وقدّم لنا فيما نظَمَه المثل الأعلى للصديق كما يؤمِّلُ أن يكون حين قال:

مــــن لِــي بإنســـــانٍ إذا أغضبتُه — وجهلتُ كان الحِلمُ ردَّ جوابِهِ

وإذا طربتُ إلى المُدامِ شربتُ من — أخـــــلاقه وسَكِرت من آدابِهِ

وتـــراه يُــصغِي للحــــديث بقلبه — وبســمــعــه ولـــعلَّه أدرَى بِهِ

وهو القائل في وصف بعض أصدقائه، وكأنهم بعضُ أهلِه:

ذو الوُدِّ مني وذو القربى بمنزلةٍ — وإخــــوتي أُســــوةٌ عندي وإخواني

عصابةٌ جـــــاورت آدابُهم أدبي ** فهم وإن فُرِّقوا في الأرض جيراني

أرواحُنا من مكانٍ واحدٍ وغدت — أبـــدانُــــــنا بشآمٍ أو خُــــــــــراسانِ

ورُبَّ نائي المغاني رُوحُـه أبدًا — لصيقُ رُوحِـــــي ودانٍ ليس بالداني

وهذا المعنى نفسُه نجده في قوله:

وقــلتُ أخـــي قــالوا أخٌ من قرابةٍ — فقــلت نــــعم إن الشُّـكـولَ أقاربُ

نسيبيَ في عزمي ورأيي ومذهبي — وإن باعدَتنا في الأصولِ المَناسِبُ

أمَّا “المتنبي”، وهو من هو، فقد كان رجلًا جافيَ الطيع، غليظَ القلب، شديدَ الأثرة، ولذا لم يحسن فن الغزَل، ولم يعرف الحب الخالصَ ولا الصداقة الصافية، وقد وصل به الحالُ إلى أن يَشُكَّ في الصداقة وينكرَها، فقال:

صــديقُكَ أنتَ لا من قلتَ خِلِّي — وإن كثُرَ التجــَـــمُّلُ والكــلامُ

ولا أدري، هل كان “المتنبي” متشائمًا أكثر من اللازم، أم أنه كان واقعيًّا أكثر مما يجب.

الصداقة بين الرجل والمرأة

أكثر الذين سألتهم عن إمكانية الصداقة بين الرجل والمرأة أجابوا بالنفي، حتى تلميذتِي “حنان إمام” وزميلتها “رضوَى ممدوح”، وهما فتاتان في السادسة عشرة من عمرهما، أنكرَتا ذلك إنكارًا صريحًا، وقالتا إن أية علاقة بين فتى وفتاة لا يمكن أن تحتفظ بهدوئها ونقائها وعجلانيها؛ وعللت “حنان” رأيَها بأن الصداقة أساسُها التلقائية وعدم التكلف، ومن شروطها أن ينكشف الصديق على صديقه ولا يخفي عنه شيئًا، وهو ما قد يجرُّ إلى البوح بأدق التفاصيل والأسرار، وسوف ينجرف بهما هذا حتمًا في تيار الغريزة والعاطفة، وتصير العلاقة هنا غير آمنة ولا مستقرة.

وأجابني الأستاذ “إنسان النجار”، وهو معلمٌ قارئ، يخطو نحو الخمسين من عمره، بأنه ما اجتمع رجلٌ وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وكثيرًا ما تتجاوز العلاقة بين الرجل والمرأة حدود الصداقة، ويتورّطان فيما يظنّانه الحب، حين يتوّهم أحدهما، أو كلاهما، أنه وجد في الطرف الثاني ما يريد، وما ينقصه في دنيا الواقع، وقد يبرر لهما هذا ما ينكره الشرع وما لا تقره العادات.

ومن العجيب أن مفكّرًا كبيرًا مثل “أندريه موروا”، وهو يمثل الحضارة الغربية بتحرّرها وعلمانيّتها، لم يبتعد عن مثل هذه الآراء، فقال في كتابه “فن الحياة” (سلسلة كتاب الهلال، سبتمبر 1979، ترجمة أحمد فتحي): كثيرًا ما قيل إن الصداقة بين الرجل والمرأة لا يمكن أن ترتفع إلى مستوى الصداقة بين الرجال. وقد اعترض بعضهم على هذا بقوله: وكيف يمكن ألا يكون لمسائل الجسد وجودٌ في مثل تلك العلاقات؟ وإذا هي لم توجد، أفلا تكون أقل النساء جدارةً بوصف “اللعوب”، جديرةً بأن تشعر بأنها أُهينت؟ إنه ليس طبيعيًّا أن يتصل رجلٌ بامرأة اتصالًا طليقًا، على نحو ما يحدث عادةً في الصداقة، دون أن يشعر أحيانًا بوجود رغبة الجسد. فإذا شعر بها فإن جهاز المشاعر كله لا يلبث أن يتحرك.

ولم يتجاهل “موروا” قصصًا من التاريخ نشأت فيها صداقات نقية بين رجال ونساء، لكنه ألمح إلى أن أغلبها ينتهي إلى “صداقة غرامية”، أو عاطفية؛ اللهم إلا ما نجده عند بعض من تقدّمت بهم السن، فينشدون في الصداقة ملجأً أمينًا، لأنهم لم يعودوا في سنٍّ تتناسب مع الحب. ولم يبق لديهم من الغزل إلا صُبابات، ومن الغيرة إلا ذكريات. ولكن هذا لا يكفي لأن يُضفي نوعًا من البهجة التي تظلّلها الغيوم، على الصداقة المستنيرة. وفي بعض الأحيان يكون أحد الطرفين هو الطاعن في السن دون الآخر، ومن ثَمَّ يصبح الموقف أشدَّ صعوبة. ولكن قد تنشأ صداقات يطول مداها من شُبَّان خلعاء وغوانٍ فرغ منهن الدهر، أو بين شابَّة فَتِيَّة وكهل مُحَنَّك.

ومهما يكن من شيءٍ فإن الشخص الأكبر سنًّا من الطرفين، هو الذي يقاسي أكثر مما يقاسيه الطرف الآخر على الدوام، لأن الآخر لا يتجاوب معه. والواقع أن توخِّي الدقة لا يسمح بإطلاق اسم الصداقة على مثل تلك العلاقات، لأن هناك حبًّا تعِسًا من إحدى الجهتين، وقلّة اكتراثٍ يشوبها العطف، من الجهة الأخرى.

ولا أستطيع أن أُخفِيَ عن القارئ الكريم أن لي صديقات، كلهن على الفضاء الأزرق، وجدت معهن كمالَ العقل ورهافة الحس وحلاوة المنطق، وبعضهن يُشِرن عليَّ بصائب الرأي في بعض ما أجد، بما لا يخطر على بال كثيرين من الرجال.

متفائلون ومتشائمون

من المبالغة في حسن الظن أن نتصوّر الناس أخيارًا لا يخشى منهم شر، ومن التطرف في سوء الظن أن نقول إن الناس أشرارٌ لا يرجى منهم خير. والصواب أن نقف بين هذين الرأيين موقفًا وسطًا ومعتدلًا، يأخذ الناس على علّاتهم، ويقبلهم على طبيعتهم؛ فالناس ليسوا ملائكة، كما أنهم ليسوا شياطين. وكما قال “ابن الرومي”:

واعلم بأن الناس من طينةٍ — يصدُق في الثلب لها الثالبُ

لولا علاجُ الناسِ أخلاقَهم — إذن لَــفاح الحَـــمَأُ اللازبُ

وما كان أعقلَ الشاعرَ الذي قال:

اِلبَس أخــــــــاك على تَصنُّعِه — فلرُبَّ مفتضَحٍ على النصِّ

ما كِدت أفحص عن أخي ثقةٍ — إلا ذممتُ عواقبَ الفحصِ

وهو ما عبَّر عنه “بشار بن بُرد” في قوله:

إِذا كُنتَ فـي كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِبًا — صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه

فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ — مُفارِقُ ذَنبٍ مَــــــرَّةً وَمُجانِبُه

يقدّم لنا المتفائلون صورةً مثالية للصديق الذي نريد، وليس الذي نجده، اختصرها أحد الشعراء في قوله:

أخوك الذي لو جئت بالسيف قاصدًا — لتضرِبَه لم يستغشَّك فــي الوُدِّ

ولو جئت تدعــوه إلى الموتِ لم يكن — يرُدُّك إشفاقًا عليك مــــن الردِّ

يــــرى أنه فـــــــي ذاك وانٍ مقصِّرٌ — على أنه قد آل جهدًا على جهدِ

ويذهب المتشائمون إلى أن الصداقة لفظٌ له معنى، ولكن من الصعب أن يكون في الخارج مصداقٌ له، بل ذلك أمرٌ مستحيل، وكأنّ لسان حالهم قول الشاعر:

سمعنا بالصديق ولا نراه — على التحقيق يوجد في الأنامِ

وأحسبه محـــالًا أو مقولًا — على وجه المجـاز من الكلامِ

نعم قد يتراءى للشخص نورُ الوفاء والإخوَّة عند بعض رفاقه فيجرُّه الغرورُ إلى كذب هذه القضية، ويمتزج مع رفيقه امتزاج الروح في البدن؛ ولكن سَرعان ما نجد تلك الصداقة قد ذهبَت أدراج الرياح، بل ربما تحوّلَت بُغضًا وعداءً، فالرجل، كلَّ الرجل، هو الذي يعتمد على ذاته بذاته، ولا يتصور أن هناك صديقًا يقوم بواجبات الصداقة حقًّا:

وإنما رجلُ الدنيا وواحدُها — مَن لا يُعَوِّلُ في الدنيا على رجُلِ

وقديما كانوا يقولون: “المستحيلات ثلاثة: الغُولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفيّ”. وأذكر أنني قرأت في قريبٍ من هذا المعنى أبياتًا طريفةً ساخرةً للأستاذ “محمد جواد مغنية العاملي” (مجلة العرفان، يوليو 1933) يقول فيها:

تالله قد عزَّ الصديقُ أخـو الوفا — في عصرنا وأعزُّ منه المنصفُ

إن المحــبة في البطون مقرُّها — أمَّـــا القلوبُ فحِـــقدها لا ينزفُ

معنى الصداقة صار في أيامنا — هو أن يقال إلـــى الغداء تشرِّفُ

لا تأمَلَنَّ بغـير خــلَّاق الورى — فالناس توعِـــــد بالـوفاء وتُخلِفُ

الصداقات الافتراضية

وهي ما يمكن أن نسمّيها أيضًا “الصداقات الإلكترونية”؛ فلقد كانت صداقتنا تقتصر في المقام الأول على أولئك المقربين منَّا، حيث يكون الحد الأدنى من الصداقة هو التفاعل الاجتماعي. ورغم ذلك، أصبحنا اليوم قادرين على مواصلة الصداقات القديمة، أو إقامة صداقات جديدة، مع تفاعل بسيط أو غير مباشر عبر العالم الإلكتروني للاتصال بين الحواسيب. هناك بعض الجدل حول ما إذا كانت العلاقات الإلكترونية تحديدًا يمكن أن تكون بمنزلة صداقة حقيقية أم لا. نحن نؤمن أنه على الرغم من أن العلاقات المباشرة وجهًا لوجه، دائمًا ما تكون أفضل من العلاقات الإلكترونية تمامًا، فإن هناك درجةً من الصدق في الصداقات الإلكترونية؛ إنها هي الأخرى صداقات حقيقية، بقدر ما يكون الذين يصنعونها حقيقيين.

يذهب “ميشيل إيرمان” (Michel Erman)، وهو كاتبٌ وفيلسوف وأستاذ بجامعة بورغون، إلى أن نمط الصداقات الافتراضية عبر الشبكات الاجتماعية لا يعدو أن يكون شكلًا مزيَّفًا للصداقة الحقيقية، ويذكر في مقاله “ما هي الصداقة؟ من الواقعي إلى الافتراضي” (مجلة الجوبة، يناير 2020)، أن جذور هذا النمط من الصداقة تعود إلى بدايات ظهور شبكات التواصل الاجتماعي الأمريكية التي سعت إلى الترويج لمواقعها من خلال الإشارة إلى أن العلاقات الرقمية حاملة لفكرة “الصداقة”، وَفقًا لنموذج التعاطف المعمم الذي يسود في الأخلاقيات الـ “ما وراء أطلسية”، كمرادف لأخلاق المنافسة. فضلًا عن ذلك نلاحظ أن مستخدمي موقع “الفيسبوك”، ممّن لهم أصدقاء عليه، لا يجمعهم أيّ اتصال واقعي بين بعضهم بعضًا. حتى وإن تضمنت شبكتهم الاجتماعية أقارب أو أشخاصًا التقَوا بهم بالفعل. ويعتقدون أنهم على اتصال فيما بينهم… ولا يتحدث “الأصدقاء الرقميون” بصيغة “الأنا” وإنما يقولون “ذاتي أنا”، مع إظهار حاجتهم إلى التواصل مع الآخرين، وبعبارة أوضح “الحاجة إلى الوجود”.

والحقَّ أقول لكم: إن لي من الأصدقاء في الفضاء الأزرق من رأيت منهم من الخير والود والأنس ما لم أره من أقرب الناس إليّ، وإن منهم من واساني وأعانني بجميلٍ لا يكافئه شكر ومعروفٍ لا يحيط به بيان، وقد والله فعل ذلك دون أن ينتظر مني جزاءً ولا شكورًا.

هل تدوم الصداقة؟

في عددها الصادر في (15 يونيو/ جوان 1896) أي منذ ما يقرب مائة وثلاثين سنة، نشرت مجلة “الهلال” سؤالًا لأحد قرّائها يقول فيه: هل يتّفق في وقتنا هذا أن رجلين تتمكن بينهما رابطة الصداقة، ويساعد أحدهما الآخر ماديًّا وأدبيًّا مهما تقلب الزمان، وتدوم تلك الصداقة إلى آخر أيامهما؟ وكان جواب “الهلال” أنه ليس في الشرائع الطبيعية أو الأدبية ما يمنع وقوع ذلك في زمنٍ من الأزمان، بل نراها تساعد على حصوله؛ لأن الإنسانَ ميَّالٌ بفطرته إلى الاجتماع والتعاون، والاتحاد مع بني جنسه على السرَّاء والضرَّاء. ولكن الواقع أن الصداقة الدائمة التي أشرتم إليها نادرة الوقوع، وسببها ضعف الإنسان، وحبُّه لِذَاتِه، وتسرُّعُه في الحكم على ما يظهر له من أصدقائه.

وقد عقد “شيشرون” في كتابه (عن الصداقة) فصلًا أتى فيه على جملةٍ من الأسباب التي تؤدي إلى فصم عُرى الصداقة، وذكر منها:

    اختلاف المنافع والآراء السياسية بين الأصدقاء وتناقضها.
    ما يُحدثه مرور الزمن من تقلّبات وتغييرات، مثل المحن، ومشكلات الحياة ومسئولياتها.
    التنافس على الجاه والشهرة والمناصب.
    الطموح إلى المنافع غير المشروعة التي تأباها الأخلاق والعدالة، والتي تؤجّج نيران العداوة في الصدور، إذا ما رفض الصديق أداءَها.

وللشاعر المصري الملهَم “فخري أبو السعود” قصيدة عن “موت الصداقة” (مجلة أبولُّو، نوفمبر 1933)، كتبها بعد أن خاب ظنه في بعض أصدقائه، وتكشَّف له من أمره ما كان يَخفَى، فلم يحتمل الشاعر ذلك التحوّل، وقد كان مفرط الحساسية، يعيش على أطراف مشاعره، فهجره إلى غير رجعة، وأعلن موت صداقتهما، وقال:

هجرتُ من الإخوان من خِلتُ عهدَه — مقيمًا عـــــــلى الأيام لا يتحوَّلُ

ومن كان في الدنيا مبائي ومَرجعي — فرِحـتُ لخيرٍ أو عرانيَ مُعضِلُ

كذلك عـــهدي بالأخِــــــلاء قــــبله — تـبـــــــدَّل ظّـــــنِّـي فيهمُ وتبدَّلوا

تغاليت فــي بِــــــــرِّي به ومودتي — وحِلمِيَ عن جهْلاته حيـن يجهلُ

إلى أن تراءت لِـي دخـــــيلة نفسه — وصَـــرَّح منها ضِغنُها المتأصِّلُ

وكنت أتمنى أن أتناول جملةً أخرى من أنواع الصداقات: الهشّة والعميقة، القديمة والطارئة، الأصيلة والمزيفة؛ لكن الحديث طال بي أكثر من اللازم، ولعل خير ما أختم به الكلام هنا هو قول “الرافعي”، طيَّب الله ثراه: “لا يصحُّ الحبُّ بين اثنين حتى يقولَ أحدُهما للآخر: يا أنا!”.

سمر توفيق الخطيب (كاتبة وباحثة فلسطينية – لبنان)

الصّداقة إكسير الحياة

إذا أردنا أن نخوض في مفهوم الصّداقة، فإن الكتب والمجلدات قد لا تسعنا حتى نَفِيها حقها، فهي إكسير الحياة الذّي يجلب لنا الفرح والطّمأنينة.

فمَن منّا لا يحتاج إلى ذلك الصّديق الصّادق والوفي الذي يحفّزنا على النّجاح؟ هذا الصّديق الذي يشدّ من عضدنا، فنسير معًا نتشارك اللّحظات السّعيدة، لا… بل نتشارك كل اللّحظات… فتستأنس الرّوح، وتقوى العزيمة وتعمّ السّكينة. إذ إن أجمل ما في الصّداقة أنها علاقة متكافئة، تعود بالخير على من ينشدها ولا يخون العهود..

وقد عَرّف الإسلام الصّداقة على أنها علاقة قائمة على المحبّة والمودة في الله سبحانه وتعالى، وعدّها من أسمى العلاقات التي يجب أن تُبنى على أسس متينة من الإيمان والاحترام المتبادل؛ يقول الله، سبحانه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ (القرآن الكريم، الحجرات: 10). فالصّداقة فيها فيض من الحُبّ الذي هو أساس العلاقات المتينة؛ وقد ذكرها الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم باسم “الأخلاء”، يقول تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67).

وكم من مرة التقيت بشخص لا تربطك به أية صلة ولم تره من قبل، إلا أنك شعرت بالمودة تجاهه وكأنك تعرفه منذ زمن بعيد، فتتوطد بينكم العلاقة، من دون سابق إنذار أو تخطيط؟ وكم منا اختار صديقه من النّظرة الأولى؟

الكل فعل ذلك واختار صديقه من النّظرة الأولى… وهذا ما حصل معي. فقد اخترت بعض صديقاتي عند اللّقاء الأول، حيث كان تبادل النّظرات والارتياح سيد الموقف، فكما يُقال فإن الأرواح تتلاقى وتتعانق. حتى إنني شعرت كأننا كنا على علاقة وطيدة منذ زمن، فتعاهدنا بقلوبنا، ولم نُجهر، على أن نكون خير الصّديقات وخير الأخوة، وحتى خير الشّركاء في النّجاح.

وإذا أحَبّك الله، سخّر لك من عباده من يرفع من شأنك، ويساعدك على تخطّي الصّعاب. فعندما تصفعك الحياة، تجده بجانبك فيخفّ الألم ويتمّ تجاوز المحن. فمع حسن اختيار الصّديق، لن تضلّ ولن تشقى، إذ إن الصّاحب ساحب، يقول رسول الله صلى الله عليم وسلم: “المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِه فَليَنظُر مَن يُخَالِل”. وهناك مثل شائع يقول: “قل لي من تعاشر أقل لك من أنت”، حيث تجتمع الصّفات وتتطابق بين الأصدقاء.

فلكي تسعَد، أحسِن اختيار الصّديق، ولكي تنجح تَحرّ اختيار الصّديق والرّفيق الصّالح، لا سيما ذلك الصّديق الذي يحثك على العبادة وحسن الطّاعات، فيمسك بيدك ويرفعك إلى أعلى عليين، ليدخلك معه جنة عرضها السّماوات والأرض. وقد حثّنا الإسلام على حسن اختيار الصّديق الذي ينفعنا في ديننا، ويُبعدنا عن الضَّلال.

وهنا لا بد أن نستذكر عمق الصّداقة بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فنذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، العلاقة الوطيدة التي تجمعه مع سيدنا أبي بكر الصّديق (573 – 634م)، إذ عندما اشتدّ بطشُ قريشٍ وهربَا معًا واختبآ في الغار، كان سيدنا أبو بكر نِعم الصّاحب والونيس المؤنس الوفّي الذي لم يتخلّ عن صاحبه رغم شدة المخاطر المحيطة بهما وتعرضهما للموت؛ وقد ورد ذلك الحدث في القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: ﴿وإِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).

ويُذكر أن سيدنا أبا بكر الصّديق كان لا يبدأ السلام على سيدنا عمر بن الخطاب (ت 644م)، ولكن إذا سلم سيدنا عمر عليه، فإنه يرد السّلام، فاشتكى ذلك إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فسأل الرّسول صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا بكر: لماذا لا تسلم على عمر؟ فقال: سمعتك يا رسول الله تقول: “من بدأ أخاه بالسلام فله بيت في الجنّة”، فأحببت أن يكون هذا البيت لعمر.

فما أجمل الشّعور عندما تجد من لك في نفسه مثل ما له في نفسك! تفرح بلقائه ويشعر بفرحة لقائك، ترى في عينيه ما يضمره لك في قلبه… إذا غاب تشعر أنك تفقد جزءًا من روحك واتزانك، وإذا عاد أعاد معه الحياة؛ يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “الأرواح جنود مُجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”. ويقول أيضًا: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا”.

فالصّديق يُسعد الإنسان ويجعله مبتهجًا، فيصبح أكثر فعالية في المجتمع وأكثر صبرًا وإنتاجًا. فنجاح العلاقات سببها الحُبّ والودّ والكلمة الطيبة التي جعلها الله سبحانه وتعالى، صدقة، يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (القرآن الكريم، البقرة: 83). فأحسنوا اختيار صديقكم الذي يجالسكم، يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “إنّما مثل الجليس الصّالح، والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمّا أن يحذيك، وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة”.

ومن جميل ما أمرنا به الله سبحانه وتعالى، هو إفشاء السّلام أينما حللنا، كما أمرنا ببشاشة الوجه لما لذلك من أثر السّحر في النّفوس، يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ (القرآن الكريم، الغاشية: 8-9). فالإسلام يدعو إلى بناء مجتمع سليم، والمجتمع السّليم بحاجة إلى صداقات متينة، فمع إفشاء السّلام نشعر بالإلفة فتكرّس المحبّة والصّداقة فيما بيننا.

وقد أرشدنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن نخبر من نحبه بأننا نحبه. فقد كان رجلٌ عنده فمرّ به رجلٌ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَأَعْلَمْتَهُ؟” قَالَ: لَا، قَالَ: “أَعْلِمْهُ” قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الذي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ”. فكم من علاقات وطيدة بُنيت على المحبة والصّداقة، وكم من أشخاص تآخوا وتعاهدوا مع الله أن لا يتفرّقوا حتى تكون الجنّة مسكنهم؛ يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “أنت مع من أحببت”، سواء أكانوا الأنبياء أو الصّالحين أم أهل الخير.

فالقلوب شواهد. نعم، إنها شواهد، ومثال ذلك ما حصل مع الصّحابي الجليل ابن عباس (3 ق. هـ/ 618م – 68 هـ/687م) رضى الله عنه، بينما كان جالسًا مع أحدهم وإذا برجل مرَّ بجانبهم، فقال ابن عباس لجليسه: “إن هذا الرّجل يحبني! فقال له جليسه مستدركًا: تقصد أنك تحبه؟ فقال ابن عباس: لا هو يحبني. فقال جليسه متعجبًا: كيف عرفت؟! قال لأنني أحبه”. فالأرواح تتلاقى وكذلك القلوب، وهنا يكمن سر الصّداقة والعلاقات الجميلة، فمن أراد النّجاة، عليه بالقلب السّليم، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (القرآن الكريم، الشعراء: 88-89).

ولا ضير إذا وجدت عيبًا ما بصديقك أن تنبّهه ليصلحه، فالصّديق المخلص هو الذي ينبّه صاحبه إلى الأخطاء والعيوب ليصلحها؛ يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “الْمُؤْمِنُ مرْآةُ أَخِيهِ، إِذَا رَأَى فِيهَا عَيْبًا أَصْلَحَهُ”.

وعن الصّداقة يقول شاعر الرّسول محمد صلى الله عليه وسلم، حسان بن ثابت بن منذر الخزرجي الأنصاري (توفي بين العامين 35 و40هـ):

أَخِلاَّءُ الرِّجَالِ هُمْ كَثِيرٌ — وَلَكِنْ فِي البَلاَءِ هُمْ قَلِيلُ

فَلاَ تَغْرُرْكَ خُلَّةُ مَنْ تُؤَاخِي — فَمَا لَكَ عِندَ نَائِبَةٍ خَلِيلُ

وَكُلُّ أَخٍ يَقُولُ أَنَا وَفِيٌّ — وَلَكِنْ لَيسَ يَفعَلُ مَا يَقُولُ

سِوَى خِلٍّ لَهُ حَسَبٌ وَدِينٌ — فَذَاكَ لِمَا يَقُولُ هُوَ الفَعُولُ

وفي الختام، وكما يقول الإمام الشّافعي (767 – 820م):

إذا المَرءُ لا يَرعَاكَ إلّا تَكَلُفًا — فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأسُّفا

فَفي النَّاسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ — وَفي القَّلبِ صَبرٌ للحَبيبِ وَلَو جَفَا

فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ — ولَا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَدْ صَفا

إذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً — فَلا خَيرَ في وِدٍ يَجيءُ تَكَلُّفا

ولَا خَيرَ في خِلٍ يَخونُ خَليلَهُ — ويَلقَاهُ مِنْ بَعدِ الَمودَّةِ بِالجفَا

وَيُنكِرُ عَيشًا قَد تَقادَمَ عَهدُهُ — وَيُظهِرُ سِرًا كانَ بالأَمسِ قَدْ خَفا

سَلامٌ عَلى الدُنيا إذا لَم يَكُن بِها — صَديقٌ صَدوقٌ صَادقَ الوَعدِ مُنصِفَا

الدكتور صبري فوزي أبو حسين (أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات – مصر)

صداقاتي وأثرها في إبداعي

نعم (الصداقة) رابط اجتماعي قوي، له أثره في تمتين العلاقة بين الأفراد في المجتمع الواحد، وقد ازدادت اليوم – في عصر الإنترنت – عمقا، وتنوعا، ومساحة، وتقنيات، في المجتمع الإنساني كله، على اختلاف لغاته وثقافاته، وأديانه. و(الصداقة) مُرتبطة بخلق جميل هو(الصدق)، وكلما قامت عليه كانت إيجابية فاعلة، ويضادها ما يُسمّى (الأنانية) أو (الفردانية) التي قد تتطوّر فتتحوّل إلى مرض نفسي يُسمّى (النرجسية)!

إنها سلوك إنساني قابل للديمومة والثبات، وقابل للتمييع والتضييع، حسب حالة كل مجتمع، وكل حضارة، وأراه – في ظلال حضارتنا العربية والإسلامية، ومن خلال تجاربي وممارساتي في الحياة – ما زال بخير، ومن يوازن أيّ موازنة بين محيطنا العربي والمحيطات البشرية الأخرى يجد صدق ما قررت. فما زلنا نتمتع بالصداقة والصداقات والأصدقاء! يظهر ذلك في مواسمنا وأعيادنا وحفلاتنا وأعراسنا، بل ومآتمنا، فضلا عن تواصلنا الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة..

ولعل الصداقة تتجلّى أكثر في الأوساط الإبداعية والأدبية والفنيّة، فهي تُوجِد بيئةً للتفاعل الفكري والوجداني بين أصدقاء.. وللصداقة تاريخٌ في التراث والأدبي العربي، نجدها في كتابات “ابن المقفع” في رسالتَيه: الأدب الصغير، الأدب الكبير، و”الجاحظ” في رسالة المودة والخلطة، و”أبي حيان التوحيدي” في كتابه “الصداقة والصديق”، وكتابات المنفلوطي ويعقوب صنوع، والرافعي والبشري، والعقاد وطه حسين وأحمد حسن الزيات، وغيرهم من أدبائنا الكبار في عصرنا الحديث، وكم أُلِّفت كتب، ودُبِّجت مقالات عن الصداقة والصحبة وأثرهما في الإبداع. بل إن فنونا أدبية قامت على الصداقة مثل الرثاء والتأبين، والسيرة الذاتية، والتراجم الغيرية…. ومِن أدلّ الكتب على ذلك كتاب (شوقي، أو صداقة أربعين سنة) للأديب الأمير “شكيب أرسلان” وغيره.

أما عن موقفي الشخصي من موضوع الصداقة فلست أنانيا ولا فردانيا، ولن أكون بإذن الله تعالى، فقد خلقت إلفا مألوفا: أحب العيش وسط الجماعة، والعمل الجماعي، أطمئن بالآخرين، وأميل إليهم، وأكره العزلة والوحدة، وأراها شرًّا وخطرا، ولي روح تحب تكوين ما يسمى (فريق العمل) عند إنجاز أي عمل مهما كان، وأشرف بأن كنت جنديا جيدا وسط جماعة من الأصدقاء، في كثير من الأعمال العلمية، كما كنت قائدا جيدا لمجموعات من الأصدقاء في عملي الجامعي والثقافي والدعوي. ولعل أبرز دليل على ذلك:

مدرسة شباب النقد الأدبي

في هذا الزمن العجيب، الذي صار فيه الكون قرية صغيرة، وارتبط فيه الناس ببعضهم ارتباطًا  إلكترونيًّا سريعًا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة، تواصل مجموعة شباب من تخصُّصَي الأدب والنقد والبلاغة والنقد بكليات اللغة العربية وشُعَبها بجامعة الأزهر خلال شهر أبريل سنة 2020م؛ للإسهام بأبحاث علمية متخصصة في مؤتمر القصة الشاعرة الحادي عشر، والذي عقد في شهر أكتوبر سنة 2020م، فأنجزوا سبعة أبحاث في هذا المؤتمر، وكانوا الحاضرين البارزين خلال ندواته وجلساته المنعقدة في ملتقى السرد العربي، ونشرت هذه الأبحاث في الإصدار الخاص بأبحاث المؤتمر، ثم حرصت مجلات علمية دولية محكمة على نشرها لقيمتها، وهذه الأبحاث هي:

– (القصة الشاعرة نموذج تطلع الأدب لخلق الجديد) للدكتور ياسر السيد البنا، أستاذ مساعد الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بقنا.

– (الآليات البلاغية في بناء القصة الشاعرة) للدكتور عادل الفقي، مدرس البلاغة والنقد، بكلية اللغة العربية بالمنوفية.

– (القصة الشاعرة وتداخل الأجناس الأدبية) للدكتور عبد العظيم عبد الرؤوف، مدرس الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات.

– (من جماليات المكان في القصة الشاعرة) للدكتور عمر إبراهيم، مدرس الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالديدامون.

– (الرؤية التشكيلية بين القصة القصيرة والقصة الشاعرة) للدكتور محمود جلال، مدرس الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بإيتاي البارود.

– (توظيف العناوين في القصة الشاعرة) للدكتور عبد الله أديب، مدرس الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالمنوفية.

– (نحو منهج أمثل في قراءة القصة الشاعرة) للدكتور صبري أبو حسين.

وقد أثنى الحاضرون على هذه الأبحاث، وكان أن أعلن عما سُمِّي حينئذ بـ (جماعة شباب النقد الأدبي بالأزهر الشريف)، وقد قرر المتلقون هذه الأبحاث أن هؤلاء الشباب مؤهلون لقراءة أي نتاج أدبي معاصر، وأنهم أثروا هذا المؤتمر وأحيوه، وذلك بشهادة كبار الأدباء النقاد أمثال الأستاذ محمد الشحات محمد، والدكتور خالد فهمي، والدكتور أيمن تعيلب، والدكتور منير فوزي، فتم التفكير في تأسيس ملتقى أو منتدى يجمعنا، فكان أن اتفقنا على (مدرسة شباب النقد الأدبي)، ولفظ الشباب هنا نعت للنقد وليس للنقاد!

ثم كان الإنجاز الثاني لـ (مدرسة شباب النقد الأدبي) الإسهام بتسعة أبحاث في المؤتمر الحادي عشر الدولي عن رحالة الشعر العربي عبد المجيد فرغلي، هي:

– “النقد الأدبي المنظوم في نتاج الشاعر عبد المجيد فرغلي” للدكتور صبري أبو حسين.

– “بطولة النص القرآني في شعر عبد المجيد فرغلي”، للدكتور ياسر السيد البنا.

– “بلاغة التعبير عن ظاهرة الإرهاب في شعر عبد المجيد فرغلي” للدكتور عادل الفقي.

– “الوطن في شعر عبد المجيد فرغلي” للدكتور عبد العظيم عبد الرؤوف.

– “شعرية العتبات في ديوان من نبع القرآن” للدكتور عمر إبراهيم.

– “الشخصية المحورية في مسرح عبد المجيد فرغلي”، مسرحية رابعة العدوية أنموذجًا، للدكتور محمود جلال.

– “مسرحيتا غروب الأندلس لعزيز أباظة، وشروق الأندلس لعبد المجيد فرغلي”، تحليل وموازنة” للدكتور عبد الرحمن فايد.

– “مسرحية رابعة العدوية للأستاذ عبد المجيد فرغلي بين الفن والتاريخ”، للدكتور عبد الله أديب.

– “الموسيقى وأثرها الإيقاعي في شعر عبد المجيد فرغلي”، للدكتور محمود فؤاد.

وقد حُكمت هذه الأبحاث، ونُشرت في الإصدار الخاص بالمؤتمر.

ويُعدّ هؤلاء الباحثون الأعضاء المؤسسين للمدرسة، ويقوم الدكتور صبري أبو حسين بدور المنسق بين أعضاء هذه المدرسة، والرابط بينها وبين مثيلاتها من المدارس والروابط في مجال النقد الأدبي.

ثم كان توسيع دائرة هذه المجموعة وتعميقها بأن رزقت بهيئة استشارية عليا تمثل مرجعية للمدرسة في أعمالها؛ فقد رزقت المدرسة بموافقة ومباركة الأستاذ الدكتور محمود توفيق سعد، عضو هيئة كبار العلماء، والأستاذ الدكتور صابر عبد الدايم، والأستاذ الدكتور زهران جبر، والأستاذ الدكتور عبد الله سرحان، والأستاذ الدكتور غانم السعيد، والأستاذ الدكتور سعيد جمعة، والأستاذ الدكتور سلامة داوود، والأستاذ الدكتور الشريف ميهوبي، العميد الجامعي، والأستاذ اللساني من دولة الجزائر الشقيقة، والأستاذ مختار عيسى نائب رئيس اتحاد كتاب مصر؛ فهم مشاعل خير وبوصلة حق في كل فعالياتها إن شاء الله… وكان الحضور الأكبر لأصدقاء المدرسة بصداقة الأديب الجزائري الصديق والحبيب والناقد الفذ أ. د. علاوة كوسة، الذي أعطى المدرسة بُعدا دوليا بأبحاثه المهمة في مؤتمراتها، وبمقالاته التصديرية لكتب أبحاثها  عن الأدباء المعاصرين الكبار: عبد الحميد بدران، ثم عن عبد الوهاب برانية، ثم عن عصمت رضوان.

رؤية المدرسة وأهدافها

إنها مدرسة تتكون من خيرة شباب الباحثين والباحثات في تخصُّصَي الأدب والنقد والبلاغة والنقد، ويضاف إليهم مجموعة من الشباب النقاد الصحفيين الميدانيين، تحاول إثراء الحركة النقدية وتحديثها تحديثًا رشيدًا، والعمل بروح الفريق في قراءة الإبداع الأدبي، والفكر البلاغي، والمناهج النقدية، قراءة منهجية أصيلة واعية.

ويمكننا إجمال أهداف المدرسة في الآتي:

– متابعة الحركة الأدبية المعاصرة في وطننا العربي من خلال قراءة أعضاء الجماعة المنتج الأدبي المعاصر قراءة أكاديمية متخصصة.

– توفير مادة أدبية معاصرة خام، أمام الباحثين والباحثات في تخصصات اللسانيات والأدب والنقد، والبلاغة والنقد بجامعاتنا.

– إنارة الأدب الأزهري الحديث والمعاصر وتسليط الأضواء عليه، والتعريف بالحركة الأدبية والبلاغية والنقدية في رحاب الأزهر الشريف.

– رعاية الأدباء الناشئين والمغمورين، ونشر الكلمة الطيبة والنقد الأدبي الهادف البناء.

– العمل على التحديث الرشيد لأدوات النقد الأدبي، مع الحرص على تحويل الباحث في مجال الدراسات الأدبية والبلاغية إلى (ناقد أدبي تطبيقي).

– المشاركة البحثية في المؤتمرات العلمية الخاصة بالدراسات الأدبية والنقدية والثقافية.

الحضور الإلكتروني للمدرسة

ثم كانت فكرة الربط بين هؤلاء الباحثين من خلال الواتس فكانت مجموعة (شباب النقد الأدبي)، ثم من خلال الفيس بوك باسم (شباب النقد الأدبي) وقد أعدتهما الدكتورة “أسماء هاشم” مدرّس الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات.

ومن خلال هذا التواصل الإلكتروني كان الإنجاز العلمي الثالث للمدرسة، المتمثل في إقامة مؤتمر علمي افتراضي عن أديب أكاديمي أزهري، وهو الدكتور عبد الحميد بدران أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالمنصورة، بعنوان: (الدكتور عبد الحميد بدران أديبًا)، حيث توزَّع نتاجه النثري والشعري والنقدي على مجموعة من باحثي وباحثات (مدرسة شباب النقد الأدبي)..  وفي قادم الأيام – إن شاء الله – مزيد من المؤتمرات البحثية عن منتج أدباء كبار في وطننا مصر المحروسة وفي بقية الأوطان العربية، أمثال الدكتور صابر عبد الدايم، والدكتور زهران جبر، والدكتور علاء جانب، والدكتور عصمت رضوان، والأديب الجزائري الشريف ميهوبي، ومدرسة الجن، والمؤتمر الثاني عشر للقصة الشاعرة، والدورة الثانية عشرة لرحالة الشعر العربي الأستاذ عبد المجيد فرغلي… وهي تُعدّ لمؤتمر دولي عروبي كبير عن الأديب الجزائري الأستاذ محمد عبد الوهاب عيساوي. برئاسة الأستاذ الدكتور فيصل الأحمر، وبتنسيق أ. د. إلياس بليح، وأ. د. أحلام الحسن، ود. بسيم عبد العظيم.

وهكذا تكون مدرسة شباب النقد الأدبي دليلا فاعلا على قيمة الصداقة في الحركة الأدبية والنقدية.

العمل الكنترولي

معروف أن العمل الكنترولي يحتاج حَزما، وجدًّا، ودقة، حيث طبع الأسئلة، وتوزيعها، وتسليم أوراق الإجابة وتسلّمها، ورصد الدرجات وجمعها، وإخراج النتائج ومراجعتها، وهذا يقتضي علاقات طيبة بين أعضاء الكنترول الواحد، وقد كان لي في هذا الجو العلمي الحاد والجاد، أشاد به عدد من الأصدقاء، ولعل خير ما يسجل هذا مقالة أخي، وصديقي الصدوق الأستاذ الدكتور عادل الفقي في منشور فيسي له بتاريخ الثامن من أكتوبر 2020م، عني، بعنوان: “تجربتي من العمل مع الأستاذ الدكتور صبري أبو حسين في كنترول شعبة اللغة العربية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالسادات”، جاء فيه:

أيُّ عملٍ يُسند إلى أستاذنا الفاضل سعادة الأستاذ الدكتور صبري أبو حسين، الأزهري المصري، سواء أكان علميا أو إداريا يُكلل بالنجاح والريادة، والسر في هذا يكمن في القيادة بالحب. وأهم صفات تلك القيادة التي يتمتع بها أستاذنا الفاضل سعادة الأستاذ الدكتور صبري أبو حسين تتمثل فيما يأتي:

-1 الانخراط مع فريق العمل، حيث لم نشعر ونحن نعمل مع أستاذنا الدكتور صبري أبو حسين بأن ثمة رئيسًا ومرؤوسين، وإنما الكل سواسية في العمل، فتراه أكثرنا عملا ومجهودا، حيث يساعد جميع الفرق، من الفرقة الأولى وانتهاء بالفرقة الرابعة، ومثل هذا القائد يجعل الحجر يتحرك ويعمل.

-2 التواضع الجم، حيث لم يتعالَ يوما على أحد، بل تراه هيّنًا ليّنًا غير قاسٍ ولا غليظ ولا شديد.

-3 الذكاء الوفير، حيث معرفة مفتاح كل واحد من أعضاء فريق العمل، ومن ثم ينقاد له الجميع، ولا يعصي أحد له أمرا.

-4 الهمة العالية، حيث أخذ على عاتقه منذ البداية أن يكون كنترول اللغة العربية هو الرائد بين جميع الكنترولات (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

-5 الحرارة المتدفقة على الدوام، فمن يعاشر أستاذنا ويجالسه يشعر بحرارة العمل والجد والاجتهاد، سواء في الجانب العلمي أو الإداري، فبسببه تفوق الكثير، وبسببه نجا الكثير…

-6 السِتر على من يخطئ وعدم تعمّد الفضيحة والتشهير، مما يجعل المخطئ يتعلم من خطئه ولا يكرره أبدا.

-7 الكرم الواضح، حيث يتكرم أستاذنا على من حوله ويجود.

-8 المثابرة والصبر، حيث من الممكن أن يستغني عن النوم والراحة في سبيل الانتهاء من التكليفات المطلوبة.

-9 الفُكاهة والظِّل الخفيف، فالعمل الجاد ينبغي أن يتخلله شيء من الفكاهة المباحة حتى لا تكل النفوس وتملّ.

-10 تقدير أصحاب الأعذار وتحمُّل أعبائهم بنفسه، مما يجعل العضو يحترمه ولا يعصي له أمرا… وهذا غيض من فيض ما يتمتع به أستاذنا، نفعنا الله به، ونفع به البلاد والعباد”. أسأل الله أن يجعلني دائما عند حسن ظن صديقي الذي أُعدِّه الأخ الذي لم تلده أمي رحمها الله تعالى.

صداقات مُعمِّرة

وعندما أتدّبر مسيرة حياتي إلى الآن، وقد تجاوزت الخمسين عاما بتوفيق الله تعالى، أجدها مجموعة من الصداقات، الكثير منها من العلاقات الجميلة النبيلة الفاضلة الفاعلة التي تمثل أنموذجا للصديق الذي يفتح أبواب الإبداع لغيره من منطلق الصدق والمحبة!

وقلَّ من صداقاتي بل ندر منها ما كان من العلاقات القبيحة الخبيثة المؤذية والتي كانت عن سوء اختيار، وكانت ابتلاء نجاني الله منه، وكلما تذكرتها تألمت وندمت، وتعلمت ضرورة الدقة في اختيار الصديق، وقد كانت هذه الصداقات متنوعة من حيث العمر والأيدلوجيا، ولعل في التصنيف العمري الآتي ما يوضح ذلك:

صداقة الكبار

أمثال الأساتذة: أ. د. صابر عبد الدايم، أ. د. السيد الديب، أ. د. عبد الحليم عويس، وخالي سميح شعيب، أ. محمد الشيخ، د. محمد عبدالباري، د. عبد العزيز الخولي، أ. د. نبيل أبو رفاعي، أ. حيد الدهشان، أ. نشأت المصري، د. بسيم عبد العظيم، أ. د. سعيد جمعة، الشيخ خالد موسى.. وكلها صداقات أعطتني خبرة، وغيَّرَت كثيرا من خلالي وصفاتي.

صداقات عروبية آسرة

أمثال: الدكتور السوداني أحمد يوسف الذي لقّبته بـ “ذو النون السوداني”، أستاذنا الأديب الإسلامي الكبير، أ. د. الحسن الأمراني المغربي، والرائعين من الجزائر أ. د الناقد والداعية أحمد رحماني، والرفيق الدكتور علاوة كوسة، والأديب اللساني والمترجم الشريف ميهوبي، والطبيب البيطري والعروضي العتيق عمر خلوف السوري. والأستاذة المثقفة الرائعة أحلام الحسن من دولة البحرين. وغيرهم..

صداقة الأتراب

أمثال: الشيخ محمد شعيب، الشيخ بلال قبالي، أ. د. محمود الفوي، د. أحمد عبد الفتاح حسين، أ. رأفت الكيلاني. وهؤلاء بلغت صداقتي بهم أكثر من أربعين عاما، منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

صداقة الأجيال التالية

وهؤلاء أبنائي: ابني الشيخ محمد رجب أبو هيكل، والشيخ محمد بدر، والأساتذة الدكاترة: محمد سعيد قبالي، عمر إبراهيم، محمود جلال، صادق النجار، محمد الشافعي. وحبيبي وقريبي الأستاذ د. عادل السيد الفقي الذي أزداد كل يوم حبا وتقديرا له، فهو أنموذج للأزهري الذي يعيش عصره صالحا مصلحا معمرا ناشرا الخير حاملا النفع للجميع، دام حضوره وعطاؤه، وهو الأستاذ الحقيقي الحاضر في محاضرته، الباني لطلابه، المكتشف لمواهبهم، وهو أنموذج للداعية الجديد القادر على خطاب الجيل الجديد بلغته الخاصة ونقل خبرات الجيل الماضي بعبقه الساحر.

أما عن صداقاتي للجنس الرقيق اللطيف فهي بحمد الله كثيرة، بحكم عملي في مجال التعليم الجامعي للطالبات في مرحلة الإجازة العالية والدراسات العليا، وقد كانت – ولا زالت – في إطار من الصون والعفاف، باعتبار أنهن جميعا إما في مقام الأم، أو مقام الأخت، أو مقام البنت. ولعل ذلك راجع إلى ممارستي الدعوة بكل أنواعها الخطابية، والقلمية، والثقافية، والإلكترونية، منذ مرحلة الشباب، فكانت قيدا لي يكبح جماح عواطفي، ويهذبها ويشذبها، ولعل أولى صداقاتي وأعتقها مع زوجتي رفيقة حياتي، ومن كانت خيرا على حياتي كلها، وبركة في حياتي، وبناتي الثلاث، حفظهن الله تعالى، وحفظ أعراض المسلمين..

وأجمل ما أفخر به أن لي صداقات مستمرة مع الزمن، لا تنعدم ولا تتقطع، فعلاقتي مثلا لحبيبي الدكتور عاطف المغاوري التي تزيد على الثلاثين عاما من سنة 1994م إلى الآن، ولا يكاد يمر أسبوع إلا بيننا تواصل بأية وسيلة ممكنة.

أما عن أثر الصداقة في إبداعي فمما يدل عليه منشوري الفيسي المعنون بـ (جعلوني ناقدا أدبيا)، وقلت فيه: ” هذه الجملة هيمنت على عقلي في الآونة الأخيرة، بعد أن تجمع عندي مجموعة متابعات نقدية  كثيرة ومتنوعة الفن والزمان والمكان، والمنهج، وهي لعدد من المبدعين والمبدعات، الممتعين والممتعات الذين واللواتي عاشرتهم وعاشرتهن في مراحل مختلفة من حياتي، وفي بقاع متنوعة، وفي أعمال أدبية خاصة، وتنوّعه بين شعر وقصة ومسرحية ورواية وزجل، فقرأتها بمناهج عديدة، فأثمرت هذه الكتابات، التي أخرجت مني الناقد الأدبي، الذي لم أكن أعرف وجوده فيَّ، ولم أتوقع حضوره؛ إذ كنت دائمًا أتهيّب هذا المصطلح السامي عربيًّا وعالميًّا: (الناقد الأدبي).

شكرًا لكم أهل الإبداع رجالا ونساء على هذا الإخراج اللذيذ، شكرًا للعظام في حياتنا: المبدع الفحل: صابر عبد الدايم، والشاعر الإسلامي: وحيد الدهشان، والشاعر المحقق: محمد سالمان، والأديب المخضرم: نشأت المصري، والزجال الناقد الإنسان: علاء عيسى، ومبدع الأطفال: محمد الشرقاوي، وأديبة الوادي: نوال مهنى، ومحبوبة هارون، ونادية كيلاني، ونوران فؤاد، وعزة أبو العز، ومؤسس فن القصة الشاعر: محمد الشحات محمد، والمسرحي الأزهري الراحل: محمد عبد المنعم العربي، والمؤرخ المسرحي سمو الأمير الإماراتي: سلطان القاسمي، والأكاديمي الجامعي الجزائري الشريف ميهوبي، والعظيم المغربي الحسن بن عمر الأمراني… والقس جوزيف إيليا، والدكتور زهران جبر، وأ. جلال عامر رحمه الله…. ومن جيل الوسط: وحيد الدهشان، ومحمد سالمان، وعلاء عيسى، والصحفي محمد الشحات، رحمه الله، وبسيم عبد العظيم، ونادر عبد الخالق، ومحمود الديداموني…، ومن جيل الشباب: علاء جانب، ومصطفى السواحلي، وعبد الحميد بدران، وعبد الوهاب برانية، وعصمت رضوان، ومحمد الشرقاوي، ووداد معروف، ومحمد دياب غزاوي، والسيد خلف أبو ديوان… وابنتي إيثار البنا…

وهكذا كانت حياتي مجموعة صداقات، أثّرت في، وأضافت إليّ، ونوّرتني، وظهر أثرها في أدبي شعرا ونثرا ونقدا.

د. عبد الوهَّاب برَّانِيَّة (جامعة الأزهر- مصر، معهد الوسطية وثقافة السلام – جيبوتي)

صديق نفسي.. أنا

عاهدتُ نفسي صغيرا أن أكون لها — رِدْئًا بكل مآسيها ومعوانا

وأن أظلَّ على عهدي لها أبدا — أصونه جاهدا ما دمتُ إنسانا

فلا أَزِلُ ولا أهوِي بِمُنزلق — ولا أضيقُ إذا واجهتُ نكرانا

نفسي أعزّ على نفسي أُهَدهِدُها — إذا لقيتُ ذوي لـُؤمٍ بِدُنيانا

أصادق النفسَ لا أعنو لموجعةٍ — ولا أبيـت مع اللّأواء أسيانا

وأنفض الهمَّ عن نفسي أقول لها — أنا وأنـت صديقان كفايانا

تقول نفسي: أنا ما لي بعاجلةٍ — إلّاك يا صاحبي تُهْني حنايانا

فقد عهدتك أوفى مَنْ بعالمنا — والغالبيةُ أحيانـا وأحيانـا

صديق نفسي أنا في كل موجعة — ما لي هنا أو لها في الهم إلّانا

جرّبت غيري كثيرا شاكيا وَجِعا — لقيت آذانهم إزاي طرشانا

ضيّعت وقنا ثمينا في محادثة — لكن محـادثتي لم تلق آذانا

فلا أحنَّ على نفسي بعالمنا — إلَّاي لا أبتغـي للحب قربانــا

كم من ليال أَقْضِيها مؤانسةً — لهذه النفس قد فارقتُ أحزانا

وكم وكم يا تُرى قد هدَّني ألمٌ — فجئت للنفس محزونا وأسيانا

فآزرتني أعادَت صُنع هيكلنا — ذاك المهدم حتى صار بُنيانا

وكم أتاني نُبُوٌّ من معارفنا — وكم جنيت من الأصحاب خذلانا

لكن نفسي لم تخذل رَجَا أبدا — وما عهدت نُبُوًّا في محيانا

نفسي وقور لها سَمْتٌ يطمئنني — تنداح من سَمتِها الأنداء غُدْرانا

والخير لا منتهى فيها له أبـدا — فما وجدت لخير النفس شطانا

نفسي الفداء لنفسي لا أضنُّ به — فكل غال لها في عالمي هانا

عوَّدتُ نفسي دوما أن أكون أنا — لا مَنْ يُكَرّمُني – للنفس عنوانا

فلن يُوَفِّيَ نفسي حقَّها أحدٌ — حبا وصدقا وإخلاصا وتَحنانا

ولن يضير مزاجَ النفس ما رصدتْ — مِن غبنِ مَنْ حولها صُحبا وخلّانا

فطالما النفس ترضى عن ممثلِها — فلا عليها إذا لم تلق إحسانا

وأنت يا شعرُ لا تحفل بمن غبنوا — غدًا بإذن الذي في الغيب سوَّانا

سيذكر الناسُ كل الناسِ قاطبةً — مَن غضَّ عنك ومن يلقاك غفلانا

بأنه قد رأى شعرا تَغافَلَهُ — بخسا وظلما ونكرانا وكفرانا

مرَّت صداقات عمري لست أحسبها — إلا دُخَانًا علا نارا وبركانا

ضيّعت عمري سُدًى لم ألقَ منتجعًا — أفــي إليه ولا ألفيت غدرانا

فقد أعيد حساباتي بمجتمع — حصدت منه جفاءات وخذلانا

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات العربية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)

الصداقة في الفلسفة والدين والأدب والحياة

كانت الصداقة وما تزال وستظل من أعظم الروابط الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع الواحد، وهي اليوم – في عصر الإنترنت – من أعظم الروابط بين الأفراد في المجتمع الإنساني على اختلاف لغاته وثقافاته.

ولعل الصداقة تتجلّى أكثر في الأوساط الإبداعية والأدبية والفنيّة.. فهي تُوجِد بيئةً للتفاعل الفكري والوجداني بين الأصدقاء.. وللصداقة تاريخٌ في التراث والأدبي العربي، نجدها في كتابات ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي في كتابه “الصداقة والصديق.”

وسوف نعرض لمفهوم الصداقة في الفلسفة والدين والأدب والحياة، كما سنعرج على الصداقة اليوم بقيمها وأخلاقياتها التي تغيرت عما كانت عليه منذ عقود، مبيّنين أنَّ الصداقة “مُهدّدة” مثل قيمٍ إنسانية أخرى بالزوال أو التميّع بسبب ما يفرضه هذا العصر من ضرورات أعلت من شأن الفردانية والنرجسية والعلاقات المصلحية بين الناس.

الصداقة عند الفلاسفة عبر العصور

لطالما كانت الصداقة موضوعًا محوريًا في الفلسفة، حيث تناولها الفلاسفة من زوايا مختلفة، سواء من الناحية الأخلاقية أو الاجتماعية أو حتى السياسية، فمنذ الفلاسفة القدامى إلى فلاسفة المسلمين، وصولًا إلى فلاسفة العصر الحديث من العرب والأوروبيين، ظلّت الصداقة قضية جوهرية في التفكير الفلسفي، إذ تمثل رابطة إنسانية ضرورية لحياة الفرد والمجتمع.

الصداقة عند الفلاسفة القدامى: تناول الفلاسفة الإغريق الصداقة من منظور أخلاقي وفلسفي، وأبرز من تحدث عنها كان أفلاطون وأرسطو.

أفلاطون (427-347 ق.م): يرى أفلاطون أن الصداقة الحقيقية قائمة على الحب الروحي والتكامل العقلي، فهي ليست مجرد منفعة متبادلة، بل علاقة سامية تربط بين النفوس الفاضلة. وقد تحدث عنها في كتابه “المأدبة” (Symposium)، حيث ربط الصداقة بالمثل العليا والحب الأفلاطوني الذي يسمو على المصالح المادية.

أرسطو (384-322 ق.م): خصّص أرسطو للصداقة فصلًا كاملًا في كتابه “الأخلاق” إلى نيقوماخوس، وقسّمها إلى ثلاثة أنواع:

-1 صداقة المنفعة: وهي التي تقوم على المصلحة المتبادلة وتنتهي بانتهاء الحاجة.

-2 صداقة اللذة: حيث يسعى الأفراد إلى المتعة المتبادلة، لكنها تظل سطحية.

-3 الصداقة الفاضلة: وهي أرقى أنواع الصداقة، إذ تقوم على الأخلاق والفضيلة، وهي الأسمى والأكثر ديمومة.

الصداقة عند فلاسفة المسلمين: تأثر الفلاسفة المسلمون بالفكر الإغريقي، لكنهم أضافوا إليه بُعدًا دينيًا وأخلاقيًا، حيث ربطوا الصداقة بالقيم الإسلامية والمجتمع الفاضل.

الفارابي (872-950م): يرى الفارابي أنَّ الصداقة عنصر أساسي في “المدينة الفاضلة”، إذ إنها تساعد على تحقيق الانسجام بين أفراد المجتمع، وقد تأثر بفكر أفلاطون وأرسطو، فاعتبر أنَّ الصداقة الحقيقية هي التي تقوم على الفضيلة والمعرفة، لا على المنفعة أو اللذة.

ابن مسكويه (932-1030م): في كتابه “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”، تحدّث عن الصداقة كعامل أساسي في بناء شخصية الإنسان الفاضل، موضحًا أنَّ الصديق الصالح هو مَن يُعين صاحبه على الخير والنجاح.

ابن رشد (1126-1198م): ركّز ابن رشد على الجانب العقلاني للصداقة، معتبرًا أنها ضرورة اجتماعية، وليست مجرد علاقة شخصية، بل هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ لا يمكن لمجتمع أن ينهض بدون روابط صداقة قوية بين أفراده.

الصداقة عند فلاسفة العصر الحديث من العرب والأوروبيين

شهد العصر الحديث تطورات كبيرة في مفهوم الصداقة، حيثُ أصبحَت أكثر ارتباطًا بالمجتمع والتغيرات الثقافية.

جان جاك روسو (1712-1778م): تحدّث روسو عن الصداقة في سياق الطبيعة البشرية، معتبرًا أنَّ الإنسان بطبعه اجتماعي، وأنَّ الصداقة ضرورية لاستعادة التوازن النفسي والعاطفي.

إيمانويل كانط (1724-1804م): رأى كانط أنَّ الصداقة يجب أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل، لا على العاطفة فقط، فهي علاقة عقلانية تهدف إلى تحقيق الخير المشترك.

سورين كيركغور (1813-1855م): اعتبر كيركغور الصداقة تجربة روحية، حيث ربطها بالإيمان والفلسفة الوجودية، مشيرًا إلى أنها قد تكون وسيلة للبحث عن الحقيقة.

الصداقة عند الفلاسفة العرب المعاصرين: ارتبطت الصداقة في الفلسفة العربية الحديثة بالقضايا الاجتماعية والإنسانية.

طه عبد الرحمن: تحدّث عن الصداقة في إطار الفكر الأخلاقي الإسلامي، معتبرًا أنَّها لا تقتصر على العلاقات الشخصية، بل تمتد لتشمل المجتمع ككل، فهي قيمة إنسانية تنبع من الرحمة والتكافل.

عبد الرحمن بدوي: من روّاد الفلسفة الوجودية في العالم العربي، وقد نظر إلى الصداقة من منظور وجودي، حيث رأى أنها تعكس حاجة الإنسان إلى الآخر، وتمنحه الشعور بالانتماء والمعنى.

وعبر العصور، بقيت الصداقة موضوعًا أساسيًا في الفكر الفلسفي، حيث اختلفت تفسيراتها بين الفلاسفة وفقًا لرؤاهم حول الإنسان والمجتمع، فبينما رآها الإغريق فضيلة أخلاقية، ربطها الفلاسفة المسلمون بالقيم الدينية والاجتماعية، أما الفلاسفة المحدثون فقد تعاملوا معها من منظور إنساني أوسع، يجمع بين العاطفة والعقل، وهكذا تظل الصداقة إحدى القيم الخالدة التي لم تفقد أهميتها عبر الزمن.

الصداقة من المنظور الإسلامي

تحتل الصداقة مكانة عظيمة في الإسلام، حيث تُبنى على أسس الإيمان والتقوى، ولا تقوم فقط على المصلحة أو الهوى. وقد تناول القرآن الكريم والسُّنة النبوية مفهوم الصداقة، كما جسّد الصحابة والسلف الصالح أعظم صور الوفاء والأخوة الحقيقية.

الصداقة في القرآن الكريم: يحضُّ القرآن الكريم على اختيار الأصدقاء الصالحين، ويحذّر من صحبة السوء، إذ إنَّ الصديق يؤثر على دين صاحبه وأخلاقه، ومن أبرز الآيات التي تناولت ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: 28)، حيث تدعو هذه الآية الكريمة إلى ملازمة الصالحين الذين يذكرون الله، لأنهم خير الأصحاب الذين يُعينون على الطاعة.

وقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)، حيث تشير الآية إلى أنَّ الصداقة التي لا تقوم على التقوى تتحول إلى عداوة يوم القيامة، بينما تظل الصداقة القائمة على الإيمان رابطة خالدة.

قال تعالى: ﴿إِذْ يقول لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40)، وهذه الآية توثّق موقفًا من أعظم صور الصداقة، وهو موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الهجرة، حيث جسّدت الصداقة الحقيقية المبنية على الإيمان والثقة بالله.

الصداقة في السنة النبوية: تناولت السنة النبوية أهمية الصديق الصالح وخطورة الصديق السيء، ومن الأحاديث التي تؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” (رواه أبو داود والترمذي). يوضح الحديث أنَّ الصديق يؤثر على دين صاحبه وسلوكه، لذا يجب على المسلم أن يحسن اختيار أصدقائه.

ويقول صلى الله عليه وسلم: “مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة” (متفق عليه)، ويبرز الحديث الفارق بين الصديق الصالح الذي ينفع صاحبه والصديق السيء الذي يضرّه.

كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي” (رواه أحمد وأبو داود)، ويحثّ الحديث على اختيار الأصدقاء من أهل الإيمان والتقوى، لأنهم خير معين على طريق الخير.

الصداقة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم: قدّم الصحابة أروع الأمثلة في الصداقة، حيث كانت تقوم على الإخلاص والوفاء والمناصرة، ومن أبرز الأمثلة:

-1 صداقة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه: كانت علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي بكر أنموذجًا للصداقة الحقيقية، فقد كان أبو بكر أول من آمن به، ورافقه في الهجرة، وكان يسانده في كل المواقف، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي” (رواه البخاري ومسلم).

-2 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: حينما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فجعل منهم أصدقاء وإخوة يتقاسمون المال والمسكن، وكان هذا أنموذجًا فريدًا للصداقة المبنية على الإيثار.

-3 صداقة عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحب أبا عبيدة بن الجراح، حتى قال عنه: “لو كنت متمنيًا، لتمنيت بيتًا مملوءًا برجال مثل أبي عبيدة”، وكانت صداقتهما قائمة على المحبة الصادقة والاحترام المتبادل.

الصداقة في حياة السلف الصالح

الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل: كانت بينهما صداقة قوية قائمة على العلم والاحترام، وكان كل منهما يثني على الآخر، فقال الشافعي عن أحمد: “رأيت أحمد كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل ترى لهما من خلف؟”.

سفيان الثوري والفضيل بن عياض: كانا صديقين صالحين يتناصحان في الله، وكان الفضيل يقول: “إنما تقطع الدنيا بلزوم الإخوان الصالحين.”

فالصداقة في الإسلام ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي رابطة إيمانية تُبنى على التقوى والمودة والنصح. وقد جسّد القرآن الكريم والسنة النبوية نماذج عظيمة للصداقة، بينما قدّم الصحابة والسلف الصالح أروع الأمثلة في الإخلاص والوفاء. لذا، يجب على المسلم أن يحرص على اختيار أصدقائه وفقًا لمعايير الإسلام، لأنَّ الصديق الصالح يكون سببًا في صلاح دينه ودنياه، بينما الصديق السيء قد يقوده إلى الهلاك.

الصداقة عند عبد الله بن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي

حظيت الصداقة بمكانة كبيرة في الفكر العربي القديم، حيث تناولها الكتّاب والمفكرون بالبحث والتحليل، وقدموا فيها رؤى تجمع بين البعد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي. ومن أبرز من كتب عن الصداقة في التراث العربي: “عبد الله بن المقفع” في “الأدب الكبير” و”الأدب الصغير” و”رسالة الصحابة”، و”الجاحظ” في كتبه ورسائله، و”أبو حيان التوحيدي” في كتابه “الصداقة والصديق”.

الصداقة عند عبد الله بن المقفع: يُعدّ عبد الله بن المقفع (المتوفى عام 142هـ) أحد أبرز المفكرين في العصر العباسي، وقد تناول الصداقة في كتبه بوصفها عنصرًا أساسيًا في حياة الإنسان، حيث ركز على أسس اختيار الأصدقاء، وبيّن دور الصداقة في بناء المجتمعات والسياسة.

-1 الصداقة في كتاب “الأدب الكبير”: في الأدب الكبير، تحدث ابن المقفع عن العلاقة بين الحاكم ورعيته، وبين الأصدقاء، مشددًا على ضرورة الحذر في اختيار الأصدقاء، حيث قال: “لا تصحب إلا مَنْ تتزين بصحبته، ولا تَخْلُ إلا بمَنْ تسلم من صحبته.” وهذا يشير إلى أهمية انتقاء الأصدقاء الذين يضيفون قيمة إلى حياة الإنسان. كما عَدّ الصداقة لا تقوم فقط على الحب العاطفي، بل على المصلحة المشتركة والنصح الصادق، حيث يقول: “الصديق من كان ناصحًا في السر والعلن، ولا يتركك للضلال.”

-2 الصداقة في كتاب “الأدب الصغير”: في الأدب الصغير، ركّز ابن المقفع على الأخلاق التي يجب أن يتحلّى بها الصديق الحقيقي، مثل الصدق، والوفاء، وكتمان الأسرار. وقال: “أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك.” وهذا يوضح رؤيته للصداقة كعلاقة مترابطة قد تمتد لتشمل شبكة الأصدقاء.

-3 الصداقة في “رسالة الصحابة”: في رسالة الصحابة، تناول ابن المقفع الصداقة من منظور سياسي، مشيرًا إلى أهمية وجود مستشارين أوفياء للحاكم، واعتبر أنَّ الصديق الجيد للحاكم هو الذي لا يخدعه ولا يجامله على حساب الحقيقة.

الصداقة عند الجاحظ: كان الجاحظ (المتوفى عام 255هـ) من أعظم أدباء العصر العباسي، وقد كتب عن الصداقة في عدة مؤلّفات، خاصة في “البيان والتبيين” و”البخلاء” ورسائله.

-1 الصداقة في “البيان والتبيين”: يرى الجاحظ أنَّ الصداقة الحقيقية قائمة على الاعتدال في المشاعر، حيث حذّر من الصداقة المفرطة في الحب أو الكراهية، قائلًا: “لا تكن صديقًا كالأخ، فيصير العتاب جفاء، ولا تكن كالعدو، فتكون المحبة مصانعة.” وهو بذلك يدعو إلى التوازن في العلاقات.

-2 الصداقة في “البخلاء”: في البخلاء، تناول الجاحظ الصداقة من زاوية فكاهية، وسلط الضوء على الأصدقاء الذين يسعون وراء المصالح فقط، محذرًا من الصداقة المبنية على المنفعة المؤقتة.

-3 الصداقة في رسائل الجاحظ: في رسائله، شدّد الجاحظ على أنَّ الصداقة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي مسؤولية متبادلة، حيث يقول: “الصديق لا يكون صديقًا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في غيبته، وعند مصيبته، وبعد وفاته.”

الصداقة عند أبي حيان التوحيدي في “الصداقة والصديق”: يُعدّ أبو حيان التوحيدي (المتوفى نحو 400هـ) من أكثر الأدباء الذين كتبوا بعمق عن الصداقة، وكان كتابه “الصداقة والصديق” من أوسع النصوص العربية التي ناقشت هذا الموضوع من زوايا متعددة.

-1 مفهوم الصداقة عند التوحيدي: يرى التوحيدي أنَّ الصداقة ليست مجرد علاقة بين شخصين، بل هي رابطة وجدانية وعقلية، حيث قال: “الصديق الحقيقي هو الذي يكون صورة من روحك، ولسانًا من قلبك.”

-2 أنواع الأصدقاء: قسّم التوحيدي الأصدقاء إلى أنواع، مثل:

الصديق الصادق: وهو الذي يحبك لذاتك، لا لمنفعة.

الصديق المنافق: وهو الذي يظهر الود ويخفي العداوة.

الصديق المزيف: وهو الذي يكون معك وقت الرخاء ويختفي وقت الشدة.

-3 فلسفة الصداقة عند التوحيدي: يؤمن التوحيدي بأنَّ الصداقة يجب أن تكون قائمة على الحكمة والتفاهم، وليس على المصالح المادية، حيث قال: “من لم تكن صداقته لك في الله، فابحث عن غيره.”، كما يرى أنَّ الصداقة مثل النبات، تحتاج إلى الرعاية والصبر لتنمو وتستمر.

اتفق ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي على أنَّ الصداقة الحقيقية يجب أن تقوم على الوفاء، والصدق، والحكمة، لا على المصالح المؤقتة. وبينما ركز ابن المقفع على البعد الأخلاقي والسياسي، اهتم الجاحظ بالجوانب الاجتماعية والنقدية للصداقة، في حين قدّم التوحيدي رؤية فلسفية أعمق للعلاقة بين الأصدقاء. وتظل آراؤهم حول الصداقة مرجعًا مهمًّا للفهم العميق لهذه العلاقة الإنسانية التي لا تزال ذات أهمية كبيرة حتى اليوم.

الصداقة في الأدب العربي عبر العصور

تُعدّ الصداقة من القيم الإنسانية النبيلة التي اهتم بها الأدب العربي منذ أقدم عصوره، حيث كانت رابطة الصداقة تحظى بمكانة كبيرة في حياة العرب، فتجلّت معانيها في الشعر والنثر، وتناولت مضامينها المواقف الأخلاقية والاجتماعية المختلفة.

الصداقة في العصر الجاهلي: في العصر الجاهلي، كان المجتمع العربي يقوم على القيم القبلية، وكان الصديق يُعدّ امتدادًا لأخلاق الفروسية والمروءة. وقد برزت في الشعر الجاهلي صورٌ رائعة للصداقة، تمثّلت في الوفاء والإيثار والمناصرة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قول الشاعر “طرفة بن العبد” في معلقته:

إذا كنتَ في قومٍ فصاحبْ خِيارَهُم — ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدِي

وقد عبّر “عنترة بن شداد” عن وفائه لأصدقائه في العديد من أشعاره، كما نجد في شعر “زهير بن أبي سلمى” تقديرًا عظيمًا للصداقة المبنية على الصدق والإخلاص.

الصداقة في العصر الإسلامي

مع ظهور الإسلام، تغيّرت النظرة إلى الصداقة، فأصبحت تُبنى على أساس ديني وأخلاقي، حيث دعا الإسلام إلى التآخي بين الناس، وأكد على أهمية الصحبة الصالحة. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.” وتجلّت هذه القيم في شعر “حسان بن ثابت” وغيره من شعراء صدر الإسلام، حيث ركّزوا على رابطة الإخاء بين المسلمين، التي تجلّت في “المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار”.

الصداقة في شعر العصر الأموي: جرير والفرزدق والأخطل أنموذجًا

كانت الصداقة في العصر الأموي (41-132هـ) ذات طابع خاص، حيث امتزجت بالقيم القبلية والسياسية، ولم تكن مجرد علاقة شخصية بقدر ما كانت تعبيرًا عن الولاء والانتماء. وقد انعكس ذلك في شعر هذه الفترة، إذ لم تقتصر الصداقة على الإشادة بالوفاء والإخلاص، بل ارتبطت أحيانًا بالمنافسة الحادة والتفاخر والهجاء، خاصة في شعر جرير والفرزدق والأخطل، وهم أشهر شعراء النقائض الذين كان التنافس الشديد بينهم يطغى على علاقاتهم الشخصية، لكنه لم يمنعهم من الاعتراف بقيمة بعضهم البعض.

الصداقة في شعر جرير: يُعَدّ جرير (33-110هـ) من أبرز شعراء بني تميم، وكان شعره يتميز بالرقة والعاطفة الصادقة، حتى في الهجاء، فقد كان أقل فظاظة من الفرزدق والأخطل. وكانت نظرته للصداقة قائمة على الوفاء والمروءة.

-1 الإخلاص في الصداقة: كان جرير يرى أن الصديق الحقيقي هو الذي يخلص لصاحبه، ولا يتخلى عنه في الشدائد، حيث يقول:

إنّ الصديقَ هوَ الصديقُ بِفِعلِهِ — ليسَ الصّديقُ بِقولِهِ وَمَقالِهِ

وهنا يشير إلى أنَّ الصداقة ليست مجرد كلام معسول، بل يجب أن تُثبت بالأفعال.

-2 الصداقة والعفو عن الزلّات: كان جرير ميّالًا إلى التسامح في الصداقة، حيث رأى أنَّ العتاب لا يجب أن يؤدي إلى القطيعة، بل يكون وسيلة للحفاظ على العلاقة، فقال:

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا — صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تُعاتِبُهْ

فعش واحدا أو صل أخاك فإنه — مقارف ذنب مرة ومجانبه

وهو موقف يعكس طبيعة جرير الهادئة مقارنة بالفرزدق.

الصداقة في شعر الفرزدق: أما الفرزدق (38-110هـ)، فقد كان شاعرًا قوي الشخصية، حادّ الطباع، وكان يولي الصداقة اهتمامًا، لكنه كان يرى أنها علاقة قائمة على القوة والهيبة أكثر من العاطفة.

-1 الصديق هو الحليف القوي: كان الفرزدق يرى أنَّ الصديق يجب أنْ يكون قويًّا وذا نفوذ، حيث يقول:

إذا مِتُّ فادفِنِّي إلى ظِلِّ قارِبٍ — نَجيبٍ مِنَ الفِتيانِ سَهلِ المَراكِبِ

وهذا يدل على أنَّ الصداقة عنده كانت مرتبطة بالمكانة الاجتماعية.

-2 الهجاء بين الأصدقاء: ورغم تنافسه الشديد مع جرير، فقد كان بينهما احترام متبادل، حتى أنه حين مات جرير قال الفرزدق: “كنا كفرسيْ رهانٍ، سبقْتُهُ مرةً، وسبقني مراتٍ فلا أتندَّمُ”. وهذا يدل على أنَّ الخصومة بينهما لم تكن كراهية شخصية، بل تنافسًا أدبيًا.

الصداقة في شعر الأخطل: أما الأخطل (20-90هـ)، فقد كان شاعر بني أمية، وكان صريحًا في مدحه وذمّه، لكنه كان يقدّر الصداقة باعتبارها علاقة تقوم على الصدق والكرم.

-1 الصديق الكريم: كان الأخطل يرى أنَّ الصديق يجب أن يكون كريمًا في عطائه، حيث قال:

ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متلونٍ — إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ تميلُ

وهو يشير هنا إلى أنَّ الصداقة الحقيقية تقوم على الثبات وليس على المصالح.

-2 الصداقة والسياسة: بحكم علاقته بالخلفاء الأمويين، كانت صداقاته سياسية أكثر منها شخصية، فكان يمدح مَن يكرمه، ويهاجم خصومه بشدة، مما جعله أقل اهتمامًا بالصداقة العاطفية مقارنة بجرير.

وعلى هذا فقد عكست أشعار جرير والفرزدق والأخطل مفهوم الصداقة في العصر الأموي، حيث كانت الصداقة عند جرير تقوم على الوفاء والعفو، وعند الفرزدق على القوة والهيبة، وعند الأخطل على المصلحة والولاء السياسي. لكن رغم المنافسة والهجاء، كان هناك احترام متبادل بينهم، مما يدل على أنَّ الصداقة الحقيقية قد تتجلى حتى بين الخصوم.

الصداقة في العصر العباسي

شهد العصر العباسي ازدهارًا أدبيًّا كبيرًا، وظهر الاهتمام بالصداقات الفكرية والأدبية، حيث جمعت الصداقة بين العلماء والشعراء والأدباء، وكانت رسائل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي مليئة بالأفكار حول معاني الصداقة وآدابها كما ذكرنا.

الصداقة في شعر أبي تمام والبحتري

كانت الصداقة موضوعًا مهمًّا في الشعر العربي، حيث تناولها الشعراء بطرق مختلفة، سواء من حيث المدح والإشادة بصفات الأصدقاء، أو من حيث الشكوى من الغدر والخيانة. ومن بين أبرز الشعراء الذين كتبوا عن الصداقة أبو تمام والبحتري، وهما من أعلام الشعر العباسي، وقد جمعتهما صداقة أدبية قوية انعكست في أشعارهما.

الصداقة في شعر أبي تمام: يُعدّ أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (188-231هـ) أحد أبرز شعراء العصر العباسي، وكان شاعرًا مبدعًا يمزج بين الفكرة العميقة والبلاغة العالية، وقد تناول الصداقة في شعره بوصفها علاقة تقوم على الإخلاص، والتضحية، والثقة المتبادلة.

-1 الوفاء في الصداقة: أكد أبو تمام أنَّ الصداقة الحقيقية لا تُقاس بالمصالح، بل بالوفاء والإخلاص، حيث قال:

من لي بإنسانٍ إذا أغضبتهُ — وَجَدْتُهُ كالْغَيْثِ يُلْهِينِي سَحَابُهْ

وَإِنْ طَرِبْتُ إِلَى الْمَدَامِ شَرِبْتُ مِنْ — أَخْلاقِهِ وَرَوَتْنِي مِنْهُ أَكْوَابُهْ

وهنا يشبّه الصديق الصالح بالمطر الذي يأتي بالخير، مؤكدًا أنَّ الصديق الحقيقي هو الذي يكون مصدرًا للراحة والدعم.

-2 نقد الصداقات الزائفة: انتقد أبو تمام الأصدقاء الذين يتغيرون بتغيُّر الأحوال، ويرى أن الصداقة الحقيقية لا تتأثر بالمصالح، حيث قال:

إِذا الجودُ لم يُرزَق خلاصًا منَ الأذى — فلا الماجِدُ المذمومُ وَدَّ، وَلا البَخلُ

وهذا يدل على أنَّ الصديق الحقيقي هو الذي يعطي بلا مصلحة، وأنَّ الصداقة المبنية على الطمع لا تدوم.

الصداقة في شعر البحتري: أما البحتري (206-284هـ)، فكان شاعرًا يميل إلى الوضوح في أسلوبه، وقد اهتم بالصداقة كقيمة أخلاقية واجتماعية. وقد ربط مفهوم الصداقة بالمروءة والكرم، واعتبر أن الصديق الصادق هو الذي يقف بجانب صاحبه في الشدائد.

-1 الصديق وقت الضيق: يرى البحتري أنَّ الصداقة الحقيقية تظهر في الأوقات الصعبة، حيث قال:

تَكاثَرَ أَصْحَابِي فَلَمَّا بَلَوْتُهُمْ — قَلَصْتُ إِلَى خِلٍّ بِوُدِّهِ يَفْضُلُ

وهذا يعكس تجربة شخصية مرّ بها الشاعر، حيث اكتشف أنَّ الأصدقاء الحقيقيين قلائل، وأنَّ كثيرًا من الأصدقاء يظهرون فقط في أوقات الرخاء.

-2 الوفاء في الصداقة: يؤكد البحتري أنَّ الصديق الوفي هو الذي يبقى على العهد، ولا يتغير بتغير الظروف، حيث يقول:

وَمَا كُلُّ مَنْ يَهوَى يَفِي بِوَعُودِهِ — وَلَا كُلُّ مَنْ يَهوَى يُطِيعُ هَوَاهُ

ويعني بذلك أنَّ الصداقة تحتاج إلى إخلاص حقيقي، وليس مجرد كلمات ووعود.

فقد تناول كل من أبي تمام والبحتري مفهوم الصداقة من زوايا مختلفة، حيث ركز أبو تمام على الوفاء وتجنب الصداقة القائمة على المصالح، بينما ركز البحتري على الصديق الذي يبقى في الشدائد. وتظل أشعارهما شاهدة على أهمية الصداقة في الأدب العربي، حيث كانت الصداقة مصدر إلهام وإبداع لكلا الشاعرين.

الصداقة في شعر المتنبي وأبي فراس الحمداني

تُعَدُّ الصداقة من القيم الإنسانية التي حظيت بمكانة بارزة في الشعر العربي، حيث تناولها الشعراء بوصفها علاقة تقوم على الوفاء، الدعم، والمروءة. ومن بين أعلام الشعر العباسي الذين تناولوا الصداقة بعمق وتميز: المتنبي وأبو فراس الحمداني. فقد عكست أشعارهما تصورات مختلفة للصداقة، تتراوح بين الإشادة بالوفاء والشكوى من الغدر والخيانة. كما أنَّ العلاقة الشخصية التي جمعتهما، حيث كانا في بلاط سيف الدولة الحمداني، جعلَت الصداقة موضوعًا مشتركًا بينهما.

الصداقة في شعر المتنبي: يُعدّ أبو الطيب المتنبي (303-354هـ) واحدًا من أعظم شعراء العرب، وكان شديد الاعتزاز بنفسه، مما انعكس على نظرته للصداقة. فقد رأى الصداقة علاقة سامية يجب أن تقوم على التكافؤ والوفاء، لكنه في الوقت نفسه كان متشائمًا بسبب تجاربه مع الغدر والخيانة.

-1 الصديق الحقيقي في منظور المتنبي: يرى المتنبي أنَّ الصداقة الحقيقية نادرة، وأنَّ الصديق يجب أن يكون مخلصًا في حبه ومشاركًا لصديقه في أفراحه وأحزانه، يقول:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرُومِ — فلا تقنعْ بما دونَ النّجومِ

فطَعمُ المَوتِ في أمرٍ حَقيرٍ — كطَعمِ المَوتِ في أمرٍ عظيمِ

ومع أنَّ هذه الأبيات تتحدث عن الطموح، فإنها تشير أيضًا إلى موقفه من الصداقة، حيث يرى أنَّ الأصدقاء يجب أن يكونوا على قدر المكانة والطموح ذاته.

-2 خيانة الأصدقاء: كان المتنبي كثير الشكوى من غدر الأصدقاء، وقد عبّر عن ذلك في أبيات خالدة، منها:

إذا غَدَرَ الطَّريقُ فأَينَ أمضي؟ — وكيفَ أُسيرُ والدُّنيا مَطِيَّهْ؟

وَلا ثِقَةٌ بِصَاحِبِها وَلكِنْ — كَما يَهوَى المُقيمُ بِها تُقيَّهْ

ويشير هنا إلى خيبة أمله في الصداقات التي تعتمد على المصالح، حيث يرى أنَّ معظم الناس يتغيّرون مع تبدّل الظروف.

-3 صداقة المتنبي وسيف الدولة الحمداني: من أصدقائه الذين مدحهم وأحبهم، الأمير سيف الدولة الحمداني، وقد كان يراه أنموذجًا للصديق القائد الذي يحميه ويدافع عنه، لكنه في النهاية أصيب بخيبة أمل بسبب المكائد التي أبعدته عن بلاط سيف الدولة. يقول:

إذا غدرتْ قلوبٌ بالعُهودِ — فكيفَ تُلامُ نفسٌ في صدودِ؟

الصداقة في شعر أبي فراس الحمداني: كان أبو فراس الحمداني (320-357هـ) فارسًا وشاعرًا نبيلًا، وقد نشأ في كنف سيف الدولة الحمداني، مما جعله قريبًا من أجواء المتنبي، لكنه كان أكثر تفاؤلًا ووفاءً في نظرته للصداقة.

-1 الصديق وقت الشدة: اشتهر أبو فراس بوفائه لأصدقائه، وكان يرى أنَّ الصديق الحقيقي هو الذي يبقى في الأوقات الصعبة، يقول:

سيذكرني قومي إذا جدَّ جِدُّهمُ — وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدرُ

وهنا يشير إلى أنَّ الصديق الحقيقي هو الذي يظهر عند الحاجة، وليس في أوقات الفرح فقط.

-2 الصداقة والبطولة: بوصفه فارسًا، ربط أبو فراس الصداقة بالمروءة والشجاعة، فكان يرى أنَّ الأصدقاء يجب أن يكونوا عونًا لبعضهم في المعارك والمواقف الصعبة، حيث يقول:

ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متلونٍ — إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ تميلُ

وهذا يدل على رفضه للصداقة القائمة على المصالح، وهي نظرة يشاركه فيها المتنبي.

-3 وفاؤه لسيف الدولة: كان أبو فراس الحمداني مخلصًا لسيف الدولة حتى وفاته، ولم يكن مثل المتنبي الذي ترك بلاطه بعد الخلافات. وقد أظهر في قصائده مشاعر صادقة تجاه الأمير الحمداني، حيث كان يراه صديقًا وقائدًا يستحق الإخلاص.

الصداقة بين المتنبي وأبي فراس الحمداني

رغم أنهما عاشا في بلاط سيف الدولة الحمداني، لم تكن العلاقة بين المتنبي وأبي فراس وديّة تمامًا، بل كان بينهما نوع من الغيرة والتنافس. وكان أبو فراس يعيب على المتنبي طموحه الزائد وحبه للمديح الذاتي، في حين كان المتنبي يرى أنَّ أبا فراس مجرد تابع لسيف الدولة. ومع ذلك، فإنَّ نظرتيهما للصداقة تتشابهان في الإعلاء من قيمة الوفاء ورفض الصداقات الزائفة.

رسم كل من المتنبي وأبي فراس الحمداني صورة عميقة لمعنى الصداقة في الشعر العربي، فبينما كان المتنبي متشائمًا بسبب تجاربه مع الخيانة والغدر، كان أبو فراس أكثر وفاءً وتفاؤلًا. وتظل أشعارهما شاهدة على أهمية الصداقة كقيمة إنسانية نبيلة، تحتاج إلى الوفاء والتضحية لتبقى حقيقية ودائمة.

الصداقة في الشعر الأندلسي: ابن زيدون والمعتمد بن عباد أنموذجًا

كانت الصداقة في الأندلس قيمة أساسية في المجتمع والأدب، حيث امتزجت بروح الوفاء والمشاركة في السرّاء والضرّاء، وقد عكست أشعار الأندلسيين هذه القيم بوضوح، حيث صوّروا الصديق في أبهى صفاته، كما شكوا من غدر الأصحاب وخيانة الزمن. ومن بين أبرز شعراء الأندلس الذين تناولوا الصداقة ابن زيدون والمعتمد بن عباد، وكلاهما عاش تجارب صداقة قوية، لكنها تخللتها خيبات أمل ونكبات سياسية أثرت في أشعارهما.

الصداقة في شعر ابن زيدون: يُعدّ ابن زيدون (394-463هـ) واحدًا من أعلام الشعر الأندلسي، وقد اشتهر بغزلياته الرقيقة، لكنه تناول أيضًا موضوع الصداقة، خصوصًا في تجربته السياسية التي جعلته يفرق بين الأصدقاء الأوفياء وأصحاب المصالح.

-1 الوفاء للصديق الحقيقي: كان ابن زيدون يرى أنَّ الصديق الحقيقي هو الذي يبقى على العهد، ولا يتغير مع تبدل الظروف، وقد عبّر عن ذلك في شعره، حيث قال:

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا — صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبه

فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاكَ فإنهُ — مُقارفُ ذنبٍ مرَّةً ومُجانبه

وهنا يدعو إلى التسامح في الصداقة، لأنَّ الإنسان بطبيعته يخطئ، والصديق الحقيقي هو الذي يغفر زلات صديقه.

-2 خيانة الأصدقاء والغدر: عانى ابن زيدون من الغدر، خاصة بعد أنْ فقد مكانته في بلاط بني جهور في قرطبة، فكتب يشكو خيانة الأصحاب، قائلًا:

أُحِبُّكَ لا تفسيرَ عندي لصبوتي — أفسِّرُ ماذا؟ والهوى لا يُفسَّرُ

ومع أنَّ هذه الأبيات من غزليّاته، فإنها تعكس أيضًا موقفه من الصداقة، حيث يرى أنَّ المشاعر الحقيقية، سواء في الحب أو الصداقة، لا تحتاج إلى تبرير، بل تُعرف بالأفعال لا بالكلام.

-3 صداقة ابن زيدون وابن جهور: كانت علاقة ابن زيدون بوزير قرطبة أبي الحزم بن جهور مثالًا على الصداقة التي تحولت إلى خصومة، فقد كان ابن زيدون مقرّبًا منه، لكنه تعرّض للخيانة والسجن بعد وشاية أعدائه، وقد كتب إليه قصيدة عتابِيّة شهيرة يقول فيها:

إنّي ذكرتُك بالزهراءِ مشتاقًا — والأفقُ طلقٌ ووجهُ الأرضِ قد راقا

ومع أنَّ القصيدة مشهورة في سياق حبه لولادة بنت المستكفي، فإنها تحمل أيضًا معاني الحنين والعتاب لأصدقائه الذين انقلبوا عليه.

الصداقة في شعر المعتمد بن عباد: أما المعتمد بن عباد (431-488هـ)، فقد كان ملكًا وشاعرًا، وقد عاش تجربة صداقة نادرة مع وزيره وصديقه ابن عمار، إلا أنَّ هذه الصداقة انتهَت بمأساة بسبب السياسة والخيانة.

-1 الصداقة بين المعتمد وابن عمار: كان المعتمد شديد الإخلاص لصديقه ابن عمار، وكان يعدّه أكثر من وزير، بل أخًا روحيًّا وشريكًا في الحكم والشعر، وقد قال فيه:

ما شئتُ يا ابن عمارٍ فكنْ، فأنا — العبدُ مولًى، وأنتَ اليومَ مولانا

ويعكس هذا البيت مدى الحب والثقة التي كان يضعها المعتمد في صديقه، لكنه لم يكن يعلم أنَّ هذه الصداقة ستنتهي بخيانة مأساوية.

-2 خيانة ابن عمار: رغم وفاء المعتمد، فإنَّ ابن عمار طمع في الحكم، وحاول التآمر عليه، مما اضطر المعتمد إلى قتله في النهاية، وقد رثاه بقصيدة مؤثرة، قال فيها:

لا تَحسبوا نَأيَكُم يُثنيني عنكمُ — يَطولُ شَوقي إِلَيكُم بَعدَما قَصُرَا

وهنا تظهر مشاعر الألم والخذلان التي خلفتها خيانة الصديق في نفس المعتمد، فقد أحبّ ابن عمار بصدق، لكنه لم يجد منه الوفاء.

-3 الصداقة في المنفى: بعد سقوط إشبيلية ونفي المعتمد إلى المغرب، كتب عن أصدقائه الذين غادروه ولم يبقَ معه إلا زوجته الوفية “اعتماد الرُّميكِيّة”، فقال:

قَدْ كُنْتُ ذا جَاهٍ تُؤمِّلُ سُؤْدُدي — فاليَوْمَ يَحْسِبُنِي العَدُوُّ جُبَانَا

ويعبّر هنا عن شعوره بالخذلان، حيث تخلّى عنه أصدقاؤه عندما فقد ملكه، وهو تأكيد على أنَّ الصداقة الحقيقية تظهر في الشدائد.

عكست أشعار ابن زيدون والمعتمد بن عباد معاني الصداقة في أروع صورها، من الحب والوفاء إلى الغدر والخيانة، فقد جسّد ابن زيدون الصداقة كعلاقة تقوم على العتاب والتسامح، لكنه عانى من خيانة الأصدقاء. أما المعتمد، فقد كان أنموذجًا للحاكم الذي أحبّ أصدقاءه بصدق، لكنه دفع ثمن ثقته بهم. وتبقى أشعارهما شاهدًا على أنَّ الصداقة في الأدب الأندلسي لم تكن مجرد موضوع شعري، بل تجربة إنسانية عميقة بكل ما تحمله من مشاعر متناقضة بين الوفاء والخيانة.

الصداقة في العصر الحديث

في العصر الحديث، تطوّرت مفاهيم الصداقة، لكنها ظلّت تحتفظ بروحها القديمة. وقد تناولها الأدباء والشعراء في كتاباتهم، مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، حيث عبّرا عن وفاء الأصدقاء وأهميتهم في حياة الإنسان.

ومن الأمثلة المشهورة في الأدب الحديث، علاقة الصداقة بين طه حسين والعقاد، وبين جبران خليل جبران ومي زيادة، حيث كانت المراسلات الأدبية بينهم تجسيدًا لمعنى الصداقة العميقة.

والصداقة في الأدب العربي ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي قيمة إنسانية وأدبية أصيلة، عبّر عنها الشعراء والأدباء عبر العصور بأساليب مختلفة، فمنذ الجاهلية إلى العصر الحديث، بقِيَت الصداقة رمزًا للوفاء والتعاون والتكافل، تؤكد على أنَّ الإنسان لا يمكنه العيش دون رفيق صادق يشاركه أفراحه وأحزانه.

دور الصداقة في الرقي بالأدب والإبداع

تلعب الصداقة دورًا حيويًّا في تطور الأدب والإبداع، حيث تسهم في صقل المواهب، وتبادل الأفكار، وتقديم النقد البنّاء قبل نشر الأعمال الإبداعية. ومن خلال هذه العلاقات الأدبية، يجد المبدعون مساحة للنقاش الحر، مما يساعدهم على تطوير أساليبهم وتعميق رؤيتهم الفنية.

الصداقة كمحفّز للإبداع الأدبي

كانت الصداقة دائمًا عنصرًا أساسيًّا في تطور الأدب، حيث أسهمت في ولادة أفكار جديدة وتقديم رؤى نقدية بناءة، فالأديب لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى حوار مع عقول أخرى تثري تجربته الإبداعية.

-1 تبادل الأفكار وصقلها: تساعد الصداقة الأدبية على تطوير الأفكار قبل أن تتجسد في نصوص مكتوبة، فالكثير من الكُتّاب والمبدعين يناقشون مشاريعهم مع أصدقائهم قبل الشروع في الكتابة، مما يسمح لهم برؤية أعمالهم من زوايا مختلفة، ويمنحهم الفرصة لتحسينها.

-2 تقديم النقد البنّاء: من أعظم فوائد الصداقة في الأدب هو الحصول على ملاحظات صادقة وبنّاءة. فالصديق الحقيقي لا يجامل، بل يوجّه الكاتب إلى نقاط القوة والضعف في عمله، مما يساعده على تحسين أسلوبه ومعالجة الثغرات قبل النشر. وقد كانت هناك صداقات أدبية عظيمة بين الشعراء والكتاب أثمرّت عن أعمال خالدة بفضل النقد المتبادل بينهم.

-3 الدعم النفسي والمعنوي: يمرّ الأديب بلحظات من الشك والقلق حيال أعماله، وهنا تأتي أهمية الصداقة، حيث تمنح الكاتب الثقة لمواصلة مسيرته. فكثير من الأعمال الأدبية العظيمة ما كانت لترى النور لولا دعم الأصدقاء الذين شجعوا مبدعيها على الاستمرار.

الصداقة الأدبية في العصر الرقمي

مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحَت الصداقة الأدبية تتّخذ أشكالًا جديدة، حيث يتبادل الأدباء النصوص والملاحظات عبر الإنترنت، ويشاركون في المنتديات الأدبية الافتراضية، مما يعزز من عملية الإبداع الجماعي.

تلعب الصداقة دورًا محوريًا في تطوير الإبداع الأدبي، فهي ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل شراكة فكرية تُثري النصوص الأدبية وترتقي بها قبل أن تصل إلى القارئ. وكما كان للأدباء الكبار أصدقاء أثروا مسيرتهم، فإنَّ أيّ مبدع اليوم يحتاج إلى دائرة من الأصدقاء الذين يقدّمون له النقد والدعم والتشجيع ليستمر في رحلته الأدبية.

الصداقة في العصر الحديث والفضاء الإلكتروني

شهدت الصداقة تحوّلات كبيرة عبر العصور، فمن العلاقات التقليدية التي تقوم على اللقاء المباشر والتفاعل الاجتماعي إلى الصداقة في العصر الرقمي، حيث أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة واسعة لتكوين العلاقات والتواصل بين الأفراد. وبينما أتاح هذا التطوّر فرصًا جديدة للتواصل، فقد فرض تحديات جديدة على مفهوم الصداقة ومعاييرها.

الصداقة في العصر الحديث

تلك المرحلة التي أصبحت فيها الموارد والخيارات متاحة بوفرة بفضل التطورات التكنولوجية والاقتصادية، فلم تعد الصداقة مجرد علاقة شخصية محدودة بعدد معين من الأفراد، بل أصبحت تشمل شبكات واسعة من العلاقات التي تتشكل عبر وسائل متعددة.

ملامح الصداقة في العصر الحديث

-1 سهولة التواصل: بفضل وسائل التواصل الحديثة، أصبح بالإمكان التواصل مع الأصدقاء في أيّ وقت ومن أيّ مكان، مما جعل العلاقات أكثر استمرارية.

-2 تعدّد الفرص والخيارات: أصبح الإنسان قادرًا على تكوين صداقات متنوّعة تتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة.

-3 التحدي في الحفاظ على العمق: مع كثرة المعارف والعلاقات، قد يصبح من الصعب الحفاظ على صداقات عميقة ومستدامة.

-4 التأثير الاقتصادي والاجتماعي: في مجتمعات الوفرة، تتأثر الصداقة بعوامل مثل المصالح المهنية والشبكات الاجتماعية، مما قد يغير من طبيعة العلاقات.

الصداقة في الفضاء الإلكتروني

مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ظهر مفهوم جديد للصداقة، حيث لم يعد يقتصر على اللقاءات الفعلية، بل أصبح يتشكل عبر الشاشات والرسائل والمحادثات الافتراضية.

أشكال الصداقة الإلكترونية

-1 الصداقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي: مثل: فيسبوك، تويتر، إنستغرام، حيث يتم التفاعل من خلال المنشورات والتعليقات والرسائل.

-2 الصداقة في الألعاب الإلكترونية: من خلال المجتمعات الافتراضية في الألعاب مثل فورتنايت وماينكرافت وغيرها، حيث تتشكل صداقات عابرة للحدود.

-3 الصداقة في المنتديات والمجموعات الرقمية: من خلال المنتديات المتخصصة والمجموعات على واتساب وتليغرام، التي تجمع أشخاصًا يشاركون الاهتمامات نفسها.

إيجابيات الصداقة الإلكترونية

توسيع دائرة المعارف: يمكن تكوين صداقات مع أشخاص من مختلف الثقافات والخلفيات.

سهولة الوصول: لا تحتاج الصداقة الإلكترونية إلى اللقاءات المباشرة، مما يسهل الحفاظ على العلاقات رغم المسافات.

الدعم العاطفي: في بعض الأحيان، توفر الصداقات الإلكترونية بيئة آمنة لمشاركة المشاعر والأفكار دون خوف من الأحكام.

تحديات الصداقة في الفضاء الإلكتروني

غياب العُمق في العلاقات: قد تفتقر الصداقات الرقمية إلى العمق العاطفي والواقعي، حيث يمكن أن تقتصر على التفاعل السطحي.

المصداقية والثقة: ليس كل مَن نلتقي بهم على الإنترنت صادقين، مما قد يجعل البعض عرضة للخداع أو الاستغلال.

الانعزال الاجتماعي: قد تؤدي الصداقة الرقمية إلى تقليل التواصل الفعلي، مما يؤثر على المهارات الاجتماعية.

مستقبل الصداقة في العصر الرقمي

مع تطوّر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، قد تأخذ الصداقة أبعادًا جديدة، حيث يمكن للإنسان التفاعل مع أصدقاء افتراضيين أو حتى مع روبوتات تحاكي العلاقات البشرية. ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى الصداقة الحقيقية التي تقوم على التفاعل الحقيقي والوفاء أمرًا أساسيًا في حياة الإنسان.

فبينما أتاح العصر الحديث والفضاء الإلكتروني فرصًا جديدة لتكوين الصداقات، فإنه طرح تحدّيات حول عمق العلاقة ومصداقيتها. ورغم التغيرات التكنولوجية، تظل الصداقة الحقيقية قائمة على الصدق، والثقة، والدعم المتبادل، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي، ولذا، فمن المهم تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والحفاظ على القيم الأصيلة في الصداقة.

ويطيب لي أن أختم مقالي الذي طال رغما عني وما كنت أحسبه ليطول كذلك، بنص “صديق” لـ “الرافعي” من كتابه “السحاب الأحمر” وهو من إعجازه البلاغي، حيث يقول: “لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان: لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنّع لك ويسامحك متى كان فيك طعم العسل؛ لأن فيه روح ذبابة، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد وقد نفيت إليه نفي المبعدين، ولا ذلك الصاحب الذي يكون كجلدة الوجه: تحمرّ وتصفرّ لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها، فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبداً إلى على أطراف مصائبك، كأنهم هناك حدود تعرف بها أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة.

ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك، فسائرك يحنّ إليه، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحوّل عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات.. يومئذٍ لا تقول: إنه مات لك ميّت، بل مات فيك ميّت؛ ذلك هو الصديق”.

وقد تجسّد لي هذا الصديق في حياتي مرات معدودات، لعل أبرزها صديقي الدكتور “أحمد السعيد شلبي” زميل الدراسة في كلية التربية الذي صار فيما بعد مستشارا للغة العربية بوزارة التربية والتعليم، والدكتور “إبراهيم محمود سليمان” الذي تعلمت منه الكثير وكان لي نعم الصديق وقد التقينا في كلية الآداب جامعة عين شمس، أما الصديق الذي علمني دون أن يتكلم فهو أبي يرحمه الله الذي كان لي نعم القدوة وقد نصحني نصيحة غالية وهي أن أصاحب من يكبرني سنًّا كي أستفيد منه، وأمي التي كانت قدوة صالحة لي في البر والجود يرحمها الله، وأخي المرحوم صفوت وأخي المرحوم عبد القادر، وقد توفي أولهما شابا في الثالثة والثلاثين وكان يصغرني بخمس سنوات ولكنه كان أكثر مني خبرة بالناس، وتوفي الآخر منذ شهور وكان نعم الصديق والناصح الأمين.

وفي رحلتي للمملكة العربية السعودية كان هناك عدد من الأصدقاء الأصفياء بخلاف الزملاء، ولعل أبرزهم الشاعر عبد الله العويد والشاعر السوري المهندس فواز عابدون والمرحوم الناقد السوري د. سليمان البوطي، والناقد أ.د. ربيع عبد العزيز وآخرون من أقطار عربية مختلفة، وما تزال صلتي بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبيننا من رسائل المودة والصداقة ما يضيق عنه المقام ويحتاج إلى مقال مستقل.

ولا أريد أنْ أكون كـ “المتنبي” فأتحدّث عن غدر الأصدقاء وحسد الحاسدين وإن كنت قد عبّرت عن ذلك في أربع قصائد، اثنتان منها في ديواني: “هموم وأشجان”، وواحدة في ديواني “لو تطلبين العمر”، وواحدة لم تنشر بعد بعنوان “الغلبان”، وقد أهديتها إلى صديق لقّبني بهذا اللقب أقول فيها:

نعم والله غلبان، صديقي — ومن غُلبى تراني جفّ ريقي

تكاثرت الذئاب عليّ حتى — لقد نصبوا المجانق في طريقي

فمن تهم ملفّقة وكيد — لتدليس بلا سند وثيق

ولي رب لطيف رد كيدا — لنحر عصابة المكر الصفيق

يسوء نفوسهم أني جواد — فصرت محسدا بين الفريق

وحب الناس لي كنز وربي — وذا والله يشعرهم بضيق

وإني لست أحمل أيّ حقد — وقلبي ملؤه الحب الحقيقي

وهم للحقد أرباب تراهم — وقد أعماهم وهج البريق

فيا ربّاه سامحهم وأكرم — بسيم الثغر ذا القلب الرقيق

سلوى غيّة (باحثة وناقدة – لبنان)

قراءة في فنجان الصداقة

“قُل لي من تعاشر؟ أقول لكَ مَن أنت”، هذه المقولة التي تحمل في طيّاتها حكمة عميقة قد تكون صادقة أكثر ممّا نتخيّل. أحيانًا، تحدّد صداقاتنا مسارَ حياتنا بشكل غير مرئي، فالأشخاص الذين نختار أن نكون معهم يتركون بصماتهم على حياتنا، سواء كانت إيجابيّة أو سلبيّة.

قد يندهش البعض عند قراءة هذه الكلمات، وربّما يتساءلون عن معناها، بينما قد يجد آخرون فيها تجسيدًا لتجاربهم الخاصّة.

من خلال تجاربي الشخصيّة، وصلت إلى قناعة شبه تامّة أنّ الصداقات تُساهم بشكل كبير في تشكيل مصيرنا، فاختيار الأصدقاء ليس بالأمر الهيّن. إنّه أصعب قرار قد نواجهه في الحياة، فرفاقنا لا يؤثّرون فقط في مزاجنا وأفكارنا، بل في نمو شخصيتنا أيضًا.

قد يكون الأصدقاء هم من يدفعونا نحو النّجاح، أو يقيّدونا في دائرة من الرّكود والتّراجع. في بعض الأحيان، يساهم الأصدقاء في تحفيزنا وتوجيهنا في الاتجاه الصحيح، وفي أحيانٍ أخرى قد يكونون السّبب في إبطاء تقدّمنا ورفع المعنويات.

إذًا، عزيزي القارئ يمكننا أن نقول أنّ العلاقة بين الصداقات ومصيرنا ليست مجرد علاقة سطحيّة، بل هي علاقة مؤثّرة وعميقة، تمسّ جوانب متعددة من حياتنا.

بعض الأسئلة التي قد تواجهون بها أنفسكم

هل هذه الصداقة تضيف إلى طاقتنا الإيجابيّة؟ هل تُشجعنا على المضيِّ قُدمًا وتحقّق أهدافنا، أم أنّ هذه العلاقة تشدُّنا نحو الأسفل وتُحبط من عزيمتنا كلّما حاولنا التقدّم؟ هل نشعر بعد التفاعل مع هذا الصديق أنّنا أصبحنا أفضل وأقوى، أم أنّنا نغرق في دوامة من الإحباط والمشاعر السلبيّة؟

تلك هي الأسئلة التي تساعدنا على تقييم صداقاتنا بموضوعيّة ووعي، لنعرف إن كانت تساهم في نمو شخصياتنا وتدفعنا للأمام، أم أنّها مجرّد عبء يجعلنا عالقين في أماكننا..

عزيزي القارئ

إنّ اختيار من سيرافقنا في رحلة الحياة هو قرار حاسم، لأنّ الصديق هو الّذي يسير معنا في سفينة الحياة، إمّا أن يعيننا على تجاوز المواقف الصّعبة، أو أن يكون سببًا في غرقنا إذا كانت علاقته بنا سامّة ومدمرة!

من المهم أن نميّز بين العلاقة التي تدفعنا للنمو والتّطور وبين تلك التي تسحب منّا كلّ طاقتنا وتتركنا في حالة من التّعب النّفسيّ والعاطفيّ.

الصداقات الجيّدة هي التي تشجعنا على النّمو وتساهم في بناء شخصياتنا بشكل إيجابي، أمّا الصداقات السّامة فهي تلك التي تؤثّر علينا بشكل سلبي، فتشعرنا بالإحباط وتستنزف طاقتنا في أمور جمّة.. قد يبدو من الصّعب التّمييز بين هاذين النوعين من العلاقات، خاصّة عندما نخوض تجارب الحياة، ولكن في كل تجربة نتعلّم درسًا قيمًا.

مع مرور الوقت، نصبح قادرين على التّمييز بين الصداقات التي تستحق البقاء والتي يجب الابتعاد عنها؛ فالقدرة على التّفريق بين الصداقات البنّاءة والسامّة تأتي مع الخبرة والتأمّل العميق في تأثير هذه العلاقات على حياتنا اليومية.

إذا تعلمنا كيف نختار أصدقائنا بحكمة، فإنّنا سنكون قادرين على بناء شبكة من العلاقات التي تدفعنا إلى الأمام وتساعدنا على التّطور والازدهار، بعكس الصداقات السّمّة التي تجرّنا إلى الوراء.

قد يكون الشّفاء من الصداقات السّلبية أمرًا صعبًا، لكنّه الطريق الوحيد نحو السّلامة النّفسيّة والعاطفيّة.

إنّ رحلة التّعافي من تأثيرات الصداقات السامّة هي رحلة طويلة ومعقّدة، وأولى خطواتها هي أن نقرّ بأنّ هذه العلاقة سامّة، وإلا فإنّ رحلة العلاج ستظلّ عاجزة عن تحقيق نتائجها.

من المهم أن نعي أنّ الاعتراف بوجود علاقة سامّة هو المفتاح لبداية التّغيير، فقد نجد أنفسنا في علاقات تستنزفنا نفسيًّا وعاطفيًّا وتؤثّر بشكل سلبي على حياتنا.

إنّ عدم الاقتناع بخطر هذه العلاقات قد يجعلنا نعيش في دوامة من التّوتر والإرهاق دون أن نتمكن من إيجاد مخرج. لذلك، علينا أن نكون واعين لتأثير هذه الصداقات على حياتنا ونأخذ خطوة حاسمة في الابتعاد عنها، حتّى نمنح أنفسنا فرصة للشفاء والنّمو.

أعتبر نفسي من الأشخاص الذين يجدون صعوبة في اتّخاذ صديق يُعتبر صديق العمر.

دائمًا ما يرافقني القلق النّفسي عند اتّخاذ قرار اختيار صديق جديد. هاجس الخوف الذي يراودني في كلّ صداقة جديدة يجعلني في حالة من التّردّد. لكن، لا تفهموني خطأ، المشكلة ليست في الأشخاص أنفسهم، بل قد تكون المشكلة تكمن في داخلي وفي تأثير تجاربي السّابقة التي تجعلني أكثر حذرًا.

ربّما السّبب في قلقي يعود إلى بحثي الدّائم عن مميّزات محددة أحتاجها في الصديق ليكون هو “صديقي”.

في قلبي، هناك تطلعات لصداقة حقيقيّة وأصيلة، لا مجرّد علاقة عابرة، ربّما هذه مشكلتي وربّما إنّني على الطريق السليم.

إنّني من الأشخاص الذين يسعون جاهدين ليكونوا أصدقاء أوفياء، ولهذا، أعتقد أنّني أبحث عن شيء أسمى من الصداقات العابرة. أبحث عن صداقة تُنير الحياة وتستمر رغم العواصف، صداقة تُظهر معاني الوفاء والصدق. ولكن يمكنني أن أجزم لكم بأنّني لاحظت فرقًا شاسعًا بين صداقاتي السّابقة والحالية.

لقد تعلمت فعلاً قيمة الجهد في اختيار الأصدقاء، وأصبحت واعية تمامًا بتأثير الصداقات على شخصيتي.

اليوم، يمكنني أن أقول بكلّ يقين إنّ صداقاتي الحالية هي في أغلبها صداقات محفّزة، ربّما لا تخلو العلاقات من بعض السّلبيات أو التّحديات، ولكن بشكل عام، أصبحت أعيش في محيط من الأصدقاء الذين يشحنونني دائمًا بشحنات من القوّة والدّعم. هذه العلاقات تساهم في تطوّري وتدفعني للأمام، تجعلني أشعر بالثّقة والإيجابيّة.

عزيزي القارئ، ابحث في علاقاتك عن الإضافة التي يمكن أن تمنحك القوّة والنّمو. ميّز بين الصداقة التي تدعمك وتقويك وبين تلك التي تحبطك وتستنزف طاقتك.  دائمًا ابحث في الشخص أمامك عن الإضافة التي تعزز حياتك، وكُن أنت هذا الشخص، فالحياة دون صديق تصبح أكثر تعقيدًا وأثقل.

الصديق هو السّند الذي يساعدنا على مواجهة التّحديات، وهو من يضيف إلى الحياة طعمًا ومعنى، فتزداد الأوقات بهجة ويخفّ وطء الأيام…

هند سليمان أبو عزّ الدين (كاتبة وباحثة من لبنان)

الصّداقة في هذا العصر

يتعلّم الإنسان منذ نعومة أظفاره التّواصل مع محيطه واستقاء الدّعم منه، وتنمية مشاعر الأخوّة والمودّة والمحبّة، والتّعاون مع الآخرين، فعندما يُغادر الطّفل بيته ليذهب إلى المدرسة، يجد نفسه وحيدًا في الحياة، فيبحث عن صديق يُشاركه أفراحه وألعابه، ويتقاسم معه الخبز ليجد فيه سندًا يؤنسه في هذه البيئة الغريبة، ويلجأ إليه عند حاجته إلى يد تمسح عن كاهله الأحزان والهموم، ففي المدرسة تنشأ الصّداقات الأولى، ويعي الإنسان مفهوم الصّداقة وأهميّتها، ويستوعب فكرة احتياجه الدّائم إلى صديق يتحلّى بالصّفات الحميدة، فيدرك ضرورة الحرص على اختيار الصّديق الصّالح الذي يُحافظ على القيم الأخلاقيّة، ويبقى وفيًّا مدى الحياة، فالصّداقة في عصرنا الحالي تُواجه تحدّيات كثيرة تتجسّد في انتشار الفوضى والأنانيّة وتغليب المصالح الفرديّة، فكيف نستطيع تعزيز مكانتها كي لا تجرفها أمواج هذا العصر؟

تمضي بنا الحياة لتغربل وجوه الأصدقاء، فتسقط الأقنعة أمام المصالح، ويبقى الأوفياء متمسّكين بحبال الصّدق والإخلاص، فيسعى الإنسان دائمًا إلى المحافظة عليهم، ويستعين بهم لمواجهة قساوة الحياة، ومحاربة الشّعور بالوحدة الذي يُغذّي المشاعر السّلبيّة، ويزيد خطر الوقوع في براثن التوتّر والاكتئاب، فتغدو الصّداقات دعمًا يُكفكف دموع الأوقات الصّعبة، ويُعين الإنسان على اجتيازها، ويحضر في اللّحظات الحلوة ليزيدها بهجة وجمالًا، لذا يجب أن يتعلّم الإنسان منذ الطّفولة كيف يكون صديقًا مخلصًا ووفيًّا ينبذ الأنانيّة، ويسعى دائمًا إلى مساعدة الآخرين، وذلك من خلال تربيته على التمسّك بالقيم والأخلاق النبيلة، فتنغرس فيه قيمة الصّداقة وأهميّتها.

وبعد ذلك، يأتي دور انتقاء الأصدقاء، فالصّديق الذي نبحث عنه وقت الضّيق يجب أن يكون صالحًا، ليرافقنا في الطّريق الصّحيح، ويُعيننا على فعل الخير، وهذا ما يجعل اختياره محتاجًا إلى التأنّي، واختبار الشّخص في مواقف تستدعي مساندته، وتكشف وفاءه وإخلاصه، وتُساعد المرء على حماية نفسه من الاستغلال والخداع والخذلان، وخصوصًا في هذا العصر الذي كثرت فيه الفوضى والنّزعة إلى تغليب المصالح الشّخصيّة.

وقد يستغرق اختيار الصّديق وقتًا طويلًا، وقد يتطلّب جهدًا كبيرًا، لكنّه يستحقّ العناء، لأنّ الصّداقة الحقيقيّة تُضفي على أيّامنا بريقًا مميّزًا، وتُضيء في حياتنا شموع الخير والفضيلة، وتغمرنا بعبارات التّشجيع والمواساة، وتشكّل عكّازًا نتّكئ عليه وقت الشّدّة فيهوّن علينا المصاعب والمشقّات، فما أجمل وجود صديق مخلص يُبعد عنّا شبح الغربة ويسير معنا في دروب الحياة!

بيد أنّ الإنسان في هذا العصر بات يُعاني من اضمحلال التّواصل الاجتماعي، بعد أن سرق الهاتف المحمول معظم أوقات فراغه، فالأطفال الذين كانوا يتسابقون إلى التجمّع في الحيّ، والتمتّع باللّعب والرّكض، وتبادل القصص والأخبار والحكايات، تفرّقت تجمّعاتهم، وبات كلّ منهم يجلس وحيدًا في بيته، وقد أصبح همّه الوحيد هو الحصول على الهاتف الجوّال.

وقد لا نستطيع اليوم منع هذه الظّاهرة، لكنّنا يجب أن نكون متيّقظين للحدّ من خطورتها، فنحرص على جعل استخدام الهاتف الجوّال مخصَّصًا للألعاب التعليميّة والمحتويات الثقافيّة التي تنشر الوعي وتُحافظ على القيم والأخلاق، ثمّ نقلّص الوقت الذي يقضيه الولد أمامه، ونسعى إلى الاهتمام بالنّشاطات الرياضيّة والاجتماعيّة لنعوّد الطّفل على التّفاعل مع الآخرين وتكوين الصّداقات، لأنّ وجود الأصدقاء يقوّي شخصيّته، ويزيد ثقته بنفسه، ويمنحه القدرة على حلّ المشكلات، ومواجهة الأزمات، ويعلّمه أهميّة التّعاون، كما أنّه يُبعد عنه الملل، ويلعب دورًا مهمًّا في تنمية قدراته العقليّة.

وهكذا نجد أنّ هذا العصر يفرض علينا العمل بجدّ للمحافظة على القيم الإنسانيّة وتعزيزها في مجتمعاتنا، وتربية أولادنا على الصّدق والأمانة والوفاء، والاعتناء باختيار الأصدقاء، فالهاتف المحمول قد يُشكّل وسيلة اتّصال تُقرّب المسافات، وتُسهّل التّواصل بين البشر، لذا نستطيع الاستفادة منه لنُعمّق علاقاتنا بأصدقائنا، فهو يُساعدنا في معرفة أخبارهم والاستفسار عن أحوالهم، لكنّه لا يُغني عن لقائهم، وتخصيص الوقت الكافي للاهتمام بهم، والسّعي إلى الابتعاد عن اختصار حديثنا معهم برسالة نصيّة قصيرة يبهت ضوؤها مع مرور الزّمن، ويتركنا في كنف العزلة التي تملأ أيّامنا بالوحدة وأعيننا بدموع القلق والكآبة، فالمرء يسعد بوجود رفاق صالحين يتعاون معهم على فعل الخير واجتياز المصاعب،  فهل سيُدرك الإنسان المعاصر مخاطر الابتعاد عن أهله وأصدقائه؟

أ.د. سميرة صلاح (أستاذ الكمان العربي، معهد الموسيقى العربية أكاديمية الفنون – مصر)

الصداقة في الأدب والتراث العربي بين الماضي والحاضر

تُعَرَف الصداقة لغويًّا بأنها علاقة مودّة ومحبة وإخلاص بين الأصدقاء، وهي من الفعل (صَدَقَ، يَصْدُقْ) فهو صادق، أي قال الحقيقة. فالصديق من يَصْدُق دائماً ولا يكذب أو يضلل من يصادقه أي من كان صديقا له. والصداقة الحقيقية هي كنز لا يُقدّر بثمن، فهي علاقة مبنية على المحبة والصدق والإخلاص والتضحية والأخلاق الحسنة.

وتَعرف صديقك المخلص عندما يكون معك في السرّاء والضرّاء، ويدعمك بكل استطاعته ويقدّم لك النصح بصدق ويساعدك على تجاوز الصعاب والمواقف المؤلمة التي تمرّ بها في حياتك، وتستمر علاقته بك رغم الاختلاف في الرأي، ويتميز بالتسامح عند الخطأ لاستمرار العلاقة وجعلها وثيقة لا تتأثر ولا يعكر صفوها شيء.

وكذلك الوفاء حيث يبقى مخلصًا مهما كانت الظروف والأمانة في حفظ الأسرار، وهناك مقولة لـ “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه وأرضاه (لاتأمننّ لأحدٍ حتى تراه في ثلاث: شدة تصيبك أو نعمة تصيبه أو جفوة بينكما).

فالصداقة الحقيقية لا تقوم على المصالح بل على التفاهم والاحترام المتبادل فهي كالشجرة المثمرة التي تظلّك بظلها وتمنحك ثمارها.

أهمية الصداقة

والصداقة مهمة جدًّا في تكوين النفس لجميع الأطراف فهي تعطي الدعم العاطفي والثقة بالنفس لتحقيق النجاح المنشود، والصداقة تحتاج إلى من يعرف معنى الوفاء، ويحضرني أنموذج للوفاء النادر وهو (الكلب الوفي)، فجميعنا نعرف أن الكلاب تتمتّع بالوفاء لصاحبها وربّما لا يتمتع به الكثير من بني آدم، حتى إننا إذا سمعنا أو رأينا شخصًا تمتع بالوفاء لزوجته التي فارقت حياته بالوفاة أو بالانفصال فإننا نتعجب لهذا الوفاء.

والصداقة تكون بين أفراد المجتمع الواحد وبين المجتمعات وبين البلاد، وتكون بين الرجل وصديقه، وبين المرأة وصديقتها وبين الأطفال وبين الزملاء في العمل الواحد (رجل وامرأة) أو الجامعة أو الكلية أو المدارس المختلطة (شباب وشابات)، فعندما يكون الإنسان متديّناً ومتمسّكاً بتعاليم دينه ومتلقّياً تربية دينية فإنه سيعرف حدود التعامل مع الآخر وسينجو من الانفلات والوقوع في الرذيلة.

الصداقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي

هناك بعض المشاكل التي تقع بسبب وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً والصداقات الوهميّة والتّعارف بين الرجال والنساء والشباب والشابات.

والصداقة قديماً قبل الانفتاح وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي كانت آمنة حيث عدم الاختلاط،  فكان هناك مكان للتّزاور للرجال ومكان للنساء، وعندما انفتح العالم على مصراعيه انتشرت الجرائم بأشكالها المختلفة، وذلك يرجع إلى البُعد عن الدين وعدم التمسك بالأخلاق الحسنة والفضيلة وحسن الجوار، ولكن الصداقات عبر الفيس بوك وعبر وسائل التواصل الاجتماعي لها منافع كما لها من أضرار، فإذا استُخدِمَت بفهمٍ ودراية كالبحث في معلومة معيّنة أو موضوعات دينية أو سياسية أو اجتماعية مهمة كان ذلك منفعة، وأما إذا انجرفنا مع كل ما نراه في المواقع كان هذا مضيعة للوقت وضرراً كبيرا.

ومن الأضرار أيضا التي يتعرض لها بعض الأشخاص أن يتعرف على إحدى الفتيات ويعرض عليها الزواج ولا يدري ما سيترتب عليه ذلك من أضرار نفسية بالغة إذا لم يكن جادا في الأمر، ولو خاف ابن آدم من النار كما خاف من الفقر أو من أي شيء يخشاه لنجّاه الله وحفظه ومتّعه بأنسه.

ومن أبرع من كتَب عن الصداقة (أبو حيان التوحيدي البغدادي)، وهو فيلسوف وأديب بارع من أعلام القرن الرابع الهجري، وقد امتاز بوفرة ثقافته وجمال أسلوبه وحدّة ذكائه، كما امتازت مؤلفاته بتنوع المادة وغزارة المحتوى.

ومن أبرع ما كتَب كتاب “الصداقة والصديق”، وقد مرّ “التوحيدي” في حياته بأحداث آلمته وأوجعته من أهل زمانه حتى قرّر اعتزال الناس سنين طويلة، وبعد ذلك بدأ يفتّش عن الصداقة واهتم بموضوعاتها اهتماماً عظيماً، وكان رأيه في الصداقة بين فئات الطبقات أنها إذا خلت من التنافس غير الشريف والتحاسد وظهر منهم الوفاء حينئذ تصحّ لهم الصداقة، فالصداقة الحقيقية تبعث الثقة المتبادلة وتخلق بدورها طمأنينة وسكوناً بين الأصدقاء.

الصديق الضار

ويُعرف الصديق الضار من النافع بأنه دائم الانتقاد لجميع أعمالك ودائم البحث والإشارة إلى عيوبك وأخطائك، فعليك أن تتحاشاه وتتجنّبه وتعيد التفكير في علاقتك به لما سيصيبك منه من أذىً وألم أنت في غنىً عنه، فوضعُ حدٍّ في التعامل مع الشخص الضار يحافظ على صحتك ومزاجك ويعينك على أداء أفضل في حياتك.

الصداقة في الأدب

اهتم الأدباء والمثقفون وعلماء النفس بالكتابة عن الصداقة فَوُصِفَت بأنها جسر يمرّ عبره الآخرون في علاقاتهم، فتنشأ أدقّ الجماليات من خلال التواصل النفسي والفكري والأخلاقي.

وقد خصص “ابن المقفع” في كتابه (الأدب الكبير) باباً بعنوان (معاملة الصديق) ركّز فيه على آداب التعامل مع الصديق وأهمية الصداقة والأصدقاء.

وعَرّفَ “أرسطو” الصداقة بأنها عطف متبادل بين شخصين حيث يريد كل منهما الخير للآخر.

وقد صوّر عالم النفس “داڤيز” عندما رأى أن الحب والصداقة متشابهان في وجوه كثيرة ويختلفان في مظاهر أساسية تجعل من الحب علاقة أعمق ولكنها أقل استقراراً فأشار إلى أنَّ الحب صداقة يستوعب كل مكوّنات الصداقة ولكنه يزيد عليها (الشغف والعناية)، وأنَّ هناك خصائص مشتركة بين الحب والصداقة وهي الاستمتاع برفقة الطرف الآخر وتَقَبُله كما هو.

من أقوال الحكماء والأدباء في الصديق والصداقة

قال “جبران خليل جبران”: من لم يكن صديقاً لنفسه كان عدوًّا للناس.

وقال “ليوناردو دافنشي”: لُمْ صديقَك سِرًّا وامدحهُ أمام الآخرين.

ومن أقوال الشعراء في الصداقة، قال الإمام “الشافعي”:

سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها — صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا

وقال الشاعر “القروي”:

لا شيء في الدنيا أَحَبُّ لناظري — من مَنْظَرِ الخِلّانِ والأصحابِ

وأَلَذُّ موسيقى تَسُرُّ مسامعي — صوتُ البَشيرِ بِعَوْدَةِ الأَحْبابِ

وقال “المتنبي”:

أُصادِقُ نَفسَ المَرءِ مِن قَبلِ جِسمِهِ — وَأَعرِفُها في فِعلِهِ وَالتَكَلُّمِ

وَأَحلُمُ عَن خِلّي وَأَعلَمُ أَنَّهُ — مَتى أَجزِهِ حِلماً عَلى الجَهلِ يَندَمِ

الصداقة ولين القلوب

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَهُ”. وهذا يدل على أهمية هذا الخُلُق (الرفق) وحاجة الخلقِ إليه في سائر شؤونهم، والرفق هو لين الجانب بالقول والعمل واللطف في اختيار الأسلوب وانتقاء الكلمات وطريقة التعامل مع الآخرين من أهل وأقارب وأصحاب وجيران، وحتى مع الخصوم والأعداء فإنَّ استخدام الرفق في الأمور يؤدي إلى أحسن النتائج.

وأما استخدام العنف والغلظة في التعامل فإنه يُفسد الأمور ويزيد من تعقيدها، فإن كان الصديق متمتّعاً بالرفق واللين متسامِحاً عند الخطأ والزلّات فإنه نِعْمَ الصديق، فالصديق الحقيقي الذي يبقى معك عند الشدائد وليس في المصالح فقط.

ومن أمثلة الصداقة المتينة والوفاء: صداقة أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت من أفضل وأقوى الصداقات، وقد لقّبه النبي عليه الصلاة والسلام بـ (الصديق). فعندما تمّت حادثة الإسراء والمعراج، وحَدَّثَ بها النبي الكريم، قال المشركون: “كيف هذا ونحن نسير شهراً حتى نصل إلى بيت المقدس؟”. وعندما حدّثوا أبا بكر عن هذا الخبر، وقالوا إنَّ صاحبك يزعم أنه أُسْرِيَ به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، قال: إن كان قال ذلك فقد صدق.

وكان رضي الله عنه صديقا حميمًا لرسول الله عليه الصلاة والسلام قبل البعثة وفور أن دعاه الرسول إلى الإسلام، أسرع باعتناقه فورًا ولم يتردّد في قبول الدعوة والدخول في الإسلام.

وتلك شهادة الرسول عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وهذا أنموذج مضيء على الصداقة والإخلاص والثقة ودعم الأصدقاء.

 

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية – لبنان)

الصداقة.. قيمة إنسانية عبر العصور

الصداقة رمزٌ وقيمة اجتماعية وأخلاقية جوهرية يحتاجها الإنسان منذ ولادته وحتى آخر يوم في حياته. وعلى الرّغم من اختلاف تعريفاتها باختلاف العصور، إلا أن هناك إجماعًا على أن الصّداقة علاقة إيجابية تُسهم في تطور الإنسان، ونقل الأفكار عبر التاريخ، ومساندته للاستمرار.

وقد تناول الفلاسفة الصداقة باعتبارها من أعمق العلاقات الإنسانية، حيث رأى “أفلاطون” أنها تقوم على الخير والجمال وتعكس روحانية سامية بين الأفراد، بينما اعتبرها “أرسطو” علاقة متبادلة قائمة على المنفعة والمتعة والفضيلة. في الفلسفة الحديثة، يُنظر إلى الصداقة كعلاقة معقدة تتأثر بالسياق الاجتماعي والثقافي، لكنها تظل عنصرًا جوهريًّا في الحياة الإنسانية.

تناول الأدب العالمي والعربي الصّداقة بوصفها علاقة إنسانية عميقة، وقد تجلّت في الرّوايات والشعر والمسرحيات وحتى الرّسائل الأدبية. في الشعر الجاهلي، عبّر “عنترة بن شداد” عن أهمية اختيار الصّديق الماجد بقوله:

إذا صاحبتَ فاصحبْ ماجِدًا — يسودُ بحِلمِهِ إن جُهِّلوا

وفي العصر العباسي، تناول “الجاحظ” في كتابه “البيان والتّبيين” و”أبو حيان التّوحيدي” في كتابه “الإمتاع والمؤانسة” الصّداقة وعلاقتها بالحكمة والأدب. أما في الأدب الغربي، فقد صوّر “شكسبير” الصداقة ممزوجة بالمكائد والخيانات في مسرحيّتَي “هاملت” و”يوليوس قيصر”، بينما جسّد “فيكتور هوغو” في روايته “البؤساء” الصّداقة المبنية على التّضحية والمواقف الإنسانية. كما كان للصداقات الفكرية دور كبير في نقل المعرفة، مثل رسائل “جبران خليل جبران” و”مي زيادة”، أو مراسلات “غوته” و”شيلر” التي عكست تأملاتهما الفكرية.

تؤكد الدّراسات النّفسية أن الصّداقة تساهم في تقليل الشعور بالوحدة والاكتئاب، وتعزز تقدير الذّات، وتدعم الجوانب العاطفية والاجتماعية للإنسان. كما تمرّ الصّداقة بمراحل تطورية بين الطفولة والشباب، وتؤثّر في الشّخصية والسّلوك.

تُعد الصّداقة قيمة إنسانية سامية في الأديان السّماوية، حيث يشدّد الإسلام والمسيحية على أهمية العلاقة المبنية على المحبة والصدق والتّعامل الحسن. ففي الإسلام، من أسمى نماذج الصّداقة علاقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي رافقه في هجرته إلى المدينة المنوّرة، وورد ذكره في القرآن الكريم: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40). وكذلك صداقة النبي الكريم مع الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، الذي نام في فراشه ليلة الهجرة مُضحّيًا بنفسه.

كما أكد الإسلام أن الصداقة تمتد إلى الآخرة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “سبعة يُظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه” (رواه البخاري ومسلم).

أما في المسيحية، فقد كان للمسيح (عليه السلام) صداقة عميقة مع تلاميذه، وقال لهم: “لا أعود أسمّيكم عبيدًا، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني قد سمّيتكم أحبّاء” (يوحنا 15:15).

وهكذا، تُظهر الأديان أن الصّداقة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل رابطة روحية وأخلاقية تقوم على المحبة والتّضحية.

مع تطور التّكنولوجيا ووسائل التّواصل الاجتماعي، نشأت أشكال جديدة من الصّداقات، وهي صداقات افتراضية تتجاوز الحدود الجغرافية والزّمانية. تتيح هذه الوسائل للأفراد التّفاعل والتّواصل مع الآخرين من مختلف أنحاء العالم، حتى وإن كانوا من ثقافات ولغات مختلفة. في الماضي، كانت الصداقات تُبنى عادة على اللقاءات المباشرة والتفاعل الشخصي، لكن في العصر الرّقمي أصبح بالإمكان بناء علاقات صداقة قوية عبر الإنترنت.

تتميز الصداقات في العصر الحديث بتبادل الأفكار والثّقافات بين أفرادٍ من جنسيات وديانات متنوعة، ما يعزّز الفهم المتبادل ويساهم في تقليص الفجوات بين الشعوب. من خلال منصّات التواصل مثل: الفيسبوك، تويتر، إنستغرام، والعديد من المنتديات الإلكترونية.. أصبح من الممكن تكوين صداقات قائمة على الاهتمامات المشتركة، سواء كانت فكرية أو ثقافية أو حتى نفسية.

رغم أن هذه العلاقات قد تبدو غير شخصية في البداية، إلا أنها تتيح للأفراد فرصة التّفاعل على مستوى عميق. إذ يُمكن للمرء أن يشارك أفكاره وآراءه مع شخص آخر يتّسم بالاهتمام المشترك، مما يعزز التّواصل الفكري ويدعم التّواصل العاطفي. كما أن بعض هذه الصّداقات تتجاوز الفضاء الافتراضي لتتحوّل إلى علاقات واقعية، حينما تقوى الرّوابط بين الأفراد.

في هذا العصر الرقمي، شهدنا أيضًا ظهور الصّداقات التي تدعم الصّحة النّفسية، حيث يسهل للأشخاص التّفاعل مع الآخرين الذين يشاركونهم الظّروف أو التّحديات نفسها. فيمكن لأشخاص يعانون من التّوتر أو القلق أن يجدوا دعمًا معنويًّا من أصدقاء افتراضيين يقدّمون الاستماع والنّصح. كما تتيح هذه المنصات للأفراد أن يكونوا أكثر صراحة في التّعبير عن مشاعرهم، إذ لا يوجد أحيانًا حاجز اجتماعي كما هو الحال في اللقاءات المباشرة.

الصّداقة ليست مجرد علاقة عابرة، بل هي رابطة إنسانية تتجذر في القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتسهم في نمو الإنسان فكريًّا ونفسيًّا. سواء في الفلسفة أو الأدب أو الدّين، تظل الصّداقة أحد أهم أسس الحياة الإنسانية، حيث تمنح الأفراد القوة والدعم، وتجعل الحياة أكثر معنى ودفئا.

رابط دائم
https://elayem.news/lq1ib